Egypt needs economic reform, but must heed warnings from the past

by Abdellatif El Menawy

Economic reform is not alien to Egypt. In January 1977, then-President Anwar Sadat tried to introduce a controversial economic reform that backfired and brought people out into the streets in protest. He was forced to scrap the whole project due to what he called the “Uprising of the Thieves.”

“The first attempt at real reform was in 1977,” said Egyptian President Abdel Fattah El-Sisi several months ago, when he was preparing the ground for the difficult economic decisions that he began to take three months later with the flotation of the Egyptian pound and the subsequent repercussions. When El-Sisi talked about the economic conditions of 1977, it was the first public acknowledgement of appreciation of the economic reform Sadat tried to set in motion.

But what really happened in 1977?

The country was emerging from the 1973 Arab–Israeli War, economically exhausted, and there was a desire to try real reform. In one of the meetings of the Council of Ministers, Dr. Abdel Moneim Al-Qaysouni, chairman of the Economic Group, spoke of the need to lift subsidies on some commodities in response to a decision by the World Bank not to lend Egypt $200 million. Al-Qaysouni said “the economic boat now rocks and can sink and there is no escaping from decision-making.” He said that Arab countries were also refusing to pay without the consent of the World Bank — any assistance would be provided only after consultation with World Bank experts. Dr. Aisha Rateb, minister of social affairs, opposed this decision to lift subsidies. Interior Minister Syed Fahmy said: “How can we surprise people with inflated prices? This affects the security situation.”

Sadat held a meeting in which Dr. Hamed Al-Sayeh, minister of economy and investments, said that raising prices was an unavoidable measure, and that any delay in doing so could expose the country to an economic disaster. But Prime Minister Mamdouh Salem held a meeting with members of Egypt’s ruling party (of which he was chairman) to explain the situation to them. They attacked the proposed reforms, and their opposition fueled the January demonstrations (the “bread riots” as they became known). Sadat was forced to backtrack on the reforms.

“The main challenge President Abdel Fattah El-Sisi faces is to clearly explain his vision of the future, and to convince the Egyptian people that his course of action is the correct one.”

This retraction, in the background of the riots, was the correct decision, although it was inevitably interpreted by some as a political defeat. Although Sadat termed it an “Uprising of the Thieves,” his associates said he was aware that the unrest was caused by the unexpected increase in prices, and the root of the problem lay in the lack of communication with the masses.

Actually, Sadat’s economic decisions in 1977 were correct, but they were not properly managed. The resulting riots were enough to dissuade subsequent Egyptian authorities from attempting to deal with the issue of economic reform.

El-Sisi’s recognition of the impact of the measures taken (then quickly retracted) by the government in 1977 meant he tried to communicate the reality of Egypt’s economic situation to the public so they would not be surprised by rapid inflation.

El-Sisi took tough measures, and had the courage to attempt something his predecessors consistently avoided. He preferred to be clear with his people in his decisions and his insistence on following through with them, because he believed that — despite the cost — it was going to benefit the country.

So the main challenge El-Sisi faces is to clearly explain his vision of the future, and to convince the Egyptian people that his course of action is the correct one.

There is no doubt that Egypt is in need of economic reform. But the process must be managed in a systematic manner that shows we have learned from the mistakes of 1977. Reform can only succeed if all Egyptians are kept in the loop and are not caught unawares.

الفعل الناقص ومسؤولية الدولة والأفراد

المقال بقلم عبد اللطيف المناوي

من ملامح النضج أن ما كنا نفعله بالأمس لم نعد نفعله اليوم، مساحات المسموح به فى سن معينة تضيق أو تتحدد أو تتغير بتقدم العمر، والسير نحو مفهوم النضج. مسموح للإنسان فى سن مبكرة بالتجاوز أحيانا، والطيش أحيانا، والتطرف أحايين أخرى، ويمكن للمحيطين القبول بهذه التجاوزات منه، على أنه لم يصل بعد إلى سن النضج، وما ينطبق على الأفراد ينطبق بشكل أو بآخر على النظم والمؤسسات، عبد اللطيف المناويفما كان يصلح للفعل بالأمس لم يعد صالحا اليوم، وما كان مقبولا فى الماضى لم يعد مقبولا فى الوقت الراهن، فما بالك بالمستقبل؟

أى نجاح كامل مرتبط باستكمال الفعل، وأى نجاح جزئى هو فشل جزئى، وفى بعض الأحيان فشل كلى. وأى جملة غير مكتملة هى جملة مشوهة، مهما بلغ مستواها البلاغى تظل عاجزة عن الوصول إلى المعنى المكتمل، تظل مثلها مثل النوايا الحسنة غير المرتبطة بفعل، تؤدى فى بعض الأحيان إلى جهنم أو إلى الفشل. نحن فى حياتنا الخاصة والعامة نحترف عدم إكمال الجملة، عدم إتمام الفعل. نبدع فى بدايتنا، انطلاقاتنا، ولكن لا نملك القدرة أو الرغبة فى الاستمرار بنفس قوة الاندفاع الأولى، يحدث هذا- كما ذكرت- فى حياتنا العامة، لذلك تظل النتائج دوما مرتبطة بعناصر خارج إرادتنا، ذلك لأننا أطلقنا الفعل ولم نرغب أن نستمر فيه بذات قوة البدء، بدأنا جملتنا ولم نستكملها.

تلح علىّ فكرة الجمل غير المكتملة منذ فترة، وزاد الإلحاح خلال متابعتى حركة المجتمع خلال الأعوام الأخيرة. عدم إكمال الفعل لازمنا مرة أخرى منذ سقط نظام مبارك، فقد سقط وبقيت عاداتنا التى لم تتغير فسقطنا نحن «غنيمة» سهلة فى أيدى القوة الوحيدة التى كانت منظمة إلى حد ما، وكان هدفها واضحا بلا ضبابية، الحكم والسيطرة كانا هما الهدف، ومارسوا كل الحيل والتحالفات غير البريئة وغيرها مع كافة القوى، واستغلوا العادة المتأصلة فينا عادة النفس القصير وعدم استكمال الفعل. لكن المصريين وجيشهم أدركوا خطورة ما وقعنا فيه من شرك فتحركوا وأسقطوا الإخوان وخلصوا مصر من قبضتهم.

وأصبحنا نملك نظامنا الوطنى الذى يسعى لإعادة بناء مصر الجديدة. وخطونا خطوات مهمة، ومازلنا، ولكن يظل الهاجس الرئيسى هو مدى قدرتنا على إكمال الفعل. هذا تحد كبير لن يتمكن النظام وحده من فعله، ولن يمتلك طرف القدرة على الانفراد به. الطريق الوحيد هو الإقتناع بأهمية استكمال ما نفعل شعبا وقيادة، ولن يحدث هذا إلا باقتناع الشعب بما يحدث وبأهمية دوره وبالفائدة التى ستعود عليه.

مشكلتنا الرئيسيّة فى استمرار الحوار الحقيقى مع الناس. نموذج الأداء الرسمى غير القادر على الاستمرار والتواصل هو إحدى مناطق الضعف الرئيسيّة التى نعانى منها حتى الآن. التواصل بمفهوم تطوير الأداء والاستمرار بقوة دفع متزايدة، والتواصل بمفهوم القدرة على إيجاد لغة مشتركة يتواصل بها المسؤولون مع البشر، مع الطرف الثانى- الذى هو نحن- يواجه مشكلة حقيقية، لذلك حتى لو امتلك الطرف الأول رسالة ما فإنه يعجز عن أن يوصلها إلينا، لأنه لا يمتلك أو لا يريد أو لا يعلم لغة الحوار وأسلوب التواصل معنا. لذلك تستمر حياتنا ومشروعاتنا عبارة عن نبضات تتسرب عبر حالة سكون اختيارية ارتضيناها حكاما ومحكومين. لا نملك الرغبة أو القدرة على استكمال الجملة التى نبدؤها، وفى بعض الأحيان نبدؤها بداية جميلة توحى بشىء أفضل، ولكن نعجز عن الاستمرار أو نُضرب عن الاستمرار.

نفتقد دوما الإجابة عن السؤال: وماذا بعد؟ نفتقد ما سبق أن أطلقت عليه ثقافة اليوم التالى، فنحن نعيش اليوم ولا نفكر فيما ينبغى أن نفعل غدا. حتى بدا الأمر وكأنه جزء من تركيبتنا، من ثقافتنا، من رؤيتنا لأنفسنا ولحضورنا ودورنا فى الحياة، جمل لا تكتمل، وأفعال لا تتم.

ويبقى السؤال: من الذى عليه عبء البداية، الطرف الأول أم الطرف الثانى، أم طرف ثالث لا نعلمه؟

العناد القطرى الذى سيفجر المنطق والمنطقة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تطورات الأزمة، التى ورطت قطر نفسها فيها والمنطقة معها، تؤكد أن الرؤية الغربية التى تدعمها بعض الأطراف الإقليمية بأن هناك إمكانية لتطويق الأزمة دون تغيير واضح وجوهرى فى الموقف القطرى ليست هى الرؤية الأصح والأقرب، وبات واضحاً أن تغيير

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

سلوك قطر بات مطلباً غير قابل للمساومة لكل من مصر والسعودية والإمارات ودول عربية أخرى. وبدا هذا الإصرار من خلال رد فعل الدول التى ذكرتها على تسريب قطر لقائمة الشروط الثلاثة عشر، والتى اعتقد من يخطط للدوحة خطواتها ويدير معركتها من خبراء لم يحسنوا تقدير رد الفعل أن تسريب هذه الشروط المتشددة سوف يضع الدول صاحبة الشروط فى وضع محرج أمام العالم، وبالتالى ضاغط على هذه الدول بحجة عدم معقولية الشروط من وجهة نظرهم. لكن المفاجأة كانت فى رد فعل هذه الدول الذى اتسم بتجاهل تام لأى وجهات نظر انتقادية لهذه المطالب، بل وكان الكشف عنها من الجانب القطرى فى صالح موقف الدول المقاطعة لقطر. وأكدت هذه الدول موقفها الثابت تجاه حتمية تغيير قطر سياستها الخارجية بشكل جذرى يتناسب والطلبات التى تضمنتها وثيقة الشروط.

الفرصة الوحيدة لقطر لتجاوز هذا الوضع المتأزم الذى تواجهه هو أن تتخلى عن عنادها وتتعامل بمنطق أكثر اتزاناً يضع مصلحة الشعب القطرى فى أولوياته وكذلك مصلحة المنطقة، وأن يحاول قادة قطر تجاوز النظرة الأنانية الضيقة التى تتحكم فى سلوكهم. وتأتى مسألة تبنى قطر مشروع الإخوان المسلمين، ومعها القوى والجماعات المتشددة والإرهابية فى صدارة أولويات التغيير المطلوبة من قطر. كذلك العلاقات مع إيران وتشعباتها أحد أهم متطلبات التغيير المطلوب فى السلوك القطرى. هذا يضع الدوحة أمام قرارات مصيرية عليها اتخاذها بوضوح وبضمانات وبلا مساحة للتأويل أو للالتباس، لأن مصلحة قطر تقتضى إثبات مواقف يمكن لجيرانها العرب أن يصدقوها ويثقوا فيها. مطلوب من قطر أن تتخلى عن لعب دور الولد الشقى الذى يستمتع بإفساد الأجواء المحيطة به حتى لو أدى الأمر إلى احتراقه بالنيران التى أشعلها. تحتاج الدوحة وحكامها أن يستعيدوا ثقة من فقدوا ثقته، وهم كُثُر، بالتوقف عن العبث بالاستقرار فى المنطقة العربية. وأن يتخذوا خطوات تؤكد توقفهم عن لعب أدوار خفيّة فى الشرق الأوسط وتخريبية فى أكثر من مكان.

من ينظر إلى المطالب المطروحة أنها تهدف إلى حمل قطر على الانصياع والانكسار لا يحكم على الموقف بشكل منطقى، فليس الهدف كسر قطر ولا الوصاية عليها، لكن الهدف ببساطة الرجوع عن خطأ السياسات السابقة وتنفيذ تلك المطالب بدقة متناهية وبوجود آلية تضمن الالتزام وتمكن الدول المتضررة من استعادة ثقتها بالشقيق الشارد، وحتى يمكن الوثوق بها والتعامل معها مجدداً.

المطالبة بوقف سياسات دعم التطرف وقنوات التحريض، والتخلى عن تمويل جماعات العنف، والالتزام بثوابت الأمن الخليجى فى مواجهة الخطر الذى تمثله إيران بسياساتها والمطامع التركية الواضحة، الالتزام بهذه المطالب ليس خصماً من سيادة قطر، خاصة إذا ما تذكرنا أن بداية الخطأ والخطر كانت بسبب السلوك القطرى على مر عقدين من الزمان.

هذه الأزمة ستطول إذا لم تسارع قطر بالعودة عن أخطائها، والاعتذار عن أفعالها وسياساتها السابقة من دون مكابرة، الخطر الكبير الآن هو التعنت والعناد على حساب المصالح العليا للمحيط الأوسع. حتى الآن فإن حكام قطر قد أخذتهم العزة بالإثم.

الرجوع عن الخطأ والعودة لمحيطها العربى خير لها من التشبث بأجندات بات واضحاً أن ثمن التشبث بها سيكون باهظاً.

لو لم يتم حسم هذه الأزمة سريعاً فإن هذا سيؤدى إلى المزيد من الاستقطاب السياسى الإقليمى والدولى، واتساع دائرة المواجهة، وهو وضع الكل فيه خاسر، وفِى المقدمة قطر، حكاماً وشعباً.

العناد القطرى الذى سيفجر المنطق والمنطقة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تطورات الأزمة، التى ورطت قطر نفسها فيها والمنطقة معها، تؤكد أن الرؤية الغربية التى تدعمها بعض الأطراف الإقليمية بأن هناك إمكانية لتطويق الأزمة دون تغيير واضح وجوهرى فى الموقف القطرى ليست هى الرؤية الأصح والأقرب، وبات واضحاً أن تغيير سلوك قطر بات مطلباً غير قابل للمساومة لكل من مصر والسعودية والإمارات ودول عربية أخرى. وبدا هذا الإصرار من خلال رد فعل الدول التى ذكرتها على تسريب قطر لقائمة الشروط الثلاثة عشر، والتى اعتقد من يخطط للدوحة خطواتها ويدير معركتها من خبراء لم يحسنوا تقدير رد الفعل أن تسريب هذه الشروط المتشددة سوف يضع الدول صاحبة الشروط فى وضع محرج أمام العالم، وبالتالى ضاغط على هذه الدول بحجة عدم معقولية الشروط من وجهة نظرهم. لكن المفاجأة كانت فى رد فعل هذه الدول الذى اتسم بتجاهل تام لأى وجهات نظر انتقادية لهذه المطالب، بل وكان الكشف عنها من الجانب القطرى فى صالح موقف الدول المقاطعة لقطر. وأكدت هذه الدول عبد اللطيف المناويموقفها الثابت تجاه حتمية تغيير قطر سياستها الخارجية بشكل جذرى يتناسب والطلبات التى تضمنتها وثيقة الشروط.

الفرصة الوحيدة لقطر لتجاوز هذا الوضع المتأزم الذى تواجهه هو أن تتخلى عن عنادها وتتعامل بمنطق أكثر اتزاناً يضع مصلحة الشعب القطرى فى أولوياته وكذلك مصلحة المنطقة، وأن يحاول قادة قطر تجاوز النظرة الأنانية الضيقة التى تتحكم فى سلوكهم. وتأتى مسألة تبنى قطر مشروع الإخوان المسلمين، ومعها القوى والجماعات المتشددة والإرهابية فى صدارة أولويات التغيير المطلوبة من قطر. كذلك العلاقات مع إيران وتشعباتها أحد أهم متطلبات التغيير المطلوب فى السلوك القطرى. هذا يضع الدوحة أمام قرارات مصيرية عليها اتخاذها بوضوح وبضمانات وبلا مساحة للتأويل أو للالتباس، لأن مصلحة قطر تقتضى إثبات مواقف يمكن لجيرانها العرب أن يصدقوها ويثقوا فيها. مطلوب من قطر أن تتخلى عن لعب دور الولد الشقى الذى يستمتع بإفساد الأجواء المحيطة به حتى لو أدى الأمر إلى احتراقه بالنيران التى أشعلها. تحتاج الدوحة وحكامها أن يستعيدوا ثقة من فقدوا ثقته، وهم كُثُر، بالتوقف عن العبث بالاستقرار فى المنطقة العربية. وأن يتخذوا خطوات تؤكد توقفهم عن لعب أدوار خفيّة فى الشرق الأوسط وتخريبية فى أكثر من مكان.

من ينظر إلى المطالب المطروحة أنها تهدف إلى حمل قطر على الانصياع والانكسار لا يحكم على الموقف بشكل منطقى، فليس الهدف كسر قطر ولا الوصاية عليها، لكن الهدف ببساطة الرجوع عن خطأ السياسات السابقة وتنفيذ تلك المطالب بدقة متناهية وبوجود آلية تضمن الالتزام وتمكن الدول المتضررة من استعادة ثقتها بالشقيق الشارد، وحتى يمكن الوثوق بها والتعامل معها مجدداً.

المطالبة بوقف سياسات دعم التطرف وقنوات التحريض، والتخلى عن تمويل جماعات العنف، والالتزام بثوابت الأمن الخليجى فى مواجهة الخطر الذى تمثله إيران بسياساتها والمطامع التركية الواضحة، الالتزام بهذه المطالب ليس خصماً من سيادة قطر، خاصة إذا ما تذكرنا أن بداية الخطأ والخطر كانت بسبب السلوك القطرى على مر عقدين من الزمان.

هذه الأزمة ستطول إذا لم تسارع قطر بالعودة عن أخطائها، والاعتذار عن أفعالها وسياساتها السابقة من دون مكابرة، الخطر الكبير الآن هو التعنت والعناد على حساب المصالح العليا للمحيط الأوسع. حتى الآن فإن حكام قطر قد أخذتهم العزة بالإثم.

الرجوع عن الخطأ والعودة لمحيطها العربى خير لها من التشبث بأجندات بات واضحاً أن ثمن التشبث بها سيكون باهظاً.

لو لم يتم حسم هذه الأزمة سريعاً فإن هذا سيؤدى إلى المزيد من الاستقطاب السياسى الإقليمى والدولى، واتساع دائرة المواجهة، وهو وضع الكل فيه خاسر، وفِى المقدمة قطر، حكاماً وشعباً.

المطلوب حصار دبلوماسى محكم ومدعم بأدلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يبدو أن الدول الأربع، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، قد قررت أن تتبع استراتيجية أكثر توافقا مع التطورات الأخيرة. يتمثل هذا فى طرح ما سُمى المبادئ الستة، كترجمة أكثر دبلوماسية للشروط الثلاثة عشر، يتوازى مع ذلك تحرك، من خلال المنظمات الدولية، لإدانة قطر بفعل الإرهاب ودعمه. إذن هذا طريق اعتمدته الدول الأربع لتطوير موقفها، بعد مرور أكثر من سبعة أسابيع على بدء تحركها ضد قطر. قد تكون بعض ردود الفعل الغربية والأمريكية كانت مفاجئة، لذلك كان ضرورياً التعامل بمرونة فى الشكل مع الالتزام بجوهر الهدف الرئيسى. تزامن هذا الموقف مع تحرك آخر قامت به مصر، التى تشغل الآن موقع عضو بمجلس الأمن، عندما وجهت مصر من IMG_0132خلال مندوبها فى مجلس الأمن اتهاماً واضحاً إلى الحكومة القطرية بانتهاج سياسة «داعمة للإرهاب» تنتهك قرارات مجلس الأمن الدولى، وقال أمام أعضاء المجلس: «إن من المشين ألا يحمّل المجلس المؤلف من 15 بلدا قطر المسؤولية». وطلب «ضرورة وجود محاسبة من جانب المجلس للدول التى لا تمتثل لتلك القرارات. على سبيل المثال، فى تبنى النظام الحاكم فى قطر لسياسة دعم الإرهاب».

المندوب المصرى، إيهاب مصطفى، قال إن النظام القطرى «يعتقد أن المصالح الاقتصادية واختلاف التوجهات السياسية تحول دون محاسبته من جانب مجلس الأمن على انتهاكاته لقرارات المجلس». يعتقد عدد من الدبلوماسيين المصريين أن الإطار الأمثل لمحاصرة الموقف القطرى دوليا هو لجنة مكافحة الإرهاب، وهى آلية دولية تابعة لمجلس الأمن. وتضم فى عضويتها الأعضاء الخمسة عشر لمجلس الأمن وتترأس مصر اللجنة فى هذه الدورة.

يتضح أن قطر تخالف مخالفة صريحة قرارات مجلس الأمن وآلياته منذ زمن، وعلى الدول المناهضة للإرهاب أن تكشف ذلك أمام المجتمع الدولى، وأن تطالب بمعاقبتها وتتخذ الإجراءات القانونية لبدء قضية تعويضات كبرى.

بات واضحاً فى هذه المرحلة أن هناك حاجة ملحة لإصدار كتاب أبيض، وهذا مطلب لخبراء وعقلاء الدبلوماسية المصرية لم يلق صدى إيجابيا كافيا حتى الآن، يتضمن سلسلة انتهاكات قطر للقانون الدولى ودعمها لجماعات الإرهاب. حصيلة ما قامت به الدوحة مؤخرا ما هى إلا سياسة خارجية تضر بمصالح جيرانها العرب، بل والأمن العالمى. وإن العجز القطرى عن حل هذه القضايا هو ما جعلها تتحمل مسؤولية هذه الأزمة الأخيرة. الانطباع السائد عالميا عن قطر دعمها الجماعات المثيرة للشكوك، ظهر ذلك واضحاً فى ليبيا عام 2011، عندما دعمت أكثر الجماعات تطرفًا فى مواجهة معمر القذافى، بل وتزويد هذه الجماعات بأسلحة متطورة. ولاتزال قطر إلى يومنا هذا تدعم الجماعات المرتبطة بالإسلاميين فى ليبيا.

أما أبرز منابع الغضب فى العالم العربى فيتجلى فى دعم الدوحة الأعمى على ما يبدو للحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين فى جميع أنحاء المنطقة.

حان الوقت لكشف كل ذلك بالوثائق والأدلة لكل العالم.

تنظير الجهل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يمر المسؤول الكبير فى مناسبة عامة، ويرى أمامه كاتبا فى صحيفة- رسمية أو شبه رسميةـ فيقول له معاتبا أو زاجرا: (ما هذا الذى كتبته يا فلان؟)، ويحاول الكاتب شرح وجهة نظره التى لا يستمع إليها المسؤول أو يوليها اهتماما، وينتهى الموقف ويبقى الأثر. فيتحول ذلك الكاتب إلى شخص (مستحَل)، تبدأ السهام فى الاتجاه نحوه وإصابته. ويبدأ المعاناة من غياب الذين كانوا حوله فى يوم من الأيام. ويختفى عبد اللطيف المناويطالبو الود سابقا، وتغيب كتابات الكاتب عن الصحيفة.

يظل الحال هكذا حتى يأتى يوم آخرـ إن أتى- يلتقى فيه ذلك المسؤول بذلك الكاتب مرة أخرى، ويسأله: (لماذا لم تعد تكتب يا فلان؟)، ولا ينتظر منه إجابة أيضا. ولكن يتغير الحال، ويعود إلى سابقه. فقد تمت إعادة الغطاء إلى الكاتب الذى سبق أن رُفع عنه بإيماءة مسؤول.

هذه القصة ليست قصة شخص بعينه أو مسؤول محدد، ولكنهاـ فيما أظن- قصة تقليدية متكررة فى مجتمعاتنا، لا أظن أن أحدا ممن قرأها الآن قد فاجأته فى شىء، بل قد يكون البعض ممن بدأ القراءة قد توقف الآن، فما يُقال ليس بجديد.

هنا لا تهم تفاصيل القصة، بقدر دلالتها التى تعبر عن ثقافة خاصة فى المجتمع، يمكن أن أسميها ثقافة تحسس اتجاه المسؤول أو (قراءة أحلام المسؤول). وفى تعبيراتنا المتداولة فى إطار التندر أو الفكاهة والمزايدة يقال تعبير (أحلام سعادتك أوامر)، رغم أنه يقع فى دائرة الفكاهة كما ذكرت، ورغم أنه يعد تعبيرا كاريكاتيريا عن وضع اجتماعى نعانى منه.

آثار هذا المرض لا تقف عند حدود النفاق الواضح للمسؤول، ولكنها تتخطى ذلك إلى أمور أخرى حياتية، أظنها تصب فى النهاية، فى خانة إعاقة أى مجهودات إصلاحية.

والحكاية أو النموذج السابق هو نموذج متكرر فى مستويات مختلفة ومجتمعات مختلفة، فمن يعملون مع المسؤول لا يملكون جرأة مناقشته فيما يقول أو يأمر به. ويبحثون عن نياته واتجاه تفكيره وذلك لالتقاط ما يفكر فيه المسؤول أو يحلم به للسير فى الاتجاه الملهم للمسؤول، بل تتخطى الأمور حدودها عندما يصل حملة المباخر هؤلاء إلى مستوى تنظير ما ينطق به المسؤول، والبحث عن مزاياه الخفية وحكمته السديدة ورؤيته التى تتخطى حدود رؤية العامة من أمثالنا. أى باختصار، يلعبون دور منظرى الجهل.

بما أن اليوم هو يوم الحكايات، فقد تكون الحكاية التالية مناسبة، وهى عن ذلك المسؤول الذى سافر وبصحبته عدد لا بأس به من الناقلات ومعه أيضا عدد لا بأس به من المسؤولين والحاشية. وعندما حان موعد العودة إلى الديار، قرر أن يبقى هو لبعض الوقت. وكانت المشكلة الكبرى أن على بقية المسؤولين العودة فى الموعد المحدد لإدارة شؤون العباد. ولكن ظل السؤال الكبير: أى ناقلة يريد المسؤول الكبير أن يركب حينما يقرر العودة؟!

كانت الخشية- كل الخشية- أن يعود أحد أتباع المسؤول فى ناقلة قد يقرر المسؤول الكبير، فجأة، أن يستخدمها إذا ما قرر العودة، وأراد استخدامها بالذات. ولم يجرؤ أحد على الذهاب إلى ذلك المسؤول الكبير وسؤاله: أى واحدة من تلك الناقلات يريد أن يستبقى؟ وكان الحل الأسهل أن تبقى كل الناقلات، وبالتالى يبقى المسؤولون التابعون، لأن أحدا لم يجرؤ أن يسأل مجرد سؤال. إذا كان هذا الحل فى موقف كهذا فكيف نتخيل الحال فيما يتعلق بمصائر بشر ومجتمعات؟

الموضوع كبير، ويحتاج لما هو أكثر من كلمة، ولكن هنا فقط، أردت أن أشير إلى مشكلة حقيقية، أظنها عائقا كبيرا أمام أى تقدم ديمقراطى، العجز عن مساءلة المسؤول. العجز عن مناقشة القرار أو التهرب من مناقشته، بل التمادى إلى حدود التنظير للخطأ أو الجهل. كل هذه المشكلات حقيقية، ليست وهما، وليست أمرا هامشيا. كم من الهمهمات الناقدة المستنكرة لخطاب أو كلمة لمسؤول، وقتما ينتهى منها، يتسابق أولئك المهمهمون والمستنكرون ليهنئوه على كلمته ورؤيته.

لا يقع نقدى هذا فى إطار الحسد لكل المسؤولين، لأننى لن أجد من يهنئنى على حكمتى بعد قراءة هذا المقال.

تطمينات مطلوبة لاستمرار موقف موحد من قطر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ارتبطت قطر بالإرهاب فى العقل المصرى، أصبحت هذه هى الصورة الذهنية للنظام القطرى. كلما وقع حدث إرهابى فى مصر استدعى المصريون قطر إلى الواجهة، ليس بالضرورة تورط قطر فى العمليات الإرهابية بشكل مباشر، ولكن لأن القناعة لدى القطاع الأكبر من المصريين باتت أن ما تعانيه مصر من إرهاب ناتج عن دعم الدولة القطرية للإرهاب فى العالم، وأن مصدر قوة جماعة الإخوان المسلمين

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

يأتى من الدعم القطرى اللامحدود للإخوان.

على الرغم من انشغال المصريين بتطورات الوضع الاقتصادى لديهم وانعكاسه على معيشتهم اليومية من ارتفاع الأسعار، خاصة بعد قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات والكهرباء ورفع جزئى للدعم على الدقيق، على الرغم من هذا الانشغال إلا أن العلاقة مع قطر تشغل حيزاً لا بأس به من تفكيرهم. يتمنى المصريون أن يروا قطر منصاعة لطلبات الدول الأربع، وأن تتوقف عن دعم الإرهاب وتلتزم بأمن جيرانها، ولكن هناك قلقا دفينا لا يعبر عنه المصريون كثيراً من أن تنفرد الدول الخليجية الشركاء الثلاث بحل المشكلة مع قطر وترك مصر خارج إطار الحل ودون أن تحقق أهدافها. ما يدفع هذا التخوف لدى المصريين أمران، الأول أن المشكلة يتم التعامل معها على نطاق عالمى وإقليمى واسع باعتبارها مشكلة خليجية داخلية بين دول مجلس التعاون، ومعظم المقترحات للحل المطروحة تتعامل مع الأزمة من هذا المنطلق، وبالتالى عندما يأتى وقت حل الأزمة يخشى بعض المصريين أن يجدوا أنفسهم خارج إطار هذه التسوية. الأمر الآخر أنه فى تجارب سابقة، وإن كانت على نطاق أصغر كثيراً، حدث مثل هذا الموقف. لذلك يوجد مثل هذا التخوف، وإن كان الإحساس الغالب أن الموقف مع قطر هو موقف مبدئى من الصعب أن يتخلى عنه أحد الأطراف.

فى إطار محاولات الدولة المصرية لاستمرار إشراك الرأى العام فى تطورات الوضع مع قطر فإن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصرى كشف، فى تقرير نُشر الخميس الماضى، عن الخطوات المستقبلية والسيناريوهات للتعامل مع قطر «حفاظا على الأمن القومى العربى»، كما ذكر التقرير.

وأوضح التقرير أبرز التساؤلات عن الخلاف العربى مع قطر والإجراءات التنسيقية والتشاورية بين الدول الأربع بشأن الخطوات المستقبلية للتعامل مع الدوحة.

وذكر أن هناك عدة سيناريوهات للتعامل مع قطر، منها التحرك نحو مجلس الأمن لإدانة قطر، والاستمرار فى المقاطعة الاقتصادية مع الدوحة، وفرض عقوبات جديدة على الدوحة، وتجميد عضويتها فى مجلس التعاون الخليجى.

كما أشار التقرير إلى سيناريو آخر، قال إنه مستبعد، وهو التصعيد العسكرى.

إذن فيما يبدو، وفى إطار الموقف الحالى، فإن السيناريو الذى تصدره الدولة المصرية لمواطنيها سيتم التركيز فيه على الإجراءات الاقتصادية والسياسية، مع إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن للتحقيق فى وقائع محددة، مع استبعاد اتخاذ إجراءات عسكرية. وتعاملاً مع التخوف من مدى استمرار تماسك وصلابة موقف الدول الأربع فإن الدولة المصرية كانت حريصة على التأكيد أنه لا يوجد أى خلاف بين الدول الأربع فيما يتعلق بالملف القطرى، فى ضوء دعم الدوحة للإرهاب وسعيها لزعزعة الأمن والاستقرار الداخلى للدول العربية.

لكن الأكيد أن قطر عقّدت الأمور برفضها المطالب التى قدمتها الدول الأربع، اعتبرت قطر بعض هذه المطالب تمس سيادتها، ولكن بدا واضحاً، بل ومحرجاً لقطر ما سربته «سى. إن. إن» لاتفاق الرياض الذى نقضته قطر.

إن المواقف المعلنة من حكومات الدول العربية الأربع تؤكد أن مواقفها تجاه قطر مازالت على حالها، وأنها لن تتراجع إلا باستجابة قطر لـ١٣ مطلبا، فهل تستجيب قطر؟.. الإجابة تقول إن قطر ستبقى على عنادها ودعمها للإرهاب، لذلك لا خيار أمام العرب والعالم إلا ممارسة المزيد من الضغوط على قطر.

فيما يبدو فإن جهود وزير الخارجية الأمريكى قد فشلت، وإن واشنطن تمارس فى الأزمة مع قطر سياسة تحكمها الانتهازية السياسية ولغة المصالح. وهذا يعنى ببساطة أن على الدول الأربع أن تستمر فى التنسيق، والأهم أن تمتلك استراتيجية طويلة المدى ثابتة وقوية ومطمئنة لجميع الأطراف الخليجية والمصرية.

«الناجح يرفع إيده»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

استوقفنى خلال الأيام القليلة الماضية تعليقان عن العلم فى مصر، أحدهما عن العلوم فى مصر منذ خمسين قرناً، والآخر عن التعليم فى مصر وأوضاعه أمس الأول، يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.

وسأبدأ بالزمن السحيق، عندما خرج علينا دكتور وسيم السيسى، أ100_0757-1.jpgستاذ علم المصريات، بتعليق فى أحد البرامج التليفزيونية قائلاً: إن الأسرة الفرعونية الـ18 بدأت برجل عظيم وهو الملك أحمس، مشيرا إلى أنه يرجع له الفضل فى تحرير مصر من الهكسوس. مشيرا إلى أن العلوم جميعها، وبالأخص الطب، نشأت فى مصر منذ 50 قرنًا، لافتا إلى أن هناك مقولة للفيلسوف أفلاطون يقول فيها: «ما من علم لدينا إلا وقد أخذناه من مصر».

التعليق الثانى للأخ العزيز الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عندما علق على المؤشرات الأولية لنتائج الثانوية العامة، لافتًا إلى أن أقل الدرجات التى حصل عليها الطلبة هى تحديدًا فى مواد: اللغة الإنجليزية، الفيزياء، التفاضل والتكامل، الجبر والهندسة. وأضاف «السيد»، فى تدوينة له عبر موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، أن هذه المقررات تحديدًا هى الأساس فى مواكبة التحولات العلمية الهائلة، والتواصل مع العالم، مشيرًا إلى أنها دليل آخر على أن مخرجات التعليم فى مصر تباعد بيننا وبين تحقيق أى نهضة ذات قيمة فى عصر العلم وانفجار المعرفة. وأضاف أستاذ العلوم السياسية أنه لا يلوم أحدا.. الهند والصين وكثير من دول العالم تتسابق على كسب ود إسرائيل، مشيرًا إلى كلمة الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين أن الصراع بين العرب وإسرائيل هو فى أحد جوانبه صراع حضارى.

ظهرت بالأمس نتيجة الثانوية العامة، مبروك لكل الناجحين، ولكن فى نفس الوقت لا عزاء للمجتمع المصرى الذى مازال يسير وبإصرار عجيب فى دروب التراجع والتأخر العلمى. لم يعد غريبا، بل ولم يعد يؤثر فينا، ما نتابعه ‏من تراجع لرغبات الانضمام إلى الكليات العملية، أو عن انخفاض مستوى طلاب هذه الكليات، بل المستوى العلمى لهذه الكليات. لم يعد غريبا أن نسمع عن تراجع الجامعات المصرية فى مؤشرات الجامعات العالمية وتخلف البحث العلمى مقارنة بالعالم المتقدم أو الدول الراغبة فى التقدم.

أحد التصنيفات العالمية للجامعات فى العالم اسمه «كسر اس» كشف مؤخراً عن تراجع الجامعة الأمريكية فى مصر وجامعة القاهرة لعام 2016/ 2017. حيث تراجعت الجامعة الأمريكية بالقاهرة 20 مركزاً لتحتل المركز الـ365 عالمياً، فيما تراجعت جامعة القاهرة 50 مركزاً لتصبح بين ترتيب الـ551- 600 عالمياً. وباستثناء الجامعة الأمريكية، تراجعت كل الجامعات المصرية فى تقييم «السمعة الأكاديمية».

لن ينفعنا كثيراً أو طويلاً أى مشروع عملاق، لكن إذا أردنا أن يكون لدينا مشروع قومى بحق فأظن أنه التعليم.

عندما شغل دكتور طارق شوقى منصب وزير التربية والتعليم لقى اختياره صدى إيجابيا كبيرا لدى العديد ممن عرفوه عن قرب أو تابعوه وممن يعرفون فى نفس الوقت حقيقة وحدود المشكلة التى تعيشها مصر فى التعليم. ليست لى علاقة قريبة بالدكتور شوقى لكن ما سمعته عنه وما تابعته حتى الآن يعطى انطباعاً مشجعاً، لكن نجاحه لن يتم ما لم يتمكن من الوقوف أمام المقاومة الهائلة التى سيلقاها داخل وزارته نفسها وفِى مجاهل الدولة، والمقاومة الأعظم ستكون من المجتمع ذاته الذى قرر أفراده أن همهم الرئيسى أن يحصل أبناؤهم على «الشهادة الكبيرة»، وليس مهماً إن كان يستطيع حتى أن يقرأ ويكتب أم لا.

مبروك للناجحين فى الثانوية العامة، وألهم الله الدولة ورجالها القدرة على فهم مخاطر تراجع مصر فى التعليم ليدعموا ثورة تعليمية حقيقية على المدى الطويل، البديل عنها أن نستمر فى الغناء «الناجح يرفع إيده» ونستمر فى الغرق فى مجاهل الأمم المتخ

الثعالب الصغيرة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تمتلئ الحياة حولنا بالحكايات والمشاهد، وهى حكايات ذات دلالة، ومشاهد لها من المعانى الكثير، وتحمل ذاكرتنا أيضا الكثير من الحكايات القديمة والقصص التى لها أصول فولكلورية، والغريب أن تلك القصص والحكايات تحمل من العمق والحكمة، رغم بساطة شكلها، ما يفاجئنا عندما نكتشف أن ما نراه فى حياتنا من أمور، وعلاقات على المستويين الخاص والعام، ما يبدو وكأن كل هذه الحكايات Abdul-Latif-Al-Minawiهى تعبير قديم جديد عما نعيشه ونشاهده.

هذه المقدمة ليست محاولة لإسباغ قدر من التعقيد أو افتعال الحكمة، ولكنها حقيقة أكتشفها كل يوم، وأدعوكم إلى التأكد من هذه الحقيقة ـ كما أعتبرها ـ باستحضاركم لنصوص من حكايا الأجداد أو الأمثال الشعبية للأمهات والجدات أو كتب التراث المليئة بالخرافات وحكايات الحيوانات التى هى فى النهاية تعبير عن واقع حياتى لهم والغريب أنه أيضا واقع متجدد لنا.

لفت صديق لى نظرى فى معرض حديثه عمن يستمتعون بإفساد الجيد من الفعل وإعاقة الصحيح من الحركة فى مجتمعنا ـ المحلى والإقليمى ـ عندما وصفهم بالثعالب الصغيرة المفسدة للكروم، وكان الحديث حول تلك الكائنات الصغيرة ـ حجما هنا ـ والتى تستمتع بإفساد الأفعال التى يهدف أصحابها إلى أن تكون أفعالا إيجابية.

لا أظنه صعبا النظر حولنا، شخصيا ومحليا وإقليميا، لكى نكتشف تلك الثعالب الصغيرة التى تبدو وديعة المظهر، آمنة الجانب لكنها فى النهاية مفسدة لحياتنا ولأى محاولة إنجاز، نجاهد من أجل قبول الآخر، من أجل فتح دائرة الحوار مع أطراف الأمة وتوحيد أبنائها، ليأتى أولئك الذين احترفوا حرق الجسور ليعيشوا على نارها، ويطربوا بانهيارها، تدور المحاولات الجادة لوضع الكتف معضدا للكتف لمواجهة المستقبل معا بين أطراف عشقت هذا الوطن، واختارت العيش فيه، والعمل من أجله، اتفقت على الارتباط والارتقاء به، حتى وإن اختلفت تلك الأطراف على الأسلوب، فتأتى مرة أخرى تلك الثعالب الصغيرة لتعبث بثمار هذا الوطن، وتفسد محاولات التوحد من أجل الدفع به إلى الأمام، وهى هنا ثعالب لا تنتمى لطرف واحد، ولكنها تنتمى لأطراف متعددة ومتناقضة، ولكن يعميها ضيق الأفق وقصر النظر والرغبة فى الربح السريع ولو كان ذلك ثمنه إفساد الثمار، وهى هنا تنطلق من رغبتها قصيرة النظر فى تحقيق مكاسب، وعدم إدراكها بأن ذلك يسبب إفسادا أعم وأشمل.

وإقليميا نجد تلك الثعالب الصغيرة مرة أخرى تقوم بدور المفسد للجهود الكبيرة، وهى هنا تلعب أدوارها لصالح ثعالب أكبر وأكثر مكرا، ولكنها- أى هذه الثعالب الكبيرة ـ قررت ألا تواجه بنفسها وتركت المجال للصغير منها ممثلا لها، ومدفوعا برغباتها فى القيام بذلك الدور المفسد، وأنا هنا إن كنت أُبرّئ الثعالب الصغيرة محليا من سوء النية وأغلّب قصر النظر، أو عدم القدرة على تقدير الأمور، فإننى هنا لا أبرئ الثعالب الصغيرة إقليميا، والتى ـ يبدو واضحا أنها ـ تلعب دورها لصالح ثعالب أكبر إقليميا أو دوليا، وما يحدث فى المنطقة المحيطة بنا يمكن لنا أن نقرأه فى إطار تلك الحكايات فكيف لنا أن نفسر محاولات الإعاقة المستمرة لإيجاد حد أدنى من التوافق بين الدول العربية المختلفة فى مواجهة تحديات المرحلة، التى هى تحديات حاسمة فى تشكيل وإعادة رسم ملامح ومستقبل المنطقة.

شعوب ومسلسلات

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تلك الحالة من الاستسلام والرفض، ورغم ذلك الإصرار على متابعة المسلسلات التليفزيونية، لا تختلف كثيراً عن ذات الحالة التى يمكن ملاحظتها فى الشارع العربى بشكل عام، تلك الحالة من الاستسلام غير الطبيعى، والرضوخ لما هو مطروح ـ أو مفروض، علينا سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، حتى إن السؤال الذى يتردد أو على الأقل ينبغى أن يتردد ـ داخلنا وحولنا، هو، هل هذه المسلسلات بمثابة أبناء شرعيين أو غير شرعيين ـ لهذه الحالة التى نعيشها، أم أن هذه الحالة هى الابن الشرعى لتلك المسلسلات وذلك الإنتاج الفنى والسياسى الذى نتعرض له يومياً حتى بتنا هكذا.

لست ناقداً فنياً، لكن تستوقفنى الظواهر، والظاهرة التى استوقفتنى، خلال الأسابيع الماضية، هى تلك العلاقة الغريبة والمريبة بين المواطن المتلقى وبين جهاز الإعلام المرسل عبر إنتاجه الدرامى، والذى تمثل فى ذلك الفيض من المسلسلات فاضت بها الشاشات العربية من دون استثناء، وجوه شاخت، وشخصيات مل منها الناس، وممثلون وممثلات كادوا أن يضيفوا أجنحة ملائكية يسبحون بها فى عقول الناس الخاوية ـ بإرادتهم ـ وآخرون يتحدثون عن ملايين لم يسمع بها معظم المشاهدين، وقصص سخيفة وممجوجة، وشخصيات باهتة، وأحداث غير واقعية، باختصار حالة من النصب العام والشامل ومتعدد الأطراف على المشاهدين، والغريب هنا ليس حالة النصب، ولكن الغريب إدراك المتلقين من المواطنين أمثالنا لهذه الحقيقة، ولكن الأكثر غرابة هو تلك الحالة الغريبة من الاستسلام التى راح فيها المواطنون، رافعين كل رايات التسليم للأمر الواقع والرضا بالمكتوب.

قرر منتجو هذه المسلسلات وتضامنت معهم جميع الشاشات العربية التى هى جزء من الآلة الإعلامية العربية ـ الرسمية والخاصة، قرروا جميعاً أن يقدموا هذا المخدر إلينا نحن المواطنين، ورضينا نحن بإدمان هذه الأشياء حتى لو كنا مدركين لحقيقتها، وحتى لو كنا غير راضين عنها.

أعود للسؤال المحير على طريقة المسلسلات، من ابن من؟ هل نحن أبناء هذه الحالة من الاستسلام اللذيذ المؤذى، أم أن هذه الحالة من الاستسلام الناتجة عن ذلك الواقع الذى نعيشه هى المسؤولة عن أحوالنا هذه؟

قد يرى البعض فيما أقول محاولة للى عنق الأشياء لأوصل بها معنى أكبر من حدودها، فكل ما سبق هو حديث عن مسلسلات، ولكنى أرد قائلاً، إن العرض ـ بفتح العين والراء ـ البسيط هو نتاج لداء قد يكون مزمناً، ولست أدرى هل هذا العرض ـ بفتح العين والراء ـ الذى أشرت إليه اليوم هو إشارة لحالة أعم وأخطر، أنا أظنها كذلك، وإذا أردنا الدليل فلنحاول استعادة حالتنا الاستسلامية لما فرض علينا من شاشاتنا، ونقارنها بما فرض علينا من واقع تفاصيله غنية عن البيان. لن تجد الأنظمة ولا منتجو المسلسلات شعوباً ومتلقين أفضل منا.