المشروع القومى لمصر

100_0757-1.jpg

لم يعد هناك بد الآن من البدء فى العمل والبناء، الوقوف طويلاً والنظر إلى الوراء لن يجعلنا ننتبه للأخطار القادمة أمامنا، والتى يجب أن نتفاداها بسرعة التحرك.

الآن، وقد كادت أركان الدولة المصرية الحديثة أن تكتمل، يجب علينا سرعة البدء فى مشاريع قومية جامعة، تجمع حولها كل أطياف مصر، وشبابها، وتستفيد من خبرة شبابها، وتحلم بغد أفضل لمستقبلها، مشروع قومى يعمل فيه الجميع، المرأة بجوار الرجل، الكهل بجانب الشاب، هذا المشروع القومى لمصر ينبغى أن يكون هدفه الأساسى هو إنقاذ مصر.

لم يعد ممكناً الآن الحديث عن مشروع قومى مثل السد العالى، فالزمان تغير، وطريقة التعاطى مع مثل هذه المشروعات تغيرت، نريد طبيعة جديدة وأهدافا ذات طبيعة مختلفة، قوامها الأول هو العمل، وإصلاح ما فسد، لسنا فى حاجة للبدء من جديد فى بعض الأحيان، يمكننا أن نصلح ما فسد، ونبنى عليه، يجب أن نحصى نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا، نعمل على زيادة نقاط القوة، ونقوى نقاط الضعف.

إنقاذ مصر، وإعادتها أولاً إلى ما كانت عليه، ثم إلى مصاف الدول المتحضرة والمتقدمة، كما نتمنى لها، لن يكون إلا بالعمل، العمل فى جميع الأنحاء، وليس التركيز فى مشروع واحد، مشاريع تستوعب كل الأيدى المصرية العاملة التى تعطلت خلال السنوات الثلاث الماضية، بسبب توقف مشاريع ومصانع نتيجة حالة عدم الاستقرار التى طالت البلاد، والأيدى العاملة التى لم تكن تعمل من قبل، والآلاف من خريجى الجامعات الذين ينتظرون الإشارة للبدء فى العمل للبناء.

المشروع القومى لإنقاذ مصر يجب ألا يغفل التعليم، فلا مستقبل لأمة تهمل التعليم، وإذا كان الدستور المصرى الجديد قد اهتم بهذا، فإن التركيز عليه يجب أن يكون قضيتنا الأساسية التى نسعى إليها، ونحارب من أجلها، ويجب ألا يكون فخرنا بعدد خريجى جامعاتنا بقدر ما هو الذى تعلموه، وما هى مهاراتهم.

المشروع القومى لمصر يحتاج إلى لغة جديدة، وأهداف ذات طبيعة مختلفة، تركز على الاستثمار فى الإنسان المصرى، وتلبى حاجاته ومتطلباته، تستطيع التعامل مع الأجيال الجديدة، ومع أفكارهم، وتستفيد من هذه الأفكار وتفعّلها.

لا نستطيع أن نبنى نهضة مصر الحديثة، ولا أن نخطو للأمام خطوة واحدة دون أفكار الشباب التى تنتمى لهذا الزمن، وليس لأزمنة ماضية، فلكل زمن قواعده وأفكاره، آليات البناء يمتلكها أبناء هذا الجيل، وشباب هذا الوطن، لذا يجب الاستفادة منها ومنهم.

ما يجب أن نعلمه جميعاً الآن هو أننا يجب أن نواصل العمل، نستفيد من دروس الزمن البعيد، كيف بنت مصر نهضتها الماضية؟ ونستفيد من دروس الزمن القريب، ما الذى أخّر مصر خلال هذه السنوات الثلاث؟ ونستفيد من دروس الحاضر، كيف نتقدم للأمام؟

الأكيد هو أن مصر تحتاج إلى مشروع قومى جديد جامع، يكون هدفه الأساسى هو «إنقاذ مصر»، والأكيد أيضاً هو أن الطريق صعب، وعلى الجميع أن يعمل.

حوائط الصمت

عبد اللطيف المناوي

كنت دائما من الداعين إلى نبذ الخلاف والتوحد حول أهداف وطنية، الأساس فيها الحفاظ على مصالح المصريين البسطاء الذين شكلون السواد الأعظم من أبناء هذا الوطن، ولكنى أيضا من المتحفظين على أن يكون الحفاظ على هذا الشكل من التوحد أن يكون من خلال حفلات من النفاق والتودد لقطاع على حساب قطاع، أو لتيار على حساب تيار، أو لصالح أى أحد على حساب أبناء الوطن الذين لم يجدوا أمامهم إلا العودة إلى مواقعهم التى عاشوا فيها طويلا كأغلبية صامتة لا مبالية.

كدت أكون من المخدوعين بما تم الترويج له عقب الاستفتاء بمسألة امتناع الشباب وغيابهم عن المشاركة، وتفنن البعض فى إيجاد أسباب لهذا الغياب، فمنهم من تحدث عن السلوك «غير المرضى» لهؤلاء الشباب بعد 30 يونيو، حيث لم يجدوا لهم مكانا، وتكشفت بعض ملامح ما حدث من قبل، والبعض تحدث عن مقدمات عودة إلى نظام قديم يخشى فيه هؤلاء على أنفسهم، والبعض الآخر تحدث عن علاقة «صفرية» بين 25 يناير و30 يونيو، ينفى فيها أحدهم الآخر. وبدا كل هؤلاء يدللون بموقف هنا وتصريح هناك على صحة ما يدعون، يبدو أن هذه الحالة قد لاقت صدى لدى قطاعات متعددة من المتابعين وفى الدولة، لكن الحقيقة أن هذا الغياب المزعوم لم يكن موجوداً إلا فى أذهان الذين يروجون له. فالمتابع والقارئ لنتائج الاستفتاء سيجدان نسبة الشباب المشاركيين كانت طبيعية جدا، لكن الملاحظ أن أصحاب الصوت العالى منهم هم الذين غابوا، وهذه بداية ظاهرة احتكارية جديدة يتبناها هؤلاء، بحيث يعتبرون معيار الصلاحية والشرعية فى أى موقف هو مشاركتهم من عدمها. هؤلاء غابوا لإحساسهم بأنهم يفقدون أرضيتهم ومصالحهم، فقرروا الانتقام. لكن الحقيقة، كما ذكرت، أن الخلل هنا فى اعتماد هؤلاء كقوة مانعة أو دافعة أى تحرك فى المستقبل، فإن قوة الشباب الحقيقية هى أولئك الذين يقفون فى مواقع عملهم أو مواقع دراستهم أو أولئك الذين يقفون فى طابور الباحثين عن العمل وليس هؤلاء الذين اعتبروا الصوت العالى والأسلوب الاحتكارى للتعبير عن مطالب الشعب هو الطريق.

دعوت من قبل إلى نبذ الخلاف، ومازلت أصر عليه، ولكن بشرط ألا يكون ذلك دون تنازلات على حساب الأغلبية التى بدأ جزء منها يتحصن بالصمت. هذه الحملة ذات الصوت العالى دفعت أطرافاً متعددة فى الدولة وفى الإعلام إلى الاندفاع نحو إرضاء تيار على حساب تيار، فلاحظنا لدى البعض صوتاً عالياً منافقاً مبالغاً لتعزيز مواقف وأشخاص عليهم العديد من الملاحظات خلال الفترة الماضية، هؤلاء لا يعلمون، وهم يسلكون هذا السلوك، أنهم يخسرون مرتين: مرة عندما يخسرون تياراً كبيراً له ملاحظاته وتحفظاته، ولكنه لا يملك صوتاً عالياً ستتحول مواقفهم إلى مواقف غير داعمة، وسيخسرون مرة أخرى قطاعاً كبيراً من الناس الذين يصيبهم الارتباك من تناقض المواقف، فيقررون الخروج من معادلة الفعل، ليحتموا خلف حوائط الصمت. نحن فى حاجة إلى التقدم إلى الأمام، من أجل الأغلبية من المصريين الذين يريدون العيش بكرامة مرفوعى الرأس مستقلى الإرادة، لا يحكمهم إلا صوت المصلحة الوطنية.

انتهى الدرس

imagesيبدو أننا يجب أن نعتاد على طبيعة حياة مختلفة قرر تنظيم “الإخوان المسلمين” وتوابعه أن يفرضوها علينا، فكما سبق أن ذكرت في هذا المكان، فإنهم قرروا إما أن يحكمونا أو أن يقتلونا.
أصبحت النتيجة الآن أن صباحنا بات مختلفاً، ما تفعله أيادي التنظيم السوداء بات شريكاً ثقيلاً في حياتنا عبر صفحات صحف الصباح أو أخبار نشرات الصباح وبرامجه، يسطر تنظيم “الإخوان” صفحات ممزوجة بالدم والمراوغة.
استيقظنا صباح أمس الجمعة على خبر الانفجار المروع في مديرية أمن القاهرة، في أحد أقدم الأحياء المصرية وأكثرها ازدحاماً في باب الخلق، بعد أن حاولت سيارة مُفخخة اقتحام المبنى، وهو ما أسفر عن انفجار بمحيط المديرية، أدى إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 76 آخرين، ثم خبر استشهاد مجند وإصابة 9 من قوات الشرطة، إثر انفجار عبوة محلية الصنع بشارع التحرير بدائرة قسم شرطة الدقي، ثم خبر انفجار عبوة ناسفة بجوار قسم الطالبية بشارع الهرم.
هذه هي الصباحات التي يريدها “الإخوان” للمصريين، مليئة بالدم والقتل والعنف، لأنهم رفضوا أن يتركوا الجماعة على سدة الحكم، ثم تعود الجماعة لتقدم اعتذاراً كاذباً للقوى الشبابية في محاولة لضمها إلى صفها في التظاهرات المزمعة اليوم 25 يناير.
كشفت الجماعة عن خبث نواياها، بصباحات الدم، وعشرات الشهداء من الجنود والمواطنين الأبرياء الذين راحوا ضحية عنف الجماعة، في مديرية أمن القاهرة، وقبلها في مديرية أمن المنصورة، وقبلها في سيناء، وكثيرون سقطوا بخرطوش الجماعة في تظاهراتها، ثم يعودون إلى الكذب مرة أخرى، فيشير أحد نشطائهم في تدوينة له نشرتها إحدى الصحف أن أخطر ما في فكر “الإخوان المسلمين” هو منهجهم التربوي الذي يهدف إلى تأسيس مجتمع مسلم عبر الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، معتبراً أن هذا المنهج خطير جداً لأنه سيؤسس بؤرة مجتمعية تؤمن بأن “الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، موضحاً أن الإنسان لا يحتاج إلى كثير علم وطول مراقبة حتى يكتشف أنها الجماعة الأخطر في نظر الشرق والغرب، لأنها تؤمن بالجهاد والتربية ومكافحة الفساد. واستطرد قائلاً: “الإخوان جماعة دعوية بدأت في المساجد وهدفها المجتمع ومنهاجها الكتاب والسنة وأعضاؤها هم جميع أطياف المجتمع، لذلك هم الأخطر على العلمانية”.
هذا الكلام، الذي عاد “الإخوان” إلى ترديده، لتحسين صورتهم، لم يعد ينطلي حتى على البلهاء، فأي مجتمع مسلم يتحدثون عنه، وهم يقتلون الأبرياء؟! وأي منهج تربوي هذا الذي يحملهم على الدفع بقواعدهم وشباب الجامعات للموت حتى يتاجروا بدمائهم؟!
لا يجيد “الإخوان” سوى المتاجرة، مرة بالدين، ومرة بمن يدفعونهم إلى الموت حتى يصنعوا مظلومية تاريخية، لا يؤمن “الإخوان” إلا بالخداع، دينهم التقية، مرة يخدعون الشباب باسم الإسلام والله والقرآن والرسول والجهاد، حتى يغسلوا أدمغتهم تماماً، ويسيّروهم كما يريدون، ومرة ببيانات كاذبة للقوى الشبابية، يتحدثون فيها عن اعتذار عن التغرير بهم، ويعدونهم مجدداً بالمشاركة السياسية، دون أن يدركوا أنهم رددوا هذا الكلام كثيراً من قبل، ثم ما لبثوا أن لحسوه بألسنتهم فور أن وصلوا إلى السلطة.
لم يعد هذا الكلام ينطلي على أحد، فالدماء التي تسيل في الشارع كل يوم، وتستهدف الأبرياء، الذين لا يريدون سوى وطن آمن أصبحت هي الحاجز الحقيقي بينهم وبين الناس، وتهديدات جماعة “الإخوان” بأنها ستدفع بشبابها إلى النزول اليوم ولن يعودوا، ليست إلا دليلاً دامغاً على الإرهاب، الذي أصبح يقطر من كلماتهم. الأكيد أن الدرس قد انتهى، والأكيد أيضاً أن مصر ستجتاز كل هذا، وسيمر يوم 25 يناير كما مر غيره من قبل، فقد وعى المصريون الدرس جيداً، بل كل الدروس، طوال ثلاث سنوات، وعرفوا من غرر بهم وخدعهم باسم الدين طوال هذه المدة، والأكيد أن “الإخوان” اختاروا طريق الإرهاب بأنفسهم، وأنهم بدأوا بمعاداة الشعب المصري وقتله.

ليس هذا وقت الخلاف

2013-635082139780656719-65

بالتأكيد ليس هذا هو وقت الخلاف بين المصريين، وليس وقت التنازع، ورمى الاتهامات بين من جمعتهم ميادين 30 يونيو، وبالتأكيد أن هذا الخلاف والنزاع لا يصب إلا فى مصلحة من خانوا الوطن، وباعوه لتنظيمهم الدولى، وهم الآن يذكون نار الخلافات، ويراقبون المصريين وهم يتقاذفون الاتهامات.

الشىء الذى يلاحظه أى شخص يتابع المشهد السياسى الآن هو أن هناك حالة من حالات التقسيم يراد فعلها بمصر، ورغبة فى شق المصريين مجددا، بعد أن أحبطت طوابير الاستفتاء محاولات كثيرة، وأرعبت من ظنوا أنهم يملكون أصوات المصريين، لذا قرروا أن ينتقلوا إلى خدعة جديدة، وهى قطع الحبل الواصل بين التيارات المختلفة، من خلال تقسيمهم إلى من خرجوا فى 25 يناير، ومن خرجوا فى 30 يونيو، وهى الفكرة التى لا تصب إلا فى صالح جماعة الإخوان.

ليست هذه هى الخدعة الأولى، فقبل أيام من الاحتفال بالذكرى الثالثة لـ25 يناير خرجت جماعة الإخوان بمراوغة جديدة، لتقدم ما لا يمكن اعتباره اعترافاً بالخطأ، وتغازل القوى السياسية الشبابية بالحديث عن الاتحاد والصف الواحد، والمشاركة السياسية، وتعيد ترديد شعارات الحرية والعدالة الاجتماعية، وهى المصطلحات التى كانت ترددها الجماعة أيضاً قبل وصولها للحكم، ولما وصلت ألقت بها عرض الحائط، ولم تكتف الجماعة بهذا، بل خرج حزب الوسط، المحسوب عليها، بما سماه اعتذاراً، فى محاولة فاشلة لخداع جديد، ولصرف النظر عن أن مظاهرات الجماعة التى تنوى تنظيمها فى 25 يناير هى للقوى الشبابية وليس للجماعة، وهى حيلة لم تعد تنطلى على أحد.

هذا الأسلوب الذى اعتادت عليه الجماعة فى حربها ضد المصريين، من خداع وكذب وتضليل ومحاولات شق الصف والتقسيم، يجب الانتباه إليه جيداً، ويجب على القوى السياسية والشبابية أن تعيه وتدركه، وتتركه وتنصرف لإكمال خارطة الطريق وبناء مصر الجديدة التى نحلم بها.

من المؤكد أن هناك ملاحظات على ما حدث فى 25 يناير، لكن المؤكد أيضاً أن ما حدث فى ذلك اليوم كانت به حالة مصرية حقيقية، وكانت هناك مطالب حقيقية للمصريين الذين خرجوا رافعين شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، والمؤكد أيضاً أن يوم 30 يونيو استطاع جمع كل الأطياف المصرية، من خرجوا يوم 25 يناير ومن لم يخرجوا، من صمتوا ومن أجبرهم حكم الإخوان على الخروج لاسترداد وطنهم، وحتى لا ننسى يمكن الرجوع لأى صحيفة يوم 29 يونيو وقراءة آراء كل القوى السياسية التى تتناحر الآن، ومشاهدة أى صورة وقد اصطفت فيها كل القوى السياسية تحت هدف واحد.

والمؤكد أيضاً أنه رغم بذور الفتنة التى يزرعها الإخوان، إلا أن خروج المصريين للاستفتاء على الدستور جمعهم مرة أخرى، وأكد اصطفافهم، وهو المشهد الذى أرجو أن نحافظ عليه لنكمل الخطوات القادمة، ونستكمل خارطة الطريق، وأن يكون الاستفتاء هو المظلة الجامعة التى نتحرك جميعاً تحتها، فالخلاف يهدد الجميع، سواء ممن كانوا ينتمون لـ25 يناير أو 30 يونيو، والحل للخروج من هذا المأزق هو العودة إلى الوطن مرة أخرى، والتفكير ما الذى يجب أن نفعله له لكى نخرج من الحالة الراهنة، وهذا لن يتأتى إلا بعدم الوقوع فريسة لأكاذيب الإخوان وخداعهم ومحاولاتهم شق الصف المصرى مرة أخرى.

خناقة «أبوزيد» فى غير أوانها

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

المثل المصرى القديم يقول «ليس كل من ركب الحصان خيال» وانطلاقا من هذا يمكن التعميم بالقول وليس كل من جلس على مقعد مسؤولية مسؤولا.

المنصب الوزارى هو منصب سياسى قبل أن يكون موقعا تنفيذيا، والسياسة تأتى من ساس ويسوس، والمعنى البسيط لهذا هو القدرة على معرفة الوقت المناسب والأسلوب المناسب للتعامل مع القضايا، والأهم هو القدرة على عدم خلط ما هو شخصى بما هو عام. بينما كان المصريون جميعا ينتظرون إعلان اللجنة العليا للانتخابات نتائج الاستفتاء على الدستور ألقى فى وجوهنا خبر مفاجئ أحتاج لحظات لاستيعابه، وهو قرار «كلمة الوزير» طاهر أبوزيد بحل مجلس إدارة النادى الأهلى، ليتصدر هذا الخبر المشهد. الحقيقة أننى احتجت لأن أراجع معلوماتى لأتأكد عمن يشكلون مجلس إدارة النادى الأهلى حاليا لمجرد العلم، فلقد توقفت منذ فترة عن متابعة هذا الشأن. الأسباب التى بنى على أساسها «الوزير» هى أسباب بدت فى ظاهرها تحمل ما يبدو أنه حرص على المصلحة العامة، ولا يمكننى مناقشة هذه الجزئية، فهناك جهات هذا دورها، ولكن الأكيد أن ملمحا تحريضيا وانتقاميا بدا فى طيات تفسير القرار، الملحوظة الأخرى المهمة أن حالة ضرورة الإسراع والتعجيل بإصدار هذا القرار غير موجودة بالمرة، بما يلقى الكثير من الظلال والتساؤلات حول دوافع إصداره فى هذا التوقيت الذى ينتظر فيه المصريون الإعلان عن نجاح أولى خطوات خارطة الطريق.

البعض فسر ذلك بأن «الوزير» قرر أن يستبق إعلان نتيجة الدستور الذى يعنى العمل به فورا تطبيق مادة تنص على عدم حل مجالس إدارات الجمعيات والنوادى إلا بحكم قضائى، ويفسر البعض الآخر ممن يعلمون هذه الأمور أكثر منى بأن هذا الموقف هو امتداد لخلاف بين عضو مجلس الإدارة السابق- الوزير حاليا- وبين رئيس مجلس الإدارة الذى أراد عضو مجلس الإدارة أن يستكمل معركته معه من على مقعد الوزير.

لا يهمنى كثيرا بقاء مجلس الإدارة أو إحالته إلى النيابة بنفس الدرجة التى يهمنى فيها استقالة الوزير أو عناده وإصراره على البقاء بعد أن ألغى رئيس الوزراء قراره، ولكن ما يهمنى هنا هو ذلك الغياب التام لأبجديات الحس السياسى لدى مسؤولين يتعاملون مع جمهور. سواء اتفقنا أو لم نتفق فإن الحقيقة أن النادى الأهلى هو أكبر «حزب فى مصر»، وإثارة مثل هذه القضية فى هذا التوقيت هو فعلا خاصم المنطق مفتقدا إحساس المسؤولية من أجل ما بدا وكأنه ثأر شخصى أو استمرار لمعركة بين شخصين بدأت فصولها منذ سنوات فى حديقة النادى، ومازالت مستمرة من مقاعد الوزراء.

كان لى ملحوظتان منذ اللحظة الأولى لتشكيل الوزارة الأولى هى: هذا العدد الكبير من الوزراء الذى يعوق الحركة أكثر من الدفع إلى الأمام، فلقد رأيت دائما أن مصر فى هذه المرحلة بحاجة إلى وزارة طوارئ محدودة العدد تمتلك القدرة على الفعل فى القضايا المهمة دون الإغراق فى القضايا السطحية. الملاحظة الثانية هى القواعد التى يتم على أساسها اختيار الوزراء، الخطأ الذى وقعنا فيه أن الاختيار اعتمد فى ذلك على معايير محاصصة وتوازن وهمى بين قوى وهمية ادعت امتلاك الشارع. وقد يكون هذا الموقف ذا فائدة للتفكير فى شكل الحكومة القادمة.

الديمقراطية والصندوق

IMG_0132

رغم نتيجة الاستفتاء المفاجئة للبعض ممن لم يتوقعوا خروج المصريين بهذا الحجم، فإن الدرس الأول لنا هو ما حاولنا طويلاً شرحه للإسلاميين، وهو أن الديمقراطية ليست فى الصناديق فقط، بل إن لها أدوات إضافية يجب أن نعيها، ونحن نخطو خطوة للأمام فى خارطة المستقبل، وأولاها تلبية طلب الملايين، الذين خرجوا طلباً للخطوة التى تلى الاستفتاء، وهى السير نحو الاستقرار، والخلاص من حالة الفوضى المستمرة منذ ثلاث سنوات.

لكن الدرس الأهم فيما حدث أن شرعية الصناديق ليست ملكاً لفصيل سياسى بعينه، وليس من حق تنظيم الإخوان الهتاف بعد ذلك، والصراخ على الفضائيات بما يسمونه «شرعيتهم»، فقد نجحت الملايين التى خرجت للاستفتاء على الدستور فى فرض شرعية جديدة، وإلغاء ما كان يعتبره التنظيم الإخوانى شرعية له ولوجوده، بما أنه لا يعترف إلا بالصناديق.

ظل الإسلاميون طويلاً يتاجرون بالصناديق، وبأصوات الفقراء، الذين يدلون بأصواتهم لهم مقابل الزيت والسكر، والوعد بمفاتيح الجنة، وظنوا أنهم احتكروا الصناديق، وعرفوا كيف يحركون الطوابير تجاهها، وظنوا أنهم حينما يقاطعون الاستفتاء ستكون اللجان خالية، وهو ما حاولت مواقعهم وقنواتهم الإيهام به، لكن الصور القادمة من جميع الفضائيات ووكالات الأنباء العالمية من داخل اللجان كذبتهم، بل أرعبتهم من الآلاف الذين تراصوا فى الطوابير ليدلوا بأصواتهم دون أن تُمارس معهم ألاعيب السياسة، ودون أن يحصلوا على زيت وسكر الإخوان، ودون أن يعدهم أحد بمفاتيح جنة، لم يمنح الله أحداً صكاً بها، بل خرجوا بدافع الدفاع عن وطنهم، وحرصهم عليه، ودفعاً له للتقدم خطوة إلى الأمام.

لم يتوقع تنظيم الإخوان أن يكون الرفض الشعبى لهم بهذا الحجم، ولم يتوقعوا أن يكون الخروج الشعبى هكذا، وربما هذا هو ما يفسر حالة الهذيان، والانفعال المبالغ فيه لهم بعد ظهور المؤشرات الأولية للاستفتاء، ومحاولة إشعال الحرائق فى الجامعات، والحشد بأقصى طاقاتهم يوم الجمعة، لإضاعة فرحة المصريين بدستورهم، ولفت النظر بعيداً عن الإنجاز الذى تحقق.

بتصويت المصريين على التعديلات الدستورية أدركت جماعة الإخوان أن ورقة التوت الأخيرة سقطت عنها، وأنه لم يعد بإمكانها المتاجرة بأصوات الفقراء الذين لفظوها بعد أن اتضح مدى متاجرتها بهم، ولعل المفاجأة الحقيقية للجماعة أن المحافظات التى كانت أكثر تصويتاً لهم فى انتخابات الرئاسة هى التى كانت أكثر تصويتاً بـ«نعم» فى الاستفتاء، ولفظاً للجماعة.

الدرس الذى نتعلمه من كل ما سبق هو ألا نقع فى خطأ الإخوان، وألا نتوقف عند الملايين الذين تراصوا أمام اللجان، والذين فاق عددهم أى استفتاء آخر، وألا نعتمد فقط على أن نسبة التصويت على هذا الاستفتاء فاقت كل نسب الاستفتاء فى تاريخ مصر، بل استفتاءات كثيرة فى العالم، بل يجب أن نفكر فى الخطوة التالية.

الاستفتاء على الدستور ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته، وأمام هذه الدولة حتى تعود إلى سابق عهدها، وحتى تتخلص من جراح الماضى، الكثير من الخطوات التى يجب أن تتخذها. من حقنا أن نفرح بنتيجة الاستفتاء، وبشعبنا الذى يذهل العالم مراراً وتكراراً، لكن علينا ونحن نفعل ذلك أن نفكر فى الخطوة التالية، وأن نخطوها، وألا نخيب أمل الملايين فينا.

إعادة رسم صورة مصر

13329839251إحدى الظواهر التي أذكرها من وقت الطفولة في الأعياد في مصر هي أولئك الأطفال الذين يرتدون زي الضباط، كانت هذه ملابس العيد، يسير الطفل مزهواً بنفسه وينظر الأهل إلى طفلهم الصغير، وهم يحلمون بمستقبله ببذلة الضابط الحقيقية، وعلى مر السنين تراجعت هذه الظاهرة، بل اختفت تقريباً.
وفي السنوات الأخيرة خاصة عندما تمكن “الإخوان” وبعض عملائهم من دق إسفين بين قطاعات من الشعب وجيشه، بدا أن الجيش خسر كثيراً من حضوره في نفوس شعبه، وبدا كأن هناك جفوة مرشحة للاتساع والعمق يوماً بعد يوم، وكان سعي “الإخوان” حثيثاً في هذا الاتجاه، عادت إلى ذاكرتي تلك الصورة التي غابت عندما رأيتها تولد من جديد وأنا أقف في طابور الاستفتاء لأدلي بصوتي الأسبوع الماضي، أحد أسباب ونتائج ما شهدته مصر من ثورة وبدء انطلاق هو عودة تلك العلاقة الحقيقية بين الشعب وجيشه، لهذا لم أستغرب أن يأتي البعض، رجالاً أو نساء، وهم يصحبون معه أطفالهم مرتدين زي الضباط (مرة أخرى)، بدا اليوم لهم وكأنه يوم عيد، شاهدت كيف وقف الطفل الصغير وهو يقف على أطراف أصابعه ليلفت نظر الضابط إليه فينحني الأخير ليصل إليه ويدور حوار باسم بينهما لم أسمعه، ولكنه تحدث عن نفسه، ولم ينافس الفنان أحمد السقا الذي كان في اللجنة للإدلاء بصوته سوى الجنود الذين في اللجنة لحمايتها، كثيرون حرصوا على التقاط الصور مع السقا، كما حرصوا على التقاطها مع أولئك الجنود والضباط، ووقف ضابط اليوم وضابط الغد وهما يبتسمان للمستقبل من خلال عدسات الكاميرات، عادت صورة الشعب وجيشه إلى حالتها الصحيحة.
يكتسب هذا الدستور أهمية كبيرة في حسم أمور مصر والمصريين وبدء صفحة جديدة في مسيرة المستقبل مهما كانت الملاحظات عليه، ولأنهم في “الإخوان” وعملائهم يدركون ذلك فإنهم قاتلوا بشراسة من أجل الحيلولة دون نجاح الاستفتاء، لأن نجاحه سوف يسقط عنهم ورقة التوت الأخيرة التي يدّعونها تحت مسمى الشرعية، وإذا كانوا يتحدثون عن الصندوق وشرعيته فها هو الصندوق يطيح بما يدعون ويخلق شرعية جديدة كاسحة غير قابلة للتشكيك.
يحلو للبعض هذه الأيام اعتبار التصويت على الدستور هو تصويت على الرغبة في دفع الفريق السيسي للترشح، وقد يكون هذا صحيحاً، ولكنني أعتبره يتخطى ذلك إلى أنه إعلان بإغلاق ملف الادعاءات الإخوانية بالشرعية إلى الأبد، وإعلان بدء انطلاقة جديدة لمصر في اتجاه تأسيس الدولة المدنية الحقيقية التي ينبغي أن تنشغل في البداية، وفي الأساس، بهموم مواطنيها وتوفير الحياة الكريمة لهم، هذا استفتاء على الحياة في مواجهة القتل، كانوا يتحدثون عن شرعية الصندوق، ها هو صندوق جديد أكثر صدقاً وشفافية وحسماً يختار لمصر مستقبلها.
عندما كنت أناقش من أناقش من الإنكليز، سواء في مجال الإعلام أو السياسيين في لندن وقت “الإخوان” لاحظت ملاحظة مهمة، قبل تمرير دستور “الإخوان” كانوا يستمعون لما أطرح ويناقشون ويبدون قدراً من التفهم، أما بعد تمرير الدستور فكان ردهم يتمحور حول حقيقة أنه أصبح لمصر دستور وافقت عليه أغلبية، وعندما كنت أحاول المجادلة بحجم عيوبه وكيفية تمريره كان الرد “لكنه الدستور الذي وافقت عليه الأغلبية، وعليكم أن تتعاملوا معه، فقد أصبح الوثيقة الأساسية، وعلى الجميع احترامه”… هذا الموقف يفسر لماذا يقاتل “الإخوان” وعملاؤهم من أجل إفشال الدستور.
لقد أثبت المصريون أنهم شعب يمتلك حساسية مفرطة تجاه مستقبله ورغبة في الحياة المستقرة، وأنه يدرك جيداً كيف يدير بوصلته في الاتجاه الصحيح عندما يجد الجد، وأنه قرر الانحياز إلى المستقبل وآماله، لهذا احتشدت الجموع أمام لجان الاستفتاء على الدستور لتعلن رأيها بوضوح وتقول “نعم”، لا للدستور فحسب، بل للمستقبل الآمن.
الجدير بالانتباه في يوم الاستفتاء أن المرأة المصرية خرجت بإصرار حقيقي فاجأ الجميع، حضور المرأة كان رسالة عالية الصوت من أجل الإعلان عن الرغبة في الاستقرار، عائلات كثيرة دفعت ثمناً غالياً خلال السنوات الأخيرة، ومؤشر الأسرة هو نساؤها، لقد تعب المصريون من هذه الحالة الشديدة الاضطراب، بات الملايين من المصريين في حاجة إلى الأمل في المستقبل، لم يدرك هذه الحاجة قطاع من الشباب بغيابه عن الاستفتاء، وهذه ظاهرة يجب التوقف أمامها، لم يدرك هؤلاء بعد أهمية الاستقرار في المجتمعات، ويبدو أن الحوار معهم لم يكن من منطلقات تخاطب عقولهم، فلم يتجاوبوا بالحضور، ولم يصوتوا بالرفض، فكان الغياب النسبي إذا ما قورن ببقية فئات المجتمع.

فى طابور الاستفتاء

15IN_TH__EGYPT_1299966g

كانت السمة السائدة فى استفتاءات الإعلان الدستورى فى 2011 ودستور الإخوان فى 2012 هى حالة من التوتر والحماسة المندفعة فى الأول، والغضب والتربص فى الثانى. تذكرت هذا الوضع وأنا أقف فى طابور الاستفتاء بالأمس، وكان أكثر ما لمسته تلك الحالة من السكينة والإصرار التى سكنت كل الواقفين فى صبر انتظارا لدورهم، وتعلو الوجوه كلها ابتسامة رضا وأمل. الكل يقف فى الطابور وهم يتبادلون الحديث عن الأمل فى القادم والدعاء لمصر. تنطلق صوت زغرودة قوية عالية ويضحك الواقفون ويسأل أحدهم: «هو فيه إيه فوق علشان الزغاريد؟»، وتجيب عليه أصوات متعددة: «واحدة فرحانة علشان مصر»، لم ينزعج أحد من الواقفين من رؤية عدد من قوات الجيش والشرطة يتخذون مواقع تحسبا لأى جنون إخوانى، بل على العكس خلق هذا التواجد شعوراً بالاطمئنان والأمان. الكثير من كبار السن وقفوا انتظارا لدورهم ولم يتوقف دعاؤهم للضباط والجنود الواقفين لينظموا الدخول ويحكموا اللجان.

كانت إحدى الظواهر التى أذكرها وقت الطفولة فى الأعياد هى أولئك الأطفال الذين يرتدون زى الضباط، كانت هذه ملابس العيد. على مر السنين تراجعت هذه الظاهرة، بل اختفت تقريبا. وفى السنوات الأخيرة خاصة عندما تمكن الإخوان وبعض عملائهم من دق إسفين بين قطاعات من الشعب وجيشهم، بدا أن الجيش قد خسر كثيرا من حضوره فى نفوس شعبه، وبدا كأن هناك جفوة مرشحة للاتساع والعمق يوما بعد يوم، وكان سعى الإخوان حثيثا فى هذا الاتجاه. أحد أسباب ونتائج ما شهدته مصر من ثورة وبدء انطلاق هو عودة تلك العلاقة الحقيقية بين الشعب وجيشه. لهذا لم أستغرب أن يأتى البعض رجالا أو نساء وهم يصحبون معهم أطفالهم مرتدين زى الضباط، بدا اليوم لهم يوم عيد. ولم ينافس الفنان أحمد السقا الذى كان فى اللجنة للإدلاء بصوته سوى الجنود الذين فى اللجنة لحمايتها، كثيرون حرصوا على التقاط الصور مع السقا كما حرصوا على التقاطها مع أولئك الجنود.

يكتسب هذا الدستور أهمية كبيرة فى حسم أمورنا وبدء صفحة جديدة فى مسيرتنا، ولأنهم فى الإخوان وعملائهم يدركون ذلك فإنهم يقاتلون بشراسة من أجل الحيلولة دون نجاح الاستفتاء، لأن نجاحه سوف يسقط عنهم ورقة التوت الأخيرة التى يدعونها تحت مسمى الشرعية، وإذا كانوا يتحدثون عن الصندوق وشرعيته فها هو الصندوق يطيح بما يدعون ويخلق شرعية جديدة كاسحة غير قابلة للتشكيك فيها. يحلو للبعض هذه الأيام اعتبار التصويت على الدستور تصويتاً على الرغبة فى دفع الفريق السيسى للترشح، وقد يكون هذا صحيحا، ولكنى أعتبره يتخطى ذلك إلى أنه إعلان بإغلاق ملف الادعاءات الإخوانية بالشرعية إلى الأبد، وإعلان عن بدء انطلاقة جديدة لمصر فى اتجاه تأسيس الدولة المدنية الحقيقية.

عندما كنت أناقش من أناقش من الإنجليز، سواء فى مجال الإعلام أو السياسيين فى لندن وقت الإخوان، لاحظت ملاحظة مهمة، قبل تمرير دستور الإخوان كانوا يستمعون لما أطرح ويناقشون ويبدون قدرا من التفهم، بعد تمرير الدستور كان ردهم يتمحور حول حقيقة أنه أصبح لمصر دستور وافقت عليه أغلبية، وعندما كنت أحاول المجادلة بحجم عيوبه وكيفية تمريره كان الرد: «لكنه الدستور الذى وافقت عليه الأغلبية، وعليكم أن تتعاملوا معه فقد أصبح الوثيقة الأساسية وعلى الجميع احترامه»، هذا الموقف يفسر لماذا يقاتل الإخوان وعملاؤهم من أجل إفشال الدستور.

أظننى شعرت كأن أغنية الفنان الشعبى الجميل محمد طه تتردد فى آذان كثير ممن وقف فى طابور الاستفتاء «مصر جميلة خليك فاكر».

جاء دورى للتصويت لأضع علامة «صح» على كلمة «موافق»، وأؤكد عليها بقلمى عدة مرات.

مرة أخرى أجيب.. ولماذا الفريق السيسى؟

عبد اللطيف المناوي

بعد أن طرح الفريق السيسى الأمر أمام الشعب المصرى، بخصوص مسألة ترشحه لرئاسة الجمهورية، أجد لزاما على أن أعيد جزءا مما سبق أن قلته منذ عدة أسابيع، عندما حاولت الإجابة عن السؤال، لماذا الفريق السيسى؟ لماذا يعتبره الغالبية الساحقة من المصريين رجل المرحلة لا بديل له؟

مصر تمر اليوم بمرحلة غاية فى الخطورة، نواجه أزمة اقتصادية كبيرة، نحن مجتمع متعطل عن الإنتاج، كشوف حساباتنا بها فقط بند مصروفات دون دخل حقيقى. سياسيا مصر تواجه واقعا ضعيفا ومرتبكا، ليس لدينا قوى سياسية متماسكة ولا قوى اجتماعية واضحة الملامح. هذا الوضع الذى هو نتاج لعشرات السنين من خطأ الإدارة السياسية للدولة. أمنيا تواجه مصر تحديات أمنية لم تتجمع بمثل هذا التركيز والخطورة من قبل، لدينا جماعة خطفت الدولة لعام وخلعها المصريون فى ثورة حقيقية استعادوا بها وطنهم، لكن هذه الجماعة تحالفت مع كل قوى الشر فى الداخل والخارج، ووضعت الشعب أمام أحد خيارين: إما أن يحكموهم أو يقتلوهم. وفى ظل هذا التوجه ومع اكتشاف حجم التغلغل الذى نجحوا فيه خلال الفترة الماضية، ومع حقيقة ينبغى أن نعترف بها أن لهم حضورا فى بعض الأوساط، حتى لو كان ضعيفا، إلا أنه أكبر مما توقعنا، مع كل هذا فإن مصر تواجه تحديا أمنيا خطيرا يرقى إلى مستوى الإرهاب.

نحن اليوم فى مصر نمر بأزمة حقيقية، اقتصاد يمر بأصعب مراحله المتأزمة، حالة مواجهة داخلية مع قوى تدفع لانهيار الدولة وتمزيق المجتمع. لكن وجه الشبه الأكبر هنا هو تلك الحالة النفسية والمزاجية التى مر بها الشعبان، كلاهما امتلك روح المقاومة والتحدى والرغبة فى الانتصار على تجربة وحالة تبدو فيها عناصر الفشل أكبر من عناصر النجاح.

أثناء الحرب العالمية الثانية واجه الإنجليز موقفا عصيبا حتى تولى قيادتهم تشرشل عام 1940، وقتها وقف فى البرلمان وقال لهم لا أعدكم إلا بالمزيد من العرق والدم والدموع، وقتها تقبل الإنجليز هذا الواقع وتعاملوا معه فى ظل رجل وثقوا فيه فجعلوه زعيمهم. كان الإنجليز محظوظين عندما وجدوا قائدا يقودهم نحو تحقيق الانتصار، والمصريون الآن فى انتظار من يطرح نفسه ليقودهم نحو انتصارهم.

المصريون الآن يمرون بمرحلة نادرة الحدوث، تلك الحالة من الإصرار والرغبة فى التحدى والتوحد حول هدف هى حالة لا أذكر متى حدثت، قد تكون أقرب الحالات هى تلك الفترة التى صاحبت حرب أكتوبر، عندما توحد المصريون ولم يفكروا وقتها فى شىء سوى أن بلدهم فى حرب لا مجال أمامهم إلا أن ينتصروا فيها، وقتها شعر الجميع برغبة شديدة واستعداد حقيقى للعطاء والتوحد من أجل تحقيق الحلم. المصريون الآن يمتلكون روحا شبيهة بتلك الفترة، لكنهم يريدون أن يجدوا ذلك القائد القادر على خلق الثقة بأنهم قادرون على التحدى، قائد يستطيع أن يقول لهم كما قال تشرشل لشعبه الحقيقة، حقيقة أنهم يواجهون وضعا صعبا ومخاطر حقيقية وتجربة يعتقد كثيرون أنها لن تكون إلا تجربة فشل ورمالا متحركة يغرق فيها الجميع، لكنهم قادرون على أن يتخطوها ويحققوا ما يعتقده كثيرون مستحيلا، بتلك الروح الجديدة والقيادة القادرة على استغلال هذه الروح. القيادة التى تواجه الشعب بالحقيقة وتضع نفسها فى مقدمة من يدفع العرق والدم والدموع. عندما تسأل المصريين عمن يعتقدون أنه قادر على ذلك فإن الإجابة فى الغالب واحدة.

كما وعد تشرشل شعبه بالعرق والدم والدموع وعدهم «بالنصر.. النصر بأى ثمن».

 

سيناء لن تكون وزيرستان

IMG_0132

إعلان جماعة أنصار بيت المقدس عن اختطاف قيادات عمالية فى سيناء كانوا فى طريقهم لإقامة مؤتمر لدعم الدستور، يعيد إلى الذاكرة مرة أخرى تهديد القيادى الإخوانى المحبوس حالياً محمد البلتاجى، عقب سقوط نظام جماعته، بأنه إذا عاد مرسى سيتوقف ما يحدث فى سيناء.

ويبدو أن الإخوان ماضون فى تهديدهم، وانتقلوا من مرحلة استهداف الجنود، وزرع الألغام والعبوات المفخخة فى طريق المدرعات، إلى بث الرعب فى نفوس سكان سيناء وزوارها، مع ما تشهده هذه البقعة من اهتمام سياحى، وما تمثله فى المقابل من أهمية استراتيجية لدى الجماعات التكفيرية، التى اتخذت منها مرفأ بعد أن فتح لها المعزول محمد مرسى الأبواب لتحقق ما تريده فيها.

الأكيد أن الخطر ما زال يحوم حول سيناء، وأذكر هنا بحوار أجرته وكالة «الأناضول» التركية للأنباء قبل أشهر مع قيادى سلفى وصفته بأنه وثيق الصلة بالتنظيمات الإسلامية المسلحة فى سيناء ويدعى حازم المصرى، لم يزعجنى تلويحه باستهداف الجيش المصرى ولا تحذيره الجيش من التمادى فى الخوض بالمستنقع السيناوى والاشتباك مع الجهاديين، لكن ما أزعجنى هو تلويحه بأن تتكرر تجربة «وزيرستان»، فى إشارة إلى المنطقة القبلية على الحدود الأفغانية الباكستانية.

عندما تشعر كل الحركات الإسلامية والجهادية والإرهابية بأن مصر باتت ملاذا آمنا لهم ولأعضائهم، أو هكذا هى الإشارات التى وصلتهم إبان حكم الإخوان، عند هذا فإننا يجب أن نتوقف أمام رغبة الجهاديين فى تحويل سيناء إلى «وزيرستان» أخرى، بعد أن منحهم الإخوان الفرصة الذهبية لتحقيق ذلك.

«وزيرستان» الأصلية منطقة جبلية فى شمال غرب باكستان على حدودها مع أفغانستان، وهى ذات طبيعة جبلية وعرة.

سيطرت حركة طالبان على أفغانستان بعد هزيمة السوفيت وبداية ظهور تنظيم القاعدة. تأثرت منطقة وزيرستان، وتعاطف الكثير من أبناء القبائل بشكل خاص مع حركة طالبان، ومع ضعف السيطرة الحكومية أو انعدامها أصلا تكونت بيئة صالحة لتخريج متطرفين مستقبلا. مع انهيار نظام حركة طالبان فى أفغانستان فى أكتوبر 2001 على يد قوات التحالف بقيادة أمريكا كانت كهوف وجبال وزيرستان الأماكن الأكثر أمانا لبقايا حركة طالبان وتنظيم القاعدة.

شهدت المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان هجمات ضارية من جانب الجيش الباكستانى تدعمه القوات الأمريكية فى الفترة بين مارس 2004 وسبتمبر 2006 فى محاولة للسيطرة على المنطقة، واستئصال الحركات المتطرفة منها، إلا أن معظم هذه الهجمات المتعاقبة فشلت فى تحقيق أهدافها، وذلك للطبيعة الجغرافية القاسية للمنطقة التى حالت دون اختراقها، وظل هذا الصراع مستمرا بين الجيش الباكستانى وقبائل المنطقة الموالية لحركة طالبان وتنظيم القاعدة، حتى الآن.

هذه البؤرة التى لم تعد مجرد ملاذ آمن لمتطرفى حركة طالبان وتنظيم القاعدة، بل تحولت إلى «مركز تدريبى دولى» معتمد لدى الجماعات الإرهابية ينطلقون منه إلى أهدافهم، لا نريد مركزا آخر فى مصر يكون المتسبب فيه تكرار أخطاء الماضى، ووضع مصلحة «التنظيم» فوق مصلحة الوطن.

أثق فى الجهود التى يبذلها الجيش المصرى لتطهير سيناء من عنف الجهاديين، والأذرع الحركية للجماعات التى تتمسح فى الإسلام، وأثق فى حماية الجيش الحدود المصرية، وأنه لن يسمح بتكرار تجربة وزيرستان على أرض سيناء، وما حدث خلال الفترة الماضية من توقيف عشرات ومقتل مئات الجهاديين هو الخطوة الأولى فى اتجاه تحرير سيناء للمرة الثانية.