الإعلام والدولة.. من الجانى؟ (٢)

بقلم عبد اللطيف المناوي

كنت قد بدأت الحديث عن الإعلام والدولة، ثم توقفت عندما بدأت معارك متعددة الرؤوس والاتجاهات، خشيت أن يعتبر البعض أن ما أطرحه موجه ضد هذا أو ذاك فآثرت الانتظار إلى أن يهدأ غبار المعارك لأستكمل ما بدأت. هذا لا يعنى أن الأوضاع باتت أفضل، لكنها مساحة هدوء نسبى لأزمة مستمرة مازالت تتفاعل وقد تنفجر فى أى لحظة.

p1010061.jpg

اليوم سأتناول بعض الملاحظات العامة حول الوضع السائد فى علاقة الإعلام والدولة.

– غياب خطة مركزية لدور الإعلام فى المرحلة الانتقالية التى تمر بها مصر، وغياب مفاهيم الأمن القومى المصرى عن كثير من الإعلاميين.

– غياب مفهوم الدولة عن كثير من الإعلاميين فى كل مستوياتهم من القيادات، إلى القيادات الوسطى، إلى المحررين.

– لا يوجد تحديد لأولويات الدولة وخطة للتعبئة حول القضايا المهمة لحماية الأمن القومى.

– غياب دراسات رأى عام تحدد مشكلات المجتمع وتضع حلولاً لحالة الاستقطاب التى تتزايد بفعل إعلام جاهل غير منضبط.

– غياب منظومة تشريعية تضبط الأداء الإعلامى وتعاقب المخطى.

– غياب أى هيئة للتنظيم الذاتى للإعلاميين.

– غياب دور نقابة الصحفيين وحصرها داخل الصراعات السياسية.

– الخلط بين دور الإعلامى وأجهزة الأمن والتحقيق والقضاء فى أثناء أداء مهمته.

– لا يوجد تنسيق بين جهات الدولة أو القدرة على إيجاد جهة قادرة على ضبط خروج المعلومات والوثائق وتنظيمها قانونياً، وأصبحت هناك حالة من الفوضى من المعلومات والوثائق، وأصبحت اتهامات العمالة والفساد توزع على المصريين، حتى إنك تشعر بأن نصف المصريين عملاء أو يفكرون أن يصبحوا كذلك.

– لا توجد دراسات رأى عام مرتبطة بالعمل على الأرض ترصد وتقيس توجهات المواطنين وتطور حالتهم النفسية والاجتماعية، ليتم التعامل مع الجمهور بلغة خطاب جديدة مناسبة.

– غياب تدريب حقيقى للإعلاميين للتعامل مع الفترات الانتقالية وفكرة حماية الدولة والتعامل مع القضايا القومية.

– غياب الدولة على مواقع التواصل الاجتماعى بشكل منظم وفعال، هناك متناثرات لبعض المؤيدين تضر أحياناً كثيرة أكثر مما تنفع، لكن لا وجود بشكل منظم وفعال. وهناك تواجد لجهات فى الدولة يغيب عنها التنسيق والتواصل.

– هناك غياب تام لاستراتجية إعلامية للدولة، لا توجد أجندة، أو ملامح تتغير حسب الوضع لتحديد شكل التعامل مع الإعلام، «خاص- دولة».

– ينتاب معظم المسؤولين حالة من «الرعب» من وسائل الإعلام والإعلاميين، ويبدو هذا واضحاً فى سلوكهم وردود أفعالهم من أى انتقاد أو إشارة لعملهم، وهو ما يؤدى إلى «استئساد» من كثير من الإعلاميين الذين باتوا يعتقدون أن جزءاً من نجاحهم هو إرهاب المسؤول، ويكتمل النجاح بخضوعه للإرهاب

– هناك غياب واضح لدى الدولة ومسؤوليها لمفهوم التعامل مع وسائل الإعلام، بالإضافة إلى التنسيق بين مسؤولى الدولة بمختلف مواقعها.

– لا توجد أوراق سياسات خاصة بكل جهة، أو وزارة تحدد من خلالها ما الذى تقوله للإعلام وكيف تقوله.

– هناك غياب تام لسياسات تواصل مع الإعلام«communication plans».

– اللقاءات المباشرة المجمعة مع المسؤول فكرة جيدة، ولكنها ستفقد قيمتها وتأثيرها إذا لم يتم ضبطها وفقاً للرسائل المطلوب إيصالها بتحديدها أولاً، وضبط توقيتات التواصل.

– هناك عدم اهتمام جدى بعملية تنظيم الإعلام على أسس فهم علمية، ويبدو هذا من خلال حالة التخبط التى يعيش فيها الإعلاميون، ووجود أكثر من مجموعة، وأكثر من جهة مكلفة بتقديم مقترح لتنظيم الإعلام، وكل منها يدَّعى أنه على صلة بالدولة ومكلف بذلك، وللأسف هذا حقيقى.

تقرير بريطانيا عن الإخوان.. من هنا نبدأ

بقلم عبد اللطيف المناوي

تعامل البعض مع التقرير البريطانى بحالة من عدم الرضا عن محتواه، وقلل بعض آخر من أهميته، على الرغم من أنه أول موقف حاسم وقوى وحقيقى من دولة غربية ضد جماعة الإخوان المسلمين، بل جاء من الدولة التى يعتبرها البعض معقل «التنظيم الدولى» فى أوروباً.

Abdul-Latif-Al-Minawi

لا أحبذ أن يتم التعامل مع التقرير بشكل جزئى، بل يجب التعامل معه بشكل كلى، والنظر إلى محتواه الكلى، الذى يدين جماعة الإخوان لأول مرة ويعتبرها معبراً إلى تنظيمات التطرف، واعتباره أن أيديولوجية الإخوان وأنشطتهم تتعارض مع مبادئ بريطانيا من ناحية الديمقراطية، وسيادة القانون، والحرية الشخصية، والمساواة، والتسامح بين مختلف الأديان، بالإضافة إلى أنه يدفع الحكومة البريطانية للقيام بالعديد من الإجراءات، منها منع الأعضاء المرتبطين بالجماعة من الحصول على التأشيرة البريطانية، ووعود بإبقاء أنشطة الجماعة تحت المراقبة.

جاء التقرير فى لغة شديدة الإحكام، شديدة «الإنجليزية»، بكل ما تعنيه هذه الكلمات من انضباط، والتزام بالقانون، ربما لم يحمل التقرير عبارات طنانة وفضفاضة، لكنه أدان الإخوان، لاسيما أنه تتبع تاريخ الجماعة منذ نشأتها قبل أكثر من 80 عاماً، وخلص إلى أن مؤسسها حسن البنا قبل باستخدام العنف لأغراض سياسية ومنها تنفيذ الاغتيالات، وأشار التقرير إلى سيد قطب وترويجه لـ«عقيدة التكفير»، والسماح باللجوء للعنف لبناء «المجتمع المثالى»، وهى الأفكار التى نتج عنها «بروز الفكر التكفيرى»، وتأكيد التقرير على أن كثيراً من قيادات الإخوان الآن يؤيدون أفكار سيد قطب التكفيرية، وتوصل التقرير إلى سعى المرتبطين بالجماعة فى لندن إلى «إقامة دولة إسلامية».

التقرير لم يقل هذا فقط، بل أشار إلى أن الجماعة كثيراً ما اعتبرت بريطانيا «عدوة» أيضاً وكانت عدائية تجاهها، ثم بعد هذا وضع عدداً من المحددات أمام المملكة المتحدة، مثل منع ذوى الصلات بالجماعة من دخول بريطانيا، ووضع خطوطاً حمراء تحت أسماء مؤسسات وجماعات تروج لنفسها بأنها «خيرية»، ذكر العديد منها فى التقرير بالفعل، الذى اعتبرها متطرفة، كما وضع علامة استفهام بشأن الأفراد المنتمين للجماعة والذين يشغلون مناصب فى الجامعات والدوائر الحكومية فى بريطانيا.

توصل التقرير إلى كل هذا عن طريق قراءة تاريخ الإخوان، وتحركاتهم وأفكارهم، واللافت فى التقرير هو عمق التناول والتحليل، والاستنتاج القائم على معلومات ووثائق تاريخية، وهو ما يدفعنا جميعاً إلى ضرورة التعامل معه بشكل إيجابى، والاعتماد على ما فيه، والبناء عليه، والبدء منه لكى يصدر مثل هذا التقرير من دول أخرى غربية وأوروبية، ووقتها يمكن أن نقول إننا نجحنا فى محاربة الإرهاب.

أهمية هذا التقرير يمكن معرفتها من ردود فعل التنظيم الدولى للإخوان المرتبكة التى دفعتهم للاستعانة بفريق قانونى يترأسه محامى الدفاع البريطانى الشهير طيب على، لمتابعة موقف التنظيم قانونياً، وحماية أعضائه المقيمين فى لندن من الترحيل أو الإبعاد.

تقرير الإخوان هو انتصار حقيقى ضد التنظيم الدولى للإخوان فى معقلهم، ويكفى أنه يأتى فى الدولة التى يعتبرها البعض معقلاً وبيتهم الآمن، لذا يجب البدء منه، والبناء عليه، لكشف الأفكار التكفيرية التى تتبناها الجماعة فى باقى دول العالم، وهو ما يحتاج منا إلى مجهود كبير نضيعه فى انتقاد التقرير البريطانى.