تكريم بريطانى لتجربة يمنية

DSC_8195

نحتاج أحيانا للتوقف عن اللهاث وننظر حولنا لملتقط الأنفاس ونفكر أحيانا ونتعلم أحيانا أخرى. كنت أفكر فى الموضوع الذى أكتب عنه، هل هو قانون تنظيم التظاهر، أم تضحية الإخوان بشباب وبنات غيرهم كوقود يحرقونه لتحقيق أهدافهم المجنونة، أم لإدارة الحكومة ملفاتها التى لو استمرت كما هى لدفعت بنا إلى المجهول؟.. بينما أنا غارق فى التفكير لفتت نظرى صورة سيدة فى قصر بكينجهام، قصر الملكة فى بريطانيا، رفعت مستوى الصوت لأسمع تفاصيل الخبر، ساعتها وجدت أن هذه السيدة هى المناسبة للخروج من خلال قصتها من حالة اللهاث، واكتشاف أن هناك عالما آخر حولنا يمكن أن نراه ونشاركه تجاربه، ويمكن لنا هنا أن نتعلم معه.

 

الخبر يقول إن الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، قلدت الناشطة اليمنية، مديرة منظمة الإغاثة والتعليم اليمنية، نورية ناجى، وسام الشرف (OBE) ولقب السيدة عالية الشأن Dame، تكريما لها على الأعمال الخيرية التى تقوم بها فى اليمن تجاه المرأة والطفل.

 

نورية تعد من أبرز الناشطات اليمنيات فى مجال حقوق الإنسان والأعمال الخيرية، ولاسيما المكرسة لخدمة الطفل والمرأة فى اليمن، وقد اختيرت لمنحها وسام الملكة إليزابيث ضمن قائمة طويلة من الشخصيات التى تعمل فى المجال الحقوقى والإنسانى والخيرى التى رشحت لنيل الوسام من جميع أنحاء العالم.

 

بحثت عن معلومات عن هذه السيدة، التى تجاوزت معرفتها والاهتمام بها حدود بلدها حتى تكرم دوليا. فاكتشفت أن رغبتها فى أن تكون عنصرا يبنى وطنه هو الدافع الرئيسى لتكون ما أصبحت، وكان تركيزها الرئيسى على أطفال الشوارع، أو الأطفال الفقراء، كما تفضل أن تسميهم، وهى تستخدم كلمة «استقطاب» بدل «استهداف الأطفال». فكلمة استهداف تنطوى برأيها على شىء من العدائية وتضع مسافة بين الطرفين ولو على صعيد الخطاب.

 

أسست ناجى «منظمة التعليم والإغاثة» منذ ما يقارب العشر سنوات، وهى منظمة غير حكومية، تقدّم المساعدة إلى نحو 440 طفلاً وطفلة، إضافة إلى 28 امرأة معظمهن أمهات لهؤلاء الأطفال.

 

وكانت دراسة حكومية، نفّذت عام 2007، قدرت عدد أطفال الشوارع فى اليمن بنحو 30 ألف طفل.

 

وتحاول ناجى الشرح للأطفال من منتسبى منظمتها أن كون المرء فقيراً لا يعنى أنه غبى، مؤكدة أهمية غرس الثقة بالنفس. وتقدم منظمة التعليم والإغاثة لمنتسبيها الصغار دورات فى الكمبيوتر واللغة الإنجليزية ودروس تقوية لمدة ثلاثة أيام فى الأسبوع. ويبدو أن رئيسة المنظمة وجدت ما تفخر به، إذ صارت تضع اسم إحدى الطالبات- وتدعى فيروز- ضمن بروشور المنظمة. وتعد فيروز نموذجاً ناجحاً للأطفال الذين رعتهم المنظمة، وهى الآن طالبة فى جامعة خاصة.

 

عندما سألوها بعد التكريم ما هو أكبر دافع لك للاستمرار فى عملك، لم تحاول أن تجد إجابات ضخمة وتعبيرات معقدة، فقط قالت: «ابتسامة الأطفال فى الصباح».

 

هذا خروج عن حالة اللهاث التى نعانيها فى حياتنا وكتاباتنا، ولكنه كما ترون يصب، بشكل أو بآخر، فيما نعيشه. كم أتمنى أن أجد من بيننا من يمكن أن نكتب عن تجاربه ونلحظها ويلحظها العالم!

 

عقدة ثلاثين يونيو والحلم الضائع لأردوجان «2-2»

الجيش المصري

الجيش المصري

تناولت فى الجزء الأول من هذا المقال مساعى أردوجان للتمكين فى تركيا، وأواصل فى الجزء الثانى توضيح استراتيجيته وأهدافه العابرة للحدود، وما وصلت إليه.

على مدى السنوات العشر التالية نجح أردوجان تدريجيا فى السيطرة على الحكومة والشرطة والرئاسة والمحكمة الدستورية، وأغلق المؤسسات الإعلامية المعارضة، وزج بكل صحفى معارض لنظام الحكم فى السجن إلى درجة صارت فيها تركيا تحتل المركز الثالث بعد روسيا والصين فى عدد الصحفيين المسجونين، وتقهقرت تركيا من المركز الـ99 فى عام 2002 إلى المركز الـ154 فى عام 2013 بالنسبة لحرية التعبير عن الرأى، طبقا للتقرير السنوى لـ«مراسلون بلا حدود»، وأخيرا السيطرة على الجيش عندما نجح فى الإطاحة بمعظم قياداته عام 2011 واستبدل بهم أهل «الثقة» ومن يدينون له بالولاء.

تمكن أردوجان من تحقيق أهدافه، إنما على مدار عشر سنوات، والأهم أنه اهتم بالاقتصاد وحول تركيا من دولة على وشك الإفلاس إلى واحدة من الدول الأكبر اقتصادا فى العالم، واهتم بتحسين مستوى المعيشة للفرد الذى تضاعف دخله أكثر من ثلاث مرات، الأمر الذى جعل شعبية حزبه تتزايد على مدار ثلاث دورات انتخابية برلمانية، على الرغم من جميع سلبياته، ما شجعه على الكشف عن نيته لتغيير الدستور لتبنى النظام الرئاسى، حيث إن الدستور الحالى لا يسمح له بالترشح لرئاسة الوزراء مرة أخرى.

فشل حلفائه الذريع فى حكم مصر قد قضى على حلمه لعودة الخلافة التى سقطت عام 1927 على يد كمال أتاتورك، وكما قال كاتب تركى إن «التغيرات السياسية السريعة فى مصر وسوريا قضت على حلم الحكومة التركية فى تأسيس هيمنة استعمارية عثمانية جديدة فى منطقة الشرق الأوسط».

سقوط مرسى الذى مازال ينكره السيد أردوجان قد تسبب فى خلق مشهد إقليمى تبدو فيه تركيا وحدها، ويقف أردوجان محبطاً لسببين: الأول حزنه الشديد لسقوط حلم إعادة دول الخلافة التى فى القلب منها تركيا وخليفتها السيد أردوجان، والثانى ذعره من إمكانية تكرار سيناريو محمد مرسى معه شخصيا على يد الجيش التركى الملقب بـ«حامى حمى المدنية».

«سقوط (مرسى) أنهى حلم عودة الخلافة العثمانية لـ(أردوجان)»، قالها الكاتب التركى سيهان شيليك. وأضاف «شيليك»، فى مقال نشرته له صحيفة «حرييت»، إن «حكومة أردوجان ترفض الاعتراف بتحطم حملتها الإقليمية من خلال الأقمار الصناعية والأنظمة الموالية المفترض أنها إسلامية فى مرحلة ما بعد الربيع العربى».

ورأى الكاتب التركى أن «سياسة الإنكار فى السياسة الخارجية التركية فى الواقع لم تبدأ مع الإطاحة بالرئيس محمد مرسى فى مصر، لكنها ظهرت من قبل فى موقفها المتعجرف بشأن الأزمة السورية».

وأشار الكاتب إلى أن «سقوط مرسى فى مصر خلق مشهدا إقليميا أصبحت فيه تركيا وحدها على نحو متزايد».

وأضاف: «وعلى الرغم من الحرب الأهلية المستعرة ونتائجها الكارثية، سقطت سوريا فى الآونة الأخيرة مرة أخرى فى الأولويات الإقليمية للسياسة التركية، بسبب الأزمة التى كلفت أنقرة حليفا فى مصر». وتابع: «كما شهدت العائلة المالكة القطرية تسليما غير متوقع للسلطة، إذ تنازل أمير قطر عن السلطة بإرادته لابنه خليفته».

واستطرد: «لكن فى الحقيقة التغيير فى القيادة القطرية لم يكن أبدا مرتبطا بدعم الأمير القوى للمعارضة السورية المسلحة، ومن الواضح أنه تم فرضه من قبل جهات أجنبية، وعلى الأرجح الرياض وواشنطن، بسبب فشل الأمير المنتهية ولايته فى إحداث تغيير فى موازين الأزمة السورية، تمامًا كما فشلت الحكومة التركية».

وأوضح الكاتب التركى أن «الاجتماع الذى عقده مؤخرا وزير الخارجية، أحمد داود أوغلو، ومبعوثوه فى دول الشرق الأوسط يعطى أول علامة على أن الحكومة التركية بدأت تدرك أنها تحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة التكتيكية بشأن سياستها فى المنطقة فى مرحلة ما بعد الربيع العربى».

وأضاف: «وهو ما يعنى أيضا أن أنقرة يبدو أنها قبلت دحر حلم الخلافة العثمانية الجديدة من خلال التحالف الإسلامى، وإلا فإن النتيجة لتركيا ستكون أسوأ بكثير، إذ ستجد نفسها وحدها فى نهاية المطاف على جبهات مهجورة من قبل المعسكرات المتنافسة منذ فترة طويلة».

دعوة مبهرة:”أضف الى المكتبة”

اعتدت دائماً ان اطلع على كل الرسائل التي تصلني على بريدي الإلكتروني، وقد ثبت لي دوما ان هذه العادة تتيح لي فرصة الاستفادة بالاطلاع على موضوعات مهمة تضيع لو لم اعتني واهتم بما يصلني، وثبت لي صحة ذلك مرات عدة، من بين هذه المرات تلك الرسالة التي أتتني تحت عنوان “أضف للبشرية” والتي قد تعطي انطباعا سريعا انها رسالة من احد المنظمات الخيرية او غيرها من تلك التي تطلب تبرعا ودعما وهو A.Latifامر يشجع على تجاهل الرسالة من اللحظة الاولى، لكن العادة هي ما دفعتني لفتح الرسالة لتتاح لي فرصة الاطلاع على مشروع أراه مهما ويحتاج التبني، وان الاسم الذي اختاره أصحابه له هو جدير به.

“باختصار نحن شباب نحاول أن نقدم لبلدنا وأمتنا شئ يساهم في مسيرة تقدمها, أطلقنا مشروع اسمه “أضف

 للبشرية.. أضف لويكيبيديا” يهدف إلى زيادة المحتوى العربي (الضئيل جدا) على الإنترنت, عبر زيادة عدد المقالات العربية الموجود على الموسوعة الشهيرة مفتوحة المصدر: ويكيبيديا”، هكذا بدأ محمد جمال رسالته لي. وقد عرف نفسه بانه مؤسس مشارك. وهو مهندس كمبيوتر, ومتخصص في تطوير الأعمال Business Development, ساعد في تحويل أول محرك بحث عربي ذكي إلى شركة ناجحة, ويعمل حاليا مع واحدة من أبرز الـ Startups في القاهرة. محمد يعشق الكتابة, ويساعد حاليا في إعداد النسخة العربية من السيرة الذاتية للدكتور حاتم زغلول, المصري الكندي الذي اخترع الواي فاي. وهذه معلومة جديدة لي أظنها تستحق البحث فيها.وكما ترون فان الموضوع بحق يستحق القراءة والمتابعة والدعم. تصفحت الموقع عبر الرابط الذي كان مرفقا بالرسالة، واكتشفت أهمية الموضوع.

توقف المشروع بعد احداث يناير, لاعتقاد أصحابه أن الوقت قد حان ليتركوا فضاءهم الإلكتروني والتركيز على العمل في الأرض, لكن نتيجة الصعوبات والمشكلات التي واجهت مصر اكتشفا  اهمية العودة للمشروع وفي إمكانية إنجاز شئ حقيقي وكبير وضخم للأمة العربية ولو على الشبكة الإلكترونية.

بدأ المشروع في 2008 وكان وقتها عدد الموضوعات العربية على ويكبيديا حوالي 67 ألف موضوع فقط, وكان وقتها عدد الموضوعات باللغة العبرية يفوق هذا الرقم، لذلك قام محمد جمال وزميله في التأسيس هيثم نصار ببناء موقع إلكتروني يشرح فكرة المشروع, وأهمية ويكيبيديا وكيفية الإضافة إليها, وبدأنا الدعاية للمشروع, ولم نتوقع رد الفعل العظيم من مئات الشباب العربي الذي شارك وكتب موضوعات موسوعية مهمة للغاية باللغة العربية, ومنهم نماذج عبقرية مثل مهندسة عراقية أعدت بمفردها 500 موضوع.

انطلقت النسخة التجريبية من موقع مشروع “أضف للبشرية.. أضف لويكيبيديا” صباح يوم الجمعة 1 نوفمبر 2013, ليكون الموقع بأنشطته المختلفة أداة لكل من يرغب إثراء النسخة العربية من الموسوعة العالمية مفتوحة المصدر “ويكيبيديا”. المشروع يهدف للمشاركة في زيادة عدد الموضوعات العربية على ويكيبيديا إلى مليون موضوع, لتصبح اللغة العربية واحدة من أنشط 10 لغات على الموسوعة العالمية. ويوفر الموقع للنشطاء الذين يرغبون في المساعدة على تحقيق هذا الهدف العديد من المصادر والموارد لمساعدتهم, من أول موضوعات ومقالات تعليمية حول كيفية الإضافة للموسوعة وتحرير موضوعاتها, مرورا بقائمة من الموضوعات التي تنقص الموسوعة ليمكنهم البدأ في إضافتها, وكذلك كتب ومقالات تستخدم كمصدر للإلهام لإضافة موضوعات جديدة, وانتهاء بمقاطع فيديو حول كل ما يخص الموسوعة, ومسابقة شهرية لأفضل موضوع تم إضافته عبر نشطاء الموقع. استمرت المرحلة  التجريبية لمدة 3 شهور (تنتهي في 1 فبرااير 2014), وتهدف لاختبار الموقع وخصائصه وتجميع آراء ومقترحات الزوار والأعضاء, قبل إطلاق النسخة المكتملة من الموقع مع (فبراير2014)

استطعنا المساهمة في كسر اللغة العربية حاجز المئة ألف موضوع موسوعي على ويكيبييديا, والتغلب على نظيرتها العبرية.

ويكيبيديا هي موسوعة عالمية مفتوحة المصدر, بمعنى أنك تستطيع مطالعة موضوعاتها مجانا, وتستطيع المشاركة في تحريرها وزيادة محتواها, تحتوي على 30 مليون موضوع مكتوبة بـ 286 لغة (قام بكتابتها متطوعون) ويطالعها 365 مليون شخص حول العالم. عدد الموضوعات الإنجليزية على ويكيبيديا 4.2 مليون موضوع, بينما عدد الموضوعات العربية لا يمثل 1 على 16 من هذا الرقم (236 ألف موضوع), وعندما نعلم أن عدد متصفحي الإنترنت في العالم العربي حوالي 80 مليون مستخدم, وأن 65% منهم (وفقا لشركة مدار لأبحاث الإنترنت) لا يجيدون استخدام الإنجليزية, ندرك أن مستخدم الإنترنت العربي في أزمة معلوماتية, وأن النسخة العربية من ويكيبيديا أمامها الكثير لكي تقدم له ما يشبع نهمه للمعلومات.

بدأ التفكير في مشروع يشجع الشباب العربي على إثراء محتوى ويكيبيديا العربية عام 2008, وقتها كان عدد الموضوعات العربية على ويكيبيديا لا يتجاوز الـ 67 ألف موضوع (بعدد أقل من نظيرتها العبرية!), وتم إطلاق مبادرة “أضف للبشرية.

ويطرح 5 أسباب تحفز زائري الموقع للمشاركة في ويكيبيديا، وهي كما يوجهون حديثهم لزائر الموقع:

أن تكون إيجابي, وتشارك بعلمك/بخبراتك/بأي شئ تعرف عنه, في الموسوعة التي يستخدمها الملايين من العرب.

أن تشارك في عمل حضاري وتنموي كبير, بناء أكبر موسوعة عالمية مجانية توفر المعلومة للملايين دون مقابل, لنترك لأبنائنا من بعدنا مصدر معلومات عربي ثري ومجاني يعتمدون عليه.

أن تضع “اللغة العربية” في الصدراة, مثلها مثل باقي لغات العالم المتقدم.

أن تلفت نظر العالم, إلى أننا نستطيع عمل شئ حضاري ولسنا متراجعين في كل شئ حتى في العمل التطوعي.

أن تثبت لنفسك أنك قادر على القيام بتغيير حقيقي وتنمية حقيقية, ناتج ذلك سيحفز الآخرين ليحذون حذوك.

شاركنا لنصل إلى مليون موضوع عربي على ويكيبيديا.

الهدف هو أن تصبح اللغة العربية واحدة من أنشط 10 لغات على ويكيبديا العربية, مثلها مثل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية واليابانية, وذلك بالمشاركة في مضاعفة المحتوى الحالي ليصل إلى مليون موضوع عربي. وبهذا “يمكننا معا أن نضع اللغة العربية في الصدارة, مثلها مثل باقي لغات العالم المتحضر والمتقدم” كما قالوا على موقعهم.قم بإضافة موضوع ولو قصير إلى ويكيبيديا (كيف تضيف إلى ويكيبيديا خطوة بخطوة), ستجد عداد يعرض عدد الموضوعات التي شاركت في المشروع حتى هذه اللحظة, لنراقب تقدمنا في الوصول إلى الهدف, ولنتشجع سويا في الوصول إليه.

انا من الذين ينظرون الى ما يذكره موقع ويكبيديا بكثير من الحذر وأظن ان المعلومات الواردة فيه تحتاج دوما الى تدقيق، لكني اعتقد ان الهدف من هذا المشروع جديرة بان يبادر كل منا الى المشاركة باي شكل في دعمه.

عقدة ثلاثين يونيو والحلم الضائع لأردوجان «1-2»

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

لماذا لاقى طرد السفير التركى بمصر ترحيباً واسعاً من المصريين، واعتبروه قراراً يرد الاعتبار والكرامة الوطنية لمصر، بعد طول صمت وصبر أمام المواقف التركية المعادية والمسيئة؟ والسؤال الآخر: لماذا لم يدر بخلد أى مصرى أن لديه مشكلة مع الشعب التركى؟ أظن أن الإجابة عن السؤالين يمكن أن تتداخلا، فعلاقة المصريين بالأتراك هى علاقة تاريخية، والإحساس المصرى بأن العلاقة مع الأتراك هى علاقة ود وعشرة طويلة وتقارب فى الشخصية هو إحساس راسخ لا يتأثر بحماقات النظام التركى أيا ما كان، سواء نظاما عثمانيا أو نظاما أردوجانيا.

الجديد والأهم هو قرار طرد السفير التركى من القاهرة، سبق لمصر أن سحبت سفيرها منذ عدة أشهر كجرس إنذار لأردوجان، وتحملت كثيراً وصبرت، ووافقت على عودة السفير التركى فى أكتوبر الماضى، لعل أردوجان يراجع نفسه ويرتدع، لكنه ظل يتمادى فى مواقفه المعادية لمصر وشعبها وجيشها وثورة 30 يونيو، الجديد والرسالة الواضحة هنا هى طرد السفير التركى من القاهرة واعتباره شخصية غير مرغوب فيها.

مشكلة أردوجان مع مصر ليست فى تصريحاته التى يتدخل بها فى الشأن الداخلى فحسب، رغم أن هذا مرفوض، بل إنه يلاحق جهود مصر وخطواتها الخارجية، محاولاً إفشالها واستعداء العالم عليها، كما أنه يستضيف ويرعى التنظيم الدولى للإخوان ومؤامراته ضد مصر.. لقد دخل أردوجان فى تنافس مع شيوخ الدوحة فيمن يجتذب نحوه العدد الأكبر، لكنهم فى النهاية يعملون من أجل هدف واحد وينسقون الجهود لتنفيذه، وهو تدمير إرادة الشعب المصرى لصالح جماعته جماعة الإخوان.

من اللحظات الصعبة على أى إنسان أن يشهد حلم حياته وهو ينهار أمام عينيه ولا يملك أن يفعل شيئا، يصاب بالغضب، بالحزن، بالعصبية أو بالاكتئاب، هذه الحالة تجعل القدرة على التحكم فى النفس صعبة للغاية، وبالتالى ينعكس كل هذا على ردود أفعاله. كانت هذه حالة رجب طيب أردوجان، رئيس الوزراء التركى، الزعيم الوحيد الذى بدا غاضبا ومرتبكا وتخلى عن حذره فى التعليق على ثورة المصريين فى 30 يونيو، وبينما تحفظت دول العالم التى لها موقف متشكك مما حدث فى مصر، موقف الترقب حتى انجلت الصورة، لم تطلق دولة على ما حدث فى مصر وصف الانقلاب بشكل رسمى، حتى وإن اتخذ الإعلام فيها موقفا محايدا على الطرف التركى، قرر زعيمها مهزوز الشعبية، على عكس جميع زعماء الدول الأخرى، أن يتخذ موقفا شديد العداء للمصريين، وأطلق تصريحات ضد الجيش المصرى لأنه تحيز لما سماه الأقلية (هذه الأقلية التى خرجت يدور عددها حول رقم ثلاثين مليون مصرى على الأقل).

يبدو أن تاريخ الثلاثين من يونيو يشكل أزمة شخصية فى عقل أردوجان، فى ذلك التاريخ 30 يونيو عام 1979 بعد عام واحد على تولى نجم الدين أربكان، الأب الروحى للإسلام السياسى فى تركيا- أسقطه الجيش التركى فى رابع انقلاب له منذ عهد كمال أتاتورك- رئاسة الوزراء، بعد أن نادى إلى التقارب مع إيران والبعد عن «الغرب الكافر». فى هذه الفترة كانت بداية أردوجان حياته السياسية برعاية أربكان.

بعد عدة أشهر من عزل أربكان وفى نفس العام ألقى أردوجان خطابا وسط مؤيديه قائلا: «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا»، بسبب هذه الكلمات التى ألقاها أردوجان وسط مؤيديه سجن لمدة أربعة أشهر بتهمة إثارة الفتنة والتحريض على الكراهية الدينية، كان ذلك بعد أربعة أشهر من عزل أربكان.

أدرك أردوجان أن الطريق الصحيح للتسلل إلى منطقة السيطرة على المسرح السياسى لا يمكن الوصول إليه إلا باتباع أسلوب لا يصطدم بما يقتنع الأتراك به من أن الحفاظ على مدنية الدولة هو أمر غير قابل للمساومات السياسية، لذلك فقد وصل إلى قناعة بأن يسلك طريقا طويلا ملتويا لتحقيق هدف الوصول للسلطة، ووجد أن الطريقة الأمثل هى تبنى صورة إسلام أكثر وسطية، هذا الاختيار هو القادر على الصمود أمام جيش وضع هدفه الرئيسى التصدى لأى محاولة تغيير لهوية تركيا المدنية، وبذلك نجح بالفوز فى انتخابات رئاسة الوزراء فى عام 2003، وفى أول خطاب له أعلن عن نيته دعم ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، هذا الانضمام المستهدف كان يتطلب تأكيد الالتزام بحقوق المواطنين، وفى ظاهره يؤكد مدنية الدولة، ولكن فى باطنه يضمن تقليص صلاحيات الجيش. ووجد الجيش نفسه عاجزا عن التحرك لمواجهة ما اعتقده خطرا على مدنية الدولة، لأنه لو اتخذ موقفا مضادا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى كان ببساطة سيصطدم بمطلب المدنيين وحماسهم الانضمام للاتحاد الأوروبى، ولا يستطيع وهو الذى قام بالانقلاب على أربكان بدعوى حمايتهم أن يتخذ موقفا يتحدى به رغبتهم.

بعد أفغانستان وألبانيا فى انتظار «العائدين من سوريا»

أيمن الظواهري

كانت السعودية هى الدولة الرائدة فى الدعوة للجهاد فى أفغانستان، وكانت المحطة التى يمر منها كل الباحثين عن الجهاد فى مواجهة الدب الأحمر الشيوعى الذى تعد محاربته هى طريق الجهاد، فالشهادة، فالجنة. وكما لاحظنا فإن قيادة التنظيمات الجهادية فى أفغانستان وباكستان حُسم أمرها ما بين السعودية ومصر، فها هو أسامة بن لادن يحتل موقعه فى التاريخ ليأتى بعده المصرى أيمن الظواهرى. أذكّر بهذا لأشير للموقف السعودى هذه الأيام من الداعين إلى الجهاد فى سوريا بعد أن اكتوت واكتوينا من تجربة أفغانستان التى أنجبت للبشرية تنظيم القاعدة وتوابعه. وقد عانت مصر مع دول عربية وغير عربية من أولئك الذين أطلق عليهم الأفغان العرب تارة والمجاهدون العرب تارة أخرى، وعرفت قضاياهم الجنائية باسم «العائدين من أفغانستان».

 

هذه المرة تعلمت السعودية الدرس كما تعلم غيرها، فلاحظنا أن السلطات السعودية تضاعف تحذيراتها من «التغرير بالشبان» خشية تكرار تجربة العائدين من أفغانستان والعراق، إثر تقارير حول شبان يقاتلون فى سوريا، حيث تعلن مواقع التواصل الاجتماعى مقتل العديد منهم. وقد طالب الملك عبدالله بن عبدالعزيز، مؤخرا، بتغليظ الأحكام لمن «يغررون بالشباب». ونُسب إليه قوله: «سمعت مع الأسف أن هناك أشخاصا يلتقون بالشباب ويغررون بهم، وهذا الأمر يجب أن يكون الحكم فيه ليس السجن فقط (…) لقد غرروا بأطفالنا، فمنهم من قُتل ومنهم من حُبس».

 

التوقع اليوم هو أن العائدين من سوريا سيشكلون القنبلة الإرهابية القادمة إلى كثير من دول العالم، وكما شكل العائدون من أفغانستان موجة خطيرة من الإرهاب فى عدد من الدول، وفى مقدمتها مصر، سيكون العائدون من سوريا هم الأخطر من جميع المناحى، وقد عانت بعض الدول من موجات إرهابية من العائدين من أفغانستان وألبانيا والبوسنة والشيشان.

 

تقدر عدة مصادر المقاتلين الأجانب فى سوريا بين مائة ومائة وثلاثين ألف شخص يتوزعون على مجموعات عدة وتحت مسميات إسلامية مختلفة، وهم يشكلون المجموعات الأقوى بين المجموعات التى تحارب النظام السورى، ولهذا يمكن القول إن هذه الجماعات تشكل العمود الفقرى لمعارضى النظام السورى بالفعل، حتى الجيش الحر يتشكل جزء كبير منه من الإسلاميين أيضا، ولكن الأقل تشددا، ويقدر عدد المقاتلين الأجانب فى سوريا بمائة ألف جاءوا من 83 دولة. الدول العربية تتصدر التسع الأوائل بين هذه الدول، ويلاحظ أيضا أن الدول التى سيطر عليها الإخوان أرسلت عددا كبيرا من هؤلاء، تركيا، ومصر، وليبيا، وتونس، واليمن، وغزة حماس، أما السعودية فهى تحتل المركز الأول من حيث عدد المقاتلين هناك.

 

مفتى عام السعودية، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، حذر من الدعوة إلى الجهاد فى «الدول المنكوبة»، معتبرا أنه «باب للتهلكة»، خصوصا فى ظل الانفلات الذى تشهده التنظيمات المسلحة التى «لا تقاتل تحت راية واحدة». وقال: «لا يعد هذا جهادا، إذ لا يعلم المرء تحت أى لواء ينخرط، ما يوقع الشباب فى فخ وأهداف الأعداء»، مشيرا إلى أن الجهاد دون موافقة ولى الأمر يدخل ضمن مفهوم «الجاهلية». وعلى الرغم من هذا فإن تدفقهم إلى هناك بات حقيقة واقعة علينا التعامل معها.

 

كنا قد تورطنا فى نهاية السبعينيات عندما قرر من قرر من قادة الدول العربية والإسلامية الترويج والدفع بالشباب للذهاب إلى أفغانستان للدفاع عن الإسلام- كما كانوا يدعون فى ذلك الوقت- ضد الشيوعيين الملاحدة، وقد يذكر بعضنا تلك الدعوات الإعلامية والإعلانية والسياسية الفجة فى تلك الفترة، والتى كانت تحفز وتشجع، ولم يدرك وقتها من قام بهذا الفعل أنه إنما يزرع علقما يذوق منه العالم وبلادنا بعد ذلك عندما عاد هؤلاء الشباب الذين غررت بهم حكوماتهم وإعلامهم وسياسيوهم ورجال الدين، فذهبوا شبابا مخدوعا وعادوا قنابل موقوتة انفجرت فى مجتمعاتها بعدما عادوا وهم مسلحون بفنون القتل والتفجير، والأهم من ذلك بالفكر المبرر والمشرع لذلك. ذهبوا شبابا وعادوا تحت مسمى «العائدون من أفغانستان» أو «الأفغان العرب». واليوم نواجه نفس المخاوف من القادم بعد أن أصبحت سوريا تقوم مقام أفغانستان فى هذه المرحلة، ذهب الشباب هناك ليقاتلوا- تحت أى مبرر ولأى هدف- لنتوقع عودتهم تحت لافتة «العائدون من سوريا».

 

المقصود هنا بالأفغان العرب تلك المجموعات ممن أطلق عليهم وصف المجاهدين العرب من غير الأفغان الذين شاركوا فى الحرب ضد السوفييت والحكم الشيوعى فى كابول.

 

خبرة الحرب الأفغانية على الأفغان العرب أضافت إقامة علاقات واسعة مع الجماعات الإسلامية العنيفة على مستوى عالمى، وأقامت شبكة علاقات واسعة بأثرياء العرب الذين قاموا بتمويل عمليات القتال فى أفغانستان، وكانت البيئة الأفغانية فرصة للتدريب العسكرى.

 

وهكذا أصبح مصطلح «الأفغان العرب» الأكثر ترددا بين وسائل الإعلام العالمية، وبين صناع القرار فى العالم منذ اندلاع الحرب الأمريكية فى أفغانستان، وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على القضاء عليهم وعلى من يأويهم وتصفيتهم لا كظاهرة سياسية فحسب، بل تصفيتهم بدنيا أيضا باعتبار أنها تراهم صاروا قرينة على الضلوع بكل الأعمال الإرهابية الموجهة ضدها وضد مصالحها المنتشرة فى العالم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح لدينا أيضاً العائدون من ألبانيا، والآن نستعد لاستقبال العائدين من سوريا.

 

هل تتوقف الأيادى عن الارتعاش بعد اغتيال مبروك؟

عبد اللطيف المناويقالها رجلهم فى تسريباته التى نُشرت يوم محاكمته «عمليات الاغتيالات لم تبدأ بعد»، ولم تمر أيام كثيرة قبل أن تسقط ضحية جديدة لعمليات الغدر عندما طالت من كان يعد شاهدا رئيسيا ضد محمد مرسى فى واقعة الهروب، وشارك فى القبض على رجلهم القوى خيرت الشاطر. قرأت الخبر فى أحد المواقع، عقب دقائق من نشره، وقد تضمن مقتل ضابط من الأمن الوطنى إثر إطلاق النار عليه من مجهولين أثناء توجهه إلى عمله «يدعى» المقدم محمد مبروك، تسمرت عيناى أمام الاسم، أعدت القراءة مرات وتصفحت مواقع إخبارية عديدة، نعم إنه هو مبروك، لا «يدعى» محمد مبروك، بل هو الشهم المقبل على الحياة الذى عرفته يتوقد حماسة ووطنية. كان أحد الرجال القريبين من اللواء احمد رأفت، نائب رئيس جهاز أمن الدولة، الذى توفى فى مكتبه وهو يعمل، كان رجلا نادرا لا يتكرر وجمع حوله مجموعة من الرجال يحملون من الصفات نبيلها، أحد أسباب نجاحه الذى لا ينكره منصف هو طبيعة الرجال الذين عملوا حوله. تولوا لسنوات طويلة ملف التنظيمات الدينية المتطرفة التى جمعت بينها جماعة الإخوان المسلمين، وتبنى هو ومجموعته مبادرات وقف العنف التى خرجت عن الجماعة الإسلامية أولا ثم تنظيم الجهاد. أرتبط بعلاقة قوية وشخصية معه ومع رجاله لسنوات، وكنت وقتها متابعا ودارسا لملف الجماعات الإسلامية- وأعتقد أنها تسجيلات قوية لم تر النور حتى الآن، ربما لو أتيح لها العرض لاختلفت الأمور- اعتدنا اللقاء على المستوى الشخصى كل فترة وكان من بين رجاله المقدم محمد مبروك الذى كان أحد ضباط ملف الإخوان المسلمين. لم ينفرط عقد المجموعة بعد وفاة أحمد رأفت إلا قليلا، وظلت علاقتى بهم ممتدة، وكان مبروك من أكثر الحريصين على المبادرة بالتواصل طوال السنوات الماضية عقب أحداث يناير وحل جهاز أمن الدولة، وتم نقله خارج الإدارة بعد أن أطيح بمعظم العاملين فيها خارجها أو خارج الخدمة. أصدق ما نسب إلى أحد أقربائه بأنه علق بعد استيلاء الإخوان على السلطة بقوله «الخونة حكموا البلد»، كان دائماً ما يذكرنى فى مكالماته بما كان يقوله «الحاج»، وهو الاسم الذى كان يطلق على اللواء أحمد رأفت، فى جلساته وتحذيره المستمر من خطر الإخوان وشكواه من خطأ النظام فى التعامل معهم.

خرجت بعض الأطراف تدافع عن «الإخوان» وتبرئها من اغتيال مبروك، لكن يقف تاريخ الجماعة وتهديدات رجلهم مرسى لتشير إلى العكس، فمنذ سقوط الإخوان والتوقعات تشير إلى أنهم سيصلون إلى هذه المرحلة. «الإخوان» عبر تاريخها ارتكبت جرائم اغتيال والكثير من جرائم الإرهاب، وهذه المسائل مؤكدة ولم ينكروها على الإطلاق وإن حاولوا تحميلها وإلباسها مسوح الوطنية، ولديهم نوعان من الاغتيالات، وهما اغتيال توقيفى واغتيال انتقامى، على حد وصف ثروت الخرباوى، الكاتب المعروف، الذى كان عضوا فى الإخوان، واغتيالهم النقراشى كان انتقاميا لأنه حل الجماعة وصادر أموالها، أما المقدم محمد مبروك فهو اغتيال توقيفى لأنه كان سيشهد على خروج مرسى من وادى النطرون، وكان الشاهد الوحيد على ما يتعلق بقضية تخابر مرسى مع أجهزة استخبارات خارجية ومع حماس، فكان لابد من توقيفه بضربة توقيفية وليست انتقامية حتى لا يدلى بشهادته.

عملية اغتيال محمد مبروك تمت بطريقة احترافية شديدة ولم يترك المرتكبون أثرا فى مكان الجريمة، ومن الواضح أن من قام بها ارتكبها من قبل لأنه مدرب عليها، وهناك تشابه بين اغتيال محمد أبوشقرة ومحمد مبروك. وكان الاثنان غير معروفين ولهما أسماء حركية والمفترض أنه لا أحد يعرفهما من الإخوان إلا قياداتهم ومن تمكن من الغوص فى ملفات أمن الدولة منهم وقت أن كانوا يسيطرون على البلاد.

بينما أنهى مقالى هذا أطالع على شاشة التليفزيون أمامى نبأ إلقاء قنبلة يدوية على الشرطة فى بولاق وسط القاهرة، وعملية انتحارية تسفر عن استشهاد أكثر من عشرة جنود فى عملية استهدفت حافلتهم على الحدود مع غزة. وألمح ابتسامات تشف لدى كثير من الإخوان وإخوانهم.

رحم الله مبروك وكل من استشهد من أجل هذا الوطن، لعل دماءهم التى تسيل تكون دافعا لتقوية قلوب المسؤولين وتحصينهم من ارتعاش الأيادى.

إخوان الخليج.. رأس الأفعى وذيلها

في زيارتي الأخيرة إلى أبوظبي، شعرت أنني لا زلت في مصر، فلا حديث سوى عن جماعة الإخوان، ومناسبة الحديث ليس فقط عودة العلاقات بين البلدين الشقيقين، مصر والإمارات، إلى طبيعتها بعد زوال هم el manawy issue 44الإخوان، ولكن أيضاً أن الإمارات كانت تشهد محاكمة ما اصطلح على تسميته بـ “الخلية الإخوانية”.

محاكمة الخلية الإخوانية في الإمارات تأتي تزامناً مع قيادات الجماعة في مصر، وكأن الدولتين الشقيقتين اتفقتا على القضاء على رأس الأفعى وذيلها في وقت واحد، رغم أن هذه الخلية كانت أحد أسباب توتر العلاقات بين مصر (إبان حكم الإخوان) والإمارات، بعد أن أعلنت السلطات الإماراتية في منتصف يوليو 2012 أنها فككت مجموعة “سرية” قالت إنها كانت تعد مخططات ضد الامن وتناهض دستور الدولة وتسعى للاستيلاء على الحكم، وبعد تحقيقات استمرت نحو 6 أشهر أعلنت النيابة العامة في الإمارات في 27 يناير من العام الجاري إحالة 94 إخوانياً الى المحكمة الاتحادية العليا ليحاكموا بتهمة التآمر على نظام الحكم والاستيلاء عليه، والتواصل مع التنظيم العالمي للاخوان المسلمين لتحقيق اهدافهم، وفي هذه الأيام تتم محاكمة 30 متهماً من المنتمين إلى ما عرف بـ”الخلية الإخوانية”، حيث تضم قائمة المتهمين 10 مواطنين، إضافة إلى 20 مصرياً، 6 منهم هاربون، ويحاكمون غيابياً.

علاقة الاخوان بالخليج بدأت من السُّعودية تأثرا في نشأتهم بتجربة الاخوان في السعودية مؤسس الجماعة ومرشدها الاول حسن البنا اثناء  حراكه السّياسي في مواسم الحج، التقى بالملك عبد العزيز آلتي سعود عام (1936) وطلب إنشاء فرع للإخوان المسلمين في السُّعودية، فرفض الملك قائلاً “ كلنا مسلمون وكلنا إخوان فليس في دعواك جديد علينا”، إلا أنّ الإخوان وُجِدوا كتيار فكري، وكأفراد تمتعوا بنفوذ كبير داخل المملكة في مراحل تاريخية لاحقة، كانت العلاقة بالإخوان كتنظيم ـ في الزمان الأول – جيدة، و لم يتعكر صفوها إلا بعد الثورة اليمنية التي تمايزت فيها مواقف الإخوان والسُّعودية، فموقف الإخوان كان مساندا لثورة اليمن، بينما وقف الملك عبدالعزيز آل سعود ضدها، وألقى هذا الموقف بظلاله سلبا على العلاقة بين الطرفين.

تجربة الاخوان في دول الخليج تبدو متشابهة في هذه الدول الى حد كبير، في العهد الناصري هاجر الإخوان من مصر بعد صدامهم مع النظام ومحاولتهم القفز على الحكم والانقلاب عليه، وتوسَّط الملك سعود عند جمال عبد الناصر في أزمة الإخوان الأولى، واستجيب له نسبيا، ولكن الإخوان عادوا إلى محاولاتهم الانقلابية فعاد الصدام من جديد. وجد أعضاء الجماعة الهاربون في الدول التي هربوا اليها سماء آمنة فنشروا وانتشروا واستطاعوا ان يتواجدوا خاصة في منطقتي التعليم والاقتصاد. سيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات تحديدا في عقدي السبعينيات والثمانينيات، وكذلك على العديد من المنابر الإعلامية ومنابر الدعوة. انتشر أعضاء الجماعة وكونوا تنظيمهم وشعبهم تحت أعين الحكومات الخليجية في معظم الأحيان ، ولم يدركوا وقتها انهم يربون ثعبانا داخل ثيابهم، اعتقدوا أن مزيجاً من الدعم والاستيعاب يمكن ان يضمن لهم مناخا مستقرا. لم يدركوا وقتها انهم يحولون الخليج الى منطقة تمركز وانطلاق جديدة لتنفيذ مخططاتهم، وعلى سبيل المثال فان التنظيم الدولي للجماعة كان يعقد اجتماعاته في مكة والمدينة في موسم الحج كما قال القرضاوي نفسه الذي كان عراب الصفقة بين الاخوان وقطر التي تم بموجبها حل شعبة الاخوان في قطر مقابل الدعم الل محدود للتنظيم.

بعد الصفقة السياسية في عهد السادات مع الاخوان زار الهضيبي السعودية، وعقد عام (1971) اجتماعا موسَّعا للإخوان، تَشَكّلت فيه ملامح التنظيم الإقليمي، الذي ضمّ إخوانًا آخرين من البحرين والإمارات والكويت، وعلى الرغم من هذا التوسع الجغرافي في التنظيم اعتقد عديدون أن دور الإخوان الخليجيين لم يزد عن جباية الأموال. لكن الحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين الخليجية لم تعد تلك التي تجمع التبرعات والصدقات في الشوارع العامة والجوامع والمساجد، ولا يقتصر عملها على كفالة الأرامل والأيتام، ولكن اليوم أصبح ذراعاً سياسياً وأقتصادياً للجماعة الأمة في مصر، والأخطر أنها تبنت الفكر الإنقلابي في دول مجلس التعاون كما صرح وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان.

جماعة الإخوان المسلمين في الخليج العربي لها أرتباط بالتنظيم الأم في مصر، وأنها تحمل نفس الفكر الإنقلابي في مصر، ويتعجب البعض للارتباط العضوي مع الجماعة الأم والتنظيم الرئيسي، فإن جماعة الإخوان المسلمين تحمل نفس الفكر للتنظيم الرئيسي، بل إن تحركاتهم الأخيرة بالمنطقة بلغ الخطوط الحمراء إلى درجة التحذير العلني من قبل وزير خارجية دولة الإمارات . ويعد إلقاء القبض في الإمارات على شبكة إنقلابية أخوانية تسعى للإطاحة بالحكومات الخليجية هو دليل قاطع على نوايا الاخوان تجاه من آواهم عندما كانوا مطاردين.

خدعة الإخوان الجديدة

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الأكيد أن سيادة جو من الهدوء سوف يسمح بقدر أعلى من التركيز لتحقيق الأهداف، لكن أى هدوء؟ وبأى ثمن؟ ووفقا لأى شروط؟ والأهم من كل ذلك هو مدى قبول الرأى العام الغالب بين المصريين الذين هم أصحاب الحق الأصيل وليس أى فصيل أو مؤسسة، فهم الذين خلقوا الواقع الجديد، وعلى الجميع احترام إرادة الشعب الذى خلق معادلة مختلفة أساسها الإرادة الشعبية، فلا توجد قوة سياسية، مهما علا صوتها أو مؤسسة، مهما بلغت قوتها، تتجاوز أو تتعامى عن رغبة الشعب تحت أى مسمى أو ادعاء. أقول ما أقول بمناسبة ما طرح مؤخراً حول دعوة الإخوان لحوار وطنى خلال أسبوعين، وذلك للخروج مما سمته «الأزمة الراهنة»، ولم يشيروا إلى من هو المتسبب فى هذه الأزمة. خرج بقايا الإخوان من خلال مؤتمر صحفى ليعلنوا فيه عن مبادرتهم التى تضمنت ما اعتبره تحالف دعم الإخوان محاور رئيسية للخروج من الأزمة الحالية التى تشهدها البلاد.

وأشار التحالف إلى أن نقاط الاستراتيجية تتلخص فى مشاركة الأطراف السياسية كافة، ودون احتكار من أى طرف ودون إقصاء لأى طرف، على أن تكون المعارضة السلمية هى السبيل الوحيد لعودة المسار الديمقراطى- على حد قول د. محمد على بشر، الوزير السابق فى حكومة الإخوان. وشددت الاستراتيجية على أن التحالف لا يرفض أى جهود جادة ومخلصة تستهدف حوارًا سياسيًا جادًا للخروج بمصر من أزمتها، وفقًا للقيم الحاكمة السابقة، ومن خلال التوافق لتحقيق الصالح العام للبلاد، مشيرًا إلى أنه لا تنازل ولا تفريط ولا مساومة فى حقوق الشهداء والمصابين.

وهكذا مرة أخرى يطرحون أنفسهم باعتبارهم الداعين إلى الحوار، الباحثين عن الاستقرار، لكن من يقرأ ألفاظ المبادرة المزعومة عندما يقولون «وفقا للقيم الحاكمة السابقة» تكمن هنا حقيقة ما يهدفون إليه، هذا هو السم فى العسل الذى اعتادوا دائماً أن يجيدوا خلطه.

العودة إلى أصول الأشياء تظهر هذا الخلط والتدليس الذى يقومون به، منذ اللحظة الأولى لإعلان الإطاحة بحكم الإخوان والإعلان عن خارطة الطريق فإن أحد العناصر الأساسية فيها كان ما يدعو إليه بقايا الإخوان الآن، المشاركة كانت هى الأساس لجميع المصريين، شريطة الالتزام بإرادة المصريين التى عبروا عنها بقوة فى الثلاثين من يونيو. عندما يتحدث الإخوان الآن عن مبادرة هم هنا يدلسون على المصريين، المظاهرات السلمية التى يدعون ويطالبون باستمرارها هى شكل من أشكال التحدى للإرادة الشعبية، المصريون حسموا خيارهم وقرروا طريقهم، واليوم يقف بقايا الفاشية الدينية مدعومين بخلدة مالية، انتهازية، سياسية من النظام العثمانى الحديث والنظام القطرى المتضائل.

لا يمكن قراءة مبادرة من تبقى من الإخوان منفصلة عما يفعله الإخوان الآن من مظاهرات ومسيرات مستمرة وإشعال للجامعات وتعطيل للتعليم فيها. كما لا يمكن قراءتها بشكل منفصل عما يحدث فى سيناء واستهداف للجنود المصريين وتلغيم وتفجير أقسام الشرطة فى المحافظات المختلفة، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن بيان الرئيس المعزول الأخير، الذى يؤكد فيه تمسكه بما يسميه الشرعية، والذى أكدت مصادر إخوانية أنه مكتوب بعلم من تبقى من مكتب الإرشاد، كما لا يمكن قراءتها بشكل منفصل عن الامتدادات الخارجية للجماعة وأذرعها الدولية التى تهاجم مصر، والتى ستستغل هذه المبادرة لتروج لأن الجماعة تريد المصالحة، وأن السلطة الحاكمة فى مصر ترفض. وقبل هذا وذاك لا يمكن قراءتها بعيدا عن رغبة جموع الشعب المصرى الرافض لعودة الإخوان للعبة السياسية.

الأكيد أن الدولة المصرية وجهت ضربة قاسية للتنظيم الدولى للإخوان وذراعه العسكرية فى سيناء، واﻷكيد أيضا أن تنظيم الإخوان يدرك أنه لن يستطيع خداع قواعده طويلا بنكتة عودة مرسى والشرعية، لذا أظن أنه قادر على خداع المصريين مجددا بلعبة، لكن الأكثر تأكيدا أن المصريين أذكى من ذلك بكثير.

أبومازن: مفجر الثورة أم حليف الإخوان؟

p1010061.jpgبعض المرافقين للرئيس الفلسطينى محمود عباس «أبومازن» يرددون فى أوساطهم الموقف الذى وضع رئيسهم نفسه فيه عندما قال فى بداية اجتماعه مع الفريق السيسى إن وزير الخارجية الأمريكى، جون كيرى، يهديكم التحية وقد طلب منى إيصال هذه التحية لكم. يضيف أحد المرافقين لأبومازن أن رد فعل السيسى لم يزد عن ابتسامة مجاملة، ويضيف المرافق متعجباً «ألا يعلم الرئيس أن كيرى كان قبل أيام فى القاهرة واجتمع مع القيادة المصرية بمن فيهم الفريق؟ هل يظن أنه يطرح نفسه كوسيط بين الطرفين فى محاولة منه لإيجاد دور ما مع المصريين؟» أظن أن عباس فى هذه المرحلة لم يدرك حقيقة أن الأوضاع فى مصر تغيرت وأن إدارة العملية السياسية والاستراتيجية الخاصة بمصر ووضعها فى المنطقة باتت تحكمها حسابات مختلفة عما يظن أبومازن. وقد تكون إحالة الملف الفلسطينى فى هذه المرحلة إلى وزارة الخارجية المصرية إحدى هذه الدلالات التى يرفض أن يقرأها عباس. تقارير صحفية فلسطينية من عمان قالت إن أجندة اللقاء المصرى- الفلسطينى حددها مدير المخابرات المصرية بعناية فى لقاء تمهيدى رسم أجندة قمة عباس- السيسى، حيث كان مكتب الأخير على اتصال تشاورى مكثف مع شخصيات فلسطينية أخرى

قبل لقاء عباس- السيسى قيل للرئيس الفلسطينى بوضوح إن ملف «المصالحة» بين حركتى فتح وحماس لن يطرح على طاولة السيسى، لأن حركة حماس متهمة بإثارة قلاقل ودعم وتمويل إرهاب فى أرض مصرية، والظروف لا تسمح بنقاشات لها علاقة بالمصالحة بين الحركتين، لأن السلطات المصرية بصدد تحويل كوادر فى حماس للقضاء والكشف عن التفاصيل.

قيل لعباس أيضا إن أولوية السيسى الآن- إذا رغبت السلطة- هى للمصالحة داخل حركة فتح واقترح مدير المخابرات المصرى على عباس التركيز على أن حركة فتح ينبغى أن تتجه مستقبلا للمصالحة مع حماس وهى موحدة من الداخل وليست فى ظل وضع الانقسام الحالى.

ذكرت فى مقال سابق أن على القيادة الفلسطينية أن تدرك الأولويات الجديدة لمصر، ويجب أن تتوافق مع هذه الأولويات التى سوف تصب فى النهاية فى الصالح الفلسطينى، حسابات اللعبة القديمة تغيرت، أو بدأت، لم يعد حشر الحديث عن القضية الفلسطينية فى أى بيان سياسى دون ترجمة حقيقية له هو توجه المرحلة، التوجهات الجديدة باختصار هى الأمن القومى بمفهومه العربى العام وفى المركز منه الأمن القومى المصرى. فى هذا الإطار كان رأيى لأبومازن أن يركز فى زيارته هذه، التى ألح عليها وعلى أن تتضمن بالأساس اللقاء مع الفريق السيسى، على التأكيد أنه أصبح لديه تفهم لهذه المتغيرات وأن سلوكا سياسيا مختلفا متوقعا من القيادة الفلسطينية فى هذه المرحلة يتفهم جديد المرحلة، وأول ملامح هذا التغير هز إدراك أبومازن لأهمية المصالحة الفتحاوية ومواجهة خطر حماس الذى بات واضحا، سواء على الأمن القومى المصرى أو مستقبل الوضع الفلسطينى برمته بعد أن كشفت بوضوح عن حقيقة توجهاتها. بدلا من ذلك فاجأنا الرئيس الفلسطينى بالتلميح إلى قدرته على الوساطة مع أمريكا، وهو أمر مشكوك فيه كثيرا، أو إعطاء الانطباع أنه مفجر ثورة يونيو فى مصر.

أمر آخر كنت أتمنى أن يرد عليه الرئيس أبومازن وهو يتعلق بالخطاب الذى تسرب قبيل زيارته الأخيرة، وكان موجها بشكل شخصى منه إلى محمد مرسى، تاريخ هذا الخطاب يحمل السادس من يونيو، أى فى الوقت الذى كان المصريون فيه يستعدون للانفجار فى وجه الإخوان ورجلهم فى الاتحادية، بعد أن يهنئ مرسى تهنئة الرئيس لزميله بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج يقول فى الفقرة الثانية من الخطاب موجها حديثه إلى زميله وقتها فى المنصب «كما ولا يفوتنى أن أغتنم فرصة الكتابة لكم لأعبر عن تجديد شجبنا ورفضنا القاطع لتدخلات البعض من أصحاب الأجندات المشبوهة فى الشأن المصرى الداخلى، وتجسيدا منا لهذا الموقف الراسخ، وفى إطار التنسيق المشترك للقيادتين فى بلدينا، لا يسعنى إلا أن أجدد طلبنا بضرورة تحديد الجهة التى ترونها للتواصل مع مدير المخابرات الفلسطينية لمتابعة جميع القضايا الحساسة التى تناولناها فى اجتماعنا الأخير، وخصوصا متابعة ما يتعلق بوصول أموال الدعم المشبوهة لأطراف فى المعارضة المصرية والتى يرسلها بعض الفلسطينيين الخاطفين لإلحاق الأذى بالعلاقة الأخوية بين شعبينا».

خرج علينا أبومازن فى لقاء تليفزيونى مطول قدموه لنا فيه على أنه من وقف إلى جانب إرادة المصريين وتحدث عن جولاته التى كان يؤكد فيها تأييده لثورة المصريين فى الثلاثين من يونيو، حتى بدا وكأنه رسول الثورة، أو كما قلت من قبل مفجر الثورة. كنت أتمنى لو أنه كان أكثر إدراكا للتغيرات التى وقعت فى مصر والمنطقة، وبالتالى تكون توجهاته متوافقة مع هذه التغيرات، وكنت أتمنى أن يواجه المصريين وينفى أن يكون مثل هذا الخطاب قد صدر عنه أو عن مكتبه، أو يعتذر لهم عنه ويعدهم بأن يصلح ما فسد داخل بيته ومع من ظلوا أصدقاءه دون تآمر.

عندما احتفل الصوماليون بإشارة المرور

Two-black-traffic-lights-on-cross-pole-showing-green-light-and-green-arrow-left-turnلا أعرف إن كان خبرا يوضع فى قسم الأخبار الطريفة أو فى «صدق أو لا تصدق»، إنه خبر ذو دلالة سياسية وجرس إنذار جدير بنا أن نتوقف أمامه متمعنين، محاولين فهم دلالات انهيار الدولة. الخبر يقول باختصار إنه لأول مرة منذ عشرين عاما تعود شرطة المرور إلى شوارع العاصمة الصومالية مقديشيو، للتعامل مع جيل من السائقين لم يعرف أنظمة المرور أبدا، فضلا عن أن معظم السيارات فى مقديشيو لا تحمل لوحات وأرقاما، ما يصعب على الشرطة توثيق المخالفات المرورية. وقد بدأت الحكومة الصومالية مؤخرا وضع إشارات المرور وعلامات الطرق على بعض التقاطعات الرئيسية فى العاصمة، سيتم تركيب إشارات سير ضوئية بعد عشرين عاما أيضاً.

ليس فقط شرطى المرور هو الذى غاب بزيه وصافرته عن شوارع العاصمة الصومالية خلال العشرين عاما الماضية، بل إن هذا الاختفاء كان جزءاً من اختفاء جماعى لكل ملامح الدولة وبالتالى انحسارا، إن لم يكن انعداما، لكل أشكال الهيبة المفترضة ولو بحدها الأدنى. حيث اعتاد سائقو السيارات على القيادة فى شوارع المدينة فى أى اتجاه دون التقيد بأنظمة المرور، وهذا انعكاس لحالة الدولة التى غابت عنها كل مقومات الدولة الأساسية بمفهومها القديم أو الحديث. كانت الصومال جزءاً من تاريخ القارة الأفريقية ودول القرن الأفريقى، لكن انتهى بها الحال إلى دويلات قزمة تسيطر عليها ميليشيات لا تعرف إلا السلاح وسيلة وحيدة لفرض سطوتها، هكذا الوضع هناك منذ حوالى عشرين عاما، واستمر هكذا متفاعلا مع التطورات السلبية التى أكدت حالة الانقسام والتناحر، وباتت اللغة الوحيدة هى لغة العنف والسلاح. وانعكس هذا الواقع على العلاقة بين الناس والشرطة، حيث إن هذا الواقع فرض شكلا من العلاقة الجديدة التى باتت تبدو غريبة، وأكثر ما يقلق القائمين على الأمر فى الصومال هو التعامل مع جيل جديد من السائقين الذين لا يحملون رخص قيادة السيارات التى تم استحداثها مؤخرا. كما أن هذا الجيل لم يعرف فى حياته شرطى المرور ولا يعرف علامات الطريق، وبالتالى ينظرون إلى شرطى المرور الذى بيده الصافرة باستخفاف، وقد يصل الوضع ببعضهم إلى تهديده.

ويشير قائد شرطة المرور فى مقديشيو إلى هذا الوضع، وقد علت وجهه ابتسامة استغراب، كما صرح لوكالات الأنباء: «يأتينى بعض مالكى السيارات التى يتم احتجازها بسبب المخالفات التى ارتكبها سائقوها، ويهددوننا باستخدام السلاح إذا لم نفرج عن سياراتهم، وينظرون إلينا كأننا عصابة استولت على سيارته». ويضيف: «يحدث أحيانا أن تضبط شرطة المرور سيارة بسبب مخالفة ارتكبها سائقها، فيتصل السائق بميليشيات قبيلته لتنقذه ويقول لهم إن سيارتى تتعرض للسطو». وتعانى شرطة المرور من نقص شديد فى العدد والعتاد، حيث يبلغ عدد عناصرها نحو 170 فردا فقط، ويملكون دراجة نارية واحدة لمطاردة المخالفين. وتتم الاستعانة أحيانا برجل شرطة مسلح بغرض حماية رجال المرور العزل. فالسائقون يتجاهلون التعليمات التى يصدرها رجل الشرطة، ويكون حضور رجل الشرطة المسلح مهمّا عندما يتعلق الأمر بتسجيل السيارة أو وضع الأرقام الحكومية عليها، حيث يتم اصطحاب السيارة إلى مركز شرطة المرور ويتم احتجازها حتى تدرج فى السجلات الرسمية. الأمر السائد فى مقديشيو خلال السنوات الماضية هو أنه فى حالة حدوث صدام بين سيارتين، فإن صاحب السيارة الأكثر تضررا هو الذى يطالب بالتعويض، وإن كان هو الطرف المخطئ، ولذلك نلقى صعوبة فى إقناع المخطئ بدفع التعويض وتحمل تبعات خطئه المرورى. ومن الأمور المعتادة أيضا استخدام السلاح للهرب من الزحام المرورى فى مقديشيو. ويقول محمود: «أحيانا يطلق السائق بعض الرصاصات من بندقيته فى الهواء كى يفسح الآخرون له الطريق ويترك الآخرين مكدسين فى الشارع». الانفلات المرورى فى شوارع مقديشيو هو نتيجة للانفلات الأمنى والسياسى فى عموم البلاد، وهذا ما يعطى الانطباع بأن نجاح السلطات الصومالية فى تطبيق أنظمة المرور على سائقى المركبات بشكل فعال يحتاج إلى وقت طويل. المشكلة الأخرى التى تواجه شرطة المرور فى مقديشيو هى تسجيل المركبات، فاستيراد السيارات يتم بشكل عشوائى عبر عدد من المنافذ البحرية التى لا تخضع لسيطرة الحكومة الصومالية ولا تحمل أى أرقام، وبناء على ذلك فإن معظم السيارات التى تسير فى شوارع مقديشيو غير مسجلة ولا تحمل أرقاما رسمية وبعضها يحمل أرقام الدول التى استوردت منها، ويتم بيعها فى الأسواق المحلية مثلها مثل أى بضاعة أخرى عادية. ويستوثق المشترون من سمعة تاجر السيارات أو يطمئنون إلى قبيلته للرجوع إليها فى حالة وقوع نزاع محتمل حول ملكية السيارة.

هذا الخبر بتفاصيله، الذى يبدو طريفا وقد يدفع للابتسامة، هو نتاج لانهيار الدولة، أتذكر وجوه أفراد الميليشيات الصومالية المختلفة وهم يركبون سياراتهم ذات الدفع الرباعى، ويحملون أسلحة مميتة، ويعلو وجوههم الإحساس بالقوة والفخر بما يفعلون، هم لم يدركوا وقتها أن هذه القوة وهم ومخدر تهيئ لدفع الدولة للانهيار، إحساس وقتى بمتعة السيطرة انتهى بتمزيق الدولة إلى شرائح وأضاع هيبة الدولة حتى وصلوا إلى حالة يعتبرون فيها وجود إشارة مرور إنجازا عظيما. الحفاظ على الدولة هو تحصين للمستقبل.