تعديل أو لا تعديل

بقلم عبد اللطيف المناوي

جزء رئيسى من ثقافة الشائعات المصرية هو بورصة التعديلات الوزارية، وبورصة انتقالات اللاعبين وخطف اللاعبين من الأندية المتنافسة. وفى العالم كله من يتابع بورصة اللاعبين يعلم أن هناك آليات محددة للشراء والبيع، يحكمها العرض والطلب، وتكتيكات الخطف، أما بورصة السياسة فى العالم، فيحكمها أحد أمرين، أو كلاهما: الطريق الديمقراطى والانتخابات، أو الإنجاز والقدرة على الإنجاز والحساب الدقيق على الإنجاز.

فى بعض الدول من اليسير أن تتوقع من سيتولى المهمة، ويمكن لمن يتابع الشأن السياسى أن يعرف من هو الأقرب للوزارة الشاغرة، ومن الذى سيتولى منصبا من بين أسماء قليلة، ويمكن أن يصل الأمرـ أمر معرفة الأسماء- إلى سنوات قبل الاختيار، وهذا قد يعود إلى حالة النضج السياسى، وتطور العملية السياسية والإدارة السياسية، والحياة الحزبية، والقدرة على تفريخ وتوليد كوادر سياسية قادرة على العطاء والعمل.

أما فى مصر- وهذه ليست عادة جيدة، ولكنها أحد أمور وعيوب عديدة حافظنا عليها بحرص حتى الآن على الرغم من كل ما حدث فى مصر- فمن الطبيعى ألا يعرف أحد من سيأتى للوزارة ولماذا سيأتى، ولماذا يغادر، ومن يخلفه.

وكانت إحدى الملاحظات الأساسية على الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى طريقة اختيار الوزراء، إذ كان يترك بورصة التعديلات تدور وتشتعل، ويترك العنان لكل طرف لكى يدّعى المعرفة ببواطن الأمور، أو يمرر الأسماء التى يقول إنها مرشحة للمناصب، وينتهى الأمر بأن يخرج الرئيس ورقة من أحد أدراج مكتبه بها التشكيل الوزارى، ليسلمه لرئيس الحكومة المكلف به لتنفيذه.

كان المعتقد أن هذه العادة إلى زوال، ولكن فيما يبدو فإن غياب المعرفة عن الرأى العام حول شكل التغيير الوزارى، أو إمكانية التغيير الوزارى مازال مستمرا.

هذه الأيام نعود مرة أخرى إلى ذات الأجواء التى لم تنته، والحديث عن مؤشر التغييرات وبورصة الوزراء، وتعديل أو لا تعديل، وتبدأ الإشارات إلى الوزراء الذين سيخرجون من الوزارة، هذا سرب، وهذا فشل، وهذا أعطى وعوداً لكنه لم يفِ ولم يلتزم بها، وهذا خدع القيادة السياسية والرأى العام بأوهام غير حقيقية.

ويخرج فى المقابل الرأى المضاد بأن هؤلاء باقون، لأن هذا يتحدث حديثاً جيداً مقبولاً، وذلك تدعمه أطراف أخرى، وهذا باق لأسباب كذا وكذا..

فعلى مدار أكثر من شهر، نشطت الصحف فى ترشيح وإقالة أسماء بعينها، والتأكيد على أن التغيير قبل العيد، ثم بعد العيد، ليخرج رئيس الوزراء فى النهاية ليؤكد أنه لا يوجد تعديل من الأساس.

وهكذا يستمر الجدل، يخفت شهوراً ثم يعود ليشتعل عن تعديل سيحدث، وسواء حدث أو لم يحدث، فلا أحد سيعرف لماذا رحل هؤلاء ولماذا بقى أولئك، ويستمر الحال.

Advertisements

أزمة الدولار.. هل من مخرج؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

تقول كل المؤشرات، وحتى التحليلات المالية للمتخصصين، إن الدولار فى طريقه لارتفاع جديد، وسواء نفى طارق عامر، محافظ البنك المركزى، التصريحات التى نُسبت إليه حول الاتجاه لخفض الجنيه أو لم ينف ذلك، فإن الشعور العام، والشعور الغالب لدى قطاعات كبيرة من الاقتصاديين أن هذا ما سيحدث بالفعل.

Abdul-Latif-Al-Minawi

ارتفاع الدولار، والهبوط المتوالى للجنيه المصرى فى السوق السوداء، لم يعد حديث المتخصصين، ولا رجال الاقتصاد والبورصة، بل أصبح حديث الرجل العادى فى الشارع، الذى يرد عليك إذا سـألته عن أسباب ارتفاع أى سلعة بأن الدولار مرتفع، ويرتفع، وسيرتفع، وبالتالى فلا سقف لارتفاع الأسعار فى المقابل، التى تواصل جنونها، دون إيقاف لماكينة الشائعات حول انخفاض الجنيه وارتفاع الدولار.

وما زاد من دوران ماكينات الشائعات ما تردد عن سعى مصر للاقتراض من صندوق النقد الدولى 5 مليارات دولار، مع ما هو معروف من شروط قاسية للصندوق تصاحب القرض، من تبنى سياسة صرف أكثر مرونة وخفض للعملة المحلية، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة واستكمال خفض الدعم.

وإذا انتقلنا من رجل الشارع العادى إلى رجال الاستثمار، فإن هناك ما يمكن اعتباره «خروجا» لبعض رجل الأعمال والمستثمرين من السوق المصرية، بسبب عدم ثبات سعر الصرف، بحجة أن «رأس المال جبان»، وأن المخاطر الاستثمارية أصبحت عالية بسبب وجود سعرين، وعدم توافر الكميات المطلوبة بالسعر الرسمى، فضلاً عن التصريحات المتضاربة من بعض المسؤولين ما بين تثبيت سعر الصرف، أو زيادته، أو خفضه، أو تحريره.

كل هذه القرارات المضطربة، والتصريحات المتضاربة، تجعل المستثمر يقول: كيف أضع أموالى ولا أستطيع أن أستردها مرة أخرى بسبب هذه القرارات غير المستقرة، وأكثر ما يخيف المستثمر هو أنه لا يستطيع أن يحول أرباحه.

ما يحدث مشكلة حقيقية، تترك تداعياتها بشكل يومى على الاقتصاد المصرى الذى يسعى لاستعادة عافيته، وحتى لو قامت الدولة بخفض سعر الجنيه، ورفع قيمة الدولار فى المقابل، فإن هذا لن يكون حلاً ناجعاً وكافياً للأزمة، لأن المشكلة الحقيقية، والسبب الأساسى لكل المشاكل الاقتصادية التى تعانى منها مصر هو «عجز الموازنة»، وإذا استطعنا أن نحل هذه المشكلة سنحل جميع المشاكل التالية المترتبة عليها: ستنخفض الأسعار، ويهدأ سعر الصرف، ويقل العجز فى ميزان المدفوعات، وبالتالى يقل الضغط على سعر الصرف فى السوق، وبإصلاح الجانب البيروقراطى فى الدولة يعود الاستثمار مرة أخرى.

فى المقابل، فإن حل مشكلة عجز الموازنة ليس سهلاً، ولن يتم فى يوم وليلة، كما أن السعى إلى ذلك فى الوقت الحالى من الصعوبة بمكان، لأنه لا يمكن الاقتراب من ثلاثة أرباع مصروفات الميزانية التى تذهب للرواتب والصحة والتعليم، وهذا ما يعنى أن العجز سيستمر إلا إذا فكرنا بشكل مختلف، كيف نزيد الإيرادات، وكيف نستعيد ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى، وكيف نتوقف عن التصريحات المتضاربة؟

حل المشكلة الاقتصادية فى مصر، وسعر الصرف فى قلبها، يحتاج إلى أفكار خارج الصندوق، والتفكير بعقلية مختلفة، منفتحة على كل الاتجاهات، لا تتعامل بنظرية رد الفعل، بل تعرف كيف تضع خطة طويلة المدى وتنفذها.