جورج الخامس يحاور جورج الخامس

SaadZaghloulPashaInEnglandبقلم   عبداللطيف المناوى

تصادف أن كان جورج الخامس، ملك إنجلترا وإمبراطور الهند خلال فترة ثورة ١٩١٩، ورغم أنه كان يتمتع بشعبية كبيرة فى بلاده فى تلك الفترة، فإن صورة هذا الملك اختلفت تماماً فى الشارع المصرى، فقد اعتبره المصريون فى تلك الفترة رمزاً للهيمنة الاستعمارية، وسبب ذلك أنه فى خلال المفاوضات التى جرت بين سعد زغلول واللورد ملنر فى لندن، فى جلسة يوم ٢٥ أكتوبر عام ١٩٢٠، سأل الزعيم المصرى المفاوض الإنجليزى: «من ذا الذى يعين المفوضين؟».

فأجاب ملنر: «الحكومة المصرية»، فقال سعد زغلول وقتها: «عدلى معين من قبل السلطان، والسلطان معين من قبل الإنجليز، ومعنى أن يفاوض عدلى الإنجليز أن جورج الخامس يفاوض جورج الخامس».

وهكذا وصف سعد زغلول طبيعة المفاوضات التى حاولت الحكومة البريطانية أن تجريها مع مجموعة اختارها السلطان فؤاد، كان على رأسها عدلى باشا يكن، للخروج من الأزمة وتهدئة ثوار ١٩١٩، بالالتفاف على إرادة الشعب والثورة وزعمائه الذين أوكل إليهم مهمة تمثيله.

وهكذا فقد جورج الخامس سمعته بين المصريين، رغم أنه لم يشارك بشكل مباشر أو غير مباشر فى كل هذا الموقف.

اليوم يكرر التاريخ بعضاً من ملامحه على أرض مصر، ويحدث أن تفقد مفاوضات أو حوار غير حقيقى سمعته بين المصريين، بل يبدأ فى فقدانها بين بعض من حلفائه الخارجين بسبب ذلك.

من يتابع ما أطلق عليه زوراً وصف «الحوار الوطنى» سيكتشف أنه خدعة جديدة فى إطار مسلسل الخداع المستمر للمصريين، والذى نجح حتى الآن: خداع الإعلان الدستورى، وخداع حماية المتظاهرين، وخداع دستور كل المصريين وخداع رئيس كل المصريين!!

من ينظر إلى تلك الجلسات التى وصفت بأنها حوار وطنى لن يحتاج مجهوداً كبيراً ليلحظ التالى: أول شىء أنه مرة أخرى يقوم جورج الخامس بمحاورة جورج الخامس، ليس هناك اختلاف كبير بين وجوه الجالسين، وليس هناك اختلاف على الإطلاق تقريباً بين توجهاتهم، كما أن معظم الحاضرين لا يعرفهم معظم المصريين، ويضاف إليهم بعض المنافقين الدائمين فى كل العصور.

أما من يدير الحوار، فقد بدا أنه فى عالم آخر غير ذلك العالم الذى نعيشه. وقد قرر أن يعيش حالة «لا أرى ما يحدث فى الشارع وفى محافظات مصر، لا أسمع ما يقول المصريون، ولا أتكلم إلا بما تريده جماعتى». وهذا السلوك ممن يرعى الحوار هو سلوك أصيل لديه ولدى جماعته منذ اللحظة الأولى التى قرروا فيها أن ينطلقوا إلى الأمام. والأمام من وجهة نظرهم هو مصلحتهم، ورحم الله ميكافيلى الذى لو كان له أحفاد ما كان يتمنى أفضل من هؤلاء الأحفاد.

الخط العام للحوار الذى لم يحضره المصريون هو الحديث من منتصف الطريق الذى لا يراه راعى الحوار، فقد تجاهل كل المطروح على الساحة من مشكلات حقيقية وأزمات تعصف بالاستقرار السياسى وبأمن الوطن، وركز حواره فقط على ضمانات نزاهة الانتخابات، وهو هنا تجاهل كل الاعتراضات وفرض أجندة الحوار كما يراها لا كما يحتاجها الوطن، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قرر أنه يرى أفضل وسيسمع أفضل ولديه معلومات أكثر، وبالتالى فإنه من سوف يتخذ القرار وليذهب جميع الجاهلين بالأسرار وضيقى الأفق وعديمى القدرة على التمييز من كل المصريين إلى الجحيم.

من التعبيرات التى اعتدنا سماعها كثيراً دون أن نستخدمها لبلاغتها، ودون أن ندرى عمقها وبلاغتها هو تعبير «حوار الطرشان»، لكننا اليوم نظن أننا أصبحنا نعلم ونشعر بمعنى هذا التعبير، فقد اختار أن يحكم الطرش الاختيارى قرار أسلوب الحكم، فلم يلتفتوا إلى الشارع ومطالبه، وبالتالى لم نجد أمامنا نحن المواطنون إلا اختيار الطرش حماية لأعصابنا وتجنباً لأمراض ضغط الدم. وإذا كان يقال إن جورج الخامس فقد سمعته دون إرادته، فإن من يتولون الحكم اليوم قد فقدوا سمعتهم بإرادتهم.

عندما لجأ المصريون إلى الهاتف

بقلم عبد اللطيف المناويphoto

بعد مرور عامين على 25 يناير، عاد الحديث مرة أخرى يتجدد حول الاتصالات الهاتفية من مواطنين التي كان يتلقاها التليفزيون المصري مساء ما عرف بجمعة  الغضب.

ولأن البعض لا زال يشكك في حقيقة الاتصالات حتى الآن، أروي هنا الحقيقة كاملة كما حدثت.

مع انسحاب الشرطة، ونزول الجيش، بدأنا نتلقي اتصالات من مواطنين يتحدثون عن وجود بلطجية وعمليات تخريب وهو الأمر الموثق والفيديو عبر جميع القنوات، كنت أشفق في الحقيقة على المذيعين الذين كانوا على الهواء في ذلك الوقت الذين كانوا يقرءون الأخبار، ويتعاملون مع التليفونات التي بدأت تنهال دون توقف، هناك من تحدث من المتصلين من الخارج عن أهمية النزول بأي سلاح سواء كان مرخصا أو غير مرخص، والدعوة للدفاع عن المنازل، والدعوة للدفاع عن الشوارع. وأتى خبر آخر يتحدث عن اقتحام مستشفى سرطان الأطفال 57357، في منطقة زينهم، وأنه كان يتعرض لهجوم من مجموعة من المسلحين بأسلحة نارية وسنج ومطاوي من أجل اقتحامه، وسلبه ونهبه، وكذلك أتت أخبار من منطقة سموحة بالإسكندرية عن البلطجية الذين بدءوا يقتحمونها في تلك الفترة، ووجهنا تحذيرات من خلال متخصصين في الشئون الأمنية؛ لمطالبة المواطنين بالبقاء في منازلهم وعدم الخروج إلى الشوارع.

 كان أول من خرج لكي يدعونا أن نضع أرقام التليفونات الخاصة على الشاشة، هو الإعلامي طارق علام، خرج على الهواء الساعة السابعة مساء وبكى وهو يروي ما يحدث في الشارع وما يراه

تحدث عن أن البلطجية كانوا يرسلون موتوسيكلات للاستطلاع، وإذا ما وجدوا الشارع خاليا؛ فإنهم يعطون الإشارة بالتوجه إليه لاقتحام المنازل ونهب العمارات، وصرخ باكيا بأن مصر تنهار، وأن هناك 60 حالة اغتصاب، وقال احموا مصر، أغيثوا السيدات، أغيثوا النساء، أغيثونا، وطلب من الشباب أن يخرجوا؛ ليدافعوا عن  بيوتهم، وطلب بأن توضع أرقام التليفونات على شاشة التليفزيون، وحاول مذيع الهواء أن يقول له إن هذا دور الجيش في البداية، وإنه خرج للحماية، لكن كان هذا غير ممكن في ظل التطورات الجارية في ذلك التوقيت.

   اتصلتُ بالقوات المسلحة؛ كي أبلغهم بهذا التطور الذي كان حادثا، فتم الاتفاق على إذاعة خبر، مفاده أن الجيش سوف يدعم القوات الموجودة في الشوارع بقوات إضافية؛ وذلك لحماية الأفراد، وحذر المجرمين الذين يتجاوزون بالاعتداء على المواطنين، من سلوكهم، وأنه سوف يتم اتخاذ كافة الإجراءات. لكن هذا لم يوقف تلك الحالة من الانهيار؛ حتى إن البنوك كانت قد تعرضت أيضا للهجوم بالرشاشات، وأتى اتصال من مدير فرع أحد البنوك، بأن هناك من يحاول اقتحامه الآن بالرشاشات، وأن البنك لا يوجد فيه سوى اثنين من موظفي الأمن، ولن يتمكنوا من الوقوف أمام الهجوم الحادث على البنك. وقال جملة مهمة: إنه عندما طلب أحد الموظفين في البنك من الشرطة التدخل للحماية، قالت له: “إحنا كمان بنضرب “، وإن الجيش لم يتدخل لاتخاذ خطوات من أجل وقف ما يحدث.

بعد قليل جاء بيان مسجل تليفزيونيا من القوات المسلحة، وأمدونا برقم طوارئ للقوات المسلحة، وهو 196194، وهو تليفون لم يرد على الإطلاق، وفي ذات التوقيت، أي حوالي الساعة السابعة والنصف، كان هناك خبر عن اقتحام مستشفى قصر العيني، كما تم اقتحام مستشفى قريب منها هو مستشفى أبو الريش للأطفال، في منطقة المنيرة، وتمت عملية الاقتحام من قِبل البلطجية، بحسب اتصال من عميد مستشفى قصر العيني في ذلك الوقت، وأن الموظفين والمرضى، وأولياء أمور الأطفال المرضى، هم الذين يتصدون لهؤلاء البلطجية، وقد أكد عميد قصر العيني أنه لا يوجد تواجد أمني قريبا من المستشفى، وأنه يجب أن تتوجه قوة من الجيش ” حتى تلحقنا “، على حد تعبيره.

  الاتصالات التي تلقيناها لم تكن تخص أفرادا وأسرا فحسب، بل تخص نظاما بأكمله يتهاوى، فمنذ السابعة مساء وحتى الخامسة فجرا، ظللنا على اتصال مع بعض سكان وادي النطرون الذين استوقفوا قطارا به مجموعة من المساجين الهاربين من سجن وادي النطرون الذي تم تحطيمه وهربوا منه، وكنا على اتصال معهم، واتصال في الوقت نفسه مع القوات المسلحة التي تمكنت في وقت متأخر من إرسال إمدادات للقبض على المساجين الهاربين، وتسلمهم من الأهالي، وكذلك مخزن الأمن  المركزي في منطقة الدراسة الذي كان يتعرض للسرقة، وكان يحوي عددا كبيرا من الأسلحة ولم يكن به سوى ضابط وأربعة جنود، وظللنا على اتصال بهم، حتى وصلتهم إمدادات القوات المسلحة.

  باختصار؛ فإن هناك حالة من حالات الرعب كانت تعيشها مصر في هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن تعزيزات الجيش كانت قد وصلت إلى مستشفى قصر العيني بعد أربعين دقيقة، فإن هذا الخبر كان يعطي الأمل للمواطنين، كما ذكر مدير المستشفى بعد ذلك على الهواء، وأتانا خبر بالقبض على عدد من العناصر بينهم عناصر من جماعة الإخوان المسلمين أثناء قيامهم بسلب وترويع المواطنين، وكان مصدر هذا الخبر من جهاز الشئون المعنوية، وكذلك من جهاز المخابرات.

   بينما ازدادت حالة الفزع والهلع التي يعيشها المواطنون، أتت شكوى بأن التليفون الذي تم اعتماده لتقديم الشكوى لا يرد،؛ هنا قررت أن أضع التليفونات الخاصة بمركز أخبار مصر على الشاشة، وقد كان ذلك قرارا فرديا؛ حتى نتلقى الاتصالات على الهواء مباشرة من المواطنين، على أن يتم إبلاغ مركز المعلومات في القوات المسلحة؛ ليمكن توجيه القوات إلى مناطق الاستغاثة. ولقد تزامن مع هذا شائعات تنمي يمينا ويسارا عن أن هناك قطعا للمياه عن كل مناطق القاهرة، وهو الأمر الذي لم يكن صحيحا على الإطلاق. ثمة حقيقة كانت تأتي من خلال عملية الاتصالات، أن الذين يقومون بعمليات السرقة والنهب، كانوا يستخدمون عربات الشرطة والإسعاف في تلك العمليات المنظمة، وقد حذرنا المواطنين في تلك المرحلة من ذلك، ومن ضرورة التأكد من هوية أي شخص يحاول إيقافهم، وعدم الثقة في أن عربات الشرطة أو الإسعاف حقيقية، وإنما هي عربات مسروقة يتم استخدامها في هذه العمليات.

   فجأة تحول المكتب الذي أعمل فيه، والمكتب الملحق به الخاص بالسكرتارية، وغرفة الاجتماعات، إلى غرفة عمليات، الكل بلا استثناء تركوا أعمالهم وتفرغوا لتلقى الاتصالات والاستغاثات، تحول كل منهم إلى بطل في داخله، كانت هذه اللحظات، من اللحظات التي أعتز بها كثيرا في حياتي المهنية والعملية. عندما تحول كل من يعمل إلى جندي في مكانه؛ إلى شخص يقوم بما يمليه عليه ضميره، جلس الجميع، محررون ، مذيعون، مخرجون، حتى الساعي، جلس على أحد المكاتب وأخذ أحد التليفونات لكي يتلقى الاستغاثات، ويدونها ويسلمها وكان ذلك يتم بتجميعها وإرسال صورة منها إلى الاستوديو حتى يتم إذاعتها، وصورة أخرى يتم إرسالها بالفاكس إلى مركز العمليات في القوات المسلحة، وصورة ثالثة يتم إرسالها إلى جهاز المخابرات؛ حتى يمكن إنقاذ هؤلاء المواطنين الذين يتعرضون إلى هذه الأخطار التي تهدد حياتهم. هذا الإحساس لدى كل من شارك فيه، كان به قدر كبير من النبل والرقي والسمو، كان كل منهم يشعر بأنه يفعل أمرا مهما.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

معركة الجيش

images (3) بقلم   عبداللطيف المناوى

أعلم أن قطاعاً كبيراً من المصريين أصابه قدر كبير من الغضب والإحباط من الجيش لارتفاع سقف توقعاته فى مرحلة ما، ولم تتحقق هذه التوقعات لأسباب كثيرة ليس هذا وقتها. وأعلم أن قطاعاً كبيراً من أفراد الجيش أصابه قدر كبير من الغضب والإحباط لما تعرضوا له من تجاوزات وإهانات وتشكيك فى مرحلة من المراحل، ذلك عندما تخلت كل القوى السياسية عن الجيش بإيعاز وخديعة من الجماعة، التى انفردت بها وأقنعتها بأنها القوة الوحيدة المتحالفة معها.

أشهد بأننى علمت وقتها بمحاولات حقيقية وجادة ومبادرات للتواصل من الجيش مع القوى السياسية الشبابية والليبرالية، بل إن مشروعاً لتمكين الشباب سياسياً كان مطروحاً فى مرحلة ما، إلا أن هذه القوى بلعت طعم الجماعة، التى وسعت الهوة بين الجيش وهذه القوى بأساليب متعددة، فاعتبرت هذه القوى أى تعاون مع الجيش خيانة للثورة. وهكذا حرمت هذه القوى نفسها والوطن من التعاون مع المؤسسة الوحيدة القوية الباقية، التى كانت قادرة على ضمان مدنية الدولة بتعاونها مع جميع القوى الفاعلة لتصل مصر إلى أمان الدولة المدنية الوسطية. لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى الأوطان، لتتمكن الجماعة من الانفراد بالجيش، الذى ظل يعانى هجوماً واتهاماً برغبته فى الاستيلاء على السلطة، وأشهد هنا مرة أخرى بأن ما تم الترويج له حول هذه الرغبة غير صحيح على الإطلاق، فلم تكن هناك رغبة أو مخطط للاستمرار فى السلطة، ولكن نجحت الآلة الدعائية لأصحاب المصلحة فى ترسيخ هذه الفكرة، وتوافق ذلك مع رغبات دولية «عظمى» لتنجح الجماعة فى القفز على السلطة واختطافها لتبدأ بعد ذلك الانفراد بها، وتطيح فى طريقها بالجميع حليفاً سابقاً أو منافساً أو من تعتبرهم من الأعداء. وفى الخارج لأسباب خاصة بقصور فهم لأهمية التواصل مع الخارج تركوا الساحة لمن قام بتشويه صورة الجيش، وقد لمست ذلك شخصياً مع العديد من السياسيين والإعلاميين الغربيين.

المهم أن النتيجة الآن كما نراها، وبينما ينطلق قطار «الأخونة» يصل إلى منطقة الجيش، فى محاولة لضم تلك المؤسسة الوطنية تحت جناح الجماعة لتتحول إلى الذراع العسكرية لها، أو بحد أدنى تقزيمها من خلال التغلغل فيها بأصحاب الولاء والسمع والطاعة، ليتسربوا داخلها ويتحكموا أو يحجموا حركتها. وقد بدا هذا التوجه والتحرك من خلال التصريحات العلنية أو ما يتم تسريبه حول هذا الموضوع، وغير بعيد عن الذاكرة تصريحات مرشدهم، التى أساء فيها للقوات المسلحة وقادتها، وادعى وقتها أنها حرفت عن معناها، وأيضاً ليست بعيدة بالونة الاختبار التى انطلقت مؤخراً عن إقالة وزير الدفاع.

يقول أجدادنا لا دخان بدون نار، لذلك كل ما يحدث هو إشارات عن رغبة حقيقية، بل تحرك تجاوز حدود الرغبة، من أجل السيطرة على الجيش. المهم هنا أن إدراك الجيش لهذا التحرك وهذه الرغبة واضح، مما يعرقل تنفيذ المخطط.

لى هنا شهادة أخرى، منذ وقت مبكر كان القرار من القيادة العسكرية ببحث كل السبل واتخاذ جميع الاحتياطات والبحث عن برامج التدريب التى تضمن عدم السماح لأى ولاءات أو انتماءات سياسية بالتواجد فى صفوف القوات المسلحة، وهذا ما ظللت أؤكده خلال الفترة الماضية، عندما كان يطرح التساؤل عن ولاء الجيش، فموقف قيادته كان واضحاً أمامى منذ البداية، ولكن التحدى كان دائماً فى القدرة على مواجهة الضغوط من الجماعة، التى تحمل مفاتيح قصر الرئاسة ويسكن أحد قياداتها منصب القائد الأعلى.

لم يفاجئنى التصريح المنسوب إلى مصدر عسكرى يحمل المعنى السابق، وإن كان صدوره دليلاً على صحة وجدية التوجه الذى تتبناه قيادة القوات المسلحة، ولكن من ناحية أخرى هو إشارة إلى أن الضغوط بدأت منذ فترة، ويبدو أنها تصل حالياً إلى مستويات أعلى، ويبدو هذا عندما يقول المصدر «جميع أبناء القوات المسلحة يرفضون الأخونة أو غيرها، ولن تنجح جماعة الإخوان المسلمين أو أى قوة سياسية أخرى فى اختراق الجيش»، وأن «ضباط الجيش بعيدون تماماً عن الانتماءات السياسية، ولائحة وقوانين المؤسسة تحظر ممارسة السياسة داخل القوات المسلحة، وأن الضباط يخضعون لتحريات سنوية عليهم، ولو ثبت انتماء أى ضابط لأى فصيل سياسى يحال للتحقيق، وقد تصل العقوبة إلى فصله»، وأن تعليمات الكلية الحربية واضحة فى اختيار الطلبة بعدم انتمائهم لأى فصيل سياسى، لافتا النظر إلى أن ولاء الطالب لمصر، وليس لأى فصيل آخر، ولو مارس السياسة داخل الكلية يستبعد.

إذن بات واضحاً أن الجماعة تحاول أن تفرض واقعاً، لكنها اكتشفت مقاومة شرسة ظهرت فى التصريح المنسوب إلى مصادر عسكرية مجهلة عقب شائعة إقالة السيسى، بأن التحرك من الجماعة ضد قيادة الجيش هو انتحار سياسى، وبعدها البيان الذى أشرت إليه. ماذا يعنى هذا؟ وما المطلوب عمله فى هذه المرحلة؟

الإجابة أن الجماعة تدرك تماماً أن القوة الوحيدة القادرة على الحفاظ على قوام الدولة هى المؤسسة العسكرية، وهى أيضاً المؤسسة القادرة على تحجيم ووقف الاندفاع نحو الانفراد بالوطن كغنيمة. هى المؤسسة التى قبلت كل القوى السياسية دعوتها للحوار الوطنى، فى الوقت الذى رفضت فيه الحوار تحت مظلة الرئاسة، وهذا يعد تصحيحاً لرؤية وفهم القوى السياسية لدور وقيمة القوات المسلحة، التى كانت محل تشكك من بعضهم فيما سبق، كذلك فإن ما صرح به الفريق السيسى، وزير الدفاع، محذراً من انهيار الدولة فى ظل التناحر السياسى، قد دلل على حقيقة أن الجيش يراقب بمسؤولية الأوضاع ومدرك للمسؤولية الملقاة على عاتقه، حتى لو بدا حريصاً على عدم الانجرار إلى المشهد السياسى.

هناك معركة حول الجيش وهناك معركة للجيش، بعد أن أدرك معظم المصريين حقيقة المؤسسة العسكرية الوطنية بات مهما تجاوز إحباط الماضى وحالة الغضب المتبادل بين البعض هنا والبعض هناك، وأن يتوحد التصميم على حماية مؤسسة الجيش كمؤسسة وطنية لكل الوطن لا تخضع للاحتكار أو الأخونة، هذا واجب كل المصريين الالتفاف حول الجيش ودعمه. فهو القوة الوحيدة الباقية لإنقاذ الوطن عند وقوع الوقائع التى تدفعنا إليها الإدارة الحالية للبلاد. أما معركة الجيش فهى العمل والضغط من أجل استعادة مدنية ووسطية مصر.

دولة الجماعة.. لا شريك لهم فيها

بقلم   عبداللطيف المناوى

جاوز الحديث عن مشروع «أخونة الدولة» حدود مصر وأصبح أحد الموضوعات التى تثير اهتمام الصحافة فى الغرب، حتى إن أحدهم سخر من الظاهرة قائلاً ما معناه أن مشروع «الإخوانيزيشن»- أى الأخونة- قد حل محل مشروع النهضة المزعوم.

تجاوز الحديث عن هذا التوجه مجرد الانتقاد الذى يواجَعبد اللطيف المناويه بنفى إلى المواجهة والتحدى الذى يلاقَى بمزيج من اللامبالاة والإصرار على الاستمرار مهما كان الثمن، بل إن قيادات الجماعة كانت تستغل المشكلات القومية الكبرى- التى هى فى الواقع كوارث كبرى- لتطيح ببعض القيادات الوسيطة وتحل محلها قيادات إخوانية، حدث هذا أثناء كوارث عمليات قتل المصريين فى سيناء الذين لم نعرف بعد من قتلهم، وحوادث القطارات الكثيرة، وأحداث قتل أبناء بورسعيد. من يراقب هذه الفترات سوف يكتشف أن العديد من القيادات الوسيطة والكبيرة فى جهات مختلفة تم استبدال قيادات من الجماعة بها.

نفس القيادات ومرشدهم يقارنون بين أوباما ومرسى، ويقولون إن مرسى ليس أقل من أوباما الذى دخل البيت الأبيض وعيَّن بعدها أربعين ألف موظف فى مختلف مستويات الإدارة الأمريكية ليتمكن من تنفيذ سياسته، وبالتالى فإن من حق مرسى أن يفعل الشىء ذاته. ويضيف بعضهم سبباً آخر من وجهة نظرهم؛ أنهم يفعلون ذلك من أجل تطهير مؤسسات الدولة من بقايا النظام القديم، وهذا يعنى أن علينا أن نستبشر، فالخير الذى أتوا به لمصر لم يستكمل بعد.

وينخدع البعض ممن وجد له مكاناً داخل الشبكة العنكبوتية للإدارة فى ظل الجماعة بأنهم باتوا جزءاً من نسيج الحكم الجديد، وهم هنا مخطئون، فوجود أى كفاءة داخل منظومة الإدارة العليا للدولة من غير أعضاء الجماعة أو المحسوبين عليها إنما هو وجود وقتى فرضته الظروف المتمثلة فى عدم القدرة على الاستغناء عن كادر معين فى مرحلة معينة أو عدم وجود كادر الجماعة الذى لديه الحد الأدنى من الفهم للملف، ولكن بمجرد أن تنتفى الحاجة أو يوجد من الجماعة من يستطيع أو من تقبل به الجماعة تتم الإطاحة فوراً بمن أمن إلى استمراره فى منظومة الإدارة فى ظل الجماعة وهو ليس منهم.

المسألة هنا مرتبطة بطبيعة التكوين الفكرى والنفسى للقيادة الحالية للجماعة التى يغلب عليها عدم الثقة فيمن هم خارجها ونزعتها الشديدة للاستحواذ والتحكم. بعض التقارير تؤكد أن الجماعة نشرت ما يقرب من خمسة عشر ألفاً من أعضائها فى مختلف الوظائف فى الجهاز الإدارى للدولة، أى مازال هناك خمسة وعشرون ألف وظيفة أخرى ليلحق مرسى بأوباما.. وعلى الرغم من أن تطبيق اللامركزية كان من المطالب الرئيسية عبر المطالبة بانتخاب المحافظين وتغيير القوانين واللوائح الخاصة بالمحليات لإتاحة فرصة أوسع للمواطنين للمشاركة فى إدارة بيئاتهم المحلية، إلا أن الجماعة بمجرد وصولها للحكم سارعت لنشر كوادرها فى المناصب التنفيذية فى المحافظات المختلفة، وفوضت كوادرها ممن تولوا مناصب نائب المحافظ بالإدارة الفعلية لشؤون المحافظات التى عُينوا فيها بقرارات صادرة عن الرئاسة مباشرة.

لم يقتصر وجود الكوادر الإخوانية على مناصب المحافظين ونوابهم، فالتحق ثلاثة عشر منهم بمناصب مستشارى المحافظين، واحتل اثنا عشر عضواً بالجماعة مناصب رؤساء مدن وأحياء موزعة على سوهاج والمنيا وكفرالشيخ والفيوم، بالإضافة لمناصب محلية تتصل بإدارة المستشفيات وقطاعات المياه والصرف الصحى والكهرباء والإعلام والتعليم، وهى فى معظمها تتصل بقرارات المحافظين. وقد شكا السلفيون لـ«مرسى» فى اجتماعهم معه الأسبوع الماضى من هذه الظاهرة، والشكوى هنا تأتى من حليف الأمس الذى خرج خالى الوفاض من هذا التحالف، وأوضحت القيادات السلفية فى الاجتماع أن عملية «الأخونة» شملت استحداث مناصب لمستشارين فى بعض الوزارات والمحافظات، وأبدى الوفد السلفى انزعاجه بشدة، وأمهل الرئيس فترة من الوقت للتدخل، بينما وعد «مرسى» بشكل واضح أنه ستكون له وقفة حاسمة مع «الأخونة»، وأظن أن الجميع بات يعلم الآن أن الموضوع خارج قدراته.

«المصرى اليوم» نشرت تقريراً مهماً حول هذا المل

إيران فى مصر.. حدود المصلحة والمناورة

 860912067gtygjبقلم   عبداللطيف المناوى

أصبحت إيران أحد العناصر الحاضرة فى المعادلة المصرية بشكل ملحوظ منذ سقوط النظام السابق، ثم تأكد هذا الحضور منذ تمكنت الجماعة من الإمساك بتلابيب البلاد، وكان هذا الإمساك إيذاناً أو تحذيراً من أن التجربة الإيرانية قريبة من التكرار فى مصر مرة أخرى، ولكن بأسلوب مصرى، والتشابه، كما ذكرنا بين الحالتين من قبل، يتمثل فى عملية اختطاف التيار الدينى المتأسلم حركة اجتماعية بالأساس، يقفزون عليها ليسيطروا، حدث هذا فى إيران، ويحدث الآن فى مصر مع اختلافات بالطبع.

الحضور الإيرانى لا يتمثل فقط فى ذلك التشابه، ولكنه أيضاً فى تلك الحالة من عدم الفهم التام لآلية العلاقة المصرية الجديدة مع إيران وطبيعتها، الأكيد وجود هذه العناصر التى تبدو متناقضة، ولكن الأيام كفيلة بتفسيرها، وهذه العناصر هى:

العلاقة بين الجماعة والولايات المتحدة هى علاقة تعتمد عليها الجماعة كثيراً فى الإحساس بالثقة والتقدم إلى الإمام، رغم رغبة المواطنين، للإحساس اليقينى لديها حتى الآن بأن الغرب داعم لها فى الحكم فى ظل الاستراتيجية الغربية فى هذه المرحلة. على جانب آخر، العلاقة الإيرانية الغربية حدث عنها ولا حرج، فكلاهما يعتبر الآخر شيطان الأرض، التناقض هنا هو كيف يضبط من يرسم سياسة مصرية خارجية هذا التناقض؟ أم أن ما يحدث يقع فى إطار التنسيق والتكليف بأدوار بعينها؟!

– التناقض بين البلدين – كما يبدو على السطح – فى الموقف من سوريا، ولكن فيما يبدو فإن هناك اتفاقاً على حدود هذا الخلاف.

– العلاقة المصرية – الإيرانية تبدو فى أحسن مستوياتها، رغم اللعب على مشاعر البسطاء من المسلمين السنة بالترويج لما تضمنته خطبة الرئيس المصرى عدة مرات إلى آل البيت فى حضور إيرانى أو فى زيارته إلى إيران، وهذا الترويج لمثل هذه المواقف الشكلية لا أراه من الحكمة، لأنه يعمق دون أن يدرى المروجون له الخلاف بين المسلمين سنة وشيعة.

– أحد العناصر المهمة هو أن العلاقة المصرية – الخليجية فى هذه المرحلة غاية فى الأهمية، خاصة فى ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة، ولكن فى ذات الوقت فإن التوتر الحادث فى هذه العلاقات لم يحدث من قبل، وهنا خرج البعض ليفترض أو ليقنع السياسيين المصريين بأن استخدام ورقة العلاقات مع إيران يمكن أن يكون ورقة ضغط مهمة على الدول الخليجية. وهذا إن صدق فإنه يعد لعباً بالنار.

– من يتابع الحضور الإيرانى فى مصر مؤخراً سوف يلاحظ حجم التزايد الواضح، يمكن فقط الإشارة إلى حجم الزيارات المتبادلة بين وفود من البلدين، الأهم هو رصد طبيعة الوفود المدعوة من المصريين وحجمها وطبيعة اللقاءات التى تتم، أيضاً هناك حاجة إلى قياس الحضور الإيرانى فى الإعلام المصرى حالياً. أيضاً الإشارة هنا إلى رغبة إيران فى التوسع فى حضورها الإعلامى من خلال وكالة أنبائها الرسمية، مستهدفين أن تكون منافساً لوكالة الأنباء التركية، كذلك التوسع الملحوظ فى مكاتبها ومراسليها. وإذا كانت هناك انتخابات برلمانية قادمة فما هو حجم التأثير الإيرانى على تلك العملية؟ وهنا يظهر تساؤل آخر عن مدى علم أو السماح أو غض الطرف أو التنسيق مع السلطة الحاكمة والقوى السياسية التى تشغل كامل حيز العمل السياسى فى مصر؟

على الرغم مما يبدو من عدم فهم لما يحدث فى هذه العلاقة فإن الأكيد أن تأثيراً واضحاً لإيران فى الشأن المصرى فى ظل الحكم الجديد، وليس أدل على ذلك من تلك الرسالة التى نشرتها بفخر وكالة الأنباء الإيرانية، والموجهة ممن وصفوا بأنهم نخبة إيرانية تقترح على مرسى نقل تجربتها فى أسلمة الدولة، ١٧ من النخب الإيرانية الموالية للحكم، بينهم وزير الخارجية الإيرانى الأسبق، ومستشار المرشد الإيرانى الأعلى فى الشؤون الدولية الدكتور على أكبر ولايتى، والرئيس الأسبق للبرلمان، تجدر الإشارة هنا إلى أن «الولى الفقيه»، أو المرشد الأعلى للنظام، يحتل رأس هرم السلطة فى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويتمتع بصلاحيات دستورية مطلقة من قبيل القيادة العامة للقوات المسلحة وتنصيب وعزل أعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام، والفقهاء فى مجلس صيانة الدستور، ورئيس السلطة القضائية ورئيس هيئة الإذاعة والتليفزيون وقائد الحرس الثورى، بالإضافة إلى توشيح حكم رئيس الجمهورية بعد انتخابه وإقالته بعد إصدار حكم العزل من قبل المحكمة العليا.

كما جرت العادة فى الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأن أى رئيس جمهورية إيرانى لا يعين أو يعزل أى وزير سيادى من قبيل وزراء الخارجية والداخلية والأمن والنفط إلا بعد موافقة المرشد الأعلى، أى الولى الفقيه.

كنت دائماً من الداعين لأهمية وجود علاقة صحية وقنوات اتصال دائمة مع إيران، ولكن المهم دائماً هو إدراك ما نفعل، وأن يكون الهدف الأساسى هو صالح الوطن وليس صالح جماعة أو مشروعاً يتخطى حدود الوطن.

قصة حياة حلم وتاريخ ومهنة

شهادات للتاريخ

تحتفل “المجلة” في شهر فبراير الجاري بالذكرى 33 لصدورها. ثلث قرن كامل مرّ عندما قرر الناشران هشام ومحمد علي حافظ إصدار ثامن الصحف والمطبوعات التابعة للشركة السعودية للأبحاث والتسويق. “المجلة” كانت ومازالت واحدة من أشهر المجلات العربية منذ صدور عددها الأول في 16 فبراير 1980 حيث تعاقب على رئاستها نخبة من أبرز الإعلاميين السعوديين والعرب كما كانت أيضا محطة مهمة في المسيرة الصحافية لكتاب عرب أصبحوا من رموز الإعلام العربي. في الذكرى 33.. نقدم سادس شهادة يكتبها أحد الذين ساهموا في المسيرة وكان لهم بصمة في تاريخ “المجلة”.. الكاتب والإعلامي عبد اللطيف المناوي.المناوي-ADD-620x350

قصة حياة حلم وتاريخ ومهنة عبد اللطيف المناوي اكتشفت فجأة أنني قضيت في هذه المهنة اكثر من ثلاثين عاما، سبب المفاجأة لأن شعوري الآن وكأنني بدأت للتو عملي الصحفي، وأنه مازال علي أن أثبت نفسي وجدارتي بأن أحمل لقب صحفي -أو صحافي- كما يقول إخوتنا أهل الشام.

تاريخي المهني -ان جازت عليه صفة التاريخ- بدأ بحلم العمل في “المجلة”، كنت في الجامعة وقت أن صدر العدد الأول لها، أناقاتها وعمقها وتفردها بين المجلات العربية التي كانت موجودة في تلك الأيام خلق رباطا بيني وبين هذه المجلة منذ صدورها، أذكر أنني من بين الذين اشتروا عددها الأول رغم تأثير ذلك على ميزانية الشهر وقتها، وجدت فيها منذ اللحظة الأولى المكان الذي من خلاله يتحقق حلمي في أن أمارس المهنة التي اخترتها رغم تحفظ والدي -رحمهما الله- الذي كان حلمهما أن أكون طبيبا، لكنهما احترما اختياري رغم ما جره وقتها عليهما من قلق ظل ملازما لهما حتى توفاهما الله. عندما سألني المحاضر في احدى قاعات الدرس ان كنت أريد أن أعمل في”المجلة” بعد أن أنهي دراستي لم أصدق السؤال ولكن انطلقت الاجابة بالتأكيد.

مر أكثر من عام بقليل وكنت قد انتهيت للتو من امتحانات البكالوريوس حتى علمت أن المحاضر الذي سألني من قبل يريد أن يراني لأعمل معه في المجلة التي كان مديرا لمكتبها في القاهرة في ذلك الوقت، كان ذلك أكبر من أن أصدقه وقتها، ولكني وجدت نفسي منتسبا لمكان حلمي بالعمل قبل أن تظهر نتيجة الامتحانات.

في مرحلة تالية كان علي الاختيار بين أن أستمر في العمل في “المجلة” أو أن أعمل في إحدى المؤسسات الصحفية القومية، وكان اختياري الاستمرار للعمل في المكان الذي لم يضع لي حدودا في عملي الصحفي رغم كوني في بداية الطريق، هذا شجعني حتى أنني كنت أحاول أن أجد وسيلة لاستمر في العمل وقت خدمتي في الجيش بطريقة أو بأخرى، وهو أيضاً المكان الذي لم يقصر علي مجالا ضيقا، فقد تمكنت في الأشهر الأولى أن أجري أول لقاء صحفي على الاطلاق مع السيدة جيهان السادات بعد وفاة زوجها، وكان ذلك في استراحتها بالمعمورة بمدينة الاسكندرية، وفي هذا اللقاء كانت بداية اعادة النظر من جانبي في تقييم أنور السادات الدور والشخص الذي كنت اعتبر نفسي من أكثر معارضيه، الا أن الحب الذي حملته هذه السيدة له دفعني لإعادة قراءة مواقفه، فلا يمكن لشخص قادر أن يدفع انسانا لأن يحبه آخر بهذا القدر الا اذا كان لديه جوانب جديرة بهذا الحب، وكان هذا هو الدرس العملي الأول، لا مجال للأحكام المطلقة، كل الامور في الدنيا لها على الاقل وجهان.

لم أغضب لعدم وضع اسمي على حوار جيهان السادات، فرحتي بنشره كانت أكبر من أن أغضب من الشخص الذي عرض علي تنفيذ وعده منذ أكثر من عام في تحقيق حلمي بالعمل في “المجلة” وكان هذا هو الدرس الثاني، لا يمكن إدراك كل ما نريد من الدنيا. سريعا أصبحت مديرا لمكتب “المجلة” بالقاهرة، وكان من اسباب غروري المهني وقتها أن يصلني الخبر بمصادرة عدد “المجلة” من الرقابة على المطبوعات في مصر بسبب موضوع لي، ووصل الأمر الى حد مصادرة تسعة أعداد متتالية بسبب موضوعات لي.

ليس هذا وحسب بل كان من بين ما أتاحته لي “المجلة” أن أكون شاهدا على انتفاضة السودان عام 1985 وأن أكون أيضا شاهدا عام 1989على انقلاب الاسلاميين الذين لم نعرف أنهم اسلاميون الا بعد فترة طويلة. كما أن “المجلة” هي الجزء الأقرب الى نفسي من تاريخي المهني، فان الجزء الأهم من تاريخ “المجلة” ككيان صحفي هي الفترة التي تولى رئاسة تحريرها الصديق العزيز عبد الرحمن الراشد الذي استطاع بالفعل أن يجعل من هذه المطبوعة نموذجا صحفيا راقيا لا يقل عن مثيله من المطبوعات في أي من أنحاء العالم، استطاع عبد الرحمن أن يخلق أجواء جعلت كل من يعمل يشعر بالانتماء الشديد للمكان والمهنة والشخص، هذه الحالة صعبت كثيرا على أي كان سيأتي بعده.

خلال الفترة التي عملت فيها في لندن وقت رئاسة الراشد كانت من أكثر الفترات غنى في حياتي، ولن تكفي المساحة المتاحة لذكرها، ولكن من أكثرها اقترابا الى نفسي تلك الرحلة التي قمت بها الى البوسنة وقت الحرب هناك، أو اللقاء الأول في العالم مع متهمي “لوكربي” في طرابلس وقتها الأمين فحيمة وعبد الباسط المقرحي رحمه الله، وغيره الكثير من الموضوعات، ولكن أكثر ما أعتقد أنه كان اضافة حقيقية باب “قضايا وردود” الذي تصدر صفحات المجلة، واخترت له شعارا ما قاله الامام الشافعي “رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ومن أتى بأفضل منه قبلناه”.

ومن خلال هذا الباب طرقنا قضايا وموضوعات لم يكن يصدق انسان وقتها أن تعالج بهذه الصراحة في الصحافة العربية، وكان السر البسيط هو اتاحة المجال للرأي والرأي الآخر بحق، وأظن أن “المجلة” كانت رائدة في هذا المجال في وقت مبكر. لذلك لو لم نفعل في “المجلة” في تلك الفترة سوى هذه الاضافة لكفتنا. منذ عدة أيام زرت مكاتب المجلة في الدور الرابع من دار الصحافة العربية في لندن، والذي يشغله الآن الزملاء في “الشرق الأوسط” ورغم مرور السنين انتابني ذلك الشعور بالحنين للمكان والأشخاص الذين كانوا فيه والذين أظنهم يشاركونني الآن سعادتي بعودتها كنسخة ورقية.

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في مؤلفات

السماح بإسقاط الدولة

عبد اللطيف المناوى

 بقلم   عبداللطيف المناوى

منذ اللحظات الأولى وحتى سقوط النظام كنت وآخرون نحذر دائماً من الفارق بين إسقاط نظام وإسقاط دولة بدعائمها. مر أكثر من عامين بقليل تعرضت فيهما دعائم الدولة لمحاولات مستمرة من القضاء عليها، أو بحد أدنى تقزيمها، وشارك فى هذه المحاولات العديد من القوى السياسية والشبابية دون أن تدرى بعد أنها تعرضت لخداع من القوى السياسية ذات أهداف محددة، فأصيبت بحالة من عدم القدرة على تحديد الفارق بين سقوط نظام وانهيار دولة.

كانت المحاولات فى الفترة الماضية فى الدفع بالدعائم الرئيسية للدولة «الأمن والاقتصاد وعلاقات القوى السياسية والقضاء والجيش» ولهجمات منظمة لهدم هذه الدعائم نجحت هذه المحاولات نسبياً فى التأثير على بعض هذه الدعائم إلى درجة كبيرة نجحت بعض المؤسسات فى أن تنجو بنفسها من هذه المحاولات، والأكيد أننا حتى الآن ندفع ثمناً لما شهدته مصر خلال هذين العامين.

الغريب أن نستمر فى مواجهة ذات المخاطر بعد أن بدا لنا «وهماً» أننا وصلنا إلى مرحلة استقرار، ولكن كما ذكرت هو استقرار يبدو وهمياً لأن القوى السياسية الأساسية الحاكمة، كما سبق أن ذكرت مراراً، قررت أن تكون محتكرة للساحة لا شريكاً لها، وهى لا تختلف فى هذا عن القوى السياسية الحاكمة فى نهاية ٢٠١٠، وهكذا تدفع البلاد دفعاً إلى أحد خيارين: إما التسليم لها بما ترغب أو الصدام بين أبناء الوطن، وأيضا ليس مفهوماً أن تستمر جماعات منتمية للقوى الحاكمة فى عملية الدفع لهدم دعائم الدولة، ليس مفهوماً الدفع إلى صدام بين الشرطة وقطاعات من المواطنين، ليس مفهوماً أن المطلوب إحدى نتيجتين: إما قهر الشرطة أو قهر المواطنين. ليس مفهوماً تلك اللامبالاة للوضع الاقتصادى والأزمة التى نعيشها والتعامل، وكأن ليس بالإمكان أكثر مما كان، وأن الإنجاز الأكبر هو المزيد من القروض، وأن الفعل الاقتصادى الأهم هو بيع بنك أو مؤسسة اقتصادية لقطر أو فتح اعتماد لاستيراد بضائع جديدة من تركيا!!

أيضا ذلك الدفع لانهيار أو بحد أدنى هز الثقة واليقين بمؤسسة القضاء وخلق حالة من الانقسام داخلها والحديث فيها عن جبهات وأحزاب وتحويل مصر إلى ساحة من المبلغين والمبلغ عنهم، وشغل ساحات المحاكم بما ينفع وبما لا ينفع، وخلق تلك الحالة من أجواء الصراع الذى لا ينتهى إلا بسقوط أحد الطرفين، أو بمعنى آخر شق صف المجتمع والدفع بمؤسسة القضاء إلى الانهيار. يضاف إلى ذلك تلك المحاولات والتلميحات والتصريحات النافذة داخل مجموعة الحكم نحو القوات المسلحة، بما يحمل معنى الرغبة فى تقزيمها أو تحجيم دورها، وهو الأمر الذى أتوقع أن يجد مقاومة من كل الأطراف الحريصة على سلامة الوطن.

كان مفهوماً فى ظل حالة الارتباك أن تتعرض الدولة لمخاطر، ولكن ليس مفهوماً ولا مقبولاً أن تستمر هذه الحالة فى ظل قوى سياسية حاكمة كان المتوقع منها العمل على حماية دعائم الدولة وليس المشاركة أو السماح بهدم هذه الدعائم!!

احذروا أن تضيعوا لمصر قدرها وقيمتها

عبد اللطيف المناوي222
من أكثر الأنباء إزعاجا -وهي كثيرة هذه الأيام- ذلك الخبر الذي تسرب ويفيد أن حكام مصر الجدد قد اتفقوا مع حكام ليبيا الجدد على تسليم عدد من الليبيين المقيمين في مصر -نحو 1800 ليبي ممن عملوا مع الرئيس الراحل معمر القذافي- وعلى رأسهم أحمد قذف الدم الذي كان منسقا للعلاقات المصرية الليبية ولعب دورا مهما في تقوية العلاقة بين البلدين على المستويين الرسمي والشعبي في الفترة السابقة واحد الذين شاركوا في حرب أكتوبر1973 ضمن القوات الليبية. والمقيم فيمصر بعد انطلاق الاحداث هناك بناء على دعوة من وزير الخارجية وقتها أحمد أبو الغيط.
هذه الصفقة المشبوهة نظير ثلاثة مليارات دولار وفرص عمل في ليبيا، وكشف أحد المراكز البحثية في واشنطن عن وجود صفقة بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبين السلطات الليبية تسلم مصر بموجبها رجال القذافي مقابل الحصول علي استثمارات نفطية بالمحافظات الشرقية في ليبيا. أميل لتصديق هذا الخبر الآن لأن له أساس فقد علمت منذ حوالي أربعة أشهر عن مفاوضات تمت بهذا المعنى، وبدأ”المزاد” وقتها بخمسمائة مليون دولار. لم أصدق وقتها هذه المعلومات، فلم أظن يوما أن تصل درجة الجهل بقيمة مصر والاستهانة بها ممن تصادف وأن جلس في مواقع قيادتها هذا المستوى، ولكن تأتي الأنباء الاخيرة لتؤكد هذا التخوف، بالفعل يجهلون ويصغرون حجم مصر ان هم نفذوا تلك الصفقة.
قيمة الدول تقاس بمدى تمسكها بقيمها، وجزء من قيمة مصر هو كونها تاريخيا ملجأ لكل من طلب الأمان، و قد تكون أولى رحلات اللجوء السياسي تاريخياً هي نزوح السيد المسيح والسيدة مريم العذراء إلى مصر هروبا من الرومان.
لقد عرفت مصر الفرعونية نظام اللجوء فى المعابد والقصور والمقابر الملكية باعتبار الملوك آلهة أو أبناء ألا لهه والهرب من الجماعة واللوذ باله الملجأ، ثم تحول الأساس الدينى للجوء إلى أسس مجتمعية، وأصبح الدفاع عنه دفاع عن شرف الجماعة. ثم نقل العرب المسلمون إلى مصر تقاليد عرب الجزيرة وأحكام الإسلام القاضية باحترام الملجأ وحماية اللاجئين، وتركت أثرها فيما يظنه المصريون اليوم من حرمة لاماكن العبادة وقبور الصالحين، وما يفخرون به مما خص الله بهمصر ليدخلها كل مضطر مكروب سالما أمنا ـ ادخلوها بسلام آمنين ـ وهى معادلة دقيقة ركناها السلام لمصر من الأذى مقابل الأمان للقادم اليها، فان هو حفظها حفظته وان أعطاها السلام بادلته الأمن والطمأنينة أما العرب المشهور عنهم الكرم ونجدة الملهوف وإيواء المستغيث واحترام الكلمة، والعدوان عندهم على اللاجئ يعد عدوانا على قبيلة الملجئ كلها وعلى شرفها وكان للكعبة حرمتها منذ بنيت ثم أضاف الإسلام أليها قدسية خاصة ليأمن فيها الفارون والمذنبون والتائبون حيث جعلها الرسول الكريم يوم فتح مكة ملاذا لمن أراد الأمان من كفار قريش (من دخل الكعبة فهو أمن) أما الشريعة الإسلامية فقد أقرت الأمان حتى للمشرك فيصبح اللاجئ مستأمنا بمقتضاه، هذه هي الأصول التي على أساسها نشأ مفهوم اللجوء في البناء القيمي المصري.
الدستور المصرى الأول الصادر دستور 23 حظر تسليم اللاجئيين السياسيين وصار بعد ذلك تقليدا فى جميع الدساتير المصرية. وكان أول لاجئ إلى مصر في القرن العشرين بعض أفراد عائلة قيصر روسيا، والذي هرب من روسيا بعد الثورة البلشيفية، وطلب اللجوء السياسي لمصر في عهد السلطان حسين عام 1917. وفتحت مصر أبوابها أمام كل الجميع، منهم من عاد الى بلاده ليتولوا مقاليد الحكم فيها مثل رئيس العراق الأسبق، صدام حسين، وشكري القوتلي الذي لجأ إلىمصر 1950، وعاد إلى سوريا 1954 كرئيس. وكذلك الحبيب بورقيبة، الذي عاش في مصر فترة طويلة، قاد خلالها الكفاح ضد الاستعمار. وكذلك من خرجوا من السلطة لجأوا الى مصر مثل الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري وشاه ايران وعبدالله السلال رئيس اليمن الأسبق، وكذلك إدريس السنوسي ملك ليبيا السابق.
النيابة العامة في مصر قد أعلنت تشكيل لجنة مشتركة من الجانبين المصري والليبي تحت إشراف مباشر من النائبين العامين المصري والليبي تتولي ” تذليل جميع العقبات القانونية ” بشأن عملية التسليم، والغريب هنا أن النائب العام الذي يحمي القانون والعدالة يبحث عن السبل التي يذلل العقبات لتسليم من لجأوا الى مصر!!
 لن أتحدث هنا عن الاتفاقيات الدولية التي تحظر تسليم اللاجئيين في حالة وجود خطورة عليهم وامكانية تعرض حياتهم للخطر وبالتالي فان تسليم مصر للاجئين يعد جريمة دولية، ولكن يكفي أن أتحدث عن الجانب اللا أخلاقي في حال حدوث ذلك والإساءة الى قيمة مصر وقدرها الذي كسبته في تاريخ الانسانية والذي يتعرض للضياع على أيدي من لا يدرك ويفهم هذه القيمة من أجل هدف جماعة وحفنة دولارات.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

انطلاق الدعوة لقتل «أعداء الوطن» من المعارضين

 اغتيال بلعيدبقلم   عبداللطيف المناوى

شهدت تونس أول عملية اغتيال سياسى، بعد الإطاحة بالنظام السابق وصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم فيها، وذلك عندما تعرض أبرز المعارضين لحكم «حركة النهضة» شكرى بلعيد لإطلاق الرصاص عليه أثناء خروجه من منزله صباح الأربعاء الماضى.

قبلها بساعات كان يحذر من تحالف الحكام الجدد فى تونس من الإسلاميين مع تيارات سلفية لتشكيل ما سمى «رابطات حماية الثورة» تكون مهمتها استهداف الشخصيات المعارضة فى البلاد، فكان هو أول المستهدفين من أولئك الذين حذر منهم.

رد الفعل لدى بعض الإسلاميين لدينا على اغتيال «بلعيد» كان وصفه «بالملحد اليسارى» وأنه «رجل هالك عامله الله بما يستحق». وهذا الموقف لا يختلف عن مواقف أطراف مختلفة على الساحة المصرية حالياً، تجد فى انتهاج هذا السلوك المتمثل فى الاغتيالات تطبيقاً شرعياً «جهادياً»، بما يعنى أن القبول به وباحتمالات وقوعه سوف يجد تربة مهيأة لدى بعض من أصابتهم لوثة إفساد الحياة تحت مسمى «الجهاد».

الغريب فى الأمر أن رد الفعل الرسمى على هذه التوجهات كان رفضاً خجولًا كما توقعنا منذ أشهر بأن هذا هو السلوك المتوقع من الجماعة الحاكمة مع حلفائها وأهلهم وعشيرتهم من الجماعات الأخرى، فلا يجب أن نتوقع رد فعل أكثر من ذلك المستوى الذى لا ينافسه فى خجله وحيائه إلا خجل العذارى!! حتى لو كان هذا الفعل سوف يؤدى إلى حمامات دم.

عندما صدرت الفتوى التى أصدرها من وصف بأنه «داعية سلفى»- والصادم أيضا أنه أستاذ بجامعة الأزهر- هذه الفتوى أباح فيها دماء قادة جبهة الإنقاذ الوطنى، كان المتوقع أن يصدر رد فعل يتناسب مع خطورة الطرح، فهى مقدمات للدعوة إلى بدء عملية اغتيالات سياسية وجريان نهر دم جديد غير الذى بدأ، ولم يتوقف بعد فى المظاهرات المستمرة، ولكن كما ذكرت لا يملك الحكام الجدد القدرة على إغضاب حلفائهم حتى لو مارسوا سلوكاً بالتأكيد سيؤدى إلى حرق الوطن، لذلك لم يكن مفاجئاً بعد رد الفعل المتهاون أن يُتحفنا هؤلاء بفتوى دموية أخرى أصدرها من حمل وصف مفتى تنظيم الجهاد، يؤكد فيها أن حد «الحرابة» واجب شرعى ينبغى تطبيقه على قيادات الجبهة المعارضة للرئيس، لأن الشريعة كما يفهمونها، وكما يفتون بها أباحت إهدار دم من يخرج على الحاكم. وحد «الحرابة» لمن لا يعلم يكون بالقتل والصلب أو القتل أو قطع الأيدى والأرجل من خلاف أو النفى. وقال «المفتى» الجهادى فى حواره الخطير مع الزميلة غادة شريف المنشور منذ يومين فى «المصرى اليوم»: «إن الجبهة تستحق حد الحرابة، لأن هناك تعاظماً شديداً لها(…) وأنهم يحرضون الشباب والناس ضد الرئيس والأمة، وهؤلاء لابد أن يحال بينهم وبين ما يرتكبون من جرائم عنف وتحريض». ويضيف تعبيراً خطيراً آخر بوصفه أن المقصود بالفتوى هم «أعداء الوطن» من المعارضين. ولم يستبعد أن يتحمس بعض الشباب فيقوموا بارتكاب اغتيالات، وأنهم كتنظيمات جهادية لو وجدوا تقصيرا من الأمن «فلا مناص من المواجهة والجهاد».

ولا أملك هنا إلا أن أصرخ نيابة عنك عزيزى القارئ وعنا جميعاً: أين الدولة؟ أين القانون؟ وأين النظام الحاكم؟ ولكننى سأدرك فوراً أنه لا جدوى من الصراخ إذا لم يتوقف هذا العبث فوراً، فإن من يتحمل مسؤوليته الأولى هو النظام الحاكم، وعلى الجميع أن يدرك أنه لو بدأ مسلسل الاغتيالات- لا قدر الله- فإن الثمن كبير، ولن يكون أحد بمأمن حتى لو ارتفعت الأسوار فى المقطم والاتحادية إلى عنان السماء، وليس ثلاثة أمتار.

اللعب بالنار يصيب أول ما يصيب من يلعب بها. ومرة أخرى المسؤول الأول هو النظام المتراخى والمتجاهل أصوات الناس الحقيقيين.

كان آخر ما قاله «بلعيد» قبل اغتياله بساعات إن «منبع العنف ومصدره بات جلياً».

الجمل غير المكتملة والفعل الناقص

IMG_0132بقلم   عبداللطيف المناوى

«أى نجاح مرتبط بأن يستكمل الفعل، وأى نجاح جزئى هو فشل جزئى، وفى بعض الأحيان فشل كلى. وأى جملة غير مكتملة هى جملة مشوهة، مهما بلغ مستواها البلاغى تظل عاجزة عن الوصول إلى المعنى المكتمل، تظل مثلها مثل النوايا الحسنة غير المرتبطة بفعل، تؤدى فى بعض الأحيان إلى جهنم أو إلى الفشل. نحن فى حياتنا الخاصة والعامة نحترف عدم إكمال الجملة، عدم إتمام الفعل. نبدع فى بدايتنا، انطلاقاتنا، لكن لا نملك القدرة أو الرغبة فى الاستمرار بنفس قوة الاندفاع الأولى، يحدث هذا- كما ذكرت- فى حياتنا العامة، لذلك تظل النتائج دوما مرتبطة بعناصر خارج إرادتنا، ذلك لأننا أطلقنا الفعل، ولم نرغب أن نستمر فيه بقوة البدء ذاتها، بدأنا جملتنا ولم نستكملها».

تلح علىّ فكرة الجمل غير المكتملة منذ فترة، وزاد الإلحاح خلال متابعتى حركة الشارع والمعارضة خلال الأشهر الأخيرة، وهذا أعادنى لأقرأ ما كنت قد كتبت منذ ما يقرب من عشر سنوات حول الموضوع ذاته عندما كنت منشغلا أيضا بهذه العادة التى تلازمنى منذ زمن، حتى إننى اخترت عنوانا لأحد كتبى «الجمل غير المكتملة»، ومنه الجزء الذى بدأت به مقال اليوم. عدم إكمال الفعل لازمنا منذ سقط النظام السابق، فقد سقط وبقيت عاداتنا التى لم تتغير فسقطنا نحن «غنيمة» سهلة فى أيدى القوة الوحيدة التى كانت منظمة إلى حد ما، وكان هدفها واضحا بلا ضبابية، الحكم والسيطرة كانا هما الهدف،

ومارسوا كل الحيل والتحالفات البريئة وغيرها مع جميع القوى، واستغلوا العادة المتأصلة فينا: عادة النفس القصير وعدم استكمال الفعل، وسهولة التشويش على الهدف. وقد مارسوا هذا منذ اللحظة الأولى مع المجلس العسكرى السابق الذى عجز عن استكمال الفعل، رغم النوايا الحسنة والصادقة التى كانت تملأ معظمهم، لكن العجز عن استكمال الفعل، أو لنقل الخوف- أو التخويف- من استكمال الفعل، أدى بنا فى النهاية إلى ما نحن فيه.

أيضا لم تقصر القوى الشبابية فى ممارسة الرذيلة نفسها، الفعل الناقص، دفعت الأمور خطأ عكس الاتجاه، الذى كان ينبغى أن تدفع فيه، دفعتها الجماعة المنظمة لأن تعمل لحسابها دون أن تدرى، دفعتهم لهدم أو خلخلة قوائم الدولة متجاوزة هدف إسقاط النظام إلى مرحلة إسقاط الدولة ذاتها، وكان سلاحها فى ذلك هو تلك القوى الشبابية التى استسلمت هى الأخرى لدق الإسفين الذى دقته الجماعة بين هذه الجماعات الشبابية والقوى المدنية، وبين الجيش الذى كان يمثل القوة الوحيدة المرجحة لتنفرد هى به وتحصل على الغنيمة كلها لا يشاركها فيها أحد، وعندما بدأت هذه القوى الشبابية غير المنظمة تدرك الخدعة التى وقعت فيها، ووقعنا جميعا فى قبضة الجماعة بسببها، توقفت عن الفعل الإيجابى وعادت «للخلف در»، كما سبق أن ذكرت، خلف شاشات أجهزتها مرة أخرى.

أما القوى المدنية والليبرالية والمقيدون فى كشوف الليبراليين فحدّث عن خطواتهم المترددة وفعلهم غير المكتمل على طول الخط ولا حرج. ولعل موقفهم وسلوكهم طوال الأشهر الأخيرة خير دليل على ما قصدت، يبدأون بحماس وقوة ويفاجئوننا بتراجعهم وتوقفهم وعدم قدرتهم على استكمال الفعل. ذكرت من قبل أن ما حدث مؤخرا هو ما دفع بهذه الأفكار لأن تعود لتحتل تفكيرى، وأكثر ما قصدت بالأحداث التى وقعت مؤخرا هو ما حدث فيما اصطُلح على تسميته مظاهرات الاتحادية، والحدث الثانى هو ما نتابعه هذه الأيام. فى الاتحادية فاجأ الناس الجميع بأسلوبهم ومستوى غضبهم، وتصاعدت الأمور إلى مرحلة عالية،

 بدا فيها ما يحدث كأنه موجة فى سلسلة من الأمواج التى تهدف لإعلان أن الشعب هو صاحب القرار، لكن فجأة تحولت تلك الموجة العاتية إلى موجة وحيدة تتكسر بشكل مفاجئ ومريب على صخرة تردد وتراجع وتفتت القوى المدنية، التى قررت فجأة التراجع بشكل مريب ومثير للتساؤل. ولا يختلف الوضع كثيرا الآن، فهو تكرار على مستوى مختلف وانتشار أكبر لما حدث فى الاتحادية، لكن التشابه حدث هذه المرة أيضا فى مواقف القوى الليبرالية والمدنية التى تعطى الانطباع بأنها على استعداد للتنازل لكن الخلاف على الثمن، وهنا تتكسر الجملة مرة أخرى ولا يكتمل الفعل. لكن هذه المرة هناك مكسب مهم هو فى ذلك التطور الحادث فى انتشار وتنوع الشارع على مدى الوطن، وكذلك إثبات أن الشارع قد تجاوز من يحاولون إعطاء الانطباع بأنهم قادته.