أقصر الطرق لطرد الاستثمار

بقلم عبد اللطيف المناوي

يصلح الحوار الذى أجرته «المصرى اليوم»، أمس، مع المستثمر السعودى الشيخ عبدالرحمن الشربتلى لأن يكون مؤشراً على ما وصل إليه حال الاستثمار، وما يحدث مع المستثمرين فى مصر.

فعلى الرغم من الوعود الحكومية المستمرة بتحسين مناخ الاستثمار، والتسهيل على المستثمرين، وعلى الرغم من رسائل الطمأنة التى يرسلها الرئيس عبدالفتاح السيسى طوال الوقت إلى المستثمرين فى الخارج، سواء فى جولاته الخارجية أو فى المؤتمرات والمنتديات التى تُعقد داخل مصر لجذب المستثمرين، على الرغم من كل هذا فإن الجهاز الحكومى يبدو أنه لايزال راكداً، غير مستجيب لدعوات التحديث، ولا يرغب فى طرح وسائل جديدة للتعامل مع المستثمرين، بخلاف تقديم الوعود من الوزراء، والتى غالباً لا تُنفَّذ.

Untitled

فتح الشيخ عبدالرحمن الشربتلى الجرح بتأكيده أنه يستثمر فى مصر حباً فيها، وليس لأن المستثمر فيها مصون، معدداً المشاكل التى يواجهها المستثمر طوال الوقت من أن المسؤولين يخشون اتخاذ القرار، وأن الدولة لا تلتزم بتعاقداتها، وأن التراخيص لسوق التجزئة تُمنح بعشوائية، وأن الإدارة السياسية تعتقد أنه بتغيير الوزراء يكون قد تحقق الإصلاح، دون أن يدركوا أن الدولة يحكمها ويتحكم فيها «الموظفون» ممن هم تحت الوزير، وهو بهذا يرى أن تغيير الوزارة لن يغير شيئاً مادام الحال على ما هو عليه، ومادام الموظفون الصغار هم من يتحكمون فى مصائر ملايين الدولارات التى يمكن أن تُضخ داخل مصر فى مشروعات فتوقف زحف البطالة، وتحلّ جزءاً من أزمة الدولار.

المشاكل والعقبات التى عدَّدها الشربتلى فى حواره مع «المصرى اليوم» لم تتغير منذ أكثر من ثلاثين عاماً، رغم تغير الحكومات والأنظمة، وهى لسان حال كل مستثمر فى مصر الآن، بداية من أن المستثمر فى مصر يضيع 80% من وقته وجهده فى الركض وراء الوزراء والمسؤولين لتخليص إجراءات، والحصول على موافقات لتسيير أعماله، بدلاً من بذل هذا الجهد والوقت فى توسيع استثماراته فى مصر، والتفكير فى تعظيم موارده، انتهاء- بحسب كلام الشربتلى- بعدم رغبة المسؤولين فى التوقيع على أى ورقة، وانتشار الأيدى المرتعشة، وخوف الوزراء من السجن، فأصبح عدد من الوزراء يُعينون ويتغيرون دون أن يوقّع الواحد منهم ورقة واحدة خلال وجوده على الكرسى، وانتهاءً بعدم وفاء الدولة بتعاقداتها، بسبب تغير الحكومات والأنظمة.

هذه المعوقات لا تقابل رجل أعمال بعينه، بل تقابل كل من يرغب فى الدخول إلى السوق المصرية متفائلاً بالوعود الحكومية بتحسين مناخ الاستثمار، لكن ما إن يدخل المستثمر السوق حتى يجد فى نفسه الرغبة فى العودة من حيث أتى، فلا مشاكل تُحلُّ، ولا وعود تُنفَّذ، فضلاً عن أن الحكومة تتخذ القرارات التى تخص المستثمرين وتخص مستقبلهم بشكل عشوائى، وأحياناً متخبط، ودائماً منفرد، ودون حتى أدنى حوار مع المستثمرين.

وإذا كان الرئيس طوال الوقت يتحدث عن أهمية الاستثمار للنهوض بمصر، ويدعو فى كل جولاته الخارجية المستثمرين الأجانب للاستثمار فى مصر، فإن هذه الخطوة يجب أن تتبعها خطوات أخرى من قبل الدولة، ومن قبل الوزراء، فسياسة الأيدى المرتعشة، والخوف من توقيع أى قرار، وترك القضايا عالقة دون أى حل، كل هذه لا تؤدى إلا إلى طريق واحد، هو طرد الاستثمار والمستثمرين.

يُعوِّل الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كل خطاباته على الاستثمار فى التنمية، وإعادة بناء البلد، لكن ماذا قدمت القوانين المصرية والمسؤولون التنفيذيون للمساعدة على استقدام المستثمرين؟ حتى الآن لا شىء.

المعارك الهامشية

على الرغم من كل المشاكل التى تعانى منها مصر، ويعانى منها المصريون والتى تستحق وتستدعى حواراً جاداً للبحث عن حلول، إلا أننا نغرق طوال الوقت فى معارك هامشية تتعامل مع القشور، ولا تتعامل مع المشاكل الأصلية والمستأصلة، ولا تناقش الأصول.

البلد فى مشكلة حقيقية، يراها ويشعر بها الجميع، وفى وضع أحوج ما يكون فيه إلى التفاف الجميع حوله، خاصة فيما يخص الوضع الاقتصادى، وغياب قيم العمل، وحالة الإنكار التى تسيطر على المجتمع ككل، سواء كمواطنين أو مسؤولين، هذه هى المشكلة الأكبر والأخطر اليوم، والتى تحتاج إلى نقاش حقيقى وليس شيئاً آخر.

عبد اللطيف المناوي

بالتأكيد لا نقبل الإساءة إلى أى فرد فى المجتمع، أو قطاع من المجتمع، أو مؤسسة من مؤسسات الدولة، وهذه مسألة شديدة السوء ومرفوضة تماماً، لكن أن يتم تحويل بعض هذه القضايا إلى معارك حياة أو موت، تفتح لها شاشات الفضائيات، ولا تجد برنامجاً فى قناة إلا ويخوض فيها، وتضحى المسألة حرباً شعواء، لابد أن تنتهى بالقضاء على أحد الأشخاص، أو حرقه تماماً، مع أننا لو عدنا لأصل المسألة لاكتشفنا أن الأمر ليس إلا معركة وهمية، لا تستدعى كل هذه الحروب ودق الطبول، والتنديد والتهديد بالويل والثبور والموت.

معظم هذه المعارك تنتهى غالباً بفوز الجانب الثائر والغاضب من المجتمع، ومع القضاء على الشخص المستهدف ـ معنوياً ـ يصل الجميع إلى حالة من حالات الارتياح، أو تفريغ الشحن من أمور أخرى.

مصر بها تحديات أساسية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، مصر بها مخاطر داخلية أولها الملف الاقتصادى، مصر بها مخاطر على الحدود، سواء الحدود الغربية أو الشرقية،، مصر بها مخاطر فى حربها ضد الإرهاب الذى يحصد كل يوم أرواح جنود أو مواطنين أبرياء، هذه هى المعارك الحقيقية التى تستحق أن ينتفض المجتمع لمحاربتها، وينهض الإعلام بالمجتمع لتوعيته بمخاطرها، وليس الظفر بـ«شخص»، وتحويله تارة بطلاً وتارة أخرى شيطاناً فى معارك هامشية، لا تكاد واحدة تنتهى حتى تبدأ واحدة أخرى، لا علاقة لها بالمشاكل والتحديات الحقيقية التى تواجهها مصر.

ما تحتاجه مصر، وما يحتاجه المجتمع المصرى ليس الغرق فى معارك هامشية، تستنزف الوقت والمجهود، وإنما تحتاج إلى حالة من حالات «الاصطفاف»، وهذا لن يتأتى إلا بفهم من قبل الدولة بما تواجهه، وما يجب عليها أن توصله لشعبها، من مخاطر حقيقية تواجهها تستدعى الوقوف صفاً واحداً فى وجه المخاطر، فهم المشكلة بداية لحلها، لكن تجاهل المشكلة والانشغال بمشاكل أخرى هامشية لا علاقة لها بالمخاطر الحقيقية، لن يؤدى إلا إلى تزايد حجم المشكلة الحقيقية، وتزايد ضررها الذى سيكون مفاجئاً لمجتمع قرر أن يغمض عينيه عن المشكلة الحقيقية وينشغل بالهامش الذى يمثل شيئاً.

وهنا يأتى دور الإعلام، الذى يبدو أن قطاعاً عريضاً منه صار يفضل الانشغال بالهوامش، التى لا تشغل أحداً، والتركيز عليها، وتكبيرها، وإعادة إنتاجها مرات ومرات، دون اهتمام حقيقى بأصل الأزمة والمشكلة، ودون لعب دور حقيقى وفعال فى مواجهة مشاكل المجتمع السياسية والاقتصادية، وما أكثرها.

عقول مصرية شابة غابت عن جوائز الابتكار

بقلم عبد اللطيف المناوي

من أبرز الفعاليات اللافتة فى أعمال الدورة الرابعة للقمة العالمية للحكومات بدبى، والتى شارك فيها أكثر من ثلاثة آلاف شخص من 125 دولة، حفل توزيع جوائز الابتكارات الحكومية الخلاقة، والتى تنافس فيها مبتكرون من جميع الدول تقريباً، وفاز بجوائزها مبتكرون شباب من دول عربية وأجنبية.

IMG_0132

لكن الملاحظة اللافتة أثناء توزيع الجوائز كانت غياب مصر، بما تمثله من ثقل علمى وثقافى وسكانى أيضاً، عن هذه الجوائز، وهو ما يطرح سؤالا مهما: أين مصر من الأفكار والابتكارات التى قُدمت فى القمة؟.. هل غابت عن مصر الابتكارات الذكية، والتى جاء معظمها تطبيقات ذكية لتسهيل علاقة الحكومة ووزاراتها المختلفة مع المواطن؟ وإذا كنا نسمع عن مئات الآلاف من الابتكارات المصرية، وبراءات الاختراع الملقاة فى الأدراج.. فأين نحن مما قدمته الدول العربية فى القمة؟

هذه ليست أسئلة استنكار لعدم قيام الشباب المصرى بذلك، فأنا أدرك جيداً أنهم قادرون على المشاركة والمنافسة والفوز، وإذا كانت «جائزة أفضل الابتكارات الحكومية الخلاقة» مبنية على معايير محددة وهى الحداثة والأثر والقابلية للتكرار، فأظن أن آلاف الشباب المصرى بإمكانهم أن يكونوا على المنصات ويتسلموا الجوائز.

نتحدث طوال الوقت عن أزمة البحث العلمى، وأزمة هجرة العقول المصرية إلى الخارج، وأزمة الأبحاث والأفكار المركونة فى الأدراج أو على الرف، دون أن يفكر أحد فى حل هذه الأزمة، ودون أن يهتم أحد بأن يمد يد المساعدة للشباب، لاستخراج الأفكار منهم، وتنفيذها على أرض الواقع.

الجوائز التى قدمتها القمة العالمية للحكومات كانت تهدف إلى تقديم خدمات وزارية للمواطنين، لذا نجد فائزاً من الإمارات فى قطاع الأجهزة الذكية القابلة للارتداء على المستوى الوطنى بتطبيق «شرطة دبى»، وفائزاً كويتياً فى قطاع التطبيق الشامل على المستوى العربى بتطبيق «بوابة دولة الكويت الرسمية»، وفائزاً فى قطاع التطبيق الشامل على المستوى الوطنى بتطبيق «دبى الآن»، وفائزاً مغربياً فى قطاع الصحة على المستوى العربى بتطبيق «أخذ المواعيد فى المستشفيات العمومية»، وفائزاً بحرينياً فى قطاع البيئة على المستوى العربى بتطبيق «خدمات المياه والكهرباء»، وفائزاً سعودياً فى قطاع التعليم على المستوى العربى بتطبيق «سفر الطلبة»، وكل هذه الجوائزـ التى أذكرها على سبيل التدليل- لتطبيقات بسيطة نفذها شباب، لكنها تقدم خدمات للمواطنين، وتسهل على المواطنين التعامل مع الوزارات المعنية، وأعتقد أن هذا تنبيه لوزاراتنا لكى تستعين بالمبتكرين الشباب لتقديم خدمات من جهة، ولتبنى الأفكار الجيدة والمتطورة من جهة أخرى، بدلاً من غرقنا فى دوامة الدولاب الحكومى التقليدى.

الأكيد أن هناك شاباً مصرياً، بل شباباً مصريين، يستحقون الفوز بهذه الجوائز، وبالتأكيد هناك ابتكارات خلاقة لم ترَ النور، وبالتأكيد هناك آلاف الأفكار التى يملكها شباب مصريون متميزون، لكن لم يجدوا من يمد لهم يد المعاونة.

الأزمة ليست فى العقول المصرية، وليست فى الشباب، وليست فى الأفكار، ولكنها فى أساليب تنفيذها، إن من يتصفح صفحات هؤلاء الشباب على وسائل التواصل الاجتماعى، أو من يدخل إلى معامل الجامعات سيجد أمامه كنزاً من الأفكار التى تحتاج فقط إلى من ينفذها.

مرة أخرى، المشكلة ليست فى الشباب، ولا فى الأفكار، ولا فى الابتكارات، ولا فى العقول المصرية، وإنما فى طريقة التعامل مع الشباب، وفى التفكير فى الاهتمام بالاستفادة من الأفكار والعقول المصرية الشابة، التى تبحث عمن يقدرها.

من يبنى جسور الثقة بين الدولة والألتراس؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

يمكن تلخيص المشكلة بين الدولة من جهة، والألتراس من جهة أخرى، فى أنه لم تعد هناك جسور ثقة بين الطرفين، فكلاهما ينظر للآخر نظرة ريب، ويتشكك فى نواياه، ولا يصدق ما يقوله، حتى تحول الأمر إلى عداء شديد لم يسع أىٌّ من الطرفين إلى محاولة حله، أو تحليل أسبابه، أو الخروج منه، وغاب الحوار تماماً بين الطرفين.

198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_n

وخيراً فعل الرئيس عبدالفتاح السيسى بدعوته للحوار مع الألتراس، وإعلانه تفهم مطالبهم، وإدخالهم طرفاً فى المشكلة الكبرى بين الدولة والألتراس (مذبحة بورسعيد) لإعادة بناء جسور الثقة معهم، وإشراكهم فى الاطلاع على التحقيق، وإشعارهم بأنهم شركاء فى التحقيق فى مذبحة بورسعيد التى راح ضحيتها أصدقاؤهم.

ما فعله الرئيس هو دعوة للرئيس، ودعوة لبناء جسور الثقة التى قُطعت بين الدولة والألتراس، وما يجب على الدولة أن تفعله هو أن تستغل طاقات الشباب بأن تفتح لهم باباً، فبعد أن دعا الرئيس للحوار رد ألتراس أهلاوى بالترحيب بالحوار، وأنهم يمدون يد التعاون سعياً لعودة الروح إلى المدرجات والاستقرار بالبلاد، وأكدوا أن حق القصاص مطلب أساسى لهم.

مشكلة الألتراس مع الدولة هى مشكلة الشباب مع الدولة، وهى عدم وجود جسور للثقة بين الطرفين، لكن لا يمكن هنا أن نطلب من الشباب أن يتخذوا هذه الخطوة، بل على الدولة أن تحتضن أبناءها، وأن تزيل المعوقات التى تحجزهم عنها، فهم طاقتها لبناء المستقبل.

ولعلى أذكر هنا أنى تحدثت عن هذه القضية قبل ست سنوات، تحديداً يوم ١٦ يوليو ٢٠١٠، عقب أزمة كان الألتراس سبباً فيها، وأدت إلى حدوث تلفيات واشتباكات فى محيط النادى الأهلى، وقتها كانت ظاهرة الألتراس فى بداية صعودها، وطالبت فى مقالات ومقابلات بدراستها واحتوائها وتوظيفها بما يفيد الوطن.

وقلت قبل 6 سنوات إن من المشاهد الجميلة التى بدأت تظهر فى ملاعب كرة القدم ذلك المشهد الذى بدأ يظهر فى مدرجات كرة القدم، خاصة بين جماهير النادى الأهلى، عندما يتجمع عدة مئات أو عدة آلاف، يتحركون معاً، يشجعون معاً، يشكلون بالفعل رهبة لدى الفريق الذى يلعب أمام فريقهم، فى كل المباريات، حتى غير ذات الأهمية منها، كنت أراقب هذه المجموعات، وكان يعجبنى جداً ذلك التنظيم الواضح بينهم، وذلك التماسك والتناغم، وكذلك حماسهم الذى كان يفوق فى معظم الأحيان حماس اللاعبين على أرض الملعب.

تظل الظاهرة عند هذا الحد إيجابية ومحببة، وتظل إحدى الدلائل المهمة على ارتفاع رغبة الجماهير فى المشاركة والتواجد بل التأثير، وهو الأمر الذى نتمنى أن يصل إلى حد مشاركة الناس فى أمور حياتهم وتقرير مصيرهم من خلال المشاركة الإيجابية فى شؤون الحياة، ولكن ما أثار حفيظتى هو ارتباط هذه المجموعات، التى عُرفت فيما بعد بـ«الألتراس»، بذلك السلوك المنسوب لهم بالسب والشتائم التى يوجهونها إلى اللاعبين المنافسين فى الفرق الأخرى، بل تُوجه إليهم الاتهامات أيضاً بأنهم يصلون فى اعتداءاتهم إلى مستوى يتجاوز اللفظ إلى الاعتداء على لاعبى الفرق الأخرى وجماهيرهم وحرق حافلاتهم، والاعتداء على رجال الشرطة وإتلاف المدرجات. إذن مظهر جميل من الخارج لجمهور عاشق لفريق يشجع بحماس أكبر من حماس اللاعبين، ومنظم فى المدرجات أكثر من تنظيم لاعبى فريقه فى أرض الملعب، ولكن «الحلو ما يكملش».

هذا ما ذكرته قبل 6 سنوات قبل أن تستفحل الظاهرة، لكن يبدو أن تركها دون احتواء، ودون معالجة الأزمات التى تفاقمت وتزايدت بين الألتراس والأجهزة الأمنية جعلها تتزايد، وربما تكون تصريحات الرئيس بداية لحل الأزمة، وإعادة بناء جسور الثقة، وعلى الدولة أن تعرف أن هذا دورها قبل أن يكون دور أى شخص آخر.