ما بعد الانسحاب

بقلم عبداللطيف المناوى

لجنة صياغة الدستور

ما شهدته مصر من جدل خلال الفترة الأخيرة حول ما سُمى «لجنة صياغة الدستور» ينبغى ألا يتوقف عند هذا الحد: مجرد الانسحاب ومحاولة إعاقة تشكيل اللجنة، ولكن أظن أن ما حدث هو فرصة مهمة لتصحيح الأوضاع للقوى السياسية الأساسية الحاضرة فى المشهد حالياً، وأيضا فرصة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل الحفاظ على ما تبقى من ملامح الدولة المدنية فى المستقبل.

أولى القوى التى ينبغى أن تراجع موقفها وتصحح أسلوب تعاملها مع الأمور هى جماعة الإخوان المسلمين ومن معها من القوى الدينية التى قررت أن تمارس السياسة فسيطرت على البرلمان فى ظرف تاريخى من الصعب أن يتكرر مرتين. أول ما ينبغى على الجماعة إدراكه فى هذه المرحلة أنهم ينبغى أن يتخلوا عن مفهوم الغنائم فى ممارستهم للسياسة، فالأمر لم يكن معركة أو غزوة، حدث أنهم أصبحوا الأغلبية فهذا يقتضى منهم التركيز على تحقيق أهداف من أعطوهم أصواتهم لأنهم كانوا الوحيدين المنظمين فى الساحة، وذلك بدلاً من الانشغال فى أمور ومعارك كلامية تدفع الآخرين للشك فى قدرتهم على تحمل المسؤولية والاختفاء خلف هذه الممارسات عالية الصوت خالية الأثر. الأمر الآخر هو التأكيد على مفهوم الشراكة فى الوطن، فالانتخابات البرلمانية لم تكن مزاداً لبيع الوطن ورسا المزاد على الإسلاميين فامتلكوا هذا الوطن، وعلى الخاسرين إخلاء العين محل المزاد.

انتصار تيار لا يجيز له الحق فى الانفراد بشؤون الوطن، وما حدث فى تشكيل لجنة كتابة وثيقة امتلاك مصر المسماة «الدستور» هو دليل على أن هذه العقلية هى المسيطرة على أسلوبهم فى الإدارة، حتى لو حاولوا الالتفاف على الأمور بالتصريح بأنهم فقط يشكلون ٣٠ فى المائة من اللجنة بينما الباقون أتوا بصفاتهم، وصادف أنهم ينتمون إلى الجماعة فوصل العدد إلى أكثر من ٧٠ فى المائة!! وتصريح آخر من أحد قيادات السلفية يؤكد فيه أنهم تنازلوا عن جزء من حصتهم (لاحظ تعبير الحصة من الغنيمة) من أجل أن يعطوا فرصة لبقية التيارات لتشارك فى اللجنة!! (علامات تعجب مرة أخرى)، أسلوب الاستحواذ والامتلاك يجب ألا يكون له مكان، والوطن ليس غنيمة معركة أو غزوة يفوز بها من انتصر ويترك الفتات للآخرين. الأمر الآخر، إحدى أهم خطايا النظام السابق التى عجلت بسقوطه، هو أسلوب الاستحواذ.

القوى الأخرى من الليبراليين والمسجلين على قوائم الليبراليين أظنهم اكتشفوا أن العمل المنسق الفاعل هو الذى يؤثر، وأن عمليات الإقصاء المتبادلة بينهم لن تجدى، وأظن أن عليهم أن يكتشفوا أيضاً أن العمل السياسى يعنى فن الممكن وأسلوب التعاون مع كل القوى التى يمكن أن تسهم فى تنفيذ الهدف، وأن النضال التليفزيونى وحده لا يكفى، بل إن هناك إجراءات على الأرض، وتنسيقاً مع كل من يتفق على حد أدنى من الأهداف الوطنية، هذا هو الطريق من أجل الحفاظ على ما تبقى من مدنية الدولة.

أما القوات المسلحة، الممثلة فى المجلس العسكرى، فهذه هى الفرصة لتأكيد ما سبق أن ادعاه دائماً من أنه يقف على مسافة متساوية من الأحزاب والقوى السياسية، وظل هذا الادعاء محل شكوك لها ما يبررها، وكثر الحديث عن صفقة بين المجلس والجماعة، وخرج العديد من المؤشرات التى تؤكد هذا على الرغم من التأكيد المستمر على عكس ذلك، هذه الحالة ساهمت فى خلق تلك الأجواء من عدم الثقة بين المجلس وبقية القوى الأخرى، التى مارست هى أيضاً أسلوباً إقصائياً نحو الجيش، مما ساهم فى ترسيخ الصورة السابقة.

أظن أن هذه فرصة سانحة ينبغى استغلالها للتأكيد على ما يكرره المجلس العسكرى دائماً من وقوفه على مسافة متساوية من الجميع، ولعل اللقاء الذى تم مقدمة للتأكيد على هذا المفهوم، ولعل هذه الحالة كلها فرصة لاستعادة صورته الحقيقية التى كانت محل شك من أطراف عدة مؤخراً، وأيضا فرصة للقوى السياسية الأخرى لإعادة حساباتها فى علاقاتها المختلفة.

Advertisements

لجنة صياغة «وثيقة امتلاك مصر» المسماة الدستور

لجنة صياغة الدستور

بقلم عبداللطيف المناوى
ليس هكذا يتقرر مصير الأمم، ما حدث خلال الساعات الأخيرة من عملية اختيار اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور كان تتويجاً لمشروع استكمال خطف الوطن فى اتجاه بعينه، والخطأ الأساسى بدأ عندما تم إقرار صيغة اختيار اللجنة بالمناصفة بين أعضاء البرلمان بمجلسيه، واختيار النصف الآخر من خارج المجلسين بموافقة أعضائه. وأنا هنا أتفق مع الوصف الذى استخدم فى وصف هذا التشكيل بأنه مصاب بالعوار، وهو الأمر الذى يطعن فيه. لكن بغض النظر عن الطعن فى هذا التشكيل قانونياً أو دستورياً، فإن الطعن هنا أساساً يكمن فى أن هذه الطريقة تبتعد كثيرا عن مصلحة الوطن، فالدستور ليس صياغة لرؤية أى قوة سياسية حاكمة فى وقت صياغته، وليس وثيقة انتصار سياسى يتم إملاؤها من «المنتصرين» سياسياً على «المهزومين» سياسياً أو انتخابياً، لكنها وثيقة أمة ينبغى أن تعبر عن الأمة بكل أطيافها.

بالنظر السريع إلى الأسماء التى «احتلت» مواقعها فى لجنة صياغة «وثيقة امتلاك مصر» المسماة الدستور نكتشف أن القوة السياسية المنتصرة تشكل حوالى سبعين فى المائة من أعضائها المائة، من بينهم، حسب ما هو متاح لدىّ من معلومات وقت كتابة هذا المقال، ست سيدات، أى ستة فى المائة، وستة أسماء من المسيحيين من بينهم عضو قيادى فى حزب الإخوان المسلمين. أما من المثقفين فلم ينجح أحد ممن قدمهم اتحاد الكتاب الذى كان يتفاءل خيراً فيما يبدو، فاقترح أسماء مثل جمال الغيطانى وبهاء طاهر، ولست أدرى هل كان ذلك تفاؤلاً أم اختباراً لجدية ما يحدث.

فى ساعات قليلة اجتمع ممثلو قوى الإسلام السياسى الحاكمة ومعها بقية الممثلين لبعض القوى السياسية التى تمكنت من التقاط بعض من بقايا البرلمان ليختاروا مائة من بين ألفين وثمانمائة اسم عجّت بهم الكشوف الموزعة على أعضاء البرلمان، وصاحب هذه الكشوف «قائمة دوارة» من قيادة حزب الأغلبية بالأسماء التى على أعضائه أن يختارهم، وكانت النتيجة، كما أشرت من قبل، سبعين فى المائة من تيار الإسلام السياسى، إضافة إلى بعض الأسماء من الليبراليين أو من المسجلين فى كشوف الليبراليين، وذلك فى إجراء لذر الرماد فى العيون، أو على طريقة المحلل لتمرير الوثيقة، وهى اللعبة والدور الذى برعت فيه بعض الأسماء منذ عقود حتى الآن.

ما يحدث فى مصر الآن هو عملية متكاملة لإحكام السيطرة على هذا الوطن ووضعه فى إطار محدد هو بالتأكيد بعيد عن مفهوم وحلم الدولة المدنية الحقة، دولة القانون والمواطنة. وهذا غير بعيد عن كل تلك الظواهر التى نراها من حولنا ولا ندركها، أو ندركها لكن ندعى عدم إدراكها من محاولات السيطرة على مستويات الإدارة الوسطى والعليا فى أجهزة الدولة ومؤسساتها «كل مؤسساتها». كل هذا يحدث ويقف الليبراليون والمسجلون فى قوائم الليبراليين ليتنافسوا فى الظهور الإعلامى والهجوم الإقصائى والتخوينى، ويقف من يدير دون أن يحكم تاركاً الأمور لترسو حيثما اتفق وأينما يدفع التيار، وكلا الموقفين سيحاسبهم التاريخ عليه كما سيحاسب من سيشاركون فى صياغة «وثيقة امتلاك مصر» الجديدة المسماة الدستور إذا ما خرجت كما تشير الشواهد حتى الآن.

«لجنة الأشقياء» التى وضعت دستور ١٩٢٣ وقاطعها حزب الوفد والحزب الوطنى فى ذلك الوقت باعتبارها لجنة حكومية، عاد سعد زغلول ووافق على الدستور الذى أعدته هذه اللجنة التى سبق أن وصفها بهذا الوصف، وذلك لأنها جاءت تضم مجموعة من المفكرين وذوى الرأى ورجال القانون والعلماء ورجال الدين والسياسيين المعتدلين والأعيان والتجار ورجال المال، وكانت اللجنة تمثل كل أطياف المجتمع: الساسة ورجال الدين من المسلمين ومن المسيحيين، وأيضا من اليهود، إذ كانت فى مصر جالية يهودية كبيرة، فخرج دستور وافق عليه من اعترض على اللجنة فى البداية. إذن الأساس فى تشكيل لجنة لصياغة الدستور أن تكون معبرة بحق عن كل أطياف الأمة، وهو الأمر الذى أراه غائبا عما تم تمريره فى اللجنة سالفة الذكر.

ليسمح لى د. محمد نور فرحات باستخدام جزء مما صرح به مؤخرا عندما قال إن الدستور تمت صياغته بالفعل داخل أروقة حزبى الأغلبية ليتحول إلى وثيقة حزبية تضعها أغلبية برلمانية، ويضيف: «إن المادة الأولى الذى ستوضع فى الدستور الجديد ستكون: (مصر دولة نظامها ديمقراطى ذات مرجعية دستورية)»، مضيفاً: «ليس هناك اعتراض على المرجعية الدستورية بشرط أن تُحدد، هل جماعة العلماء التى ستشكل لبحث القرارات السياسية والإدارية لضمان عدم مخالفتها الشريعة الإسلامية مثل مجلس أوصياء الدولة الموجود بإيران ونرجع إلى ولاية الفقيه؟».

أظن هذا كلاماً مهماً يجوز أن نتبعه بسؤال: هل هناك عجلة فى صياغة الدستور حالاً أم أن الأفضل التأنى؟

أقباط ما بعد البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى أن يصاب بنقص المناعة، هذا النقص يصيب أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى، لأن هذا النقص يعرض المجتمع للعديد من الأمراض، ويصاب المجتمع بفقدان المناعة إذا تفتّتت أوصاله إلى جزر متباعدة، متصارعة أحياناً، بحيث تحكم المصلحة الذاتية قصيرة النظر توجهات أفراده وجماعاته، وعندما يمس التطرف أفراد المجتمع من جماعاته والدولة، أو جزءا من كل من هذه الأطراف، فهذا هو الطريق لفقدان المجتمع عناصر المناعة الاجتماعية والسياسية.

أقول هذا الكلام بمناسبة رحيل البابا الذى حاول طوال فترة وجوده على كرسى الكنيسة أن يظل صمام أمان للوحدة الوطنية، وأن يقرب بين الجزر المتباعدة، التى تحاول جماعات وأطراف مختلفة إبعادها عن بعضها البعض.

ولا يمكن هنا نكران أن المجتمع المصرى عانى خلال السنوات الأخيرة، فى الحقبة الأخيرة تحديدا، من نقص مناعته لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، ولعل أبرز هذه الأسباب اختفاء المشروع القومى الذى يجمع كل المواطنين حوله، والتغيرات، أو الانقلابات السياسية المتتابعة والمفاجئة والأزمة الاقتصادية، كما تراجعت عناصر قوية فى بنية المجتمع، كل المجتمع، ومس التطرف، بمفهومه العام، كل الأطراف: «الفرد والجماعة والدولة» كل فى موقعه.

أظهرت الأزمات المتتابعة حالة الاحتقان المستتر تحت هدوء ظاهر بدا أنه غير حقيقى، وكشفت أيضاً عن أساليب لإدارة الأزمات، سواء من الدولة أو من الكنيسة، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية من كل الأطراف، حسمت بشكل قاطع أن وجود احتقان لن يجد طريقه للزوال بمجرد صور فوتوغرافية ومشاهد تليفزيونية تجمع أصحاب العمامات السوداء والبيضاء مبتسمين ابتسامات لا تحمل من المعانى الكثير.

حتى نكون أكثر وضوحاً وتحديداً، فإن هذا الحادث أثبت بشكل قطعى أن ملف الأديان فى المجتمع بشكل عام ومشكلاته بشكل خاص لا ينبغى أن يكون ملفاً أمنياً خالصاً، بل ينبغى أن يكون ملفاً سياسياً ومجتمعياً، ويظل الجانب الأمنى فيه هو المنوط بالأمن.

فى هذا الملف، تحديداً الملف القبطى، فإن النقاش العام الواضح حول ما يراه الأقباط أو معظمهم من وجود ظلم واقع عليهم وهدر لحقوقهم، لو أن نقاشاً بهذا الشكل كان قد بدأ منذ وقت طويل من خلال القنوات المختلفة الإعلامية والسياسية والمجتمعية لما كنا قد وصلنا إلى هذه الحالة.

هذا النقاش العام يكشف حقيقة وحدود هذا الوضع الظالم الذى يعتقده الأقباط، ويكشف أيضاً: هل هذا الإحساس المطروح قبطياً إحساس مبنى على واقع أم أنه إحساس متضخم وأن الواقع مغاير لما يشعرون ويروج له بعضهم؟ هناك حديث عن قانون «همايونى» يحكم بناء الكنائس، ماذا عن واقع الكنائس فى مصر؟ هناك حديث عن تغييب حضورهم فى المناصب العامة وعن الحياة السياسية. ماذا عن الحقيقة، وماذا عن أزمة المشاركة السياسية؟ أظن أن هذا النقاش العام الحقيقى يمكن أن يكشف بوضوح: هل ما يعانى منه الأقباط أو يشعرون به حقيقى، أم أنه مبالغ فيه، أم أنه حالة يعانى منها الجميع، مسلمين ومسيحيين، وأنه يعبر عن أزمة مجتمع وليس أزمة جزء منه.

سلوك بعض من أبناء الشعب المصرى، مسلمين وأقباطاً، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية. إرساء قواعد الدولة المدنية وإقناع أبناء الشعب المصرى بها هو أحد المخارج الرئيسية لما نحن فيه، استعادة الدولة دورها المفقود، ليس الدور الأمنى بالطبع، لكن الدور الذى تتحول فيه الدولة إلى دولة للجميع، مسلمين وأقباطا، واستعادة هذا الدور مسألة ملحة، لأن تضخم دور التيار الدينى فى المجتمع هو تعبير عن غياب أو تخلى الدولة بمفهومها المدنى عن القيام بدورها المفترض فى المجتمع.

ربما يكون رحيل البابا مناسبة مهمة لفتح هذا الملف ودق ناقوس الخطر، قبل اختيار الرئيس، وقبل اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور.

البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أرسل لى ابنى رسالة ليعزينى فى وفاة البابا شنودة قائلاً: أعلم أنه كان صديقك، واتصلت بى شقيقتى أيضا لتعزينى بمجرد أن سمعت الخبر. هذا الاتصال وهذه الرسالة كانا من بين العديد من أصدقاء وزملاء عرفوا علاقتى وتقديرى للبابا شنودة، واعتبروا أن وفاته هى مصاب شخصى بالنسبة لى، وهذا صحيح، كما أنه مصاب وطنى. الوفاة كانت متوقعة منذ فترة مع تدهور حالته الصحية، لكن هذا التوقع لم يكن أبدا سببا فى تخفيف حدة الإحساس بالفقد.

فى حياة الأمم شخصيات هى علامات بارزة فى تاريخها، وهكذا كان البابا شنودة، عرفته منذ بداية عملى الصحفى، وكان ملف المصريين الأقباط أحد الملفات التى أعرتها قدرا كبيرا من الاهتمام منذ اللحظة الأولى، وكان أول كتاب لى فى مطلع التسعينيات عن هذا الموضوع، وكان اسمه: «الأقباط، الكنيسة أم الوطن؟» وتناولت فى هذا الكتاب الموضوع بتفاصيله، كما كان من أوائل الكتب التى تناولت الكنيسة المصرية فى مرحلة تطورها المهم الذى بدأت مؤشراته مع نهاية الأربعينيات بدخول الرهبان المتعلمين الكنيسة، وبدأت ثماره فى الوضوح مع تولى نظير جيد الذى أصبح اسمه الأنبا شنودة مقاليد هذه الكنيسة عام ١٩٧١، كابن لهذا الجيل الجديد الذى أراد للكنيسة مساراً ودوراً آخرين.

أثناء كتابتى لهذا الكتاب حانت لى الفرصة لألتقى البابا شنودة مرات عديدة فى الكاتدرائية، وأقمت معه فى دير وادى النطرون عدة أيام سجلت فيها قصته ورؤيته من زاويته، وتناولت طبيعة العلاقة بينه وبين السادات، وكذلك التطور الذى شهدته الكنيسة المصرية من حالة الاهتمام المطلق بالجانب الدينى إلى قيامها بأدوار أخرى كانت سبباً فى جدل كبير طوال العقود الماضية، هذا الجدل والاختلاف فى الرؤى امتد ليشمل جميع أطياف المصريين بمن فيهم جزء من الأقباط الذين تحفظوا على هذا الدور المتنامى للكنيسة فى الحياة العامة على حساب ما اعتبروه النخبة القبطية من غير رجال الدين، أو من اصطلح البعض على تسميتهم بالعلمانيين الأقباط.

لم ينقطع اتصالى بالبابا شنودة منذ نهاية الثمانينيات، حتى عندما كنت مقيما فى لندن فى التسعينيات كانت زيارته فرصة دائمة لى لألتقيه وأطمئن عليه، وكان آخر لقاء لى معه منذ عام بالضبط، كان عائداً لتوه من العلاج والتقيته ومعه عدد محدود من مساعديه لمدة ساعتين، وأحسست بالقلق الكبير الذى ينتابه، بل ينتاب كل من حوله، لكنه مع كل هذا القلق لم يتراجع قط عن تفاؤله بهذا الوطن الذى كان يكرر دائما بأنه وطن يعيش فينا، وكان مؤمنا بأن الله لن يترك هذا البلد للأخطار، بل سيحميه دوما. أما اتصالى الأخير به فكان منذ حوالى الشهرين، وكان فى أمريكا يتلقى العلاج، ورغم الصوت الواهن إلا أننى استطعت أن ألمس فيه تلك النبرة المتفائلة السمحة المبتسمة.

لن يكون هناك إجماع على شخص، وأعلم وأرى وأتوقع أن العديد سوف يقف منتقدا البابا شنودة ومهاجما للأسف فى هذه اللحظات، لكننى أستغل هذا الموقف لأقول إن الاختلاف مع رؤية البابا شنودة فى بعض القضايا، والتى كنت أنا أختلف معه فى بعضها، لا ينتقص إطلاقا من وطنية هذا الرجل، لقد أحب الوطن بقناعته، وخدم الوطن كما اعتقد أنه الطريق الصحيح، وأظن أن هذا يكفى لكى نقدره ونفتقده. شهادة أشهدها بأنه لم يكن عنيدا عندما يرى طريقا لحماية الوطن. لم يكن ليتأخر فى اتخاذ القرار حتى لو كان سيعرضه للهجوم من بعض ممن حوله، وهنا أستحضر جريمة تفجير القديسين، وقبلها الأزمة التى سببتها تصريحات الأنبا بيشوى، وقتها – وكنت أنا عاملا مشتركا فى الأزمتين – لم يتردد فى اتخاذ الخطوة الصحيحة لتأمين الوطن حتى إن عارضه الأقربون.

رجال كالبابا شنودة لا نملك إلا أن نقدرهم ونحترمهم ونكبر فيهم وطنيتهم، عندما يكونون على قيد الحياة نختلف ونتفق معهم، ندعم رؤيتهم عندما نتفق معها، ونعترض عليها بل نعرقلها إذا لم نتفق معها، لكن هذا الخلاف يظل دائما تحت مظلة الوطن الواحد، وهو اختلاف فى الاجتهاد من أجل ما يعتقد كل طرف أنه الطريق الأصح. وعندما يغيب مثل هؤلاء الرجال، فإن كل الاختلافات تتراجع ويتصدر المشهد كل التقدير والاحترام لرجل أحب وطنه وناسه بالأسلوب الذى آمن أنه الصحيح حتى لو اختلفنا مع بعض تفاصيله. لذلك أقول إن خسارتنا جميعا كمصريين كبيرة لغياب أحد أكثر عشاق الوطن. رحمه الله ووفق من بيدهم الاختيار الأولى لاختيار ثلاثة يمثلون امتدادا للتعايش والتسامح الذى يميز المسيحية ليكون أحدهم بمشيئة الله البابا القادم.

«الظواهرى» والجهاد ووقف العنف

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما كتبت فى المقال الماضى سؤال: «متى يعود أيمن الظواهرى؟» لم يكن ذلك مناقضا للاعتقاد اليقينى الذى أتبناه أن كل أبناء الوطن يملكون الحق المتساوى داخل أوطانهم، لكن فى نفس الوقت ينبغى أن يمتلك هذا الوطن القوانين والسبل والوسائل التى تضمن تأمين كل أبناء الوطن من أى خطر أو مخاطرة. وعندما أشرت إلى علاقتى بقيادات من التيار الإسلامى السياسى والجهادى لم يكن ذلك تلوناً أو ممارسة لسلوك من يحاول أن يكون رجلا لكل العصور، كما اتهمنى أحد القراء الكرام، فهذه العلاقة علاقة قديمة تعود إلى منتصف الثمانينيات عندما بدأت الاهتمام كصحفى بهذا الملف المهم الذى كان يتطور بسرعة، وتوطدت علاقاتى بهذه القيادات على الرغم من الاختلاف السياسى الواضح بينى وبينهم، إلا أن الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة ظلا دائما هما العنوان الرئيسى لهذه العلاقة.

عندما ظهرت إلى النور مبادرة وقف العنف من الجماعة الإسلامية تواصلت مع قيادات الجماعة حتى قبل أن يخرجوا من السجون، وذلك من خلال مهنتى الصحفية، وتبنيت وقتها الدعوة إلى أهمية الاستقبال الإيجابى لهذه المبادرة، وإعادة فتح الباب مرة أخرى لأبناء الوطن حتى لو أخطأوا للعودة إلى نسيجه، وكانت هذه الدعوة تلقى معارضة من أطراف مختلفة داخل الدولة وبعض تيارات المعارضة، وكانت حجتى فى هذه الدعوة أنه حتى لو لم يكن أعضاء الجماعة صادقين فى مبادرتهم، فإن هذا يجب ألا يكون مانعاً لاختبار صدقهم وجديتهم ماداموا يؤكدون الصدق والجدية، فقط طالبت بأن تكون العيون مفتوحة، والاحتياطات لعدم السماح لأعضاء الجماعة بالعودة إلى العنف ينبغى أن تتخذ حماية للمجتمع.

تجربة مبادرة وقف العنف كانت إحدى التجارب المهمة والناجحة خلال العقد الماضى، ولم تأخذ حقها كاملا فى التعاطى معها، وذلك بسبب الحساسية المفرطة من قبل بعض القيادات الكبيرة فى النظام السابق. إذن إعطاء الفرصة لأبناء المجتمع جميعا حتى من أساء إليه هو أمر آمنت به وطالبت به دوما، ولكن بشرط ضمان تأمين المجتمع، وامتلاك القدرة على هذا التأمين.

وهذا التأمين يأتى من خلال وجود منظومة من القوانين القادرة على حماية المجتمع، والموازى فى الأهمية لهذه القوانين هو وجود الأدوات القادرة على تنفيذ القانون، وامتلاك القدرة على حماية المجتمع من أبناء له مارسوا ممارسات عنف تجاه هذا المجتمع، وليست هناك ضمانات أو تأكيدات بأن ذلك لن يحدث مرة أخرى. والسؤال هنا الآن: هل تمتلك الإدارة المصرية فى الوقت الراهن ما يمكن أن يحقق هذه الشروط الأساسية لتأمين المجتمع؟ هل قدم أولئك الخارجون من السجون والعائدون من إيران وأفغانستان أى مبادرة أو تأكيدات أو تصريحات تفيد بعكس ما مارسوا لسنوات طويلة فى الداخل والخارج؟ وهل الظرف السياسى الحالى يسمح بحق بإثارة مخاوف وشكوك فى هذه المرحلة؟

إن المتابع لتزايد نبرة الدعوات الجهادية لعدد من المحسوبين على تيار الجهاد الإسلامى لا يملك إلا أن يصاب بالفزع مما هو قادم، وإذا أضفنا إلى ذلك حالة الصمت المتآمر على هذه النزعة من قبل تيارات الإسلام السياسى الأخرى التى تدعى الاعتدال، أو بعض القوى السياسية التى تدعى الليبرالية، وذلك فى سلوك وصفه المهذب «انتهازية سياسية» على حساب مصلحة الوطن.

هذا الوضع المتمثل فى العودة غير المشروطة وغير المتحكم فيها، وفى ظل حالة عدم المقدرة القانونية أو الأمنية على حماية المجتمع، ومع تزايد النبرة الجهادية التى تتخذ العنف سبيلا أو مفهوما للجهاد، كل هذا مغلف بحالة التواطؤ الواضحة من القوى الأخرى، أظن أن صورة بهذا الشكل لن تفعل سوى الإحساس العميق بالخطر لدى من يتوقف لينظر إلى الصورة بعناصرها.

كلمة أوجهها إلى أصدقائى من القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية: أنتم من طرحتم مبادرة وقف العنف، وحاربتم من أجل تأكيد صدق توجهكم، أظن أن المحاولة التى يقوم بها بعض من أعضاء الجماعة للإفراج عن أعضاء الجماعة الذين يقضون عقوبة السجن فى إثيوبيا لمحاولتهم اغتيال الرئيس السابق مبارك فى أديس أبابا هى خطوة خاطئة لن تتسبب إلا فى إعادة الشك مرة أخرى فى صدق طرحكم السابق. لقد اقتنعت مع قليلين بصدقكم، والدعوة اليوم للعفو عن جريمة إرهابية، إرهابية بمفهوم السياسة والقانون وبحسب مراجعاتكم، لن تجنوا منها إلا الشك فى صدق كل ما حاولتم تأكيده فى مبادرتكم، التى أظنها صادقة وقتها، لوقف العنف.

متى يعود أيمن الظواهرى؟

بقلم عبداللطيف المناوى
أيمن الظواهريعلاقتى بالتيار الإسلامى السياسى وبأعضاء الجماعات الإسلامية، خاصة الجماعة الإسلامية هى علاقة قديمة ومعروفة، وبعضها تطور من مستوى علاقات العمل إلى علاقة صداقة شخصية، رغم الاختلاف فى التوجه السياسى. وكنت حاضرا وشاهدا على مبادرة وقف العنف، التى قامت بها الجماعة الإسلامية وجزء من تنظيم الجهاد، وكنت أيضا من الداعمين لفكرة حق أبناء الوطن فى أن يعودوا إلى نسيجه العام حتى لو أخطأوا فيما مضى، على أن يمتلك المجتمع الحق فى التأكد من ألا يعودوا إلى سابق ممارستهم ضد المجتمع.

هذه كانت مقدمة لابد منها، قبل أن أطرح سؤالا من أحد الأصدقاء، ورغم أنه بدا كأنه سؤال ساخر فإنه يحمل الكثير من المعانى وعلامات الاستفهام والقلق والسؤال هو: «متى يعود أيمن الظواهرى؟»، ومبعث السؤال هو ما شهدته مصر بعد ٢٥ يناير من البدء بالإفراج عن قيادات الجهاد التى كانت معتقلة، وعلى رأسهم عبود وطارق الزمر اللذان اسقبلهما معظم الإعلام المصرى استقبال الفاتحين، وبعدها بأشهر يعود شقيق خالد الإسلامبولى «محمد شوقى الإسلامبولى»، قاتل الرئيس السادات، «بعد رحلة طويلة من الجهاد فى أفغانستان» كما قالت وسائل الإعلام المصرية فى تلك الفترة، لكى يستقبل فى المطار من قبل أجهزة الأمن، ليمثل أمام النيابة ويفرج عنه فى اليوم التالى.

ولم يمر الكثير من الأيام حتى زف إلينا الخبر بأن إبراهيم محمد مكاوى، المشهور باسم «سيف العدل»، الرجل الثانى فى تنظيم القاعدة يعود إلى مصر فى ذات التوقيت الذى يخرج فيه المتهمون الأمريكيون فى قضية التمويل الأجنبى، وتتضارب الأقوال فى البداية عما إذا كانت عودة سيف الإسلام انتصاراً للأمن المصرى، أم أنه عاد من تلقاء نفسه، ليحسم الأمر بعدها بساعات، عندما يتم أيضا الإفراج عنه لبدء إعادة محاكمته فى القضية التى قد أدين فيها وحكم عليه بالإعدام. وحسبما علمت فإن العديد من بقية قيادات الجماعات الإسلامية فى الخارج يعدون العدة للعودة إلى مصر.

هذا الموقف يدفعنا إلى طرح سؤال التخوف – وأظن أن لنا كامل الحق – عما مرت به مصر فى الثمانينيات والتسعينيات من عمليات إرهابية حقيقية دفع ثمنها العديد من الضحايا من المصريين، وهذا يدفعنا إلى السؤال الموجه إلى من يديرون البلد وإلى من يسيطرون على الحياة السياسية الآن، وهو: على أى أسس ومعايير تتم عودة هؤلاء؟! وما الضمانات على ألا تتحول مصر إلى قاعدة جديدة للعمل الجهادى؟! وأختم بسؤال الصديق الذى بدأت به: هل يعود أيمن الظواهرى؟

يوم الشهيد

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد المنعم رياض

تتكاثر علينا الأحداث فتتوارى فى الذاكرة أحداث مهمة وأسماء لا ينبغى أن تنسى، ونهمل فى تعليم أبنائنا، فلا يعرفون كثيراً مما يجب أن يعرفوه، فيتحول عباس العقاد إلى شارع، وعبدالمنعم رياض إلى ميدان، وكما فقدت وظائف وألقاب وأدوار معناها من سوء استخدامها، فقدت أيضاً أيام معناها، لأنها تحولت إلى مجرد أيام تحمل أسماء لم نعد نقف أمامها، وكل ما فات خطأ كبير.

غداً هو يوم الشهيد، هو اليوم الذى استشهد فيه اللواء عبدالمنعم رياض، الذى حمل رتبة «الفريق أول» بعد استشهاده، وقصة عبدالمنعم رياض فى ذاتها هى قصة ينبغى أن نذكرها ونعلمها لأبنائنا. واستحضار معنى «الشهادة» ومفهوم «الشهيد» هو أيضاً أحد الأمور التى ينبغى أن تكون حاضرة دائما، لأن هؤلاء هم الذين رووا بدمائهم مستقبل هذا الوطن.

ولد الفريق محمد عبدالمنعم محمد رياض عبدالله فى قرية سبرباى، إحدى ضواحى مدينة طنطا، فى ٢٢ أكتوبر عام ١٩١٩، درس فى كتاب القرية وتدرج فى التعليم، وبعد حصوله على الثانوية العامة التحق بكلية الطب بناء على رغبة أسرته، لكنه بعد عامين من الدراسة فضل الالتحاق بالكلية الحربية التى كان متعلقاً بها، انتهى من دراسته عام ١٩٣٩ برتبة «ملازم ثان»، ونال شهادة الماجستير فى العلوم العسكرية وكان ترتيبه «الأول»، وأتم دراسته كمعلم مدفعية مضادة للطائرات بامتياز فى إنجلترا عامى ١٩٤٥ و١٩٤٦.

بعد النكسة استدعى الرئيس جمال عبدالناصر اللواء عبدالمنعم رياض، وعيّنه رئيساً للأركان. وكان من أقوال البطل الشهيد «إذا وفرنا للمعركة القدرات القتالية المناسبة وأتحنا لها الوقت الكافى للإعداد والتجهيز وهيأنا لها الظروف المواتية فليس ثمة شك فى النصر الذى وعدنا الله إياه». وبدأ الإعداد ومعه حرب الاستنزاف والعديد من العمليات العسكرية التى أسفرت عن تدمير ٦٠% من تحصينات خط بارليف الذى تحول من خط دفاعى إلى مجرد إنذار مبكر، وتدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات فى ٢١ أكتوبر ١٩٦٧ وإسقاط بعض الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال عامى ١٩٦٧ و١٩٦٨.

ونجح فى كسر أسطورة عسكرية، فقد كان العسكريون فى وقتها يؤمنون بأنه لا يمكن مواجهة دبابة إلا بدبابة، فقد كان صاحب إضافة جديدة فى حرب المدرعات منذ عام ١٩٦٨، حيث كان يتم تدريب المشاة عليها فى سرية شديدة، ليصبح الجندى المصرى فى حرب أكتوبر مدمراً للدبابة، ولعل من هنا خرج لمصر أبطال آخرون مثل: محمد المصرى الذى دمر ٢٧ دبابة وعبدالعاطى عبدالله الذى دمر ٢٦ دبابة خلال حرب أكتوبر، وقد كسرا بذلك رقم أحد الجنود الروس الذى دمر ٧ دبابات فى الحرب العالمية. أما أكبر إنجازاته على الإطلاق فهو تصميمه الخطة (٢٠٠) الحربية التى كانت الأصل فى الخطة (جرانيت) التى طُورت بعد ذلك، لتصبح خطة العمليات فى حرب أكتوبر تحت مسمى (بدر).

صدق مع الله، فصدق الله معه: «أنا لست أقل من أى جندى يدافع عن الجبهة، ولابد أن أكون بينهم فى كل لحظة من لحظات البطولة».. «إذا حاربنا حرب القادة فى المكاتب بالقاهرة فالهزيمة تصبح لنا محققة.. إن مكان القادة الصحيح هو وسط جنودهم وفى مقدمة الصفوف الأمامية». لم تكن هذه مجرد كلمات يلقيها القائد على جنوده ليحمسهم، لكنها كانت إيماناً داخلياً وشعوراً يملك وجدان وفكر الشهيد. فقد أشرف على الخطة المصرية لتدمير خط بارليف، خلال حرب الاستنزاف، ورأى أن يشرف على تنفيذها بنفسه، وتحدد يوم السبت ٨ مارس ١٩٦٩ موعداً لبدء تنفيذ الخطة، وفى التوقيت المحدد انطلقت نيران المصريين على طول خط الجبهة، لتكبد الإسرائيليين أكبر قدر من الخسائر فى ساعات قليلة، وتم تدمير جزء من مواقع خط بارليف وإسكات بعض مواقع مدفعيته فى أعنف اشتباك شهدته الجبهة قبل معارك ١٩٧٣.

وفى صبيحة اليوم التالى قرر عبدالمنعم رياض أن يتوجه بنفسه إلى الجبهة، ليرى عن كثب نتائج المعركة ويشارك جنوده فى مواجهة الموقف، وقرر أن يزور أكثر المواقع تقدماً، والتى لم تكن تبعد عن مرمى النيران الإسرائيلية سوى ٢٥٠ مترا، ووقع اختياره على الموقع رقم ٦، وكان أول موقع يفتح نيرانه بتركيز شديد على دشم العدو فى اليوم السابق، ويشهد هذا الموقع الدقائق الأخيرة فى حياة الفريق عبدالمنعم رياض، حيث انهالت نيران العدو فجأة على المنطقة التى كان يقف فيها وسط جنوده، واستمرت المعركة التى كان يقودها الفريق عبدالمنعم بنفسه حوالى ساعة ونصف الساعة، إلى أن انفجرت إحدى طلقات المدفعية بالقرب من الحفرة التى كان يقود المعركة منها ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ الهواء توفى عبدالمنعم رياض بعد ٣٢ عاما قضاها عاملا فى الجيش، متأثرا بجراحه.

هذه باختصار قصة شهيد الوطن عبدالمنعم رياض، الذى اختير يوم شهادته، ليكون يوماً للشهيد فى مصر. وقبل أن أختم أطالب بإعادة النظر فى التعامل مع شهداء مصر وجرحاها فى الحروب التى خاضها جيش مصر، من أجل الحفاظ على هذا الوطن، فقد علمت أن مصابى حرب أكتوبر يحصلون على حوالى ٧٠٠ جنيه شهريا، أما المكافأة التى حصلت عليها عائلة الشهيد عبدالمنعم رياض فكانت خمسة آلاف جنيه، أظن أنه آن الأوان لإعادة النظر فى هذا الوضع وفى مفهوم «الشهيد».

أفيقوا يرحمكم الله

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

تدور المعارك بين أطراف وأبناء الوطن، ويتم تقسيم البشر حسب الولاءات دون أن نعلم ولاء لمن، وينشغل المجتمع بمؤذن البرلمان، وتتبارى شاشات التليفزيون فى أداء صرخات الليل، التى يمارسها إعلاميون انشغلوا عن المشاكل الحقيقية للوطن ودخلوا فى سباق محموم، للتطهر والمكسب المادى وادعاء البطولة الوهمية، وانقسم الكتاب بين مؤيد لتربية اللحى بين ضباط البوليس وحلق لها، وفى خضم كل ذلك ينزلق البلد نحو مجهول ملمحه الرئيسى اقتصادى، ويكفى اليوم أن نشير إلى بعض الأرقام التى سبق أن قرأناها جميعا ولم تثر فينا القلق، أعيد التذكير بها علنا نفيق.

بلغ احتياطى النقد الأجنبى ١٦.٤ مليار دولار أمريكى فى نهاية شهر يناير الماضى، ليسجل أدنى مستوى له منذ شهر ديسمبر عام ٢٠٠٤. هذه الحقيقة أعلنها بوضوح كبار المسؤولين عن هذا الملف، فقد انخفض احتياطى النقد الأجنبى بنحو ١.٧ مليار دولار أمريكى منذ نهاية شهر ديسمبر عام ٢٠١١، وفقد احتياطى النقد الأجنبى ١٩.٧ مليار دولار أمريكى منذ بداية شهر يناير عام ٢٠١١ نتيجة تأثير الاضطرابات السياسية فى مصر عليه، لينخفض نحو ٥٣% فى عام واحد. ليس هذا فقط، فإن متوسط الاستنزاف يتراوح بين مليار ونصف المليار شهريا فى حالة الاستقرار النسبى، ويرتفع إلى مليارين ونصف المليار، إذا ما توترت الأوضاع، وهو وضع اقترب من المعتاد للأسف فى حياتنا، وهذا يعنى أن الاحتياطى قد انخفض إلى ثلاثة عشر مليار دولار فى الوضع المتفائل أو إلى أحد عشر ملياراً فى وضع التوتر، حيث إن الأرقام التى ذكرتها تقف عند نهاية يناير الماضى، يضاف إلى تلك الحقيقة أن من بين هذا الاحتياطى يتم حساب حوالى خمسة وسبعين طن ذهب فى خزانة البنك المركزى المصرى هى احتياطى مصر من الذهب وقيمته حوالى أربعة مليارات ونصف المليار دولار، أى أن احتياطى مصر من السيولة النقدية اقترب من ستة مليارات دولار، منخفضا من ستة وثلاثين مليارا قبل الخامس والعشرين من يناير العام الماضى.

ويعود تراجع احتياطى النقد الأجنبى فى شهر يناير عام ٢٠١٢ إلى الضغوط الهائلة على استخدامات الصرف الأجنبى بدلاً من انخفاض مصادره. إن الضغوط على استخدامات الصرف الأجنبى خلال شهر يناير ٢٠١٢ نتجت عن الفوائد نصف السنوية المستحقة على السندات العالمية بنحو ٨.٧٥%، والتى تم إصدارها عام ٢٠٠٧، ويستحق سدادها فى شهرى يناير ويوليو من كل عام. بالإضافة إلى ذلك، يتم سداد ديون نادى باريس فى الفترة نفسها من كل عام. وقد أعلن أن إجمالى الديون، التى تم سدادها فى شهر يناير عام ٢٠١٢ قد بلغ ٠.٦٥٧ مليار دولار أمريكى. وضمن الضغوط الأخرى التى فرضت على استخدامات الصرف الأجنبى قيام مستثمرين أجانب بالخروج من سوق أذون الخزانة المصرية بقيمة ٠.٦٢٥ مليار دولار أمريكى فى يناير عام ٢٠١٢.

وتوضح أحدث البيانات الصادرة أن أذون الخزانة المستحقة التى يمتلكها الأجانب هبطت إلى ١.٩ مليار دولار أمريكى فى شهر نوفمبر عام ٢٠١١ بعد أن كانت ١٠.٧ مليار دولار أمريكى فى الفترة نفسها من عام ٢٠١٠. ويرجع الخروج المتواصل للأجانب من سوق أذون الخزانة خلال شهر يناير إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية فى مصر، وذلك بالرغم من تحسن المناخ السياسى بعض الشىء خلال الشهر نفسه. فضلاً عن ذلك، فإن المتوقع استمرار زيادة قيمة الواردات، بسبب هبوط قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار الطاقة.

قطاع السياحة، الذى يعد مصدر الكسب الأول للصرف الأجنبى، والذى عادة ما يكون القطاع الأكثر تأثراً بالأحداث الجارية من المتوقع أن يتحسن على المستوى الشهرى، هذا بالرغم من أن إيرادات السياحة لاتزال منخفضة نسبياً على المستوى السنوى، وذلك نتيجة لانخفاض عدد القادمين للسياحة والنفقات السياحية. وزارة السياحة خفضت النفقات السياحية من ٨٥ دولاراً أمريكياً إلى ٧٢ دولاراً أمريكياً لليلة الواحدة، والمتوقع حدوث المزيد من الانخفاض، ليصل إلى ٦٨ دولاراً أمريكياً لليلة الواحدة.

الاختيارات المتاحة للسياسات، التى من الممكن أن يتبناها البنك المركزى المصرى والحكومة المصرية فى هذه المرحلة الحرجة تتضمن الآتى:

١ـ التخلى عن ربط العملة بالدولار الأمريكى، وإتاحة الفرصة للهبوط السريع لقيمة الجنيه المصرى، إما التدخل جزئياً لإحداث هبوط تدريجى فى قيمة الجنيه المصرى.

٢ـ الحفاظ على الربط الحالى للعملة المصرية بالأمريكية عن طريق تبنى العديد من الإجراءات مثل زيادة معدل فائدة البنك المركزى بصورة هائلة، أو الاتفاق على قرض صندوق النقد الدولى، وبالتالى ضمان الحصول على المساعدات المالية الأخرى، حيث يشترط الاتفاق على قرض صندوق النقد الدولى، للحصول على تلك المساعدات، أو إصدار المزيد من الديون الصادرة بالدولار الأمريكى، أو إصدار الصكوك، أو بيع أراض للمصريين المقيمين بالخارج، على أن يتم سداد قيمة هذه الأراضى بالعملة الأجنبية، أو فرض قيود على الاستيراد أو رفع الرسوم على الواردات، وفرض ضوابط رأس المال. الطريق الأسلم حالياً هو الموافقة على الحصول على قرض صندوق النقد الدولى ومساعدات مالية أجنبية أخرى. وكلها خيارات صعبة.

المتوقع أن بعض المؤشرات الاقتصادية السلبية مثل نفاد صافى الاحتياطيات الدولية بمعدل سريع، والارتفاع الهائل للعوائد المستحقة على الديون الحكومية، واتساع العجز الحكومى، وتدهور المؤشرات المالية، واختلاف البيانات الصادرة بشأن أداء الاقتصاد المصرى ستؤدى إلى إضعاف الأثر الإيجابى لتقدم العملية السياسية.

ما فات أرقام منشورة متاحة عبر الوسائل المختلفة من صحف ومواقع وتصريحات مسؤولين.. أرجو أن نفيق.

حتى لو لم تكن حقيقية

بقلم عبداللطيف المناوى

نيلسون مانديلا

عندما أشرت فى المقال الأخير إلى الرسالة التى نسبت إلى زعيم جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، توقف البعض أمامها لما فيها من معانٍ، ولكن أيضا ترك البعض الآخر المغزى منها وما تحتويه من معانٍ، وتوقف أمام ما أثير وقتها من أن هذه الرسالة مزيفة، وأن نيلسون مانديلا لم يوجه مثل هذه الرسالة. لا أملك أن أؤكد أو أنفى هذا الادعاء، ولكنى فى كل الأحوال أدعى أن هذه الرسالة تتوافق مع أسلوب تفكير وحياة وممارسات «مانديلا»، لذلك لن أتوقف أمام ما طرح لاقتناعى بما تحويه الرسالة. المقال السابق أشرت إلى أجزاء من الرسالة، وسألنى البعض: لماذا لا تنشرها كاملة؟ والبعض الآخر توقف أمام حالة التجاهل التامة للرسالة من قبل وسائل الإعلام المختلفة، لذلك قررت أن أخصص هذه المساحة اليوم لإعادة نشر الرسالة التى نحن فى أحوج الأوقات لها، حتى لو لم تكن رسالة حقيقية:

«أعتذر، أولاً، عن الخوض فى شؤونكم الخاصة، وسامحونى إن كنت دسست أنفى فيما لا ينبغى أن تقحم فيه.

لكنى أحسست أن واجب النصح أولاً، والوفاء ثانيًا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصرى يحتمان علىّ رد الجميل.

أحبتى ثوار العرب، مازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يومًا مشمسًا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن.

خرجت إلى الدنيا بعدما وُورِيتُ عنها سبعة وعشرين عامًا، لأنى حلمت أن أرى بلادى خالية من الظلم والقهر والاستبداد، ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصى، إذ سأرى وجوه أطفالى وأمهم بعد كل هذا الزمن، فإن السؤال الذى ملأ جوانحى حينها هو:

كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟

أكاد أحس بأن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير، وهو سؤال قد تحدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذى ستنتهى إليه ثوراتكم.

إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

أنا لا أتحدث العربية، للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التى تصلنى عن تفاصيل الجدل السياسى اليومى فى مصر وتونس تشى بأن معظم الوقت هناك مهدر فى سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين، وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفى والإقصاء، كما يبدو لى أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وتبكيت كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة. ذاك أمر خاطئ فى نظرى.

أنا أتفهم الأسى الذى يعتصر قلوبكم، وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أننى أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم فى هذه المرحلة.

إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التى قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم فى غنى عنه الآن.

عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق فى النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هما أكبر هدية للبلاد فى هذه المرحلة.

أعلم أن مما يزعجكم أن تروا الوجوه ذاتها التى كانت تنافق النظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم ألا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم.

أذكر جيداً أنى عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهنى هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكننى وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام على أن هذا كان الخيار الأمثل، ولولاه لانجرفت جنوب أفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد.

إنها سياسة مرة لكنها ناجحة.

تخيلوا أننا فى جنوب أفريقيا ركزنا – كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم، لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب أفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنسانى اليوم.

أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)».

نيلسون روهلالا مانديلا

هوانتون – جوهانزبيرج

(الله ينور عليك يا عم نيلسون).