السودان.. والطريق الوحيد

بقلم عبد اللطيف المناوي

مَن يَعُدْ بالذاكرة خمس سنوات إلى الوراء، قبيل جميع التغيرات السياسية التي حدثت في الوطن العربى من أدناه إلى أقصاه، مطلع عام 2011، سيلاحظ أن الأمر بدأ مع السودان، مع انفصال جنوب السودان، الذي ظن البعض أنه سيُنهى سنوات من الصراع، لكن ذلك لم يحدث، ففى حين غرق جنوب السودان في صراع داخلى- بعد النزاع المسلح الذي دارت رحاه بين رئيس الدولة سلفاكير ميارديت، وبين ريك مشار، زعيم المتمردين، النائب السابق للرئيس، وعلى أثره هددت الأمم المتحدة بفرض عقوبات على جنوب السودان إذا لم يتوصل الطرفان إلى عقد صلح بينهما، وهو ما دفع لعقد اتفاقية سلام بين الطرفين- استمرت في المقابل حالة الانقسام والانشقاق في السودان منذ ذلك الوقت حتى الآن، ومازالت الأزمة تراوح مكانها، والحرب لاتزال تشتد، بلا أفق واضح للحل أو ملامح انفراج، خاصة في إقليم دارفور، أو في منطقة أبيى، المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وأيضاً منطقتى النيل الأزرق وجنوب كردفان اللتين تشهدان صراعا وتتجهان نحو الانفصال.

Abdul-Latif-Al-Minawi

انشغل العالم العربى خلال السنوات الخمسة الماضية في قضايا أخرى، مثلما حدث في مصر وتونس، وما يحدث حتى الآن في العراق وسوريا وليبيا، لكن ظلت المشكلة السودانية عالقة، تظهر في الإعلام حيناً، وتختفى حيناً، لكنها كالنار تحت الرماد، التي تهدد السودان وأهله بمزيد من التفتت والانقسام، وذلك بسبب فشل مبادرات الوفاق الوطنى بين الحزب الحاكم في السودان والأحزاب المعارضة، فإذا كان السودان يحاول معظم الوقت تجاوز الصراع القبلى الحاكم في العلاقات البينية إلى حد كبير، فإنه لم يحاول بعد تجاوز الصراع المرتبط بالنخب السياسية.

الثابت أن هناك تمسكاً من الجانبين: الحزب الحاكم والمعارضة، كلٍّ بمواقفه- رغم كل ما يتم من إعلان عن حوارات تنقضى كأنها لم تتم، وآخرها الحوار المرتقب الشهر المقبل، حيث يعتزم الرئيس السودانى عمر البشير الإعلان عن قرارات جديدة هدفها تهيئة المناخ لعملية الحوار الوطنى، حيث تستعد الأطراف لعقد الجمعية العمومية للحوار، في العاشر من أكتوبر المقبل، كما أن هناك تأكيدات على استعداد الحزب الحاكم والحكومة للذهاب للتفاوض مع الحركات المتمردة في منطقتى النيل الأزرق وجنوب كردفان وفى دارفور، من أجل التوصل لسلام شامل ودائم.

لا يمكن- في المقابل- نفى المرونة الحكومية من أجل إجراء الحوار، بعد تعنت عام ونصف العام من كافة الأطراف، وتعثر كبير انسحبت خلاله قوى فاعلة كانت مؤيدة للحوار، بينها حزب الأمة المعارض، بقيادة الصادق المهدى، وحزب الإصلاح الآن، برئاسة غازى صلاح الدين، المستشار الرئاسى السابق، وأن يظل الحوار داخليا «سودانيا- سودانيا»، وهو ما حرصت عليه لجنة الـ«7+7» الخاصة بإدارة الحوار الوطنى في السودان.

الأكيد أنه لا حل ولا طريق أمام الجميع، الحكومة والمعارضة، إلا إجراء الحوار، وعلى كافة الأطراف تقديم التنازلات وإبداء مرونة كبيرة، وإحداث اختراقات في القضايا العالقة، من أجل الوصول إلى حل مُرْضٍ للجميع، وللشعب السودانى الذي دفع الثمن طويلاً، في انتظار الوصول إلى هذه اللحظة، لأن البديل هو الفرقة والتشتت والتفتيت، وهو ما يجب أن يقف السودانيون جميعاً أمامه حتى لا يحدث.

ما بين محلب وإسماعيل

بقلم عبد اللطيف المناوي

«صدق الناس -ومازالوا حتى الآن- المهندس إبراهيم محلب، استطاع -حتى الآن- أن يكسب إعجاب الناس بحركته الدؤوب ووجوده فى الشارع بين الناس، لكن استمرار هذه الثقة وهذا الإعجاب يرتبط بحجم الإنجاز على الأرض وبقدرة الحكومة على التواصل مع المواطنين بلغتهم. ويظل السؤال: كيف ينجح إبراهيم محلب؟».

100_0757-1.jpg

منذ أشهر، بل منذ حوالى العام بالضبط كتبت هذا الكلام تحت عنوان «كيف ينجح إبراهيم محلب؟» واليوم وقد وضع حد لمسيرة رئيس الوزراء السابق، بغض النظر عن الأسباب والدوافع، فإننا هنا فى هذا المقام ينبغى أن نقدم تحية واجبة لرجل قبل التحدى وحمل المسؤولية فى وقت صعب. وحاول بأقصى جهد، فأصاب وأخطأ. ولكن يبقى الشكر والتقدير له واجبا. وتقييم مرحلته بما لها وعليها ينبغى أن يكون على هذه الأرضيّة من الاحترام لجهد وصدق الرجل. وهو الأمر الذى أتمنى أن يكون أسلوب حياة لنا.

رئيس الوزراء الجديد المهندس شريف إسماعيل، الذى أتى من داخل الحكومة ليستكمل مسيرتها حتى البرلمان القادم، هو من أكثر من وجدتهم شديدى الصدق والجدية فى ممارسة دوره خلال الفترة الماضية، وقد صدف أن التقيته فى مناسبات عملية متعددة، ولمست فيه هذا القدر الكبير من الحرص والمثابرة لحل مشكلة الطاقة التى عانينا ونعانى منها. وجدت الرجل على استعداد لأن يفعل أى شىء وأى جهد إذا ما كان يَصُب فى طريق حل المشكلة. كما كنت أقول عليه دائما بعد متابعته، إنه يتعامل مع أزمة الطاقة وكأنه يتعامل مع مشكلة تدبير احتياجات بيته وأسرته اليومية الخاصة، فيفعل كل ما يمكن لحلها. لذلك أطلب ممن بدأوا حملة الهجوم عليه مبكرا التريث.

ولكن، مرة أخرى، هل تكفى الصفات الشخصية الإيجابية للنجاح؟ والإجابة القاطعة هى النفى. لذلك أعيد وأكرر، أن كلمتة السر فى النجاح التى لن أمل من من ترديدهما هما اتباع الأسلوب العلمى فى التخطيط والتنفيذ ووضع نظام، والأخرى التواصل الصحيح باللغة الصحيحة مع الناس. وهنا أسأل إلى أى مدى اتبعت وتتبع الحكومة أسلوبا علميا مبنيا على دراسات حقيقية لتحديد الأولويات؟ وإلى أى مدى نستعين بخبرات من سبقونا أو مروا بأزمات مماثلة فى بلادهم ونجحوا فى تجاوزها؟ والسؤال الآخر: إلى أى مدى تتبع الحكومة -بل كل أجهزة الدولة بكل مستوياتها- أسلوبا علميا فى تحديد الخطط الإعلامية فى التواصل مع الجماهير، بحيث تستطيع أن تحدد الرسالة المطلوب وصولها واتباع أساليب التوصيل والتواصل والإقناع العلمية؟ ما أستطيع أن أجتهد فى الإجابة عنه هنا أن كلا الأمرين لا يحدثان بشكل كامل، وإن حدث -وهذا قليل- فإن ذلك يحدث فى غياب التكامل والتنسيق مع بقية أطراف الدولة أو الاستمرارية أو اتباع الأساليب العلمية فى القياس والمتابعة، أو على الأقل هذا ما أراه ويراه غيرى.

كان لدى الحكومة فرص تاريخية فى خلق مناخ إيجابى كبير، من خلال تسويق انطلاق مشروعات كبيرة مهمة، ولم يحدث التعامل الصحيح معها. وكانت هناك قوانين وإجراءات مهمة افتقدت الأسلوب الصحيح فى الترويج لها وشرحها وكسب مؤيدين لها قبل الإعلان عنها. كل هذه أمور فى حاجة إلى تعامل جديد ومختلف.

خلق حالة التجانس بين الوزارات المختلفة واتباع الأسلوب العلمى الصحيح فى تحديد الأولويات التى يقرها الناس بالفعل هما المدخل الصحيح لتحقيق النجاح. وإذا أردنا طرح نماذج للحديث عن فرص ضائعة فى التواصل مع الناس فهى متعددة، وما لم يتم إدراك ذلك واتخاذ خطوات علمية مدروسة فإن فرصا تضيع، ونجاحا ممكنا سيصعب تحقيقه.

قانون الخدمة المدنية وغياب مفهوم العدالة

بقلم عبد اللطيف المناوي

العدل أساس الملك، والإحساس بالعدالة والمساواة، حتى لو ارتبط بإجراءات قاسية، يجعل الجميع يقبل بهذه الإجراءات، وهذا بالضبط هو جوهر كل ما أُثير حول قانون الخدمة المدنية من مظاهرات واحتجاجات ومحاولات متأخرة من الدولة لامتصاص ذلك وتبرير القانون

منذ البداية والرئيس يؤكد أن الجهاز الإدارى للدولة يحتاج إلى إصلاحات كبيرة، وبدا هذا واضحا فى خطاب إعلان ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية فى مارس من العام الماضى، واتفقت معه تماماً فى ذلك، بل أزيد على ذلك، لكن لإصلاح الجهاز الإدارى هناك مجموعة من القضايا لابد من دراستها بشكل جيد، ولابد من البدء فى الإصلاح كعملية متكاملة، لأن الأمر مرتبط بالإصلاح العام فى هيكل الدولة.

عبد اللطيف المناوى

لكن إذا افترضنا أن الدولة قررت البدء فى إصلاح الجهاز الإدارى بقانون الخدمة المدنية، إلا أنها غفلت عن الترويج له، ولما يحمله فى طياته من إيجابية من أجل الإصلاح، كما أن طرح القانون بهذا الشكل ترتب عليه عدد من الأخطاء التى يجب على الدولة الالتفات إليها: أول هذه الأخطاء هو شعور المواطنين بغياب مفهوم العدالة فى القانون وعدم تطبيقه على الجميع، وهو ما دفع البعض للتظاهر، أو المطالبة بإلغاء القانون، وسبب ذلك راجع إلى أن الدولة لم تقم قبل إقرار القانون بتسويق القانون وشرحه، فلم يخرج أحد ليتحدث عن الهدف من القانون، وما الذى سيعود على المواطن منه، وما فائدته للدولة، وما صحة ما روّجه البعض من شائعات ضد القانون، وهو ما ترك الساحة فارغة أمام كل مَن يريد أن يدلى بدلوه إن كان بحسن نية أو بسوء نية، ولم تُترك حتى الفرصة لمن هم فى صف الدولة للدفاع عن القانون، لأن الدولة نفسها لم تقم بهذا الدور قبل إصدار القانون أو بعده، ولم تقم بهذا الدور إلا متأخراً جداً، قبل يومين أو ثلاثة، وكان يمكن لهذا الظهور المتأخر جداً أن يحسم ويرد مبكراً على كل ما أُثير وقيل حول القانون.

الخطأ الثانى: عندما بدت الدولة أنها تعاند الموظفين، فلم تخرج لتتحدث معهم أو تشرح لهم القانون، أو حتى ما يمكن اعتبارة استجابة منها لمطالب الموظفين، وبدا أن هؤلاء فى واد وأولئك فى واد آخر، وتضخم إحساس لدى الموظفين بأن الدولة تعاندهم وتريد أن تأخذ ما فى جيوبهم، مع أنه كان من الممكن أن يبدأ حوار مبكر حول القانون بشأن هذه القضية، لتجنب هذا الشعور لدى الموظفين، وحتى لا تخسر فصيلاً كبيراً بإهمال الحوار معه.

الخطأ الثالث: عندما تحدث بعض أطراف الدولة عن أن قانون الخدمة المدنية سوف يزيد الضرائب 15 مليار جنيه، وكان طبيعيا أن يسأل الموظفون: كيف ستزيد الضرائب؟ وأن يربطوا ذلك بما تردد عن الخصومات من رواتبهم، وأن يستجيبوا للشائعات التى يروجها البعض ضد القانون، وهو ما اعتبروه ضدهم، كل هذا دون أن يخرج أحد ليشرح أو يوضح بنود القانون، وأهميته لإصلاح الهيكل الإدارى للدولة، ورغم وجود شكل من أشكال الشك فى القانون، فإن كل النقاط تبقى قابلة للنقاش والحوار من قِبَل الدولة، وإن كان يجب عليها أن تبدأ ذلك مبكراً.

لكن يظل الخطأ الأساسى هو أن يخرج بعض الوزراء أو المسؤولين ليعلنوا بفخر أن وزاراتهم أو هيئاتهم معفاة من تطبيق قانون الخدمة المدنية، أو أن يقول أحدهم إن موظفى شؤون الرئاسة ومجلس الوزراء تم إعفاؤهم من القانون، وهو ما أعطى انطباعاً لدى الموظفين بأن القانون عقاب، وبدت لهجة الوزراء بأن القانون لا ينطبق على وزاراتهم بأنهم حصلوا على ميزة تؤكد نظرية العقاب، التى جعلت الموظفين يشعرون بأنهم أبناء البطة السوداء.

القضية الأساسية فى كل ما أُثير حول قانون الخدمة المدنية هى غياب الإحساس بالعدالة لدى المواطنين، حتى لو كان الهدف منه هو هدفا نبيلا، ويسعى للإصلاح، إلا أن أسلوب طرحه وتطبيقه خاصمه الصواب.

خريطة الاحتياجات المصرية

بقلم عبد اللطيف المناوي

هناك العديد من الخرائط التى تضعها الدول والمؤسسات، والتى تسلط الضوء على اتجاه معين، فهناك على سبيل المثال الخريطة الجغرافية التى توضح التضاريس والمساحة وتقسيم البلدان، وهناك خريطة استثمارات توضح فرص الاستثمار الموجودة فى الدول، وهناك خريطة معادن توضح أماكن انتشار المعادن بمختلف أنواعها، وما أعتقده أنه قد حان الوقت لوضع خريطة من نوع جديد، يمكن أن يطلق عليها اسم «خريطة الاحتياجات المصرية».

Abdul-Latif-Al-Minawi

يوجد فى مصر العديد من الصناديق التى تجمع الأموال للمساهمة فى إعادة بناء مصر، والعديد من المبادرات التى تقودها مؤسسات أو أشخاص، والتى تعمل فى نفس الاتجاه، كما يوجد العديد من المؤسسات الخيرية التى تقوم على هذه الفكرة، ولكن لا يوجد ما يحدد لهذه المؤسسات الأهلية أو الشخصيات الأماكن التى تحتاج إلى مساعدة فعلية، وبالتالى من الممكن أن نجد أنها جميعاً تعمل فى اتجاه واحد، وتوجه مساعداتها لحل مشكلة واحدة، وتترك العديد من المشكلات الملحة دون حل أو تقديم يد المساعدة.

جزء من الأفكار المطروحة لحل هذه المشكلة أن يتم جمع الأموال التى تقدمها هذه المؤسسات، أو تجمعها هذه المبادرات، فى مصدر واحد وإدارتها من قبل الدولة أو من قبل مؤسسة يتم الاتفاق عليها، ويتم توجيه الأموال إلى مصادر الاحتياج المختلفة، لكن هذه الفكرة تلقى العديد من الاعتراضات، خصوصاً أن المساهمين بأموالهم أو مجهودهم يحتاجون أن يساهموا بشكل فعال فى تقديم هذه الأموال إلى الجهات الأكثر حاجة من وجهة نظرهم، كما يفضلون أن يشرفوا بأنفسهم على هذه المساعدات وهى تتوجه إلى مصادرها الحقيقية، وأن يروا ثمار ما زرعته أيديهم وهى حاجة إنسانية يمكن تفهمها، وحتى لا يتحول الأمر إلى ما يشبه صندوق الزكاة.

ويمكن أن يكون الحل لضبط حركة هذه الأموال، وحتى تسهم كل هذه المبادرات فى حل جزء من المشاكل العالقة، والمساهمة فى التنمية بالفعل- هو أن تعلن الدولة عن «خريطة الاحتياجات المصرية»، وتترك لرجال الأعمال والمؤسسات الخيرية والمبادرات حرية التحرك والمساهمة فى التنمية.

وأهمية هذه الخريطة المقترحة هى أنها ستحدد احتياجات كل قرية أو مدينة فى مصر، فربما تحتاج إحدى القرى إلى مدرسة أكثر من احتياجها إلى مستشفى فى هذا الوقت، وربما تحتاج مدينة أخرى إلى مشروع للصرف الصحى أكثر من احتياجها إلى مدرسة، وربما تحتاج قرية ثالثة إلى تجديد شبكة الكهرباء، وأهمية الخريطة ليست فقط فى تحديد احتياجات كل قرية ومدينة، بل فى أنها ستسلط الضوء على احتياجات بعض الأماكن التى ربما لم يلتفت إليها أبداً صناع المبادرات ورجال الأعمال لبعدها أو عدم الالتفات إلى احتياجاتها الحقيقية.

وعندما يتم نشر هذه الخريطة على نطاق واسع سيكون أمام الجميع خريطة بكل الاحتياجات المصرية الحقيقية للأماكن التى غابت عنها عين التنمية أو التى تحتاج إلى علاج عاجل لمشاكلها، وهنا يمكن للجميع أن يتوجه إلى الأقرب إليه والأنسب لما يريد أن يسهم فيه، فيمكن لرجال الأعمال أن يوجهوا مبادراتهم ومساهماتهم المالية ويقوموا بالإشراف على التنفيذ، ويمكن للمبادرات الشبابية أن تبادر بالجهد والمساهمات المالية التى حتى لو كانت قليلة فإنها ستكون كافية، فهكذا تتم التنمية، وهكذا تسهم الجهود الأهلية فى إعادة البناء، لكن ضعوا خريطة للاحتياجات.