المعايير الحاكمة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فضلت الحديث عن المعايير وليس المحددات أو المحظورات. المبدأ الذى يجب أن يكون حاكماً فى إدارة العمل الإعلامى هو الالتزام بالحد الأقصى «المتاح» من المهنية. هذه قاعدة آمنت بها وأثبتت حتى الآن صحتها إلى حد كبير. حتى فى الأوقات الصعبة التى مررنا بها. محاولة الحفاظ على الحدود المهنية أراها عاصمة للوسيلة الإعلامية من السقوط فى دائرة مهانة النفاق أو غباء الصدام غير المجدى. وما بين هذا وذاك تبدأ سهام الاتهامات بالخيانة أو الخزى لكل من لم يكن فى أى من الخندقين.

تعرضت وتتعرض «المصرى اليوم» لسيل من مثل هذه الاتهامات على الجانبين. هناك من اتهمها بأنها أصابها الخزى بالانضمام إلى «حظيرة» السلطة، وأنها فقدت أنيابها وأظافرها، وباعت القضية. وهناك من اتهمها بأنها خنجر فى ظهر الدولة تضعفها وتنتقدها وتعارض التعليمات، وترفض لمجرد الرفض فى وقت لا تجوز فيه أى معارضة، حسب قولهم. أنا أرى أن كلا الاتهامين لا أساس له من الصحة. كل الأمر أننا اعتدنا أن نقرأ الواقع المحيط ونتعامل معه لتحقيق أهداف محددة، المهنية، الاستمرار فى دعم الدولة، بمفهومها العام، وقوتها. إضافة إلى حق المؤسسة «المصرى اليوم» فى أن تبقى وتستمر وتنجح، وهى أمور أيضاً تصب فى صالح الدولة قبل أن يكون فى صالح العاملين فيها.

من الصعب بناء جسور ثقة بين الإعلام والرأى العام بشكل عام. وعندما تهتز هذه الثقة فإن الأمر يحتاج إلى وقت طويل لاستعادتها.

ليس من مصلحة الدولة هنا ولا المجتمع أن يفقد المواطن ثقته فى إعلامه وصحافته. أيضا يجب العمل على عدم السماح للإعلام بأن يتحول إلى سلاح فى مواجهة الدولة أو إضعافها. هذه معادلة تبدو صعبة لكن حلها بسيط ويكمن فى اعتماد المهنية كخيار وحيد لممارسة المهنة وبعدها يتم تحديد الرسائل وصياغتها بالحرفية اللازمة.

قد يرى البعض هذا غيابا للشجاعة، ولكنى أعتقد أن مفهومى للشجاعة هنا مختلف، أعتقد أن الحفاظ على كيان المؤسسة وبها 400 من العاملين مع الحفاظ على الحد المهنى الأقصى المتاح هو شكل من أشكال الشجاعة التى تحمل المسؤولية.

نحن نحاول دائماً، وننجح كثيراً، فى المغامرة التى أحاول أن تكون محسوبة فى طرح الأفكار والرؤى، حتى لو خالفت بعض توجهات النظام، دون صدام بلا نتيجة سوى الإضرار بالمبادئ العامة التى ارتضيناها.

هذا بمناسبة الحوار الدائر حول ما ننشر وما نتحفظ على نشره، ومتى ننشر ماذا؟ ومتى لا نتمكن من نشره؟ الحاكم هنا، كما ذكرت، المهنية والمصلحة العامة كما نراها.

للتغيير مفاهيم مختلفة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

المبشرون بالتغيير محقون في الأهداف التي ساقوها في حديثهم عن تغيير في سياسات الدولة خلال الفترة المقبلة، قد نختلف معهم في بعض الآليات والإجراءات، لكننا نتفق بالتأكيد مع ضرورة وفلسفة التغيير نفسها.

وبما أن الأمر طُرح للنقاش العام، فأود أن أوجه كلمة للمبشرين بالتغيير، والقائمين عليه أيضًا. أود أن أقول إن أسوأ أنواع التغيير هو التغيير الشكلى الذي لا يقترن بتغيير في الأفكار أو أساليب معالجة الأزمات، وكذلك طبيعة التعامل بين السلطة من جانب، والشعب من جانب آخر.

فطوق النجاة للأنظمة السياسية، وتطورها، لمواكبة التحديات الصعبة في الحاضر والمستقبل، هو قدرتها على صياغة مفهوم حقيقى وواضح للتغيير، الذي لا يولى بالضرورة نسف الواقع واستبداله بواقع جديد، وإنما مفهوم يقود الواقع للتغيير.

أقول في أذنهم إن التغيير هو فعل حتمى، إما أن تقوده أو يقودك، وتجارب العالم من حولنا تؤكد ذلك، فكم من نظام عالمى أو أممى قاد شعوبه بالتغيير للتغيير، وكم من زعيم أو رئيس أو ملك أو حتى رئيس وزراء قاد شعبه إلى بر النجاة بالتغيير. والتجارب سهل الوصول إليها، وأسعد بشكل شخصى عندما أسمع أحد المسؤولين هنا يتحدث عن استلهام تجربة عالمية لإحداث تغيير أو تجديد في ملف تابع له، لكننى في الوقت نفسه أحزن لأن كلامهم عادة ما يكون مبنيًا على أحلام يستحيل تطبيقها، بسبب فقه الأولويات مرة، وعدم الدراسة في مرة أخرى، وقلة الإمكانيات في مرة أخيرة.

أقول كذلك إن تجديد الدماء، أو إدخال ملامح مختلفة من داخل المجتمع في هيكل الحكم والإدارة، هو ذلك المستوى من التغيير الذي أتحدث عنه، وأظن أن حركة المحافظين الأخيرة أحد أشكال هذا التغيير، وهى الحركة التي احتوت على عدد كبير من الشباب، ولكن من المهم أن نبنى عليها، وأن نرسخ للمفهوم الأوسع والأشمل.

المهم أيضًا أن نؤكد أن التغيير لا ينسف الاستقرار، بل سيؤدى إليه حتمًا، فالاستقرار بمفهومه الأشمل يرتبط بتبنى أفكار مرتبطة بمفهوم التغيير كأسلوب ووسيلة، وهذه نقطة أساسية أعتقد أنه ينبغى إعمالها في السلوك والتصرف لمَن أراد من النظام الحفاظ على استقرار مجتمعه.

أخيرًا، أتصور أن المبشرين بالتغيير يدركون ما أقوله، كما أتصور أن قادة هذا التغيير يدركون أيضًا ما أقوله، قد تكون المشكلة في نقطة الانطلاق والقدرة على الاستمرار في التغيير، وهو تحدٍّ صعب وحقيقى، فإن نجح لَنَجَوْنا جميعًا.

مهرجان القاهرة.. والقوة الناعمة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تعيش مصر الآن حدثاً أظنه مهماً للغاية، وهو إقامة الدورة الـ٤١ من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، والذى جدد دماءه خلال السنة الماضية والحالية بقيادة شابة للمنتج والسيناريست محمد حفظى، وإدارة فنية للناقد الشاب أحمد شوقى، الذى أكمل ما بدأه الراحل العظيم يوسف شريف رزق الله.

من يَرَ المشهد فى دار الأوبرا المصرية، حيث تقام أغلب فعاليات المهرجان، يدرك مدى الشغف والعشق الذى يكنه آلاف الشباب للسينما الجيدة التى تقدمها إدارة المهرجان هذا العام، والتى تجلت فى فيلم الافتتاح «الأيرلندى» لمارتن سكورسيزى، وعدد آخر من الأعمال الجديدة التى تُعرض لأول مرة فى العالم، وفى منطقة الشرق الأوسط.

من يَرَ المشهد يدرك مدى الأهمية الكبيرة للفن السابع كأحد الروافد المهمة للقوى الناعمة لأى بلد، وهو ما أتمنى أن تدركه الدولة، لما لهذه القوة من تأثير كبير فى العقول والضمائر، والتى تعتبر رأس حربة للدولة فى مكافحة التطرف والإرهاب.

والقوة الناعمة مفهوم صاغه جوزيف ناى من جامعة هارفارد لوصف القدرة على الجذب دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع، والقوة الناعمة أو الليّنة مصطلح سياسى حديث العهد، عرفه الفلاسفة والسياسيون القدماء بعدد من التعابير منها «التأثير والإقناع والثقافة والنموذج».

وتعد الغاية من القوة الناعمة الهيمنة والسيطرة على القدرات والمقومات السياسية للطرف المستهدف، وبمعنى آخر الغزو الثقافى والأيديولوجى، دون أن تظهر هوية الفاعل الحقيقى، ويرى الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو أن القوة الناعمة تتضمن إجبارًا وإلزامًا غير مباشرين على التغيير، وتعتمد فى ظهورها على القوة الصلبة وتقوم بأعمال تعجز القوة الصلبة عن القيام بها.

ولكن هل القوة الناعمة فى مصر قادرة على إحداث هذا الفارق؟ أعتقد أن الإجابة نعم، وما يحدث فى أيام المهرجان دليل على ذلك.

المشكلة الحقيقية أنه خلال الفترة السابقة تم إغفال دور القوة الناعمة تماما، التى كان الجميع، بمن فيهم الرئيس، يعوّل عليها الكثير فى كثير من الأزمات، لاسيما مكافحة الإرهاب، وغيرها.

عانت القوة الناعمة المصرية فى جذب السياحة خلال الفترة الماضية، وعانت فى تسويق قدرة الدولة على احتواء المستثمرين الأجانب، وفشلت فى عدد من القضايا التى استحوذت على قدر كبير من الاهتمام.

أتمنى من جديد أن تدرك الدولة أهمية تلك القوة، وأن تدعم مثل تلك المهرجانات، وأن تدعم صناعة السينما والنشر والصحافة والمسرح والأدب. أن تدعم ولا تملك، أن ترفع سقف الإبداع، لأن البضاعة الجيدة ستطرد الرديئة فى النهاية.

اطمئنوا.. فـ«لا استجابة»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

نهج الإدارة الأمريكية الحالية تجاه فلسطين، ومنذ تولى دونالد ترامب الرئاسة، لم يتغير. لكن المدهش أن نهج العرب هو الآخر لم يتغير.

ترامب يهدف إلى محو الهوية العربية، وتغيير ديموغرافية الأرض الفلسطينية بشكل أساسى. فمنذ فترة، اتخذ قراراً بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى واشنطن، وها هو يتخذ موقفاً جديداً تجاه المستوطنات الإسرائيلية، حيث لم تعد واشنطن ترى أن بناء تلك المستوطنات بالضفة الغربية انتهاكًا للقانون الدولى، فيما تخضع للقانون الإسرئيلى.

نعم، هناك ردود فعلٍ وتصريحات إدانة وشجب عربية، ولكنها فاترة. نعم، هناك تغطية إعلامية على الفضائيات المتناثرة في سماء الوطن الأكبر، ولكنها روتينية للغاية. الموقف العربى مستمر كما هو، لا أستطيع القول بأنه تغير، قد يسوء في أوقات ما، وإزاء رؤساء أمريكان بعينهم، لكنه لا يتغير.

الواقع مؤلم، فلا استجابة للجسد العربى، كأن المسكنات أعيته، فصار جسداً لا يشعر بما حوله. صار جسداً ميتاً يعيش مأساة كاملة، لذا أخشى أن يكرر ترامب قوله عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة «لقد حذرونى من غضب العرب، ولكن لم يحدث شىء»!، بل إنه تمادى في سخريته عندما ذكر أن أحد ملوك العرب هاتفه وقت توقيعه قرار نقل سفارة واشنطن إلى القدس، وانتظر أن يحدثه في الأمر، لكنه لم يتحدث عن الموضوع في الأساس.

لقد بعث البيت الأبيض بضوء أخضر إلى إسرائيل كى تفعل ما تشاء دون مضايقة عربية- ولو حتى صوتية- حيث انتقل من نهج الإدارات السابقة المعروف بانحيازه لإسرائيل مع قلق من غضب وشجب عربى، إلى دعم دينى وقومى متطرف، مع إهمال كامل للصوت العربى- حتى في الداخل الأمريكى نفسه.

البيت الأبيض غض الطرف بشكل كبير عن ضرب غزة، فيما يشرعن بناء المستوطنات في الضفة، ليس ذلك فقط، بل إن هناك تقارير تؤكد على أن نتنياهو ينتوى قطع الطريق على كل من سيتبعه من حكومات ورؤساء لاحقين، ويعلن عن ضم غور الأردن وشمال البحر الميت، بما لا يقطع الطريق على دولة فلسطينية مستقلة، فحسب، بل ويغلق سبل العيش والحياة لثلاثة ملايين فلسطينى في الضفة الغربية والقدس.

المدهش أن تلك التقارير- ولا شك- تعرفها الكثير من مراكز الأبحاث والدراسات ودوائر صنع القرار العربى، ولكن «لا استجابة».

نحن إزاء حالة معقدة، تكتسب فيها إسرائيل مزيداً من الهدايا والعطايا الأمريكية، مقابل «لا استجابة» عربية.

هل هو صعود جديد؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

جاء الغنوشى إلى رئاسة البرلمان التونسى. صعد رجل الإخوان الأول فى تونس إلى قمة هرم السلطة هناك. جاء الوجه الحقيقى للجماعة يسعى لينير الأضواء الحمراء من جديد، خوفًا من خطر يترصد كل البلاد العربية، وفى قلبها مصر.

الغنوشى جاء بالانتخابات، أى باختيار أعضاء البرلمان أنفسهم، وعدد الأعضاء من حزب النهضة هو الأكبر بين الأحزاب. الخطوة تشبه كثيرًا ما حدث فى برلمان ٢٠١٢ ذى الغالبية الإخوانية، لكن الظروف مختلفة، فالإخوان الآن ليست لهم نفس السطوة والانتشار فى البلاد العربية، كما أنهم طُردوا من حكم مصر بثورة كبيرة، وفقدوا كذلك تعاطف كثير من دول العالم بسبب إرهابهم الدموى وتهديدهم المباشر لحياة الآمنين فى كل مكان، ولكنهم عادوا إلى سيرتهم الأولى فى العمل من تحت الأرض – دعويًّا وإرهابيًّا – فى عدد من البلاد المجاورة لنا، حتى حققوا غرضهم فى تونس.

أرى أن التخوف الذى ينتاب البعض فى مصر من صعود تيار الإسلام السياسى مرة أخرى بقوة طبيعى، وما يحدث فى السودان ودول المغرب العربى يعد حاضنة قوية لهذا الصعود الجديد، خاصة مع ما شهدته تونس مؤخرًا، وتشهده الجزائر على وجه الخصوص فى هذه المرحلة التى تغيب فيها قوة مركزية واحدة، وأيضا يغيب عنها تيار سياسى قائد.

أعتقد أنه إذا كانت هناك فرصة للإسلاميين للظهور مرة أخرى، بعد محاصرة داعش فى سوريا والعراق وإسقاط الإخوان فى مصر، فإن بلاد المغرب العربى – خصوصًا تونس والجزائر – هى أحد أهم البلاد المرشحة لاستقطابهم، خاصة مع التغيرات السياسية التى تحدث هناك، والحراك الكبير الذى يشهده الشارع، وصعود نجم الإسلاميين ـ السلفيين ومن خلفهم الإخوان ـ وتصديرهم فى الإعلام المغربى والأجنبى باعتبارهم صوت المعارضة المعتدلة.

ولا يغيب عن هذا أن الجزائر التى شهدت عشرية سوداء نجحت فى تجاوزها بالعنف، ما زالت تخبئ تحت الرماد غضبًا كبيرًا من الإسلاميين جاهزًا للخروج والانفجار فى أى لحظة.

وإذا أضفنا إلى ما سبق المشهد الذى لا يزال مشتعلًا فى ليبيا، والتحرك القطرى فى اتجاه دول المغرب العربى، فإننا إزاء «مغرب عربى» متغير يتحرك على بحر رمال متحركة، وقد يفاجئ الجميع فى لحظة بصعود تيار إسلامى قوى.

أقول مرة أخرى، إن الخوف طبيعى، لكن العمل لتفادى حدودنا الخطرة هو المطلوب حاليًا، فلابد من الوقوف فى وجه حالة النشاط الراديكالى المتحرك هناك، لابد من أخذ الأمر بجدية شديدة على كل المستويات، حتى لا نفاجأ بهذا التهديد وقد عبر الحدود.

وزارة «التربية» والتعليم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تابعت مثل الكثيرين أزمة الفيديو التعليمى الكرتونى الذي نُشر على موقع «بنك المعرفة»، التابع لوزارة التعليم، والذى أنتجته شركة Discovery Education، وأثار غضب أولياء أمور طلاب الصف الثانى الثانوى وانتقاد كل من شاهده، بسبب ما وصفوه بـ«الطريقة المبتذلة والعشوائية، واستخدام لغة تحث على التحرش بالمرأة».

الفيديو باختصار شديد، كان لوصف درس «دوال كثيرة الحدود»، إذ قال المعلق فيه: «وإنت واقف مع أصحابك عند الكشك بعد المدرسة، عادى يعنى، خرجت (حتة بنت) من المدرسة التجريبى اللى جنبكم، إيه قمر، القعدة اتكهربت واللى صفّر واللى راح كتب نمرة تليفونه في ورقة ورماها عليها (…) لقيت أستاذ عبدالجليل واقف جنبك وبيقولك إيه اللى إنت بتعمله ده يا بنى.. إنت عارف دى تبقى بنت مين.. دى من عيلة الدوال كثيرات الحدود».

الفيديو احتوى أيضًا على ألفاظ مثل «توقعت إن البت تبوسك مثلًا، وأنا مش مصاحبة»، وغيرها من ألفاظ معجم ينطقه الكثيرون في الشارع هذه الأيام، ولذلك أتفهم جيدًا حالة الغضب التي انتابت البعض، فاللغة الموجودة في الفيديو أراها متدنية في المستوى ولا تتناسب مع طبيعة مادة توجهها وزارة «التربية» لمن هي مسؤولة عن تربيتهم، ودرس في الرياضيات أرادوه مبسطًا فخرج ركيكًا تقليديًا لم يفعل إلا إثارة الغضب. لكن ما لا أستطيع تفهمه هو ذلك التعالى المتكرر في تعامل الوزارة مع أي انتقاد، الذي عادة ما يكون بطريقة تربوية تعليمية، وكأنها دروس في الأخلاق.

وبعيدًا عن الإيحاءات والإيماءات، فإن الفيديو- ووفقا لرأى متخصصين- يشرح الرياضيات بشكل تقليدى كما وردت في الكتاب، أي بدون أي إبداع.

وزارة التعليم مازالت تتعامل مع أي أزمة أو غضب يُثار وكأنها منزّهة عن الخطأ، وكأن المنتقدين- وفيهم أساتذة ومتخصصون في الرياضيات- لا يشغلهم سوى ترصد الأخطاء للوزارة التي أوقعت نفسها في شَرك مشكلات كثيرة بسبب التعجل في إحراز أهداف دون دراسة الخطوات بشكل جيد، وإهمال مشكلات حقيقية يعانى منها التعليم منذ فترة، بل اختصارها في «التابلت» وأعوانه.

وعلى الرغم من ذلك، أسجل اعتراضى كذلك على حالة الترصد- إن كان هناك ترصد في الأساس- لأنى في النهاية مع فكرة التجربة والخطأ التي تؤدى في النهاية إلى الوصول إلى الهدف المبتغى، لكنى لست مع ارتكاب الخطأ وتبريره، والذى تمارسه وزارة التربية والتعليم بكل قوة. أتمنى كذلك أن تتبنى الوزارة مفهومًا خاصًا للأخلاق، لأنها في النهاية وزارة «أخلاق» قبل أن تكون وزارة «تعليم».

صحيح أن «مصادر» بالوزارة قالت إن الوزير أعطى تعليماته بحذف الفيديو، لكن رد الفعل كان متأخرًا ومُجَهّلًا وكأنه «لا مبالى». ولا أعلم من أين تأتى القوة على هذا التعالى مع الرأى العام

حتى لا نكون «كيب تاون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ماذا لو وصلنا إلى مرحلة «الفقر المائى الكامل»؟. سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا وبجدية، كنتيجة محتملة – ولو بنسبة ضعيفة للغاية – لاستمرار أزمة بناء سد النهضة الإثيوبى.

السؤال مشروع، حتى لو كانت نسبة تحققه على أرض الواقع ضئيلة، ولهذا وجدتنى أستدعى مثل كثير ممن لديهم ذاكرة إخبارية قوية، تجربة «كيب تاون» الجنوب إفريقية منذ نحو عام ونصف العام، عندما ضربتها ظواهر مناخية نادرة تمثلت فى شح الأمطار على مدار 3 سنوات، تسببت فى تدنى مناسيب مياه السدود، وبالتالى قلت حصص استهلاك الأفراد، بل خاف سكانها من أن تصبح أول مدينة فى العالم يتم قطع المياه عنها بالكامل.

لكن ما حدث كان النقيض، حيث نجحت «كيب تاون» فى تفادى الكارثة من خلال الحيل التكنولوجية لاستغلال مكامن المياه الجوفية وتحلية مياه البحر. وهذا يرجع إلى حد كبير إلى واحدة من حملات الحفاظ على المياه المتاحة فى المدينة، كانت الأكثر حماسة من أى وقت مضى.

خلال فترة قلل سكان «كيب تاون» استخدامهم للمياه لأكثر من النصف، من 1.2 مليار لتر فى اليوم فى العام 2015، إلى ما يزيد قليلًا على 500 مليون لتر فى منتصف 2018، وهو معدل قياسى بالطبع لم تصل إليه مدينة غيرها.

إذن، الأزمة كانت فى إدارة الموارد، حيث إن الفقر المائى الذى تعانى منه كيب تاون وعدد من المدن الأخرى فى العالم يعود إلى أن الكثير من المناطق حول العالم قد وصلت إلى ما يعرف بـ«حد الذروة المائية»، حيث تم استهلاك كل موارد المياه المتاحة والمتجددة ولا تتوافر موارد جديدة تقليدية.

الأزمة كانت فى إدارة الموارد، وهو ما يجب أن نؤمن به كمصريين – سواء وصلنا إلى المرحلة الحرجة أم لم نصل.

لابد من تغيير ثقافة الاستهلاك. لابد من اكتساب مفاهيم واضحة لسياسة ترشيد المياه، مثلما فعلت المدينة الإفريقية، بل تفعل كل المدن التى واجهت نفس المصير. لابد كذلك من حلول خارج الصندوق، مثل التنقيب أكثر عن المياه الجوفية، وكذلك التوسع فى مشروعات تحلية مياه البحر.

لابد ألا نتجاهل التحذيرات المتكررة من خبراء المناخ والمتخصصين، حتى نكون مستعدين لأسوأ الظروف، والتى إن لم تأت، فإنها ستعود بالفائدة على مصر.

هذه أمنياتى لأمر «علمى وعملى» محتمل، حتى لو كان التوقع أن تحل أزمة سد النهضة سياسيًا.

هل سنطوي صفحة سد النهضة؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

اعتبرت نتيجة مشاورات أطراف أزمة سد النهضة التي أقيمت في واشنطن منذ يومين، تحركاً إيجابيا محدوداً لصالح مصر، لا سيما في مسألة دخول أطراف دولية، أو بمعنى أدق وسيط دولى، على خط القضية الشائكة، التي أخذت من المفاوضات الكثير.

لقد طالبت مصر في الأسابيع الأخيرة بوسيط دولى في القضية، وذلك بعد التأكيد على أن المحادثات الثلاثية، التي أجريت على مدار نحو 8 سنوات، وصلت إلى طريق مسدود، بعد تمسك الطرف الإثيوبى بمطالبه، وما يرى أنها حقوقه في التنمية عبر توليد الكهرباء، وتشبث الجانب المصرى بحقوقه التاريخية في الحصة المائية التي يحصل عليها منذ أمد بعيد.

وكانت روسيا هي أول خيط الوسيط الدولى، بعد أن التقى الرئيس السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، على هامش القمة الروسية الإفريقية في سوتشى، والتى انعقدت منذ أكثر من أسبوع، لتليها مشاورات واشنطن، التي عقدت برعاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذي أكد للرئيس المصرى حرصه الشخصى على نجاح تلك المفاوضات.

وبالفعل، فإن البيان المشترك الذي صدر من وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة البنك الدولى والولايات المتحدة بشأن تلك المشاورات، جدد خلاله ممثلو الوفود الثلاثة تأكيدهم الالتزام بالتوصل إلى اتفاق شامل وتعاونى مستدام ومتبادل للمنفعة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبى.

وألمح البيان المشترك إلى أنه حال عدم التوصل إلى اتفاق في الموعد المحدد، سيوافق وزراء الخارجية على اللجوء إلى المادة 10 من إعلان المبادئ لعام 2015، وهى التي تحمل اسم مبدأ «التسوية السلمية للمنازعات»، وتنص على أن «تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقًا لمبدأ حسن النوايا»، وتضيف «إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول أو رئيس الحكومة».

شخصياً، أرى أن هذا التلميح ستتبعه تحركات على المستوى الرسمى لعقد اجتماع قد يضم زعماء الدول المعنية، في وجود وسيط دولى، أو مجموعة وسطاء، ومنها الإدارة الأمريكية والبنك الدولى، وأن يكون هذا الاجتماع في غضون المهلة المقررة- منتصف يناير المقبل- وأتوقع كذلك أن تحدث حلحلة للأمر، إثر دخول أطراف أخرى على خط الأزمة، لها رؤيتها الخاصة في ظل تمسك كل طرف بوجهة نظره.

وأرى كذلك أنه سيعاد النظر في بعض الأمور الخاصة بالاتفاقيات التي أبرمت مثل إعلان المبادئ 2015، وعلى هامشها اتفاقيات توزيع الحصص التي يرجع تاريخها إلى أكثر من 50 عاماً.

أتمنى أن أكون محقاً لطى تلك الصفحة التي طالت أكثر من اللازم.

قد يكون ما حدث بداية لحلحلة الأزمة.

حقوق الإنسان المصرى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تعرضت مصر وتتعرض لمواقف متكررة تضعها فى موقف الدفاع عن ملف حقوق الإنسان. وهذا ينتج عن الضغوط الدولية، أو الداخلية من جماعات ومجموعات حقوقية. وعلى الرغم من أن هناك فى أحيان متعددة حالة من التحامل على مصر ومحاولة «حشرها» فى موقف المتهم بناء على مواقف مسبقة وحسابات لأطراف دولية وإقليمية فى أحيان عدة إلا أن هذا لا يمنعنا من المطالبة بالتعامل الجاد مع هذا الملف وهذه الملاحظات. ليس من أجل سواد عيون المنظمات الأجنبية والأطراف الدولية، أو خَضَارها، ولكن من أجل المصريين أنفسهم. فمصر دولة تستحق أن تكون فى وضع أفضل كثيرا مما هى فيه الآن فى أمور عديدة، ومن بينها ما سماه العالم حقوق الإنسان، وما أسميه أنا حق المصريين فى العيش الكريم واحترام آدميته وحقوقه، وهذا أقل ما يجب لدولة هى بالفعل أم الحضارات.

من هنا أطرح مجموعة من النقاط التى يجب التعامل معها بجدية فى ملف حقوق الإنسان، يمكننى رصد أهمها فيما يلى:

ـ على مصر التعامل بجدية مع جميع ملفات حقوق الإنسان المطروحة، وعدم الاكتفاء بتقديم ردود رسمية فى المؤتمرات الدولية لتبرئة ساحتها، بل حل هذه المشاكل من جذورها، فالملاحظ أن معظم هذه الاتهامات مزمنة، وتُوجه ضد مصر منذ عقود، وأن مصر تقدم نفس الردود فى الغالب، ولا حل هنا سوى التعامل بجدية مع هذه الأمور لمعالجتها من جذورها، حتى يتم استبعادها تماماً من ملف مصر الحقوقى.

ــ تأصيل ثقافة حقوق الإنسان فى المجتمع، عبر حملات إعلامية ضخمة، ولا تشمل هذه الحملات المواطنين فقط بل المعنيين من المسؤولين.

ـ اقتناع أطراف الدولة المختلفة بأهمية تطبيق ثقافة حقوق الإنسان، وأنها ليست مجرد رفاهية تخص الغرب، وتطبيق ذلك على كافة المؤسسات الرسمية.

ـ فتح المجال لبعض المؤسسات الدولية الحقوقية، والتعاطى معها دون تضييق.

ـ التواصل مع أطراف المجتمع المدنى المصرى بشكل أوسع، والتوقف عن التعامل باستراتيجية من ليس معنا فهو ضدنا، ومحاولة كسب المجتمع المدنى فى صف الدولة.

ـ تبنى قانون كفيل بضمان التوازن بين اعتبارات حرية التأسيس والنشاط واعتبارات الأمن والشفافية، ويكون مستقرا ومتوافقا عليه ويتمتع بالاستدامة ويحقق التوازن والاستقرار فى العمل.

– أهمية إجراء حوار مجتمعى واسع مع أطياف المجتمع المختلفة حول ثقافة حقوق الإنسان، والوصول إلى توصيات يتم تنفيذها، والعمل عليها كخطة مستقبل.

– تكثيف الحوار بين أعضاء البرلمان والمجتمع المدنى لبناء التوافقات الضرورية من أجل التوصل لآليات تفاهم وتعاون وتنسيق لا تتوقف عند حدود تنظيم عمل الجمعيات الأهلية وغيرها من فضاءات المجتمع المدنى.

هذه بعض نقاط أظن انها قابلة للتطوير والزيادة والحوار حولها.

الأسلوب العلمى.. واختراع العجلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تتردد خلال الفترة الماضية أحاديث عن محاولات إصلاح الخط العام للدولة، وذلك عن طريق اتخاذ إجراءات وقرارات من شأنها إعادة ترتيب الوضع المصرى وتحديد الأولويات لاستكمال خريطة الإصلاح التى بدأت مع العهد الحالى.

تلك الخريطة وضعت أهدافًا نبيلة بعيدة، إلا أن طريق الوصول إليها صعب وشاق، ويحتاج كثيرًا من الخطوات والتحديات، كما يحتاج أيضًا العقل والمنطق.

فى هذه النقطة تحديدًا، أريد أن أُذكِّر القائمين على إدارة هذا الملف بأننا فى هذا الأمر لن نخترع «العجلة»، ولا المطلوب أصلًا أن نخترعها من جديد، بل إن الواقع والظروف الحالية وما يعيشه العالم من تقدم يُحتِّم علينا أن نتبع الأسلوب العلمى فى التفكير والتخطيط، وأن نستعين بالمتخصصين فى كل المجالات، واستقبال أطروحاتهم وأفكارهم، ومناقشتها علميًا، من أجل الوصول إلى نقاط الضعف والقوة، ومن ثَمَّ الاستفادة القصوى منها.

وهذه النقطة مهمة جدًا، لأننا دفعنا أثمانًا باهظة نتيجة الاعتماد على الاجتهاد من دون خبرة أو علم.

من المهم كذلك إخضاع تلك الأفكار لقياسات علمية صارمة، لبيان مدى نجاح تطبيق تلك الإجراءات.

نحتاج أيضًا استنباط توصيات لوضعها أمام أجهزة الدولة المعنية، لمعرفة إمكانية وكيفية تنفيذها، ومدى استفادة الدولة منها فى المستقبل، والإيجابيات التى تعود علينا منها، والسلبيات التى قد تضرنا جراء اتخاذ قرار فى غير محله، ولا وقته.

ضرورى كذلك أن نعترف بأخطائنا، فهو بداية الطريق نحو الفعل الصحيح، كذلك مطلوب ألّا نخجل من الاستعانة بالخبرات العالمية فى عملية إصلاح المسار تلك، لأن العالم تقدم بالأسلوب العلمى، وسبقنا فى هذا الأمر بسنوات ضوئية، فالاستعانة بهذه الخبرات تجعلنا نختصر وقتًا طويلًا من الحفر فى الصخر.

بقى أن نقول إن التوقيت مثالى للمراجعة وإعادة المسار، المهم فقط هو توفُّر الإرادة والقناعة بأن إصلاحًا داخل الإصلاح لا يُعتبر تراجعًا، بل هو تقدم، لأننا فى النهاية نريد تحقيق الهدف من الإصلاح.

لابد فى النهاية من الاتفاق مع الفكرة القائلة إن المقدمات المتشابهة تؤدى دائمًا إلى نتائج متشابهة، ومن السذاجة الاعتقاد بأن المقدمات المتشابهة قد تأتى بنتائج غير متشابهة.