لا حل إلا التقدم إلى الأمام

بقلم عبد اللطيف المناوي

لا شك أن ما يفعله الجيش المصرى الآن فى سيناء قد شفى غليل صدور المصريين إلى حد كبير، ولابد أنه أكد لهم أن أبناءهم قادرون على حماية حدودهم ودحر أى دولة أو تنظيم أو جماعة تفكر فى الاقتراب من الأراضى المصرية التى رواها المصريون بدمائهم، ولابد أن المصريين شعروا باطمئنان عندما رأوا الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يزور الجنود ويطمئن عليهم، فى رسالة فى غاية الأهمية، خاصة عندما عاد ليرتدى زيه العسكرى، فى إشارة لا تخلو من دلالة. ولابد أيضا أنهم اطمأنوا عندما سمعوه يتحدث، يوم السبت الماضى، عن أن الجنود الموجودين فى سيناء لا يمثلون إلا واحداً فى المائة من الجيش المصرى، أى أن ما يحاول البعض ترديده بتورط الجيش فى سيناء أو استنزاف قدراته، إنما هو حرب نفسية لا ينبغى السماح لها بأن تؤثر فى عضد أبناء الوطن.

IMG_0132

يدرك المصريون أن هناك حرباً تُقاد ضدهم، حرباً تخوضها الدولة بكل أجهزتها ضد الإرهاب الذى يتسلح بوسائل إعلام متطورة وحرب شائعات واستغلال لكل وسائل التواصل الاجتماعى لنشر اليأس والخوف، وهو ما كان الجيش المصرى له بالمرصاد، فكان حريصاً على نشر الحقائق أولاً بأول، ورد الصاع صاعين. كما يدرك المصريون أن هذه الحرب طويلة، ولن تنتهى فى يوم وليلة، بل ستحتاج إلى وقت طويل حتى نتمكن من الانتصار فيها، وقد يرى البعض أن الحل هو الاستمرار فى عمليات المداهمة، وقصف الميليشيات والإرهابيين فى سيناء حتى القضاء على آخر إرهابى يدنس أرض سيناء، لكن الحقيقة هى أن هناك طريقاً آخر يجب أن نسير فيه بالموازاة مع هذا الطريق حتى نتمكن من القضاء على الإرهاب والتطرف، هذا الطريق هو طريق التقدم إلى الأمام، والبناء، والعمل من أجل مستقبل أفضل، ومحاربة الجهل والفقر اللذين خلقا كل هذا التطرف، وكانا بوابة الجماعات المتطرفة للدخول إلى عقول البسطاء.

الحل هو التنمية والبناء، وإذا كنا نتحدث عن الحاجة إلى حالة ثورية، فالحالة الثورية المطلوبة هى ثورة على البيروقراطية والمعوقات الإدارية، وطرق تطفيش الاستثمارات، فإذا كان الإرهاب يريد جرّ البلاد إلى الخلف، فإن هذه المعوقات التى تريد جعل مصر «محلك سر» لا تتقدم إلى الأمام هى أفضل العوامل المساعدة للإرهاب وجماعاته لإحراز نجاحات أقوى أثراً من تفجير هنا أو اغتيال هناك.

وفى ظنى أن الرئيس السيسى يدرك حاجة مصر إلى التنمية، فهناك اجتماعات للحكومة بشأن تنمية سيناء سمعنا عنها مؤخراً، ويدرك أن الحرب الحقيقية هى حرب البناء، لكن يبقى على الحكومة وعلى الإدارات التنفيذية أن تكون عاملاً مساعداً على هذا البناء بتسهيل عملية البناء، لا أن تكون حجر عثرة فى طريق مستقبل مصر. الهدف الآن ينبغى أن يتركز على تحويل الأمنيات إلى رؤى، وترجمة هذه الرؤى إلى خطط وخطوات مرسومة بأسلوب علمى، ثم توفير الأدوات والإمكانات اللازمة لتنفيذ هذه الرؤى. وقد يكون من أهمها العمل على القضاء على المعوقات الحقيقية التى تحول بين البلد والانطلاق إلى الأمام. خلق حالة الأمل الحقيقية لدى الناس هو طريق الخلاص مما نواجه ونعانى. كما يؤكد القول السائد إن أفضل طرق الدفاع هو الهجوم، فأنا هنا أقول إن أفضل طرق مواجهة الإرهاب هو التقدم إلى الأمام بلا توقف أو تقاعس، وهذا يتم بخلق حالة تنمية حقيقية يشارك فيها المصريون، ودافعهم الأمل فى المستقبل.

ربما علينا جميعاً أن نستعير الشعار «يد تبنى ويد تحمل السلاح» ونجعله طريقاً لنا ونبراساً نسير على ضوئه، فهذا هو طريق الدفاع الحقيقى عن حاضر مصر ومستقبل مصر والطريق الوحيد لكى تصبح سيناء، بل كل مصر، مكاناً خالياً من الإرهاب والتطرف، لا علاج ولا حل إلا بالبناء والبناء والبناء، لكن يجب أن نمهد الطريق لهذا، ونيسره على من يريد أن يساعد ويمد يده لكى يساعدنا على أن نبنى، فهذا هو الطريق الوحيد للتقدم إلى الأمام.

هل هناك أزمة بين مصر والإمارات؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

من الخطأ الكبير الحكم على التطورات الحادثة فى مشروع العاصمة الجديدة مما تردد من شائعات أو أخبار أو مقدمات أخبار، لا يهم، عن إلغاء التعاقد مع شركة كابيتال الإماراتية التى يرأسها رجل الأعمال الإماراتى المعروف محمد العبار لتنفيذ المشروع، باعتبارها دليلاً على توتر العلاقات المصرية- الإماراتية، خاصة أننا نعلم جميعاً أن هناك جماعات وقوى سوداء النفوس، بالإرهاب أو الطموح فى البحث عن أدوار أكبر من حجمها، يسوءها العلاقات الجيدة والمتميزة ما بين الدولتين عقب ثورة 30 يونيو، وتسعى لإشعال الفتنة والنفخ فى النار، وتتصيد أقل الهفوات ومستصغر الشرر لتنفخ فيه لتجعله حريقا، وتقدمه باعتباره أزمة كبيرة.

عبد اللطيف المناوى

ولا يمكن الخروج من هذا الفخ إلا بالنظر إلى القضية فى حدودها الحقيقية، فنحن أمام قضية اقتصادية، ومشروع اقتصادى، وليس مشروعاً سياسياً، لذا سيكون من الخطأ أن يتم الزج بأسماء القيادة السياسية فى البلدين وكأنهم أطراف فى هذه المشكلة الاقتصادية. إقحام أسماء الرئيس عبدالفتاح السيسى أو الشيخ محمد بن زايد أو الشيخ محمد بن راشد فى هذا الأمر هو خطأ لا أظنه حسن النية لدى بعض ممن يستخدمونه. حضور هذه الأسماء فى مراحل مختلفة من المشروع هو لإعطائه دفعة معنوية، قبل إطلاقه كمشروع اقتصادى، ولإعطائه القيمة والدلالة على أنه مشروع اقتصادى رعايته تأكيد لطبيعة العلاقة، لكنه بالتأكيد ليس عنوان العلاقة، وبالتالى يجب ألا يتم التعامل مع هذا الأمر إلا باعتباره مشروعاً اقتصادياً بين بائع ومشتر، وليس بين دولتين، وأن يتم التعامل معه- مادام اقتصاديا- كما يقول المثل المصرى «بين البايع والشارى يفتح الله»، أى أنه إذا لم يتم الاتفاق على المشروع الاقتصادى فهذا لا يعنى أن هناك أزمة بين بلدين، بل يعنى أن هناك مشكلة فى العقود، والاتفاق الاقتصادى فى هذا المشروع فقط، وليس فى كل ما يربط البلدين.

محمد العبار عندما أتى لم يكن يمثل دولة الإمارات، بل كان يمثل شركته التى يرى بعض المسؤولين المصريين أنها لم تفِ بما تم الاتفاق عليه لإنشاء العاصمة الجديدة، كما تم التصريح، أو كما قالت مصادر أخرى فإن الحكومة ألغت مذكرة التفاهم المبرمة مع شركة «كابيتال سيتى بارتنرز» التى يديرها العبار، بشأن تنفيذ مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذى تتكلف مرحلته الأولى 45 مليار جنيه، لأن الشركة عجزت عن توفير مصادر لتمويل المشروع. فى المقابل فإن مصادر مصرية أخرى أكدت أن ما يثار فى وسائل الإعلام حول تعثر المفاوضات أو إلغاء مذكرة التفاهم مع العبار ليس له أساس من الصحة، وأن المفاوضات مستمرة حتى الآن، وأن ضخامة المشروع وراء التأخير فى إعلان تفاصيل جديدة منذ توقيع مذكرة التفاهم، وأنه من الطبيعى أن تكون هناك خلافات فى وجهات النظر فى بعض المحاور، وكان أول الخلافات بين الحكومة والشركة المنفذة للمشروع حول النسب المستحقة لكلا الطرفين، فبينما كانت الحكومة تطمع فى الحصول على 24% من إجمالى المشروع، مقابل تخصيص 17 ألف فدان لإقامة المشروع، لكن الشركة عرضت 20% من الأرباح فقط دون أى تملك لنسب فى المشروع.

وبقراءة هذه التفاصيل، وبقراءة حتى شكوى العبار من تعقيد الإجراءات الإدارية، فإننا نجد أنفسنا أمام مشكلة اقتصادية بين طرفى التعاقد، وليس بين دولتين، لذا فلا محل للكلام الذى يتردد عن انتهاء شهر العسل بين مصر والإمارات، ولا معنى لترديده وتناقله، ومن الخطأ كل الخطأ على الإعلاميين فى البلدين التعامل مع مثل هذه الأمور بالنفخ فيها وإعطائها أبعاداً أكبر مما تحتمل، بل يجب وضع الأمور فى نصابها الصحيح.

ليس معنى هذا تقليلًا من قيمة المشروع، فالعاصمة الجديدة هى أحد محاور رؤية الرئيس لمستقبل مصر، وعندما تم الاتفاق على أن تتولاه شركة إماراتية بتشجيع من قيادتها السياسية فإن هذا كان تعبيرا عن طبيعة العلاقة المتميزة بين البلدين، ولكن يبقى المشروع فى النهاية مشروعا اقتصاديا تسرى عليه طبيعة القواعد الاقتصادية الحاكمة لمثل هذه المشروعات مهما كبرت. لذلك نقرأ أن مجلس الوزراء يتابع المفاوضات التى أسندها إلى لجنة لمتابعة المشروع بوزارة الإسكان والمرافق المصرية، وهناك سيناريوهات بديلة فى حال توقف المفاوضات بشكل نهائى مع الشركة الحالية، ولكن حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى تعثر نهائى فى المفاوضات، وكل ما يحدث هو خلاف فى وجهات النظر.

ما نحتاجه فى إدارة العلاقات بين البلدين هو أن نُعمل العقل قبل أن نحكم على ما حدث، وألا نسيّس الأمر، وأن ندرك أن العلاقات التاريخية بين البلدين ازدهرت بعد 30 يونيو، وأن العلاقات بين الشعوب لا يمكن الحكم عليها بمشكلة اقتصادية بين شركة وإدارة مشروع ستزول مع الوقت.