لطمة خليجية للإخوان الانقلابيين 1

IMG_0132

بيان وزارة الداخلية السعودية الأسبوع الماضى باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، يعتبر نقطة الذروة فى مسلسل معقد ومتشابك من العلاقة لجماعة الإخوان المسلمين فى منطقة الخليج.

ظلت العلاقة بين دول الخليج والإخوان قائمة على الإيواء والاستفادة من قدرات الإخوان التعبوية والإدارية، كما فى مثال إنشاء رابطة العالم الإسلامى 1962، وكان من أبرز أعضاء المجلس التأسيسى سعيد رمضان، صهر حسن البنا، ورائد المراكز الإخوانية فى أوروبا.

كان ذلك فى عهد الملك سعود، وتعززت العلاقة فى عهد الملك فيصل، وكانت السعودية سباقة فى الشفاعة للإخوان عند سلطات مصر، منذ حسن الهضيبى إلى سيد قطب. فى حرب الخليج الثانية، وحينما غزا صدام الكويت كان أول شرخ فى علاقة السعودية بجماعة الإخوان، أولاً بسبب انحياز بعض فروع الجماعة بشكل علنى لطرف صدام حسين ضد السعودية والكويت، وثانياً بسبب استغلال تلاميذ مدرسة وثقافة الإخوان بالسعودية الظرف بتثوير المجتمع وانتهاز الفرصة للحصول على مكاسب سياسية واجتماعية، كما تجلى ذلك فى محاضرات سفر النحو وعوض القرنى وسلمان العودة.

تنامت دعايات الإخوان فى الخليج مع بداية ما سمى «موسم الربيع العربى» منذ ديسمبر 2010، واستغلال جماعات الإخوان فى تونس ومصر وليبيا واليمن لحالة الفوضى الأمنية والسياسية للصعود للحكم، ثم فشل جماعة الإخوان فى الاستمرار باستثمار هذا الوضع فى مصر، وثورة الشعب عليهم.

تنامت الدعاية الإخوانية فى الخليج والسعودية فى محاولة لنقل المشهد السياسى المصرى والتونسى واليمنى المضطرب، ومن ثم الاستفادة من هذه الفوضى سياسياً، إلى دول الخليج، معتمدين على ما يقال إنه رهان أمريكى «أوبامى» على جماعات الإسلام السياسى، وعلى دعم تركى قطرى مزدوج.

هنا أذكر مرة أخرى بموقف الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية السعودى الراحل الذى قال منذ ما يقرب من أحد عشر عاماً إن الإخوان المسلمين هم «أصل البلاء». يضيف الأمير نايف، فى تصريحاته التى أشير إليها: «من دون تردد أقولها: إن مشكلاتنا وإفرازاتنا كلها جاءت من الإخوان المسلمين». وأضاف: «الإخوان لما اشتدت عليهم الأمور، وعلقت لهم المشانق فى دولهم، لجأوا إلى المملكة فتحملتهم وصانتهم وجعلتهم آمنين، وإخواننا فى الدول العربية الأخرى قبلوا بهذا الوضع، لكن بعد بقائهم سنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس والجامعات، لكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس، وينشئون التيارات، وأصبحوا ضد المملكة!» ولم ينس أن يذكر بموقف الإخوان المسلمين المناور فى بداية غزو العراق للكويت.

حصار الإخوان في الخليج

المرشد العام للإخوان المسلمين

المرشد العام للإخوان المسلمين

بيان وزارة الداخلية السعودية الأسبوع الماضي باعتبار جماعة “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية، يعتبر نقطة الذروة في مسلسل معقد ومتشابك من العلاقة مع جماعة “الإخوان المسلمين” في منطقة الخليج.
وكانت العلاقة بين دول الخليج والإخوان قائمة على الإيواء والاستفادة من قدرات الإخوان التعبوية والإدارية، وحينما غزا صدام الكويت، كان أول شرخ في علاقة الخليج بجماعة الإخوان، بسبب انحياز بعض فروع الجماعة بشكل علني إلى طرف صدام حسين.
تنامت دعايات الإخوان في الخليج مع بداية ما سُمي بموسم الربيع العربي منذ ديسمبر 2010، واستغلال جماعات الإخوان في تونس ومصر وليبيا واليمن لحالة الفوضى الأمنية والسياسية للصعود إلى الحكم، ثم فشل جماعة الإخوان في الاستمرار باستثمار هذا الوضع في مصر، وثورة الشعب عليها.
تنامت الدعاية الإخوانية في الخليج في محاولة لنقل المشهد السياسي المصري والتونسي واليمني المضطرب، ومن ثم الاستفادة من هذه الفوضى سياسياً، إلى دول الخليج، معتمدين على ما يقال إنه رهان أميركي “أوبامي” على جماعات الإسلام السياسي، وعلى دعم تركي.
تجربة الإخوان في دول الخليج تبدو متشابهة في هذه الدول إلى حد كبير، في العهد الناصري هاجر الإخوان من مصر بعد صدامهم مع النظام ومحاولتهم القفز على الحكم والانقلاب عليه، وتُوسِّط لهم عند جمال عبدالناصر في أزمة الإخوان الأولى، ولكن الإخوان عادوا إلى المعارضة الشرسة فعاد الصدام من جديد، وجد أعضاء الجماعة الهاربون في الدول التي هربوا إليها سماء آمنة فنشروا وانتشروا واستطاعوا أن يتواجدوا خاصة في مجالي التعليم والاقتصاد، وسيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات تحديداً في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكذلك على العديد من المنابر الإعلامية ومنابر الدعوة، وانتشر أعضاء الجماعة وكونوا تنظيمهم وشعبهم تحت أعين الحكومات الخليجية في معظم الأحيان، ولم يدركوا وقتها أنهم يربون ثعباناً داخل ثيابهم، اعتقدوا أن مزيجاً من الدعم والاستيعاب يمكن أن يضمن لهم مناخاً مستقراً، لم يدركوا وقتها أنهم يحولون الخليج إلى مناطق تمركز وانطلاق جديدة لتنفيذ مخططاتهم.
وفي عام 1971 عُقِد اجتماع موسّع للإخوان، تَشَكّلت فيه ملامح التنظيم الإقليمي، الذي ضمّ إخوانًا آخرين من البحرين والإمارات والكويت، وعلى الرغم من هذا التوسع الجغرافي في التنظيم اعتقد كثيرون أن دور الإخوان الخليجيين لم يزد على جباية الأموال.
لكن الحقيقة أن جماعة “الإخوان المسلمين” الخليجية لم تعد تلك التي تجمع التبرعات والصدقات في الشوارع العامة والجوامع والمساجد، ولا يقتصر عملها على كفالة الأرامل والأيتام، ولكن اليوم أصبحت ذراعاً سياسية واقتصادية للجماعة الأمة في مصر، والأخطر أنها تبنت الفكر الانقلابي في دول مجلس التعاون، كما صرح وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وهذه الحقيقة لا يمكن إخفاؤها، ولا يمكن نفيها، ولا يمكن تكذيبها حتى من أقرب المقربين من جماعة الإخوان، ولمن شاء فلينظر إلى تحركاتها الحثيثة للسيطرة على مفاصل دول مجلس التعاون وأبرزها الموارد البشرية، واستعدادهم للانقضاض على حكومات المنطقة متى ما سنحت الفرصة.
جماعة “الإخوان المسلمين” في الخليج العربي لها ارتباط بالتنظيم الأم في مصر، وتحمل نفس الفكر الانقلابي في مصر، ويتعجب البعض من الارتباط العضوي مع الجماعة الأم والتنظيم الرئيسي، والحقيقة أنه مثلما أن جمعية الوفاق لها ارتباط عضوي بحزب الدعوة (العنفي) العراقي، فإن جماعة “الإخوان المسلمين” تحمل نفس الفكر للتنظيم الرئيسي، بل إن تحركهم الأخير في دولة الإمارات العربية المتحدة بلغ الخطوط الحمراء إلى درجة التحذير العلني من وزير الخارجية.
دولة الإمارات كشفت عن خيوط المؤامرة التي تديرها جماعة الإخوان، وألقت القبض على شبكة انقلابية تضم ستين فرداً من جماعة إخوانية تسعى للإطاحة بالحكومات الخليجية، خاصة أن جماعة الإخوان لا تؤمن بالديمقراطية ولا التعددية ولا الدولة المدنية، وهذا ما حذرت منه دولة الإمارات حينما رأت الأصابع الإخوانية وهي تحاول تعكير صفو الأمن في الدولة الأكثر استقراراً ورخاءً بين دول الخليج العربي.

لماذا تدعم قطر الإرهاب؟

imagesأخطأ الكثيرون عندما ظنوا أن تغيير نظام الحكم فى قطر ستتغير معه استراتيجية الحكم فى الدولة الصغيرة، وأن رحيل الأمير الأب ورئيس وزرائه وخارجيته يعنى أن الأمير الصغير قادم باستراتيجية جديدة فى التعامل مع منطقة الشرق الأوسط، ونظام الإخوان المسلمين، الذى دعمه والده لسنوات طوال. لكن الحقيقة التى اكتشفها الجميع بعد مرور أشهر على التغيير «الشكلى» للحكم فى قطر لم تغير شيئاً على أرض الواقع، وأن الاستراتيجية التى تتبعها قطر لمعاداة الدول العربية مستمرة فى دعم الإرهاب، ممثلاً فى الإخوان أو حتى الجماعات الإرهابية، كتنظيم داعش فى سوريا، أو تنظيم القاعدة.

هذا الأمر يعنى أحد شيئين: إما أن تغييراً لم يحدث وأن الأمير الوالد- كما يطلق عليه- مازال يحكم، أو أن الأمر أكبر من قطر ذاتها، التى خسرت جميع من حولها بسبب دعمها للإخوان والإرهاب، حتى إنها خسرت أقرب الدول إليها، وهى السعودية والبحرين والإمارات، التى قامت مؤخراً بسحب سفرائها من الدوحة، وهو ما لم يثن قطر أيضاً عن تغيير استراتيجيتها التى تضر بأمن الخليج- بحسب ما قال بيان الدول الثلاث.

الأكيد هو أن قطر أصبحت دولة داعمة للإرهاب فى المنطقة، فهى مازالت تستقبل وتضم وتدعم جماعة الإخوان المسلمين، التى أعلنتها مصر والسعودية جماعة إرهابية، وتمنح أعضاءها الجنسية، وتجعل مساجدها منابر لهم لكى يمارسوا من خلالها إرهابهم، والأكيد أيضاً أن الإخوان تغلغلوا داخل النسيج القطرى، فقبل أيام أيضاً حكم بالسجن على الإخوانى القطرى محمود الجيدة، فى الإمارات، بالسجن 7 سنوات بتهمة تشكيل تنظيم محظور، وهو ما يكشف أيضاً عن تغلغل الإخوان داخل نسيج المجتمع القطرى والسماح لهم بالسيطرة على المؤسسات بما فيها الإعلام.

لكن سياسة قطر لا تدعم الإخوان فقط، فهى تدعم كل ما هو متطرف، فهى لا تكف عن تغذية الاضطرابات فى اليمن بدعمها للحوثيين، وأيضاً تدعم الشيعة فى البحرين ومظاهراتهم، وتدعم اضطرابات فى شرق السعودية، وتدعم تنظيم داعش فى سوريا والعراق (تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام)، وجبهة النصرة، التى تعتبر فرعاً محلياً للقاعدة، ويتم إرسال المقاتلين والسلاح لها عبر قنوات تهريب كانت تستخدم فى السابق لتهريب الأسلحة إلى حركة حماس من سوريا، وباستخدام نفس المهربين السوريين المحسوبين على جماعة الإخوان، هذا كله فى الوقت الذى تتقارب فيه سياسياً مع إيران، ليبدو الأمر وكأنها لا تدعم المتطرفين السنة، ممثلين فى داعش والإخوان، بل تدعم الاضطرابات الشيعية فى المنطقة، وكأنها تغذى وجود منطقة مضطربة، تقوم على صراع دينى ما بين السنة والشيعة.

الأمر لا يتوقف فقط على منطقة الخليج، فمن المعروف أن قطر تمول المسلحين من المتمردين فى ليبيا والصومال، كما أن الأحداث الأخيرة فى مالى أشارت إلى تورط قطر فى تدريب وتسليح التنظيمات الإرهابية، والمعلومات الأكثر خطورة هى التى نشرتها مجلة لو كنار انشين الفرنسية، وتتعلق بقيام قطر بتمويل الجماعات المسلحة ودعمها مثل أنصار الدين وأزواد والجهاد فى غرب أفريقيا، والقاعدة فى المغرب الإسلامى والاستقلال والمساواة، إضافة إلى قيام قطر بتدريب مقاتلى مجموعة محددة، وهى مجموعة أنصار الدين التى تمثل فرعاً محلياً للقاعدة.

من ينظر إلى ما فات يجب أن يتساءل، ليس عن علاقة قطر بالإخوان فحسب، بل عن علاقتها بالإرهاب فى المنطقة كلها.

لو كان مرسى أول رئيس أوكرانى منتخب لاختلف الوضع

قوى معارضة: رئاسة مصر فشلت بادارة ازمة سد النهضة

فى زمان آخر، ومكان آخر، كان هناك رئيس وزراء أوكرانى يدعى فيكتور يانوكوفيتش، قرر أن يخوض الانتخابات الرئاسية فى عام 2004، لكنه واجه مظاهرات حاشدة طالبت بعزله، ونفذتها المعارضة بعد تعليق حكومته توقيع اتفاقية للتجارة الحرة والشراكة مع الاتحاد الأوروبى.

فى عام 2009 أعلن يانوكوفيتش عزمه خوض الانتخابات الرئاسية مرة أخرى، التى أجريت فى العام التالى 2010، والتى فاز فيها على منافسته يوليا تيموشينكو بنسبة 3.48%، حيث حصل على 48.95%، وحصلت يوليا تيموشينكو على 45.47%، ثم مرت الأيام والسنوات، وخرج شعبه ضده فى مظاهرات حاشدة فى الشوارع، وقرر عزله، وهو ما تم بالفعل فى النهاية، وهكذا فقد تمت الإطاحة به مرة فى أوائل القرن الماضى وعاد للسلطة مرة أخرى قبل أن تتم الإطاحة به مرة أخرى قبل أيام، وعقب الإطاحة به قامت دول الاتحاد الأوروبى بتجميد أرصدته، وأرصدة رجاله، كما اعترفت المفوضية الأوروبية على الفور بشرعية ألكسندر تورتشينوف كرئيس مؤقت لأوكرانيا، وقامت دول الاتحاد الأوروبى تدعم مئات الآلاف من الأوكرانيين الذين يناضلون من أجل قيم أوروبية، مثل حرية التعبير عن الرأى.

وفى مشهد آخر، فى زمان قريب، نعرفه جيداً، ومكان نحفظ دروبه، وصل محمد مرسى إلى سدة الحكم فى 30 يونيو 2012 عبر شرعية مشكوك فيها، ومحاولات مستميتة لأخونة الدولة وتشويه المعارضة، وحبس للحريات وإصدار إعلان دستورى ديكتاتورى، وبعد عام كامل من الاحتجاج ضده خرجت مظاهرات حاشدة فى 30 يونيو 2013 للإطاحة به، فى مشهد شهدت فيه وكالات الأنباء العالمية بأنها كانت المظاهرات الأكبر فى التاريخ، وهو الأمر الذى انتهى بعزله، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً مؤقتاً للبلاد حسبما ينص دستور البلاد.

غير أن رد الفعل القادم من الاتحاد الأوروبى كان مختلفاً هذه المرة، ومازال بعضه مختلفاً، رغم مرور أكثر 8 أشهر على الثورة الشعبية المصرية، ورغم استفتاء شعبى كاسح، كان بمثابة الاستفتاء على خارطة الطريق التى أعقبت عزل الإخوان.

المقارنة بين المشهدين السابقين لا تكشف فقط سياسة الكيل بمكيالين التى يتعامل بها الاتحاد الأوروبى، فرغم تشابه المشهدين إلا أن الموقف الأوروبى كان مختلفاً تماماً، ففى المشهد الأوكرانى يزعم أنه يساند «مئات الآلاف من الأوكرانيين»، وفى المشهد المصرى يغض الطرف عن آلاف المصريين الذين خرجوا فى الشارع، فى المشهد الأوكرانى يسارع بتقديم المساعدات الاقتصادية بتقديم 11 مليار يورو لدعم اقتصادها، وفى المشهد المصرى تسارع بعض دول الاتحاد الأوروبى بوقف المساعدات العسكرية، فى الوقت الذى تواجه فيه مصر حرباً ضروساً ضد الإرهاب فى سيناء تستهدف الجنود والمواطنين الأبرياء.

المقارنة السابقة تكشف أن الموقف الأوروبى، والانحيازات السياسية للاتحاد الأوروبى، ليست ناجمة عن انحياز للحريات وإرادة الشعوب، وإنما ناجمة عن النظر إلى الحرية فى الشمال بما يختلف عنه فى الجنوب، وعن طبيعة الشعب الذى يتم التعامل معه، وحدوده، ومصالحه السياسية، وربما لونه.

حكومة استكمال الطريق

images

أمر الناس أحيانا كثيرة، يطالبون بالأمر وينتقدونه إذا ما حدث، وكأن جزءاً من الرأى العام قد قرر أن يعيش على المتناقضات. فى مصر على الرغم من ارتفاع أصوات الكثيرين خلال الفترة الماضية، للمطالبة بتغيير الحكومة التى حملت اسم حكومة الببلاوى باعتبار رئيسها كان الدكتور حازم الببلاوى، واستبدال بعض الوزراء الذين لم يقوموا بما أمله الشعب منهم بعد ثورة 30 يونيو، فإن معظم هذه الأصوات عاد للارتفاع مرة أخرى احتجاجاً على إقالة حكومة الببلاوى التى لم تستطع أن تلبى احتياجات ومتطلبات الفترة الصعبة التى تمر بها مصر.

وعلى الرغم من دلالة ما سبق، وهو أن البعض يعارض أى قرار يصدر، فإن الحقيقة هى أن البلد فى حاجة ماسة إلى حكومة جديدة تستطيع أن تعبر بالبلاد المرحلة الصعبة المقبلة. لا أحد يستطيع أن ينكر أن حكومة الدكتور حازم الببلاوى تشكلت فى فترة حرجة، عقب سقوط نظام الإخوان الذى خرب البلاد، ولاشك أيضاً أن هذه الحكومة تحملت المسؤولية فى فترة صعبة، واستطاعت أن تتخذ قرارات صعبة مثل فض اعتصامى رابعة والنهضة وإعلان الإخوان منظمة إرهابية، وأن تعيد الثقة الدولية فى الاقتصاد المصرى بعض الشىء، لكن الحقيقة أيضاً أن الحكومة أصبحت فى الفترة الأخيرة تعانى من مشاكل كثيرة لم تستطع أن تقدم فيها حلاً، بداية من الإضرابات المتوالية فى شركات القطاع العام، مروراً بأزمات انقطاع الكهرباء والمياه والصحة، ومظاهرات الجامعات وغيرها. الأهم هو أن هذه الحكومة كانت قد تشكلت على مبدأ «المحاصصة السياسية» بين بعض القوى السياسية وإيجاد قدر من الترضية لبعض هذه القوى، وهو الأمر الذى نتج عنه وجود بعض الوزراء الذين شكلوا قدرا من الإعاقة فى حركة الحكومة، وسببوا قدرا ملحوظا من الإحباط لدى الرأى العام.

كل هذا دفع لأن تكون هناك حاجة ماسة لتشكيل حكومة جديدة، برئاسة واحد ممن شهد لهم الجميع بالكفاءة خلال الفترة الماضية إبان عمله وزيراً للإسكان، لمساهمته فى حل الكثير من المشاكل المتعلقة بهذا القطاع، فضلاً عن نشاطه وحركته الدائمة، أيضا ما حظى به من شعبية نتيجة أسلوبه فى إدارة الأمور، فقد بدا أمام المصريين مشمرا ذراعيه وسط مهندسيه وعماله ووسط الناس، وهو ما تحتاجه مصر فى الفترة المقبلة.

الحاجة الماسة لتشكيل حكومة جديدة تتبدى فى الحاجة إلى حكومة تستطيع التصدى لعنف الجماعات المسلحة فى الشارع المصرى، والتى تستهدف السياح والمواطنين الآمنين فى سيناء، حكومة تستطيع أن تعيد الأمن للجامعات، وتعيدها دُور علم وليس دُور عنف وإرهاب كما حولها تنظيم الإخوان، دور الحكومة المقبلة لا يقل أهمية عن الدور الذى لعبته حكومة الدكتور الببلاوى بعد ثورة 30 يونيو والإشراف على الدستور، إذ إن على حكومة محلب أن تقوم بالإشراف على الخطوة الثانية فى خارطة الطريق، وهى الانتخابات الرئاسية المنتظرة خلال الفترة المقبلة، وهى الخطوة التى تحتاج إلى استعدادات مكثفة، مع الحشد المضاد الذى يقوده تحالف تنظيم الإخوان ضد الدولة، وضد أن تسير خطوة واحدة للأمام.

مصر فى حاجة إلى حكومة جديدة يستطيع بها الرئيس القادم أن يكمل انطلاق مصر للأمام، وإكمال الخطوات التى اتخذت من قبل، حكومة تهتم فى الأساس باحتياجات المواطن العادى، ويكون تحقيق الأمن على رأس أولوياتها، مع المسيرات اليومية لتنظيم الإخوان لمحاولة هز صورة الأمن فى البلاد، والاهتمام بحل مشاكل الأجور والحد الأدنى وتطبيقه، حكومة تصارح الشعب بحقيقة الوضع الاقتصادى فى البلاد، وتدعوه إلى البناء بجوارها، يداً بيد، حتى تستطيع مصر أن تعبر المرحلة المقبلة.

خسارة الأغلبية لصالح أصحاب الصوت العالى

gavel

سادت عقب الاستفتاء على الدستور فى مصر خدعة مفادها أن من خرجوا للمشاركة فى الاستفتاء كانوا من السيدات وكبار السن، فى حين قاطع الشباب لأنهم غاضبون من الموقف العام ولديهم إحساس بأن جيل الآباء يسرق الثورة. كدت أن أكون من المخدوعين بما تم الترويج له بمسألة امتناع الشباب وغيابهم عن المشاركة، وتفنن البعض فى إيجاد أسباب لهذا الغياب، ، لكن الحقيقة أن هذا الغياب المزعوم لم يكن موجودا إلا فى أذهان الذين يروجون له، فالمتابع والقارئ لنتائج الاستفتاء سيجد أن نسبة الشباب المشاركين كانت طبيعية جدا، لكن الملاحظ أن أصحاب الصوت العالى منهم هم الذين غابوا، وعندما أتحدث هنا عن الشباب فإننى أقصد بهم الفئة العمرية، ولا أقصد هنا أصحاب الصوت العالى فقط، بل أقصد الشباب الذى يدرس والذى يعمل والذى يقف فى طوابير البطالة يبحث عن عمل، هؤلاء هم الشباب الحقيقى وليس فقط الذين يمتلكون قدرات صوتية ومنصات إعلامية ويحتلون مساحات فى مواقع التواصل الاجتماعى، لأننا إذا ما سلمنا بأن هؤلاء هم الذين يمثلون الشباب فإننا بذلك نؤسس لظاهرة احتكارية جديدة قوامها هذه المجموعة ذات الصوت العالى، بحيث يضعون قواعد ومعايير الصلاحية والشرعية فى أى موقف هى مشاركتهم من عدمه. هذه المجموعة من الشباب غابوا لإحساسهم بأنهم يفقدون أرضيتهم ومصالحهم، فقرروا الانتقام. لكن الحقيقة كما ذكرت أن الخلل هنا فى اعتماد هؤلاء كقوة مانعة أو دافعة لأى تحرك فى المستقبل فإن قوة الشباب الحقيقية هى أولئك الذين يقفون فى مواقع عملهم أو مواقع دراستهم أو أولئك الذين يقفون فى طابور الباحثين عن العمل، وليس هؤلاء الذين اعتبروا الصوت العالى والأسلوب الاحتكارى للتعبير عن مطالب الشعب هو الطريق.

دعوت من قبل إلى نبذ الخلاف، ومازلت أصر عليه، ولكن بشرط أن يكون ذلك دون تنازلات على حساب الأغلبية التى بدأ جزء منها يتحصن بالصمت، بعد أن ساد شعور لديهم بأنه قد يضحك بهم وبرغباتهم من أجل إرضاء بعض من يثيرون هذا القدر من الضجيج ويستخدمون غيابهم كفزاعة يخوفون بها من يعترضهم. هذه الحملة ذات الصوت العالى دفعت أطرافا متعددة فى الدولة وفى الإعلام إلى الاندفاع نحو إرضائهم، وهو الأمر الذى بدا كأنه مراضاة لتيار على حساب تيار، فلاحظنا أن بعض هذه الأصوات المسؤولة والإعلامية بدأت عملية نفاق لأصحاب الصوت العالى فى محاولة لكسبهم مرة أخرى، وطال هذا النفاق أشخاصا عليها العديد من الملاحظات فى أدائهم خلال الفترة الماضية، هؤلاء الذين يقومون بدور النفاق لهذه القوى الصوتية لا يعلمون وهم يسلكون هذا السلوك أنهم يخسرون مرتين، مرة عندما يخسرون تيارا كبيرا له ملاحظاته وتحفظاته ولكنه لا يملك صوتا عاليا، هؤلاء ستتحول مواقفهم إلى مواقف غير داعمة فى حدها الأدنى. وسيخسرون مرة أخرى قطاعاً كبيراً من الناس الذين يصيبهم الارتباك من تناقض المواقف، فيقررون الخروج من معادلة الفعل ليحتموا خلف حوائط الصمت، وهنا يعود ما اصطلح على تسميته الأغلبية الصامتة إلى التكون مرة أخرى، بعد أن نجحت ثورة المصريين فى يونيو فى إخراجها من دائرة الصمت إلى دائرة الفعل. على من يديرون مصر فى هذه المرحلة أن يدركوا أن البلد فى حاجة إلى التقدم إلى الأمام من أجل الأغلبية من المصريين الذين يريدون العيش بكرامة مرفوعى الرأس مستقلى الإرادة لا يحكمهم إلا صوت المصلحة الوطنية، لا الأصوات الزاعقة.