لماذا حكومة جديدة؟

انتخابات البرلمان المصري

انتخابات البرلمان المصري

على الرغم من ارتفاع أصوات الكثيرين خلال الفترة الماضية للمطالبة بتغيير الحكومة، واستبدال بعض الوزراء الذين لم يقوموا بما أمله الشعب منهم بعد ثورة 30 يونيو، إلا أن معظم هذه الأصوات عاد للارتفاع مرة أخرى احتجاجاً على إقالة حكومة الببلاوى التى لم تستطع أن تلبى احتياجات ومتطلبات الفترة الصعبة التى تمر بها مصر.

وعلى الرغم من دلالة ما سبق، وهو أن البعض يعارض أى قرار يصدر، إلا أن الحقيقة هى أن البلد فى حاجة ماسة إلى حكومة جديدة تستطيع أن تعبر بها المرحلة الصعبة القادمة. لا أحد يستطيع أن ينكر أن حكومة الدكتور حازم الببلاوى تشكلت فى فترة حرجة، عقب سقوط نظام الإخوان الذى خرب البلاد، ولاشك أيضاً أن هذه الحكومة تحملت المسؤولية فى فترة صعبة، واستطاعت أن تتخذ قرارات صعبة، مثل فض اعتصامى رابعة، وأن تعيد الثقة الدولية فى الاقتصاد المصرى بعض الشىء، لكن الحقيقة أيضاً أن الحكومة أصبحت فى الفترة الأخيرة تعانى من مشاكل كثيرة لم تستطع أن تقدم فيها حلاً، بداية من الإضرابات المتوالية فى شركات القطاع العام، مروراً بأزمات انقطاع الكهرباء والمياه والصحة، ومظاهرات الجامعات وغيرها.

كل هذا دفع لأن تكون هناك حاجة ماسة لتشكيل حكومة جديدة، برئاسة واحد ممن شهد لهم الجميع بالكفاءة خلال الفترة الماضية إبان عمله وزيراً للإسكان، لمساهمته فى حل الكثير من المشاكل المتعلقة بهذا القطاع، فضلاً عن نشاطه وحركته الدائمة، وهو ما تحتاجه مصر فى الفترة المقبلة.

الحاجة الماسة لتشكيل حكومة جديدة تتبدى فى الحاجة لحكومة تستطيع التصدى لعنف الجماعات المسلحة فى الشارع المصرى، والتى تستهدف السياح والمواطنين الآمنين فى سيناء، حكومة تستطيع أن تعيد الأمن للجامعات، وتعيدها دور علم وليس دور عنف وإرهاب كما حولها تنظيم الإخوان، حكومة تستطيع أن تتعامل مع الإضرابات الفئوية التى تبدو وكأنها منظمة، التى تضرب الاقتصاد المصرى، وتستطيع أن تحل مشاكل العمال، حكومة تستطيع أن تتفاعل مع المواطن، وتحل له مشاكله، لا أن تكتفى بالتنظير من خلال شاشات التليفزيون، دون تقديم حلول عملية على أرض الواقع.

دور الحكومة القادمة لا يقل أهمية عن الدور الذى لعبته حكومة الدكتور الببلاوى بعد ثورة 30 يونيو والإشراف على الدستور، إذ إن على حكومة محلب أن تقوم بالإشراف على الخطوة الثانية فى خارطة الطريق، وهى الانتخابات الرئاسية المنتظرة خلال الفترة المقبلة، وهى الخطوة التى تحتاج إلى استعدادات مكثفة، مع الحشد المضاد الذى يقوده تحالف تنظيم الإخوان ضد الدولة، وضد أن تسير خطوة واحدة للأمام.

مصر فى حاجة إلى حكومة جديدة يستطيع بها الرئيس القادم أن يكمل انطلاق مصر للأمام، وإكمال الخطوات التى اتخذت من قبل، حكومة تهتم فى الأساس باحتياجات المواطن العادى، ويكون تحقيق الأمن على رأس أولوياتها، مع المسيرات اليومية لتنظيم الإخوان لمحاولة هز صورة الأمن فى البلاد، والاهتمام بحل مشاكل الأجور والحد الأدنى وتطبيقه، حكومة تصارح الشعب بحقيقة الوضع الاقتصادى فى البلاد، وتدعوه للبناء بجوارها، يداً بيد، حتى تستطيع مصر أن تعبر المرحلة القادمة، وتنطلق للأمام، كما نأمل جميعاً لها.

اللى حضّر العفريت يصرفه

p1010061.jpg

عنوان المقال هو مثل مصرى معروف يعلق جرس المسؤولية فى رقبة المسؤول عن الفعل. هذا المثل هو من أكثر الأمثال التى تحضرنى خلال الفترة الأخيرة، وهو يحضرنى كلما بدأ الحديث عن الإسلام السياسى أو خلط الدين بالسياسة. والمشكلة الحقيقية هنا هى ذلك الفشل المتكرر لكل من حضّر العفريت ولم يعرف كيف يصرفه. والنماذج هنا كثيرة، لكن يظل أكثرها حضوراً نموذج أنور السادات والنموذج الأمريكى.

الرئيس المصرى الأسبق أراد أن يواجه منافسيه السياسيين فى ذلك الوقت من اليساريين والناصريين، فاستحضر قوى الإسلام السياسى، المتمثلة وقتها فى جماعة الإخوان المسلمين، التى كانت قياداتها وقتها ما بين هاربين ومسجونين، فأخرجهم وأعادهم ليستخدمهم- أو هكذا تصور- فى مواجهته السياسية، ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، بل خلق الجماعة الإسلامية فى الجامعات لنفس الهدف: مواجهة نفوذ وسيطرة اليسار والناصريين على الجامعة، فخرجت الجماعة الإسلامية مدعومة بأمن النظام وحمايته ودعمه السياسى. لم يدرك السادات وقتها خطورة إخراج العفريت من القمقم، أو لعله أدرك ذلك فى لحظاته الأخيرة وهو يعانى آلام الرصاص الذى أطلقه عليه أبناء العفريت الذى أخرجه بنفسه من قمقمه ولم يعرف كيف يصرفه.

القاعدة أو تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد هى منظمة وحركة متعددة الجنسيات، تأسست فى الفترة بين أغسطس 1988 وأواخر 1989/ أوائل 1990، تدعو إلى الجهاد كما تعتقده. فى البداية، كان الهدف من تأسيس القاعدة التى أسهمت فى إنشائها أمريكا محاربة الشيوعيين فى الحرب السوفيتية فى أفغانستان، دعم الولايات المتحدة وحلفائها كان واضحاً، موّلت الولايات المتحدة عن طريق المخابرات الباكستانية المجاهدين الأفغان الذين كانوا يقاتلون الاحتلال السوفيتى فى برنامج لوكالة المخابرات المركزية سمى «عملية الإعصار». فى الوقت نفسه، تزايدت أعداد العرب المجاهدين المنضمين للقاعدة (الذين أطلق عليهم «الأفغان العرب») للجهاد- كما يعتقدون- ضد النظام الماركسى الأفغانى، بمساعدة من المنظمات الإسلامية الدولية، وخاصة مكتب خدمات المجاهدين العرب، الذى أمدهم بأموال تقارب 600 مليون دولار فى السنة تبرعت بها حكومات ومؤسسات وأشخاص اعتقدوا وقتها أنهم ينصرون الإسلام، ولم يدركوا أنهم لم يكونوا سوى ممولين لصنيعة أمريكية سوف يدفعون هم ثمن مشاركتهم فى صنعها يوماً ما، والمشكلة أن بعضهم مازال غير مدرك لذلك.

ودفعت أمريكا نفسها ثمن إخراج العفريت من قمقمه عدة مرات، لكن يظل ما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر هو الثمن الأعلى.

ما يدفعنى إلى الحديث عن هذا الموضوع اليوم هو ما ألحظه من العناد والإصرار على تكرار الخطأ. عندما أرى اليوم ذلك الإصرار الأمريكى على دعم تجربة الإسلام السياسى وتمكينه من الحكم بأشكال مختلفة أصاب بالدهشة. ها هم يكررون الخطأ مرة أخرى، ويعتقدون هذه المرة أن شغل جماعات الإسلام السياسى والجماعات الجهادية سوف يصرف عنهم خطورة هذه الجماعات، ولذلك عملوا لسنوات من أجل تنفيذ هذا المشروع، ويمكننا أيضاً أن نلمس ذلك الإصرار على الجهل، منهم أو منا، بأن مخططهم هذا يجنبهم المخاطر. اعتقدت هذه الدول، وعلى رأسها أمريكا، أنه طالما هذه الجماعات بعيدة عنهم ومحصورة فى بلادها فهم فى أمان منها، وهم هنا لا يدركون أنهم إنما يعطونها سماء آمنة يتمكنون من خلالها أن يجتمعوا لينظموا أنفسهم وسوف تكون هذه الدول من بين الأهداف. الخطأ الكبير أنهم لا يدركون أن العفريت عندما يخرج من القمقم فإن إعادته إليه ليست سهلة، وأيضاً أن العفريت لا يعترف بالحدود والمسافات.

المشروع القومى إنقاذ مصر

2013-635082139780656719-65

لسنوات طويلة ظلت الشكوى من غياب مشروع قومى أحد التفسيرات السريعة المريحة لأى مشكلات تواجهها مصر أو يواجهها النظام، وكان أحد الانتقادات التى وجهها معارضو مبارك وقت أن كان فى الحكم أنه لا يمتلك مشروعا قوميا يمكن أن يجمع حوله المصريين، وكأن هذا هو العيب الكبير الذى فرق الناس من حوله. امتد هذا التخيل إلى مختلف المستويات حتى بات التعبير أحد المفردات المستخدمة فى أى مناقشة على أى مستوى عندما يختصر المتحدث الحالة، أيا كان مستواه الثقافى، بالقول: «مشكلتنا أننا لا نملك مشروعا قوميا». معظم من يتناول هذه الزاوية يستحضر صورة جمال عبدالناصر ومشروع السد العالى.

هذه الأيام يعود الحديث عن أهمية استعادة إحساس المشروع القومى، وتخرج علينا أفكار متعددة، هناك من يتحدث عن مشروع قناة السويس وآخرون يتحدثون عن توشكى ووادى النطرون، والبعض يستحضر مشروع ممر التنمية. المشكلة هنا أنهم توقفوا عند الفهم الضيق لمفهوم المشروع القومى، أيضا تسكنهم حالة عبدالناصر وتحديه المجتمع الدولى وإصراره على بناء السد العالى، بل والوصول إلى الحرب والقتال من أجل المشروع. هذه الحالة لم يستطع الحالمون بها أن يضعوها فى إطار ظرفها التاريخى والظروف السياسية والدولية والداخلية السائدة فى ذلك الوقت الذى كان فيه مثل هذا الموقف يلقى صدى عظيماً داخلياً وخارجياً. لا يستطيع أولئك الغارقون فى الماضى أن يستحضروه فى أذهان وعقول بعض الشباب الذى لم يحضر هذه المرحلة، ولا يستطيع أن يستوعب التغيرات الكبيرة التى شهدها العالم وشهدتها مصر خلال العقود الماضية. الغرق فى مثل هذه التصورات غير الواقعية لن يخلق إلا حالة من الإحباط التالى عندما يكتشف من انخدع بهذه الشعارات أن الموضوع أكثر تعقيدا من التفاف المصريين حول مشروع «شرق التفريعة»، باعتباره المشروع القومى الذى سوف يوحد المصريين ويجعلهم يضحون من أجله ويحمل فى طياته مستقبلا زاهرا لمصر. أظن أن الغرق فى مثل هذا المستوى من التفكير لن يؤدى بنا إلا إلى وهم مشروع نهضة جديد كمشروع الإخوان الذى خدعوا به المصريين. لقد اعتمدوا فكرة المشروع القومى باعتباره القادر على جمع المصريين حولهم، وانخدع البعض واكتشف الجميع الوهم فى خلال أسابيع قليلة.

أنا هنا لا أقلل من أهمية وجود هدف قومى أو مشروع قومى حقيقى يجمع المصريين حول قيادته التى يؤمن بها، ولكنى لست مع اختصار الحلم القومى فى مشروع محدد الأبعاد، الزمن لم يعد زمن السد العالى، نحن نعيش زمنا جديدا. المشروع القومى الذى أطرحه هنا هو مشروع «إنقاذ مصر»، كما سبق أن ذكرت عدة مرات فى أكثر من مناسبة أن المنطق يقول إن مصر بظروفها الحالية لا تمتلك فرصة كبيرة للنجاح، الأوضاع الاقتصادية التى تقترب من الانهيار، الأوضاع السياسية التى أثبتت حالة الضعف والتراجع الكبير فى حجم وطبيعة وتواجد ودور ما يسمى القوى السياسية والأحزاب، وذلك الحضور المقلق لتيار الإسلام السياسى وأعداء الدولة المدنية، أيضا هذه المعادلة السياسية من الصعب تخيل نتيجة إيجابية لها. أما أمنيا فنحن نرى التحديات التى نواجهها يوما بعد يوم أمام قوى الإرهاب والتطرف المتمثلة فى الإخوان وتوابعها.

لكل ذلك أعتقد أن المشروع القومى الأهم هذه المرحلة هو مشروع «إنقاذ مصر»، وأنا أعنى ما أقول، وأتمنى من الرئيس القادم أن يعلن هذا بشكل واضح وصريح: إن إنقاذ مصر المهددة بفشل تجربتها هو مشروعه الأول والأساسى. والخطوة الأولى نحو تنفيذ هذا المشروع هى مواجهة الشعب بالحقائق مهما كانت مؤلمة وصادمة. ذلك هو الطريق الصحيح فيما أظن.

متى يضحك المصريون؟

100_0757-1.jpg

بلغت درجة تقديس القدماء المصريين للنكتة أنهم جعلوا لها إلها وزوجوها لإله الحكمة. وهذا هو بالضبط التفسير الأقرب لارتباط النكتة لدى المصريين بالتعبير عن موقفهم من الحياة بكل تفاصيلها، وإذا ما تراجعت النكتة فى المجتمع المصرى وسادت روح الاكتئاب فإن هذه علامة خطيرة على أن الأزمة كبيرة. مثل هذه الأجواء كانت قد سيطرت على مصر فى الأشهر الأخيرة لحكم الإخوان، عندما أصيب المصريون جميعا، عدا قلة، بحالة حادة من الاكتئاب كان يمكن أن نلمسها بين المصريين داخل مصر وخارجها.

الضحكة على وجه المصرى الأصيل تبدو كأنها محفورة، عمرها من عمر بدء حضارتهم، الضحكة على الوجه تخفى خلفها تفاصيل حياة بشقائها وحلوها ومرها. وقد استخدم المصريون منذ القدم سلاح الضحكة والنكتة فى مواجهة كل الصعوبات الحياتية، خاصة الاقتصادية والسياسية. مصر رغم غناها البشرى والثروة الطبيعية لم تعش كثيرا فى حالة يسر اقتصادى، بل واجه أهلها أو قطاع كبير منهم صعوبات اقتصادية، وفى مجال السياسة فإن علاقة شديدة الخصوصية والتعقيد ربطت المصرى بالسلطة السياسية، وهذا جدير بحديث آخر فى وقت آخر، هذه العلاقة دفعت المصرى لأن يبحث عن وسائل مختلفة يعبر بها عن مواقفه التى لا يأمن أن يعبر عنها بوضوح وصراحة، كما هو يقاوم ظرفه الاقتصادى الصعب بالضحك عليه واختلاف النكات عن صعوبات حياته.

نظريات علمية حاولت تفسير ظاهرة النكتة، إحداها تعتبرها فرعونية الأصل، فيقال إن المصريين القدماء اعتقدوا أن العالم خلق من الضحك فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق الدنيا أطلق ضحكة قوية فظهرت السماوات السبع، وضحكة أخرى فكان النور، والثالثة أوجدت الماء إلى أن وصلنا إلى الأخيرة خلق الروح، وظهرت فى البرديات رسوم كاريكاتورية وعلى قطع الفخار أيضا تنتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية احتفظت بها متاحف العالم، واستخدم المصرى القديم الحيوانات للسخرية من خصومه السياسيين.

لم يستطع من احتل مصر على مر العصور مقاومة النكتة المصرية، الرومان عندما احتلوا مصر حرموا على المحامين المصريين دخول محاكم الإسكندرية لأنهم كانوا يسخرون من القضاة الرومان ويهزأون من ضعفهم فى تحقيق العدالة، فاستخدموا النكتة والقافية للدفاع عن السجناء السياسيين.

عندما جاء الاحتلال العثمانى لمصر كانت السمة الغالبة عليهم الغطرسة والتوتر، وما ميز أشكالهم الكروش الكبيرة التى وضعت عليهم مسحة من الكسل وضيق العقل، فسخر المصريون من (نفختهم الكاذبة). فيقول الجبرتى فى كتابه «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»: لقد نكت المصريون على الباشا التركى وحولوه إلى أغنية لحنوها ورددوها «يا باشا يا عين القملة مين قال لك تعمل دى العملة ويا باشا يا عين الصيرة مين قال لك تدبر دى التدبيرة»، وجاء ذلك كرد فعل على قسوة الأتراك وتعاملهم الفظ مع المصريين كعبيد.

أطلق المصريون (قفشاتهم) اللاذعة التى نالت من المحتل الفرنسى والتى كانت تنال من خلاعة ومجون جنود الاحتلال، فانزعج نابليون بونابرت من سخرية المصريين فأمر أتباعه بإلقاء القبض على من يطلق النكات على الفرنسيين، لتكون النكتة لأول مرة فى التاريخ جريمة يعاقب من يرتكبها بالقتل أو الضرب.

أبدع المصريون فى كيفية تفجير النكتة السياسية، فالمصرى تبدأ ثورته عندما تعجز الفكاهة عن تحمل الواقع، فعندما يتوقف المصريون عن التنكيت فهذا نذير غضب سوف ينفجر سريعًا، وهذا ما حدث وقت حكم الإخوان، بدا وكأن المصرى يفقد سلاح مقاومته للواقع وعجزت كل الضحكات عن أن تجعله يصبر على قسوة ومرارة الواقع الذى كان يعيشه، فخرج ليطيح بهم ويستعيد مصيره، ويستعيد قدرته على الضحك كسلاح لا يسقط من يد المصرى على مر العصور.

عدو الجهل والجهلاء

طه حسين

على مدى 84 عاماً من عمره (1889 – 1973) أمضى طه حسين حياته فى مواجهة الجهل والجهلاء. مر على وفاته أربعون عاما ونحن مازلنا نواجه الجهل والجهلاء الذى عانى منهما طوال حياته، فقد كان الجهل وراء علاج حلاق القرية لعينيه فأصابه بالعمى وهو طفل صغير، وكان الجهلاء وراء اتهام شاعره الأثير أبى العلاء المعرى بالكفر والإلحاد لأفكاره وآرائه، ولذلك لم يكن غريباً أن يحصل طه حسين على أول دكتوراة عن شعر المعرى كما لو أنه أراد الدفاع عنه وإثبات براءته أمام التاريخ، وبهذا كان طه حسين أول باحث يحصل على أول دكتوراة تمنحها الجامعة المصرية 1914.

ولم يسلم طه حسين من هجوم الجهلاء عليه حتى بعد أن غادر الحياة، فقد بادر بعضهم بقطع رأس تمثال طه حسين فى حديقة محافظة المنيا منذ أكثر من عام. وفى نفس العام تم إلغاء تدريس كتابه الشهير «الأيام» بالمدارس.

أستعيد صورة وتاريخ طه حسين فى هذه الأيام التى بتنا نؤمن يقينا بأننا لن نخرج منها إلا فوق أكتاف المتعلمين، ولذلك نحن فى حاجة إلى إعادة دراسة وتدريس طه حسين بالمدارس والجامعات، إذا كنا صادقين فى مواجهة الجهل والجهلاء، لأن استمرارنا فى الجهل بإنتاجه الفكرى والأدبى- وهو الذى أسهم فى تكوين العقل العربى المعاصر.

بدأ طه حسين معركته التنويرية الحادة بكتابه «فى الشعر الجاهلى»، الذى صدر عام 1926 عن دار الكتب المصرية، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التى سبق أن ألقاها على طلابه، والذى أثار حينها عاصفة من النقاش والجدال، وقد تم منع هذا الكتاب تحت ضغوط بعض الفئات الإسلامية المتطرفة وغيرها، لكن هذه الهجمة جعلته يصر على موقفه. وقد توقَّع طه حسين ما حدث من ضجة حول الكتاب، ومن انقسام حوله بين داعم ورافض له مما جعله يكتب فى مقدمته: «هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربى جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورّون عنه ازورارا. ولكنى على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابى فى الجامعة. وليس سرًّا ما يُتحدث به إلى أكثر من مائتين. ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعًا ما أعرف أنى شعرت بمثله فى تلك المواقف المختلفة التى وقفتها من تاريخ الأدب العربى، وهذا الاقتناع القوى هو الذى يحملنى على تقييد هذا البحث ونشره فى هذه الفصول.

وبعد مرور عام من الاحتجاجات التى صاحبت ظهور هذا الكتاب، صدر الكتاب مرة أخرى عام 1927 بعنوان «فى الأدب الجاهلى»، وذلك بعد أن تم حذف بعض الأفكار التى كانت سببًا فى إثارة كل هذا السخط على طه حسين.

أهمية طه حسين تكمن فى أنه حمل الذهنية النقدية، ولم يكن مجرد متلقٍ للمعطيات، بل حاول تفكيكها إلى أجزائها وإلى بنياتها الأولى، والداخلية، والمجازية، ومن ثم إعادة بنائها.

لماذا طه حسين الآن وليس هذا موسم الحديث عنه، فلا هو ذكرى ميلاده ولا ذكرى وفاته؟ أظن أن الإجابة تكمن فى أصل الداء الذى نعيشه وهو أزمة التعليم وانتشار الجهل والجهلاء، ولا مخرج لنا من تلك الحالة إلا بالبدء الجاد نحو حل قاطع لمشكلة التعليم. عندما نصل إلى هذه النقطة يقفز إلى الذهن أشهر عدو للجهل والجهلاء وأحد أكثر الذين يحضر اسمهم عند الحديث عن التعليم. نحن بحاجة إلى نموذج طه حسين.

حقيقة ما حدث في مصر في يناير ويونيو

عبد اللطيف المناوييدور الجدل، ولا أظنه سيتوقف، حول ما شهدته مصر في الخامس والعشرين من يناير منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وما شهدته يوم الثلاثين من يونيو الماضي. لن أخوض كثيراً في هذا الجدل ولكنني سأتوقف عند نقاط أظنها أساسية من وجهة نظري، وسأمر عليها سريعاً خلال بعض المقالات لكشف الحقيقة كما شهدتها.
إن ما شهدته مصر منذ أكثر من ثلاثة أعوام كان تعبيراً عن رفض لحالة من السكون الذي اقترب من الجمود نتيجة الإصرار على عدم التغيير، واعتبار أن التغيير مرادف للفوضى أو يعني الإطاحة بالنظام، وزاد الأمر تعقيداً الإحساس بأن الحالة التي كانت قائمة مرشحة للاستمرار نتيجة ما بدا وقتها من مقدمات فهم منها الناس أن النظام مستمر حتى مع اختفاء الرئيس، وذلك بتولي ابنه الرئاسة من بعده، سواء بترتيب في حياته أو بعدها.
وبغض النظر عن صحة هذا أو عدم صحته فإن الأكيد هو أن الاقتناع العام تبنى هذه الرواية وباتت حقيقية أكثر مما لو أعلن عنها صراحة، هذا الطريق الذي رآه العديد من أهل الوطن مغلقاً ورافضاً للتغيير هو الذي هيأ بشكل أساسي الأجواء لقبول الخروج في أول فرصة للتعبير عن الغضب، وهكذا خرجت مجموعة من الشباب لتقود جموعاً مهيأة للتعبير عن غضبها، وبغض النظر عما إذا كانت مجموعات من الشباب مدربة ومعدة لمثل هذا اليوم أو لا، فإن الحقيقة أن الأجواء كانت مهيأة، خروج معظم من خرج وقتها كان بهدف التعبير عن الغضب والرغبة في التغيير، وكانت حدود المطالب وقتها ذات سقف منخفض، لكن الإدارة البعيدة عن أي ذكاء سياسي هي التي ساهمت في الاندفاع بما حدث ليصل إلى ما وصل إليه.
ولكن ماذا عن «الإخوان»؟ أصبح من المعروف قطعاً الآن أن «الإخوان»، في إطار الانتهازية السياسية، أعلنت عدم مشاركتها في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير، وفي إطار الانتهازية السياسية شاركت في النهاية، عندما اكتشفوا أن التظاهرات كبيرة وعدم إعلانهم المشاركة سيحسب عليهم، رغم اتفاقهم السابق مع أمن الدولة على عدم المشاركة، وهو الاتفاق الذي كان أحد أطرافه أحد قياديي الجماعة المسؤولة عن الاتصال مع أجهزة الأمن، واسمه محمد مرسي العياط، النائب السابق في البرلمان وقتها.
يظل السؤال: لماذا اندفع «الإخوان» في تظاهرات ما بعد الخامس والعشرين؟ والإجابة هنا تعود أيضاً إلى غباء الإدارة السياسية في «الداخلية» وقتها، التي خرجت ببيان منتصف الليل لتلقي فيه باللوم الكامل تقريباً على جماعة «الإخوان»، رغم أن الجميع يعلم ورأى أنها لم تشارك إلا في اللحظات الأخيرة من اليوم، وتحديداً بعد العصر، ولكن يبدو أن قيادة «الداخلية» وقتها اعتقدت أن الوقت مناسب لتوجيه ضربة إلى الجماعة باتهامها بالمسؤولية الكاملة عن أحداث اليوم، وقد قرأت قيادة الجماعة الموقف وأدركت أنها وضعت في موقف المواجهة التامة، وبات الأمر بالنسبة لهم أنها معركة البقاء «يا غالب يا مغلوب» كما يقول المثل، لذلك كان بيان «الداخلية» إعلاناً عن شحذ الهمم لديهم والاستنفار من أجل الدفاع عن البقاء، وهكذا فتحت مصر منذ السادس والعشرين من يناير، ليتسلل إليها كل من استطاع من أعضاء الجماعة وحلفائها في الخارج عبر المطارات وعبر الحدود البرية والبحرية والأنفاق، واستنفرت قيادة التنظيم الدولي، وأعلنت ساعة الصفر لتنفيذ المخطط المعد سلفاً للتنفيذ في الوقت المحدد، ولم يكن معلوماً هذا التوقيت، ولكنه فرض عليهم.
تحركت الجماعة بقدر كبير من الدهاء والانتهازية واستغلال أخطاء النظام وقتها، والأهم استغلال بعض الانتهازيين ممن انتسب إلى الحركات الشبابية، واستغلوا أيضاً براءة الكثير من شباب مصر وأهلها الذين خرجوا تعبيراً عن غضبهم وإعلاناً لرغبتهم في تحريك المياه، والملاحظ أن الجماعة وقتها لم ترفع أي شعار ديني، ولكنها في الوقت نفسه سيطرت تقريباً على الحركة في الميادين المختلفة، كل ذلك كان بدعم وإشراف مباشر من قيادة دولة كانت تدّعي أنها شقيقة، وأيضاً بدعم ومباركة أميركية لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة في المنطقة. جاء يوم الثامن والعشرين لتسيطر الجماعة على الحركة، وتستغل الشباب ومعرفتهم بأساليب مواجهة الأمن كما تدرب بعضهم عليه، وبدأوا تحت هذا الغطاء في تنفيذ مهمتهم في إحراق مصر، مستغلين حالة الغضب التي أعمت كثيرين عن حقيقة ما يقومون به، وانخدع كثيرون بما حدث، والمشكلة أن هؤلاء ظلوا في حالة الانخداع لوقت طويل، بعضهم دون أن يدري، والبعض الآخر كان يدري، أو بات يعلم ولكنه لم يكن يريد إلا أن يستمر في عملية تدمير الدولة، متخطياً بمراحل إسقاط النظام، واستمر الحال في هذا الخداع الاختياري لدى هؤلاء حتى اكتشفوا ماذا فعلت أيديهم، فحاولوا التوبة والرجوع عما ورطوا أنفسهم فيه عندما دعموا «الإخوان» ليس فقط ليسرقوا حركة الجماهير وأحلامها، ولكن ليخطفوا الوطن كله نحو المجهول، ساعتها أفاقوا وانضموا إلى ركب الثورة المصرية الحقيقية من أجل استعادة مصر، ولهذا حديث آخر.

نحو تأسيس التجربة المصرية

1274779031egy2

مصر أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا، هذا أحد التعبيرات المهمة التى كررها الفريق السيسى خلال الفترة الماضية عدة مرات، ذكرها قبل ثورة المصريين فى الثلاثين من يونيو أمام جنوده وضباطه، وأطلقها أمام الشعب عدة مرات بعد نجاح ثورته التى حماها الجيش. قد تبدو الجملة وكأنها جزء من المبالغة اللفظية أو التعبيرات الجمالية فى اللغة أو قدرة تلاعب بالألفاظ ليحظى المتحدث بآهات المستمعين، لكن الحقيقة التى وجدتها منذ اللحظة الأولى وتأكدت لدىّ بعد ذلك بشكل عملى أن التعبير يحمل فى داخله إيمانا كبيرا بصحته وإمكانية حدوثه.

مصر أم الدنيا تعبير نشأنا عليه وعشنا فيه وعاش معنا، هو أيضاً تعبير يستخدمه دائماً محبو مصر من العرب وهم كثر، وأصبح هذا التعبير علامة مميزة لمصر بين أبنائها وبين محبيها. وقد يكون منطلق هذا التعبير عائداً إلى ما تمتلكه مصر من حضارة وعمق فى التاريخ، وكثافة سكانية ووزن ومكانة فى المنطقة والعالم، وهى الصفات التى تعرضت إلى تهديد بواسطة الجماعة التى كانت حاكمة، فهم لم يفهموا مصر وقيمتها فى الحضارة الإنسانية والضمير البشرى، وحاولوا تقزيمها. رفض المصريون الإحساس بإهانة «أم الدنيا» على يد بعض من أبنائها ضلوا الطريق وأهانوا وطنهم.

عادت أم الدنيا لقيمتها ووضعها بأيدى أبنائها الذين رفضوا العيش فى ظل التقزيم. ونأتى الآن إلى الجزء الآخر من التكوين الجديد الذى أطلقه السيسى وأضاف إليه «أد الدنيا»، ويكون السؤال هنا: كيف يمكن لمصر أن تكون «أد الدنيا»؟.

وسوف أبدأ بالحديث السياسى قبل الحديث الاقتصادى. السؤال المطروح الآن هو: أى التجارب يمكن أن تسير فيها مصر، التجربة التركية أم تجربة جنوب أفريقيا؟ يدور جدل سياسى بين المثقفين والسياسيين والمتخصصين حول اختيار أى الطريقين، ويمتلك كل طرف يميل لتجربة أسبابه التى تجعله أكثر ميلا لما يعتقده.

أظن أن الخطوة الأولى نحو تأكيد مفهوم مصر التى ينبغى أن تكون «أد الدنيا»، هى أن نتوقف عن البحث عن أى من التجربتين يصلح لمصر، تركية أو جنوب أفريقية، والاقتناع والعمل على أن تكون لنا تجربتنا المصرية، تلك التجربة التى تمتلك داخلها مقوماتها الخاصة القادرة على النجاح والمرور إلى الأمام بالوطن خارج منطقة النوات السياسية. يمكن بالفعل ترسيخ مفهوم التجربة المصرية التى بدأت بخروج شعبى هادر ثائر فاستجاب جيش الشعب لنداء من يدين له بالولاء، فوقف مع الشعب وحماه وحقق له حلمه باستعادة الوطن. وبادر الجيش بتسليم السلطة ليؤكد أنه فعل ذلك تدعيما لخيار الشعب ورغبته وليس رغبة فى القفز على الحكم. ووضع خارطة طريق واضحة بدأ الالتزام بها منذ الإعلان عنها، وتجاوبت معها الأغلبية العظمى من الناس لإخراجهم من النفق. تكتمل هذه التجربة المصرية بالانتخابات الرئاسية بعد أن أقر الشعب الدستور، ثم الانتخابات البرلمانية بالأسلوب الذى يتوافق مع طبيعة المجتمع والظروف التى نمر بها.

الجانب الآخر من الجهد هو الجانب الاقتصادى، الذى يحتاج إلى مساحة أكبر للنقاش، لكنى أكتفى هنا بالقول إن مصر فى حاجة إلى جهد مزدوج من أهلها وأشقائها، عودة البناء وعجلة الإنتاج هى الأساس، إعادة تفعيل وتطوير البنية التحتية هى هدف مهم، وأظن أن للجيش دورا كبيرا فى هذه المنطقة. أما الأشقاء فيجب أن يعلموا أن مصر قد أنابت عنهم بشعبها وجيشها فى نزع ورم سرطانى كان سيتمدد حتى يصل إليهم، وأقل ما ينبغى عمله هو الوقوف الحقيقى بجانب مصر فى هذه المرحلة، لتأخذ مصر مكانتها التى تؤهلها لكى تكون «أد الدنيا» بأهلها أولاً وأشقائها.

نهاية فكرة الإخوان

p1010061.jpg

يوماً بعد يوم تعلن جماعة الإخوان المسلمين وفاتها، وانعدام قدرتها على الحشد، ولعل أكبر دليل على هذا هو فشل مظاهراتها التى دعت لها فى ذكرى الـ18 يوماً الماضية، بداية من يوم 25 يناير، مروراً بذكرى كل الأحداث التى شهدها ميدان التحرير حتى يوم 11 فبراير ذكرى تنحى مبارك.

كانت الجماعة تُمنى قواعدها بأنها ستعيد «المعزول» أثناء هذه الأيام، وأنها ستشعل ثورة، وأنها.. وأنها، لكن ما تدركه الجماعة وما أدركته قواعدها هو أن شيئاً من هذا لم ولن يحدث، بل الأكيد أن ذلك انعكس على حجم حشدها فى الشارع، لدرجة يمكن أن نقول إن قواعد الجماعة فقدوا الأمل، الكاذب بالضرورة، فتوقفوا عن النزول والتظاهر، بعد أن أدركوا الخدعة، وأدركوا أن الجماعة التى ينتسبون إليها تقامر بهم، من أجل الترويج لنفسها بصورهم فى الخارج.

لكن الجديد هو أن هذا التفكير انتقل إلى قواعد الإخوان أنفسهم، وبدأوا يدركون الخديعة التى تعرضوا لها ويتعرضون لها طوال الوقت من قياداتهم التى تضحى بهم طمعاً فى السلطة، وهو ما جعلهم يتوقفون عن التظاهر، ويحجمون عنه.

لم أكن يوماً من الذين يفضلون استخدام وصف «المحظورة» عند الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين فى السابق، وكنت دائماً أفضل استخدام تعبير غير القانونية أو غير الشرعية قانونيا، وذلك لأننى دائماً كنت أعتقد أن مشكلة الإخوان مع القانون واحترامه، وتقنين أوضاعها هو المدخل الطبيعى لحضور طبيعى ومقنن ومعبر عن حجمها الحقيقى، على أن يكون كل ذلك فى إطار احترام القانون والمجتمع.

فضل الإخوان دائماً عدم اختيار الأسلوب القانونى للتعامل مع هذه المسألة، ولهم فى ذلك أهداف عدة، من أهمها حرية من يعمل خارج حدود القانون فى ألا يتبع قواعد القانون، خاصة إذا ما كان يتمتع بقدر واضح من غض الطرف من الدولة واعتراف بأمر واقع حتى لو كان غير مقنن. الأمر الآخر أن الجماعة فى هذا الوضع غير القانونى تضمن قدرا أكبر من التعاطف لدى الرأى العام، وهذا يخلق شعبية مجانية دون مجهود. أيضاً حرية اللعب خارج القانون والقواعد تعطيهم مساحة كبيرة من عدم التقيد بالقواعد المنظمة والحامية للدولة، ما يعنى حرية حركة كبيرة فى التعاملات المالية والاقتصادية لعدم خضوع الجماعة لأى رقابة قانونية، وهذه ميزة مهمة لجماعة مرتبطة يقينا بجماعات ومصالح خارجية ولها مركز قيادة خارج البلاد هو العقل المدبر للجماعة على مستوى العالم.

تغيرت الأوضاع بعد سقوط نظام مبارك وقفز الإخوان على سدة البلاد وخطفوها وتمكنوا منها، وهنا ثبت لهم صحة موقفهم السابق فى فائدة عدم تقنين الجماعة لأنهم جنوا من ذلك ما توقعوا، وحكموا مصر. ولكن بدأت المناوشات القانونية بعد استنفار جميع المصريين ضدهم، وازدادت المطالبة بتقنين أوضاع الجماعة، وهو الأمر الذى قاوموه بشدة، مدعين وقتها أنه لا أحد يملك وضع حسابات الجماعة تحت الرقابة. ولكن تحت الضغط نمنا بليل وصحونا على قرار حكومى بإقرار إعلان جمعية الإخوان المسلمين وقانونية وجودها.

بعد سقوط نظام الإخوان تم حل الجماعة، وهى المرة الثالثة التى يحدث فيها، واعتبرت تنظيماً إرهابياً، لكن الفارق هذه المرة، والذى سيجعل الجماعة لا تعود مرة أخرى، أن خسارة الإخوان هى الأكبر، فقد بدأ قواعد الإخوان يدركون الخديعة، وهو الأمر الذى لا يجعل الجماعة فقط فى نظر الشعب وقواعدها تنظيماً إرهابياً، بل يقضى على الفكرة التى طالما تاجرت بالدين، وباعته، من أجل مطامعها ومن أجل الوصول إلى السلطة.

التحديات كبيرة.. فمن لها؟

198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_n

الأمر ليس نزهة، والمنصب ليس ترفاً، والمسؤولية لن تكون إلا تحدياً لن يحتمله إلا المؤمن برسالته المضحى لأجلها. أنا أتحدث هنا عن حكم مصر.

مصر تمر اليوم بمرحلة غاية فى الخطورة، نواجه أزمة اقتصادية كبيرة، نحن مجتمع متعطل عن الإنتاج، كشوف حساباتنا بها فقط بند مصروفات، دون دخل حقيقى. صحيح أننا نحظى هذه الفترة بدعم واضح من أشقاء وأصدقاء على رأسهم دول الإمارات والكويت والسعودية، وهذا الوضع يضمن سيولة مالية يمكن أن تحل مشكلاتنا جزئياً ووقتياً، لكن مع توقف الإنتاج فإن الأزمة تتفاقم وتنذر بانفجار كبير يمكن ألا نحتمله. سياسياً، مصر تواجه واقعاً سياسياً ضعيفاً ومرتبكاً، فليست لدينا قوى سياسية متماسكة ولا قوى اجتماعية واضحة الملامح. هذا الوضع الذى هو نتاج لعشرات السنين من خطأ الإدارة السياسية للدولة. القوى السياسية الحاضرة أكبر إمكانياتها صوت عال يثير ضجيجاً ولا ينتج قمحاً. هذه هى الحقيقة التى ينبغى أن نواجه أنفسنا بها، وأن يعترف بها ممارسو العمل السياسى لنبدأ فى البحث عن العلاج الصحيح. هذا الواقع السياسى يفرق ولا يجمع، يمزق ولا يوحد.

أمنياً، تواجه مصر تحديات أمنية لم تتجمع بمثل هذا التركيز والخطورة من قبل، فلدينا جماعة خطفت الدولة لعام وخلعها المصريون فى ثورة حقيقية استعادوا بها وطنهم، لكن هذه الجماعة تحالفت مع كل قوى الشر فى الداخل والخارج، ووضعت الشعب أمام أحد خيارين، فإما أن تحكمه أو تقتله. وفى ظل هذا التوجه، ومع اكتشاف حجم التغلغل الذى نجحوا فيه خلال الفترة الماضية، ومع حقيقة ينبغى أن نعترف بها وهى أن لهم حضورا فى بعض الأوساط، حتى لو كان ضعيفا، إلا أنه أكبر مما توقعنا، مع كل هذا فإن مصر تواجه تحدياً أمنياً خطيراً يرقى إلى مستوى الإرهاب.

نحن اليوم فى مصر نمر بأزمة حقيقية، اقتصاد يمر بأصعب مراحله المتأزمة، حالة مواجهة داخلية مع قوى تدفع لانهيار الدولة وتمزيق المجتمع، لكن وجه الشبه الأكبر هنا هو تلك الحالة النفسية والمزاجية التى مر بها الشعبان، كلاهما امتلك روح المقاومة والتحدى والرغبة فى الانتصار على تجربة وحالة تبدو فيها عناصر الفشل أكبر من عناصر النجاح.

أسماء عديدة مطروحة الآن على الساحة بين راغب فى ترشيح نفسه للرئاسة وآخرين يدفعهم من حولهم من أصحاب أهداف سياسية ليضعوا بهم فى الواجهة، وهناك اسم المشير السيسى الذى يأمل الملايين أن يلبى نداءهم ويتقدم ليحمل المسؤولية، ووقتها أظن أن تلك الحالة من عدم اليقين التى يعيشها معظم المصريين سوف تتراجع. المصريون يبحثون عمن يستطيع أن يقودهم لمواجهة هذه التحديات، يزرع فيهم الإحساس بالقوة والرغبة فى التضحية من أجل المستقبل، يبحثون عن قائد يثقون فيه ويؤمن هو بهم وبقوتهم لعلهم معاً ينجحون فى الانتصار على معادلة الفشل والتقدم إلى المستقبل بأمل جديد.

مصر وقطر.. الفرصة الأخيرة

2013-635082139780656719-65

ليس هناك فى مصر من يريد أن يعادى قطر، ولكن لا يبدو أن الوضع مشابه فى الدوحة. منذ الأيام الأولى التى أعقبت ثورة المصريين فى الثلاثين من يونيو، سمعت من مختلف مستويات المسؤولين فى مصر حديثاً مقبلاً إيجابياً يعبر عن استعداد صادق لتجاوز كل ما قيل وثبت وتردد عن موقف قطر الداعم للإخوان، رغم الإرادة الشعبية. مرت الشهور واستمرت قطر فى مواقفها المناوئة والمعادية للمصريين، ورغم حالة الغضب التى انتابت جميع المستويات فإن الملاحظ أن الرغبة فى تجاوز الواقع وإعادة الأمور إلى طبيعتها بين البلدين ظلت هى السمة الحاكمة لرؤية المسؤولين المصريين حتى أعلى مستوى.

على الجانب الآخر، كانت إشارات قد صدرت من جانب مسؤولين قطريين فى مرحلة مبكرة تعبر عن رغبة فى تجاوز الأزمة، تواصل معى شخصياً أحد الأصدقاء فى منتصف شهر يوليو، وعبر عن رغبة القيادة القطرية فى إعادة الأمور إلى مجاريها، وطلب منى أن أقترح عليهم سبيلاً، فعلت ذلك وقتها، ولم يصدر منهم أى تطور إيجابى.

عدت إلى أوراقى القديمة، وراجعت ما اقترحت على القطريين أن يفعلوه فى الأسبوع الثانى من يوليو، وتمنيت لو فعلوا. من بين ما كتبت وقتها: «يقول البعض فى قطر إنهم يريدون إعادة الأمور إلى مجاريها. لن أشكك فى طرح من يطرحون هذه الرغبة»، واقترحت حلولاً قصيرة المدى ومتوسطة وطويلة المدى. من بين ما ذكرت أنتقى بعض النقاط، كان الهدف من هذه الخطوات هو محاولة نفى أن قطر تتخذ موقفا مناوئا لموقف المصريين، وأنها تحاول أن تعدل من موقفها.

1- عدم التورط فيما يسمى مبادرات لحل ما يسمى الأزمة السياسية فى مصر لعدة أسباب أولها الحساسية الشديدة للمصريين من التدخل فى الشأن الداخلى، ثانيها أن طرح مبادرة بين أطراف يعنى أن الأطراف متساوية فى القوة، وهذا يصطدم بشكل قوى مع مشاعر المصريين.

2- الإعلان الفورى عن مبادرة قطرية لإلغاء الفوائد على القروض والودائع القطرية.

3- مصر تمر بأزمة طاقة وأزمة سيولة، والتدخل لحل هاتين المشكلتين دون انتظار طلب أظن أنه سوف يصب بشكل مباشر وكبير فى صالح العلاقات.

4- الإعلان والتحرك بشكل مكثف عن استمرار المشروعات الاستثمارية القطرية التى بدأت بالفعل أو البدء فى تلك التى سبق الإعلان عنها.

5- القيام بزيارات رفيعة المستوى من مسؤولين قطريين إلى مصر.

6- تكثيف الرسالة الإعلامية القطرية من خلال تواجد إيجابى يتفهم ويتعامل مع التطور الذى شهدته مصر، ويؤكد مفهوم حق الشعب المصرى فى الاختيار وإدارة شؤونه الداخلية.

والحد الأدنى فى هذه المرحلة هو إغلاق (الجزيرة مباشر مصر)، لأنه ليس هناك شبيه بهذه القناة إلا قناة (الحرة عراق)، وهذا مفهوم فى ظل احتلال أمريكى للعراق، ولا يمكن فهمه فى الحالة المصرية. ولا يمكن مقارنة (الجزيرة مباشر مصر) بـ(روتانا مصرية) أو (إم. بى. سى مصرية)، حيث إن هذه القنوات قنوات ترفيهية عامة بها مضمون سياسى محدود، فى حين أن (الجزيرة مباشر مصر) هى أداة فعل سياسى غير محايد». لم تعد مصر فى حاجة إلى دعم قطرى، ولكن كل ما تتوقعه وقف الإيذاء.

راجعت ما كتبت ومازلت أعتقد أن هناك فرصة لتجاوز الوضع الراهن، ولكن لا أظن أنها ستظل هناك طويلًا. أؤكد أن الاستعداد المصرى مازال قائما لتجاوز الماضى، لكن الصبر أوشك على النفاد، وهذا أمر خطير.