عن الانتخابات والفهم والخديعة

بقلم عبداللطيف المناوى

انتخابات البرلمان المصري

هكذا حدث ما توقعته منذ نقضت الجماعة التزامها بعدم التقدم لمنصب الرئاسة، وقتها كان مرشحها رجلها القوى، ولما لم يتمكن من خوض الانتخابات اعتقد الكثيرون أن فرصة الجماعة قد انتهت، خاصة مع ما لمسه كثيرون من غياب صفات كانت موجودة فى مرشحهم الأساسى وغابت عن مرشحهم الاحتياطى. وقتها كانت رؤيتى بأن مصدر قوة مرشح الجماعة لا تأتى من الطبيعة الشخصية لهذا المرشح وإنما تأتى من أمرين أساسيين، الأول هو قدرة الجماعة على الحشد والتزام أعضائها السمع والطاعة، وقدرات مالية واقتصادية ساعدتهم دوماً على الانتشار فى مناطق فقراء مصر، فى الوقت الذى غابت فيه عن هذه المناطق دائماً كل الحكومات والأنظمة المتعاقبة والأحزاب والقوى المدنية على حد سواء. مصدر القوة الآخر هو تلك الحالة الملموسة وغير المسبوقة من ضعف وتشرذم كل القوى المدنية التى انشغلت فى الصراع والتخوين، وسيطر على معظمها حب الظهور بدلاً من البحث عن قواعد اتفاق مشتركة، بل وصل الأمر ببعض هذه القوى إلى إجراء تحالفات مع قوى أخرى من القوى غير المدنية تناقضاتها معها هى تناقضات جوهرية وتاريخية وفكرية، لذلك كان توقعى بفوز مرشح الجماعة، أياً كان اسمه.

قبل أن يطرح قارئ سؤالاً عن دور المجلس العسكرى ونتائج الانتخابات الأخيرة أبادر فأقول إن المجلس كان أيضاً هو أحد الأسباب الأساسية فى النتيجة التى استقرت عليها الانتخابات، ذلك أنه مارس السياسة دون خبرة حقيقية، واعتقد أنه يمتلك كل قدرات ومقومات إدارة العملية السياسية فى الوقت الذى أحدث فيه هذا خلطاً غير مسبوق حول مفهوم إدارة الدولة، وسيطر على أدائه مزيج من عدم القدرة على تحديد طبيعة القوى السياسية الحاضرة على الساحة أو تاريخها أو قدراتها، وظن أنه يمتلك القدرة على إدارة علاقته بهذه القوى واحتوائها أو الامتزاج معها، فانتهى الحال إلى استغلال بعض هذه القوى علاقته بالمجلس ثم تبرأ من هذه العلاقة عندما أدت الغرض منها، ورغبت هذه القوى فى الظهور بمظهر الضحية أو بمظهر الثورية. المشكلة الأخرى هى انصراف القوى المدنية عن التعاون مع الجيش، بل التفرغ للهجوم عليه وإضعاف موقفه، وفشل المجلس على الطرف الآخر فى احتواء هذه القوى.

أما نتيجة الانتخابات الأخيرة فهى تحمل التساؤلات والشكوك أكثر مما تحمل من إجابات، وهنا أقول إن نتيجة الانتخابات الأخيرة أياً ما كانت الملاحظات عليها باتت أمراً واقعاً ينبغى التعامل معه بشكل أو بآخر، ولكن مثلنا فى هذا مثل الشخص الذى عليه أن يواجه مصيره ولكن قبل ذلك لابد أن يفهم حتى يستطيع أن يستمر، وهذه هى رسالة أوجهها إلى من أدار شؤون البلاد والعباد والأحزاب والدستور والانتخابات.. من حق الجميع أن يفهم ماذا حدث، ولماذا حدث، الإجابة على كل التساؤلات المطروحة – وجميعنا يعرفها – لم تغير من نتيجة تحقيق الجماعة لحلمها، لكنها ستساعد كل الناس فى أن يستكملوا حياتهم وهم فاهمون وليسوا مخدوعين.

جبل الجليد الذى لم يذب بعد

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية قد أعلنت، وقت كتابتى هذا المقال، لكن الثوابت فى كل الأحوال لا تتغير، والمخاطر التى تواجهها مصر، وأبرزها خطر الانقسام – وهو ما ليس له علاقة باسم الرئيس القادم – لا تتغير أيضاً، بل تدعونا جميعاً إلى فتح أعيننا جيداً، والاستعداد للمواجهة.

لا أعلم حتى لحظة كتابتى هذه السطور من هو الرئيس الذى سيتكفل بمواجهة كل هذه التعقيدات السياسية التى تواجهها مصر. ليس مهماً من هو الرئيس، فمن أتى قد أتى، لكن المهم هو المشهد التالى، فكما سبق أن ذكرت من قبل، منصب الرئاسة ليس هو كل جبل الجليد، لكنه رأس الجبل، ويتبقى علينا إذابة بقية الجبل، وبالتالى فإن على الرئيس أن يستعد لأعلى مستوى من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بمعنى أننا يجب ألا نعطى قمة جبل الجليد أكبر من حجمها الحقيقى، فاسم رئيس مصر لن يكون هو الفارق الأكبر فى المرحلة المقبلة، لكن القوى السياسية الحاكمة هى التى ستحدث فرقاً وكذلك القوى السياسية الأخرى ومدى وجودها وتأثيرها فى المجتمع، فشخصية الرئيس لو جاءت مزيجاً بين كاريزمات رؤساء العالم ولم يمتلك أدوات لن يستطيع فعل أى شىء.

سبق أن ذكرت من قبل أيضاً أن الخطأ الرئيسى الذى وقع فيه الليبراليون والأقباط أنهم لم يتعاونوا وتركوا المجال مفتوحاً للإخوان حتى يتعاونوا مع المجلس العسكرى وليس مع جهة أخرى وهذا الخطأ يدفع الآن الجميع ثمنه، فما يبدو واضحاً الآن من انقسامات المشهد السياسى هو أن مصر تدفع ثمن عدم الوعى والإدراك السياسى لدى بعض الجماعات السياسية، باعتقادها أن التعاون مع القوات المسلحة هو من أشكال الخيانة الثورية، وهو ما جعل القوة الوحيدة التى استفادت من هذا الوضع هى جماعة الإخوان المسلمين، فيما خسر الليبراليون والأقباط والشباب والتيارات الثورية.

وبالتالى فإن السؤال يبدو فى ظل مطالبة قطاع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتسليم الكامل للسلطة هو كيفية الحفاظ على مدنية الدولة، بغض النظر عن اسم الرئيس القادم، فسواء كان الرئيس من التيار الإسلامى أو من خارجه، فإن هذا التيار أصبح لاعباً واضحاً فى المشهد السياسى، ولا يجب أن نتعامل معه بطريقة تدفعه إلى العودة للعمل السرى مرة أخرى، بل يجب إشراكه فى المشهد السياسى بالشكل القانونى الذى يجعل أفكاره ومصادر تمويله مطروحة للنقاش، والأخذ والرد بدلاً من الانغلاق على التنظيم، وفى الوقت الذى ندعو فيه إلى إشراك كل القوى السياسية، بما فيها القوى الإسلامية، للعمل معاً من أجل الوطن، عن طريق فتح باب النقاش، بشرط ألا يحاول أحد تغيير الهوية المصرية أو اختطافها.

مصر تسير نحو اكتمال البناء السياسى الصحيح للدولة، وهو ما ينبغى أن نعمل عليه لصالح الدولة فالقوى المدنية، مطالبة بأن تتحالف معا، وتجد اتفاقا للحفاظ على مدنية الدولة وتنوعها السياسى، والأيديولوجى والفكرى والاجتماعى والسياسى، وكما قلت سابقا حتى لا يحاول أحد اختطاف هوية الدولة.

أما المطلوب من المجلس العسكرى فى هذه المرحلة فهو تقديم خارطة طريق واضحة المعالم والتوقيتات والخطوات التى يجب أن يتم اتخاذها فى المرحلة المقبلة، وأن تكون هذه الخارطة تفصيلية الملامح يعكف عليها خبراء فى جميع المجالات ويستعين بكل من يمكن له أن يستعين به لرسم ملامح طريق يصل بهذا البلد الذى وضعناه بأيدينا فى مهب ريح عاصفة إلى بر الأمان.

مصر فى مواجهة خطر التشرذم

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
عندما كان يسألنى أى من الأصدقاء من ستنتخب فى انتخابات الرئاسة من بين المرشحين الذين كانوا مطروحين كنت أجيب: «سوف أنتخب مينا موحد القطرين»، وكان الحديث ينتهى ضاحكاً على ما اعتبره الكثيرون دعابة، لكن مع الأسف الشديد تحولت الدعابة إلى خطر حقيقى يحلق فوق رؤوسنا، فمصر النسيج الواحد، الوطن الواحد، الشعب الواحد، كما كنا دائماً نفاخر، يبدو أنه محل اختبار حقيقى هذه الفترة.

وقبل أن أسترسل قد يكون مناسباً فى البداية أن نتذكر من هو الملك مينا، أو الملك نارمر الشهير بلقب «موحد القطرين»، فمعه بدأ عصر الأسرات حوالى ٣٢٠٠ قبل الميلاد، واستطاع الملك مينا حاكم مملكة الجنوب توحيد الوجهين البحرى مع القبلى، وكوَّن لمصر كلها حكومة مركزية قوية، وأصبح أول حاكم يحمل عدة ألقاب، مثل: ملك الأرضين، صاحب التاجين، نسر الجنوب، ثعبان الشمال، وكان كل ذلك تمجيداً لما قام به من أعمال، وبذلك أصبح الملك «مينا» مؤسس أول أسرة حاكمة فى تاريخ مصر الفرعونية، بل فى تاريخ العالم كله، ولبس التاج المزدوج لمملكتى الشمال والجنوب.

والآن فلننظر إلى مصر فى هذه اللحظة الراهنة، لحظة عدم اليقين وعدم الحسم، ومع الأسف لحظة تطور مخاوف التشرذم. والمشهد الأول هو مشهد نتائج الانتخابات الرئاسية التى يمكن قراءتها كما يلى بغض النظر عن اسم المرشح أو من هو الفائز بها. مصر انقسمت نصفين بين الدولة الدينية والدولة المدنية، يتفوق أحدهما على الآخر ببضعة آلاف.

المصريون انقسموا إلى قطاعين كبيرين، أحدهما ذهب للإخوان اقتناعاً أو تعاطفاً أو بمقابل أو كراهية للطرف الآخر، والقطاع الآخر ذهب ليصوت لشفيق اقتناعاً أو خوفاً من المجهول، أو بحثاً عن استقرار مفقود، أو كراهية فى الطرف الآخر، وهكذا فإن العامل المشترك بين المصوتين على الاتجاهين هو الخوف والكراهية للطرف الآخر.
تعبير «كراهية» صادم وحاد، أعلم هذا ولكن مرة أخرى – مع الأسف – هذا هو ما تحكم فى توجهات العديد ممن صوت لأى من المرشحين.

وأشير هنا إلى أحد القراء الذى أرسل إلى رسالة شخصية ليقول لى فيها إن الذين ارتاحوا لحكم المحكمة الدستورية هم «الأوساخ» أمثالك من الفلول – أعتذر عن استخدام اللفظ – وعندما راجعته بتهذيب، خاصة أنه فيما يبدو من مظهره وحديثه ينتمى إلى تيار الإسلام السياسى، متوقعا أن يكتشف خطأ انفعاله وتعبيره، أوضح أنه يقصد هذا الأسلوب الذى يليق «بأمثالى».

لست هنا بصدد عرض تجربة شخصية، ولا أظن أننى أفاجئ القراء بذلك المستوى من الحوار، فقد بات إحدى علامات الحوار فى مصر الآن تلك التجاوزات، ولكن ما قصدته هو ذلك الرفض القاطع من قبل قطاع من المصريين لقطاع آخر من المصريين، ولست أدرى كيف يمكن حل هذا التناقض، هل نعود إلى وضع ما قبل مينا موحد القطرين؟

واتسق مع هذا السلوك أيضاً تلك المحاولات لفرض أمر واقع قبل حدوثه، وتلويح بقوة يمكن أن تكون سبباً فى صدامات دموية لو كانت النتائج مخالفة لما يتوقعون. ونجحت الجماعة مرة عاشرة فى خداع بعض القوى المدنية لتقف معها فى ذات الخندق ضد مدنية الدولة، وهذه القوى لم تقرأ التاريخ، أقربها تاريخ العلاقة بين القوى المدنية الثورية الإيرانية التى تحالفت مع القوى الثورية الدينية فى إيران، أين هم الآن؟

أيضا أتوقف عند التصويت الجغرافى، الجنوب صوت لمرشح الجماعة والشمال صوت لشفيق، وهذه الملاحظة تدلل أيضاً على منطقية طرح التساؤل، إما عن تأثير الفقر فى الجنوب على توجهات التصويت، خاصة مع مغريات الانتخابات، وإما عن أن المزاج فى مصر بدأ يختلف هو الآخر بين الشمال والجنوب.

قد يقول قائل إن هذه النتيجة المتقاربة جداً تدلل على تطور ديمقراطى حقيقى، مثلنا فى ذلك مثل الدول عتيقة الديمقراطية، وقناعتى الخاصة أن هذه الرؤية خاطئة، التقارب الشديد فى الغرب بين القوى السياسية والمجتمعية هو دليل على تقارب فى الرؤى، ونتاج مئات السنين من التاريخ السياسى، أما الوضع لدينا فإنه تعبير عن تشرذم مجتمع أكثر منه اختلافاً فى رؤى سياسية، وهو الأمر الذى يضع على عاتق الرئيس القادم مهمة شبيهة بمهمة موحد القطرين، شريطة ألا يمارس ممارسة مينا كما رأيناها فى لوحة الملك نارمر بالمتحف وهو يمسك بيده اليسرى ناصية واحد من «الأعداء» وذراعه اليمنى مرفوعة والصولجان فيها ليهوى به على رأس العدو الراكع أمامه فى ذل الهزيمة، ولم ندرك أن هذا الراكع كان «مصرياً» أيضاً.

والمشهد الثانى نرى فيه «مينا» متوجاً بتاج القطر الشمالى، وفى أقصى يمين المشهد نرى عشر جثث مذبوحة على الأرض، وقد وضعت الرؤوس المقطوعة بين أرجل القتلى إمعاناً فى احتقار «العدو» المهزوم. لا نريد من مينا القادم هذا السلوك، بل نريد سلوكاً يوحد الأمة التى تمر بمرحلة خطر حقيقى، ويعيد للدولة حضورها وهيبتها.

عندما تنفس الناس الصعداء بعد حكم الدستورية

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد تكون الملامح الرئيسية للرئيس القادم الذى اختاره المصريون الذين ذهبوا إلى صناديق الانتخابات اليومين الماضيين قد ظهرت فى الوقت الذى ينشر فيه هذا المقال. وينبغى أن نعلم أن الخطوة الأولى الآن نحو تأسيس الدولة الجديدة هى القبول بالنتيجة التى سوف تسفر عنها هذه الانتخابات التى ارتضاها معظم المشاركين فى العملية السياسية كوسيلة من أجل إعادة بناء الدولة. ما حاول بعض الأطراف التلويح به من تهديدات إذا لم تكن نتيجة الانتخابات كما يريدون هو سلوك مرفوض، فإذا أردنا دولة ديمقراطية فإن أساس وجودها هو وجود دولة القانون، الدولة التى يكون فيها القانون هو السيد وهو الفاصل.

هذه أمنية لكن المقدمات لا تبشر بأن هذه الأمنية تلقى صدى فى الواقع، ولعل الضجة التى أثارتها القوى السياسية التى فى خندق الإسلام السياسى، خير دليل على أن ذلك المفهوم مازال غائبا، بل هو جزء من السلوك السياسى لبعض القوى. ما لم تكن نتائج الأحكام وفقا للهوى فإن الأسهل والأيسر أن تلقى بهذه الأحكام عرض الحائط، وأن تكون الوسيلة المستخدمة هى التشكيك فى القضاء وأحكامه، والتلويح بممارسات خارج حدود القانون تخويفا وإرهابا.

حكم المحكمة الدستورية الأخير لاقى موجة من التشكيك والاتهامات من قبل قوى الإسلام السياسى، واستطاعوا بشكل أو بآخر أن يصدروا فكرة أن ما تم هو انقلاب عسكرى تم استخدام المحكمة الدستورية فيه ضد رغبة الشعب، هذا التوجه نجحوا فى تمريره بالفعل إلى بعض وسائل الإعلام الأجنبية، ونسى هؤلاء أن تاريخ القضاء المصرى مع البرلمان يعود إلى عشرينيات القرن الماضى، وظل حاسما فى قضايا متعددة اختلف حولها الرأى، وظل هذا الدور غير منظم حتى تم تنظيمه فى إطار المحكمة الدستورية العليا التى تعتبر المحكمة الأعلى فى كل المجتمعات التى للقضاء دوره المحترم فيها.

سلوك الجماعات الرافضة لحكم المحكمة الدستورية القاضى بحل مجلس الشعب ورفض قانون العزل هو ما قصدته بالسلوك غير المبشر، فأولى قواعد العمل السياسى المحترم الهادف بالفعل لتأسيس الدولة الديمقراطية هو احترام القانون، لكن التلويح بأنه لو لم يتم تصحيح الوضع فى نتائج الانتخابات الرئاسية بفوز مرشحهم، الذى سوف يمتلك فى هذه الحالة القدرة على إعادة ضبط الأمور لصالحهم، فإن البديل نزولهم إلى الميادين والشوارع، وكما قال أحدهم إن الشعب المصرى الذى قدم الدماء والشهداء على استعداد لأن يقدم شهداء جدداً ودماء جديدة، وهذا التهديد بالفعل خطير ودليل على حقيقة سلوك تلك الجماعات التى حاولت أن تخفيه خلال الفترة الماضية.

رؤية هؤلاء للصواب لا تخرج عن رؤيتهم لمصلحتهم، فالصواب من وجهة نظرهم هو المرادف لمصلحتهم الخاصة وأهدافهم. والشعب الذى يتحدثون عنه لم يعطهم تفويضا ليتحدث نيابة عنهم، ومن اختاروا غيرهم من هذا الشعب ليسوا خونة كما اتهموهم، وإلا فإن معنى ذلك أن غير الخائنين من المصريين لا يتخطون عشر المصريين. ما ينبغى أن تتوقف أمامه تلك الجماعات التى تمارس الإسلام السياسى هو محاولة الإجابة ليس عن حيثيات حكم المحكمة، وليس للبحث عن أساليب الاعتراض وتحريك الشارع، ولكن يجب أن يسألوا أنفسهم لماذا استقبل هذا الحكم معظم المصريين والجماعات السياسية الأخرى بهذا القدر من الارتياح، وكأن غمة قد انزاحت عن صدورهم. أظن أن الأفضل لهؤلاء الآن أن يبحثوا فى تلك الأسباب التى جعلت من صوتوا لهم فى الانتخابات البرلمانية شعروا بالندم على تصويتهم هذا، ولماذا شعروا بأن حكم المحكمة الدستورية جاء ليخلصهم من عذاب الضمير لأنهم ساهموا فى تمكين جماعات الإسلام السياسى من التحكم فى مقدرات كل المجتمع. بدلا من التخطيط لحرق الواقع عليهم أن يدرسوا لماذا تحول البرلمان إلى أحد أهم عوامل خسارتهم بعد أن تحول إلى دليل قائم ومستمر على حقيقة نواياهم تجاه ملامح الوطن.

أظن رد فعل الشارع على حكم المحكمة أهم من حكم المحكمة لأنه دليل على طبيعة هذا الشعب الذى يرفض ما رآه من ممارسات لجماعات تريد أن تأخذ المجتمع إلى غير ما يريد، وأيا كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية، فإن الهدف المقبل ينبغى أن يكون وضع دستور مدنى حقيقى وانتخاب برلمان معبر عن طموح كل الشعب، وهذا يتطلب خارطة طريق ولهذا حديث آخر.

الصامتون والصوت العالى

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

ما يستحق التعليق والحديث عنه فى مصر كثير هذه الأيام، بحيث لا تتسع مساحات محدودة لتناوله، لذا فسوف أتناول اليوم موضوعين فى هذه المساحة المحدودة لأهمية التعليق عليهما الآن وليس بعد عدة أيام.

فليتحدث الصامتون

أشرت فى المقال الماضى إلى أنه قد آن الأوان لأن تخرج القصة الحقيقية لما حدث فى ميدان التحرير منذ الخامس والعشرين من يناير، هناك قصة لم تُرو بعد، حاولت فى كتابى الأخير قدر استطاعتى، ومع ما كان لدىَّ من معلومات، ومن الزاوية التى كنت فيها – أن أرسم بعض ملامحها، ولكن الأكيد أن هناك أطرافاً أخرى فى الدولة، ومن الأشخاص الآخرين الذين كانوا يشاركون أو يتابعون ما يحدث بحكم مواقعهم أو لقربهم من مواقع الأحداث أو مواقع المتابعة واتخاذ القرار.

أدعو – بل أطلب – من تلك الأجهزة وأولئك الأشخاص أن يقدموا ما لديهم، أنا هنا أتحدث – فيما أظن – باسم قطاع كبير من المصريين الذين بدأوا يحتارون فيما يحدث، خاصة مع ما بدأ يتسرب من معلومات تتناقض مع ما ظل الإعلام والعديد من السياسيين يقدمونه طوال العام والنصف الماضيين.

وزاد على ذلك قضايا قتل المتظاهرين التى حصل معظم المتهمين فيها على أحكام بالبراءة، وأتت قضية الرئيس السابق الأخيرة، وحصول مساعدى وزير الداخلية الستة على البراءة ليلقيا مزيداً من التساؤلات الممزوجة بالغضب لعدم معرفة ما حدث، ثم أتى بعد ذلك ما تردد عن حقيقة ما حدث يوم ما اصطلح على تسميته «موقعة الجمل»، وكنت قد أشرت أيضاً إلى هذه القصة فى كتابى الأخير، وبدأت بعض المعلومات تتسرب عما حدث فى هذا اليوم من أطراف مختلفة.

أنا هنا لا أتبنى قصة بعينها أمام قصة أخرى، لكنى فقط أطلب ما يطلبه كل العقلاء من المصريين لمعرفة ماذا حدث ومن المسؤول بالأساس عن قتل المتظاهرين والآخرين من غير المتظاهرين، ومن هم هؤلاء من غير المتظاهرين؟ وماذا كانوا يفعلون؟ طمس الحقيقة هنا ليس فى مصلحة طرف ضد طرف، لكنه مسؤولية أخلاقية مسؤول عنها من يطمس أو يصمت عن تقديم ما لديه من حقائق.

أستغل هذه المناسبة المرتبكة لأطلب من كل الصامتين الذين يعرفون ويملكون أدلة وروايات ومشاهدات أن يتحدثوا، ما يحكمنى فى هذا المطلب هو منطق الأشياء، فالأكيد أن الجهة التى تولت مسؤولية البلاد منذ مساء الثامن والعشرين من يناير، وهى القوات المسلحة، لديها الكثير من ملامح الصورة الحقيقية، سواء بطائراتها التى كانت تجول فى سماء القاهرة وقتها، أو من خلال عناصرها التى كانت تتواجد فى مناطق مصر المختلفة، والأمر ذاته لدى الأجهزة الأمنية الأخرى التى كانت تتولى حماية ومتابعة البلاد فى هذه المرحلة، والأكيد أنه مع ما تمتلكه هذه الأجهزة من إمكانيات تقنية وتصويرية وتسجيلية وانتشار بشرى لعناصرها فإنها تمتلك من ملامح الصورة الكثير الذى يساعدنا نحن المواطنين البسطاء المرتبكين فى فهم ما حدث ويحدث.

أيضا أستغل هذه المناسبة لأطلب من السيد عمر سليمان، نائب الرئيس السابق، رئيس جهاز المخابرات السابق، أن يقدم هو الآخر شهادته عما حدث ليس أمام محكمة أو جهة ولكن لكل المصريين، هذه أمانة يجب على كل من يحملها أن يؤديها. قد لا يكون الوقت مناسباً لتقديم كل ملامح الصورة المتوفرة ولكنى أتحدث هنا عن كل ما يمكن عرضه وتقديمه من حقائق.

ملاحظة مهمة حول هذه القضية: ليس معنى المعرفة بحقيقة ما حدث من تفاصيل التقليل من حجم الحدث أو تفسيراته السياسية، ولا يعنى تقديم الحقيقة إنكار أن ما حدث فى ٢٥ يناير هو تحرك شعبى مصرى حقيقى أدى إلى تغيير النظام، دفع الثمن بعض من أبناء الوطن، ومن أجل هؤلاء لنا ولهم الحق فى أن نعرف الحقيقة، لذلك، فليتحدث الصامتون.

فيها يا أخفيها

ونحن صغار كان أكثر ما يزعجنا ويضايقنا عندما نلعب كرة القدم فى الشارع، أو نلعب أى لعبة جماعية أخرى من ألعاب تلك الفترة، أن يقف بعض ممن لم نرغب أن يشاركونا اللعب فى وسط الملعب ويصرخوا بصوت عال: «فيها يا أخفيها»، أى إما أن يدخل اللعبة ويشارك فيها، وأحيانا يريد أن يكون هو القائد أو الكابتن، أو يخفى اللعبة بكاملها ويمنعنا من لعبها، ويتجاهل هذا «المستعفى» أننا رفضنا أن يشاركنا فيها لأنه غير مرغوب فيه منا، أو لأنه لا يصلح لها، لكن هذا لا يستوقفه لأن كل ما يريد أن يكون فيها أو يخفيها.

الوضع الذى نحن فيه الآن يذكرنى بهذه الصورة، التى أظن أن العديد من القراء يتذكرونها بشكل أو بآخر. فبعد أن قبلت الأطراف الاحتكام إلى صندوق الانتخابات، رغم ملاحظاتى الشخصية التى أشرت إليها أكثر من مرة، إلا أن هذا ما اتفق عليه بين الأطراف المشاركة فى اللعبة السياسية الدائرة فى مصر، والغريب أن يأتى اليوم بعض الأطراف التى قبلت بالمشاركة فى ظل القواعد المتفق عليها لتحاول أن تمارس نفس ممارسة «المستعفى» أيام الطفولة صارخا «فيها يا أخفيها». يا سادة إنها ليست لعبة كرة قدم فى الشارع لكنه أمن وطن وبشر، ولا أتمنى أن يجد ذلك الصوت العالى استجابة من أى من الأطراف المؤثرة، خاصة أصحاب الشأن الحقيقى، أقصد المواطنين الذين تعبوا من العبث بهم وبحياتهم.

الغريب أن هؤلاء ليس لديهم مانع من استغلال الضغط على القضاء، والطلب من مؤسسات عادوها فى الماضى القريب أن يتعاونوا معها من أجل تحقيق رغبتهم فى اللحاق بقطار الحكم بأى صورة، ولا مانع من استخدام جميع الوسائل، حتى التى لم يستخدمها النظام الذى سقط من قبل، من أجل تحقيق هدفهم الشخصى الأسمى تحت غطاء من قنابل الدخان الثورية

مرة أخرى: ارحموا مصر وأهلها.

تعليقان

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
فى ظل الظروف التى تحكم المجتمعات الشرقية بشكل عام- ومصر بشكل خاص – كان طبيعياً أن يندفع الاتجاه الجديد نحو الحل الدينى، هذا بالإضافة إلى تعرض المجتمع لأزمة ثقة حادة سواء فى الذات، أو فى القيم التى كانت سائدة، وكان لطرح النظام السياسى فى ذلك الوقت الدين كنقطة ارتكاز له تمكنه من الاستمرار بعد سقوط المشروع القومى تأثيره أيضا فى دفع الغالبية نحو الحل الدينى.

وظهر تأثير هذا واضحاً فى تزايد المد الدينى الإسلامى وتزامنه مع المصالحة التى تمت بين النظام السياسى فى ذلك الوقت والإخوان المسلمين، وتطورت الأوضاع بعد ذلك إلى انتشار الجماعات الإسلامية باتجاهاتها المختلفة فى كل أوساط المجتمع المصرى.

وعلى الجانب القبطى تزامنت كل هذه التغيرات والانقلابات مع صعود الجيل الجديد – من اصطلح على تسميتهم جيل الأربعينيات – وتزايد قوتهم داخل الكنيسة إلى أن تمكنوا من السيطرة عليها كاملة بتقلد أحد أبرز نجوم هذا الجيل – البابا شنودة – كرسى البطريركية. وكما سبق القول فإن هذا الجيل جاء محملا بالكثير من الآمال والأهداف لخلق كنيسة قوية بمفهومهم، تتمكن من أن تكون الوعاء الطبيعى لكل أقباط مصر، وأن تتمكن من الانفراد بتمثيلهم والدفاع عنهم. ساعد على تعميق هذه النظرة الإحساس الذى سيطر على أقباط مصر فى تلك الفترة بعدم الأمان، والتخوف من اختفاء تميزهم، وكما وصف الباحثون الحالة القبطية فى تلك الحالة بأنه عندما ينخفض دور الأقباط فى المجتمع ويقل نسبيا عن الوضع السابق، يعتريهم الشعور بالخوف والقلق على وجودهم، ولهذا يظهر الميل إلى التقوقع والبعد عن العمل العام. وهنا يميل عامة الأقباط إلى الاحتماء بالكنيسة.

وقد لمست فى حواراتى مع البابا شنودة وغيره من رجال الدين القبطى أو الأقباط العاديين أن إحساسهم بالخطر قد سيطر عليهم لفترات طويلة، واتهامهم أجهزة الدولة بالانحياز ضدهم فى العديد من الحوادث اتخذوه دليلا على أنهم يواجهون مشاكل تجبرهم على أن يتخذوا حيالها موقفا.

أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى أن يصاب بنقص المناعة، هذا النقص يعرض المجتمع للعديد من الأمراض ويصاب المجتمع بفقدان المناعة إذا تفتتت أوصاله إلى جزر متباعدة، متصارعة أحيانا، بحيث تحكم المصلحة الذاتية قصيرة النظر توجهات أفراده وجماعاته. وقد عانى المجتمع المصرى فى الحقبة الأخيرة من نقص مناعته لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية – تعرضنا لبعضها – ولعل أبرز هذه الأسباب اختفاء المشروع القومى الذى يجمع كل المواطنين حوله، والتغيرات – أو الانقلابات- السياسية المتتابعة والمفاجئة والأزمة الاقتصادية، وتراجعت عناصر قوية فى بنية المجتمع، كل المجتمع، ومس التطرف – بمفهومه العام – كل الأطراف: الفرد والجماعة والدولة، كل فى موقعه. وحتى نحدد ما نقصد بالتطرف نورد معناه اللغوى الذى يعنى حالة الوقوف على طرف، أى تجاوز الموقف الوسطى المتوازن، فاختل التوازن لتطرف الجميع فى مرحلة من المراحل، فغابت عناصر المناعة الاجتماعية والسياسية.

مهرجان الإخوان الانتخابى

المرشد العام للإخوان المسلمين

بقلم عبداللطيف المناوى
مرة أخرى تنجح الجماعة فى التغرير بالقوى السياسية والشبابية، ومرة أخرى تثبت ثيابها على مبدأ أن الهدف دائما يبرر الوسيلة، وكما استغل الإخوان من قبل الشباب وجماعات المعارضة السياسية والقوى التقليدية والجيش وأدى كل منهم الغرض منه ثم تم التخلص منه أو التخلى عنه بعد ذلك، مع الحرص دائما على أنه عندما تكون هناك حاجة لهذا الطرف أو ذاك يعودون لاستغلالهما مرة أخرى. كما حدث هذا من قبل فإن هذا يحدث الآن فى هذه الأيام مرة أخرى بممارستهم عمليات تسخين للأجواء لخلق حالة مزاجية عامة يستطيعون من خلالها التغطية على حالة الخوف التى انتابت قطاعاً كبيراً من المصريين من سيطرتهم التامة على الحكم، واستبدال هذه الحالة بحالة جديدة من الغضب وخلق مزاج عام يكون أكثر تقبلاً لمرشحهم الرئاسى، مقابل زرع حالة نفور ضد المرشح الآخر، وفى هذا الإطار يمكن اعتبار ما حدث خلال اليومين الماضيين فى ميدان التحرير وبعض التجمعات الصغيرة فى مدن مصرية أخرى وتلك الحالة الإعلامية، كل هذا ما هو إلا مهرجانات انتخابية للترويج لمرشح الجماعة.

عقب الأحكام الصادرة بحق الرئيس السابق بالسجن المؤبد، كان الحكم أشد مما توقع معظم المصريين، لن أناقش هنا الحكم احتراماً لأحكام القضاء التى لا يريد كثيرون احترامها وإيمانا بما أدعو إليه دائماً من أهمية تأسيس دولة القانون، التى من أهم ملامحها احترام أحكام القضاء واتباع السبل القانونية للاعتراض أو المطالبة بإسقاط أو تعديل الأحكام. عندما علمت أن هناك مظاهرات رافضة لهذه الأحكام كان الظن الأول أنها مظاهرات من المتعاطفين مع الرئيس السابق، الذين وجدوا من الحكم أشد مما كانوا يتوقعون، لكن المفاجأة أن من قاد وأشعل هذه المظاهرات هم جماعات الإسلام السياسى، التى تتعرض فى هذه المرحلة لمأزق انتخابى. وهى من المرات القليلة التى دعت فيها جماعة الإخوان جميع أنصارها وتابعيها للخروج إلى الشارع والمشاركة فى المظاهرات، ويسارع الإعلام بمختلف أطيافه لنشر هذه التعليمات، ونجح الإخوان مرة أخرى فى التحرير بالقوى والجماعات التى تسمى نفسها «القوى الثورية»، ولم يسلم الأمر من بعض الأفراد الذين تلبستهم حالة الزعامة، فأغلقوا مداخل ميدان التحرير ونزلوا إلى بعض الميادين فى بعض المدن، فبدا الأمر وكأن هناك حركة شعبية جديدة هى فى الحقيقة لا تخرج عن كونها مهرجاناً انتخابياً كبيراً نجح الإخوان فى حشده مجانا أو على حساب وسائل إعلامية يستغلها بعض الإعلاميين لمصلحتهم الخاصة.

خلق هذه الأجواء هو هدف انتخابى بحت لدفع المزاج العام إلى رفض المرشح الآخر، وهى قنبلة دخان تغطى وتصرف النظر عن مخاطر سيطرتهم التى يهدفون لها.

نقطة أخيرة، تعليقاً على الأحكام وحيثياتها، أظن أنه آن الأوان لأن تخرج القصة الحقيقية والمعلومات الحقيقية عما حدث فى مصر منذ ٢٥ يناير العام الماضى وحتى تنحى مبارك. أظن أن المعلومات حاضرة لدى أطراف وجهات متعددة لم يعد مقبولا امتناعهم خوفاً أو قلقاً أو نفاقاً أو رغبة فى هدوء بالهم.. وهذا موضوع آخر له حديث آخر.