إسكات فيروز

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا أحد  ينبغى أن يكون فوق القانون ، هذا صحيح ، ولكن لا حق لأحد أيضاً أن يستخدم القانون فى تصفية حساباته أو إستعادة حقوقه بأن يخلق نكاية تتخطى حدودها الشخصى المستهدف إلى جموع الناس .

أقول هذا بمناسبة الجدل الدائر حول منع فيروز من الغناء وهو الجدل الذى علا صوته وحضوره على غيره من موضوعات سياسية وقضايا دولية ومحلية ، وأدى إلى وقفات احتجاج من المثقفين ومن عشاق فيروز في مصر في ساقية الصاوي مساء أول أمس ، و أيضا في لبنان وفي غيرها ، ممن يرفضون أن يقوم أي أحد بإسكات صوت جارة القمر ، فيروز .

من حق ابناء منصور الرحبانى أن يطالبوا بحقوقهم ، أو ما يعتقدون أنه حقهم من خلال الوسائل القانونية والشرعية .. ولكنهم يتجاوزون حين يكون مطلبهم اسكات صوت فيروز  إذا  لم يحصلوا على ما يعتقدون إنه حقهم  ، هنا هم يتجاوزون ليس فقط فى حق فيروز الفنانة بل فى حق الجمهور العربى الذى أصبح صوت فيروز بموسيقى الاخوين رحبانى جزءا  من التاريخ الشخصى لكل واحد فيهم وجزءا  من التكوين الثقافى لكل واحد فيهم أيضاً .. بل إن التجاوز لا يقف عند هذ الحد بل يصل إلى والدهم نفسه الفنان منصور الرحبانى الذى كان على خلاف مع فيروز هو أيضاً لنفس الاسباب ولكنه لم يصل إلى حد المطالبة بإسكات صوت فيروز .

الخلاف الذى يعود كما نعلم ما قبل وفاة الرحبانى بعدة سنوات وقتما طالب بحقه من حفلاتها كمؤلف وشريك لزوجها عاصى فى كتابة وتلحين الاغنيات والمسرحيات الموقعة باسم الاخوين رحبانى ولم تستجب فيروز فى وقتها إستجابة كاملة مما دفعه لان يلجأ إلى القضاء ، وواصل ابناؤه بعده الخلاف ولكن الإختلاف هذه المرة تعدى الحدود التى كان لا يمكن أن نقبل بها ولا حتى والدهم منصور .

مرة آخرى لا أحد ينبغى أن يكون أحد فوق القانون  ، و لكن أيضاً لا حق لأحد أن يسكت صوت فيروز حتى لو كان بالقانون .

حالة من التربص المتبادل

بقلم   عبداللطيف المناوى

منتصف ليلة الأربعاء الماضي هاتفني أحد الأصدقاء الصحفيين ليبلغني أن أزمة زوجة القسيس قد انتهت ، وأن المتظاهرين في الكاتدرائية قد انفضوا يغمرهم الإحساس بالراحة لوضع هذه النهاية لهذه الأزمة التي كانت مرشحة للتطور مكررة ما عرف بأزمة وفاء قسطنطين ، وسألت الصديق الصحفي وهو قبطي : كيف انتهت ؟ وما هو الوضع الذي كان حادثا فرد بإيجاز ” كانت مختطفة وانتهت الحكاية ” ، فسألته ” كيف كانت مختطفة ؟ ” ، فأجاب ” كانت هناك خلافات مع زوجها ، وتركت المنزل إلى أصدقاء مسلمين لها “، فقلت له : ” هذا لا يعني أنها كانت مختطفة ” فأجاب حاسما وقاطعا الحوار : ” المهم أنها عادت وانتهت الحكاية ” .

انتهت الحكاية ولكن بدأت معها علامات الدهشة و الاستغراب لدي ، لماذا هذه الحالة من التربص ، وهنا عندما أتحدث عن التربص أقصد به من كلا الطرفين ، وإذا كانت هذه هي الحالة عند هذا المستوى الثقافي من الأقباط ـ والوضع لا يختلف على الجهة الأخرى لدى المسلمين ـ فكيف تكون الحالة لدى من هم أقل ثقافة ؟ أكثر استعدادا للإثارة ، ولماذا في هذه الحالة نلوم أولئك الشباب المندفع أو الرجال ذوي الإدراك الأقل عندما يندفعون في أحكامهم ومواقفهم .

الحالة كما بدا وتأكد ـ وكما توقعت منذ البداية ـ لم تكن أكثر من حالة خلاف عائلي يمكن أن يحدث في أي بيت ، وأي مستوى ، و أي دين ، ولكن عدم الإدراك الكافي ، وتلك الحالة من التربص المتبادل ، وعدم المعالجة الصحيحة لتلك الحالة التي بتنا نعيشها لسنوات طويلة بما يؤثر في شكل العلاقة بين المسيحيين و المسلمين ، كل هذه الأمور ترسخ لأن نصل إلى تلك الحالة من التربص ووضع ” الحك على الأنف ”  كما يقول القول الدارج .

لكن ما فاجأني وأدهشني وزرع داخلي قلقا مضافا  أن يكون موقف من نطلب منهم ومن نتوقع منهم أن يكونوا هم العقلاء مثل موقف الصديق الصحفي الذي رفض أن يتنازل أو أن يتراجع عن حالة التربص التي سكنته و سكنها ، وهي حالة للأسف منتشرة على الجانبين .

 

عودة عقدة الخواجة

بقلم   عبداللطيف المناوى

لاحظت في الفترة الأخيرة أن عددا كبير من الزملاء في وسائل الإعلام المختلفة في الفضائيات أو في الصحافة المقروءة يعتمدون على المصادر الأجنبية كأحد مصادر المعلومات المهمة  لما يحدث في مصر، حتى لو كان المصدر صحيفة تصدر تحت السلم في أحد المدن أو القرى الأوروبية أو الأمريكية .

وهنا ملاحظة جديرة بالتوقف لما يحدث  ، فهو مجرد تطوير لعقدة الخواجة التي ظلت لأعوام طويلة  تطاردنا ، ونعاني منها في تعاملاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين ، كنا نبحث دائما عن أجنبي حتى نصدقه أو حتى نعطي مصداقية لما نقول أو نسمع ، كنا دائما نبحث عن شهادة أجنبية حتى يصدقنا الآخرون أو نثق في أنفسنا .

الوطنيون من هذا البلد ظلوا يؤكدون أهمية تجاوز هذا العيب ، والخلل في بناء الشخصية  ، وظننا في فترة أننا بدأنا طريق التخلص ، ولكن جاءت هذه الظاهرة الجديدة لتؤكد أننا لم نتخلص منها بعد ، أنا هنا لا أتحدث فقط عن أولئك الذين يستندون إلى تقارير صحفية أجنبية فيما يكتبون ، ولكن أتحدث هنا أيضا عن بعض مؤسسات الدولة التي تعتمد على تقارير لتؤكد حسن سيرها وحسن سلوكها .

ليس كل ما يصدر عن الإعلام الأجنبي دقيق ، وليس كل  تقرير أجنبي دليل على الجودة ، أو يصدر وفقا لمستويات الجودة والأمن ، ولكن في أحيان كثيرة لا يكون له علاقة بالحقيقة على أرض الواقع .

أنا هنا لا أطالب بعدم التعامل مع مثل هذه المصادر ، ولكن أنبه إلى خطورة اعتماد مثل هذه المعلومات التي تصدر عن صحف أو مصادر مجهولة ، أو بعضها معلوم ولكن غير معلوم هدفه ، مثل أن نقرأ  تقرير أمريكي يقول اقتراب غرق الدلتا ، وتقرير عبري يقول : الإسلام السياسي يقترب من الحكم ، أو تقرير عبري يقول مصر في طريقها للانهيار ، وغيرها من تقارير فرنسية وألمانية وسويدية معظمها مجهول المصدر .

مثل هذه المعلومات لا تصب في صالح الوطن ، ولكنها بالتأكيد تصب في صالح آخرين ، لست من الباحثين عن نظرية المؤامرة ، ولكن أطالب بالتعامل العلمي مع مثل هذه المصادر أو القضايا .

 

 

الألتراس

بقلم   عبداللطيف المناوى

من المشاهد الجميلة التى بدأت تظهر فى ملاعب كرة القدم هو ذلك المشهد الذى بدأ يظهر فى مدرجات كرة القدم  خاصة بين جماهير النادى الاهلى عندما يتجمع عدة مئات أو عدة الاف يتحركون معاً يشجعون معاً يشكلون بالفعل رهبة لدى الفريق الذى يلعب أمام فريقهم  ، فى كل المباريات حتى غير ذات الاهمية منها كنت اراقب هذه المجموعات وكان يعجبنى جداً ذلك التنظيم الواضح بينهم ، وذلك التماسك والتناغم ، وكذلك حماسهم الذى كان يفوق فى معظم الاحيان حماس اللاعبين على ارض الملعب .

 تظل الظاهرة عند هذا الحد ايجابية ومحببة ، وتظل احدى الدلائل المهمة على ارتفاع رغبة الجماهير فى المشاركة والتواجد بل والتأثير ، وهو الأمر الذى نتمنى ان يصل الى حد مشاركة الناس فى امور حياتهم وتقرير مصيرهم من خلال المشاركة الايجابية فى شئون الحياة .. ولكن ما اثار حفيظتى هو ارتباط هذه المجمــــوعات التى عرفت فيما بعد بانها يطلق عليهم “الالتراس ” التى لم يحسم أحد معناها ولكن أظن انها تعنى فوق الحدود ، أقول ما اثار حفيظتى هو ذلك السلوك المنسوب لهم بالسب والشتائم التى يوجهونها الى اللاعبين المنافسين فى الفرق الاخرى ، بل وتوجه اليهم الاتهامات  أيضاً بأنهم يصلون فى اعتداءاتهم إلى مستوى يتجاوز اللفظ الى الاعتداء على لاعبى الفرق الاخرى وجماهيرهم  وحرق حافلاتهم كما يدعى البعض بحرقهم لاتوبيس مشجعى نادى الزمالك فى الاسكندرية .

الحادث الاخير الذى نسب الى هذه المجموعة هو حادث الاعتداء على رجال الشرطة فى مباراة ودية عندما احرز ابوتريكة هدفه الاول فأطلقوا  ” الشماريخ ”  لا أعرف معنى الكلمة ولا من أين اتت ، ولكنها تعنى صواريخ نارية ــ وإطلاق العاب نارية صوب ارض الملعب احتفالا بالهدف  ، وعندما حاول رجال الشرطة تهدئة الجماهير ومنعها من إشعال المزيد من الالعاب النارية حفاظاً على الارواح والممتلكات قام ” الالتراس ” بالتعدى على رجال الشرطة  واتلفوا المدرجات واستخدموها فى ضرب رجال الامن الذين حاولوا السيطرة على الموقف  وإشتبكوا معهم فكانت الاصابات ما بين ضرب وفقء عين  وخلع كتف ، والقبض على 14 مشجعاً بينهم 7 اعمارهم اقل من 18 سنة ، وهى الحالة التى تنظرها النيابة العامة الآن .

إذن مظهر جميل من الخارج لجمهور عاشق لفريق يشجع  بحماس أكبر من حماس اللاعبين، ومنظم في المدرجات اكثر من تنظيم لاعبي فريقه في ارض الملعب، ولكن “الحلو ما يكملش” ، جماهير مصابة بمرض التجاوز في اللفظ والفعل، فيفسدوا اي جمال او تفاؤل في ظاهرة بدت للحظة وكأنها جميلة، ولكن كعادتنا في امور كثير جميلنا لا يكتمل.

الجريمة

بقلم   عبداللطيف المناوى

تتعدد الجرائم ، وعلى الرغم من كونها جرائم إلا أن هناك جرائم تشعر نحوها بقدر من اللامبالاة ، ولكن هناك جرائم لا تمتلك إلا أن تنظر نحوها بقدر من القرف والغضب ، من بين هذه الجرائم ـ حتى لو لم توصف بعد كجريمة ـ المتاجرة بقرارات العلاج على نفقة الدولة ، ومما يزيد حالتي الغضب  والقرف ـ عذرا لاستخدام هذا التعبير ـ هو أن بين من تورط في هذه الجريمة من افترضنا فيهم أنهم يمثلون الأمة ، ويمثلون مصالح الشعب ومصالح الناس ، فإذا بهم يتاجرون بهذه المصالح ، بل ويتاجرون بآلامهم وأمراضهم ويسرقون حقوقهم في العلاج .

إن قضية العلاج على نفقة الدولة والتي تفجرت منذ فترة كان ينبغي التعامل معها بشكل أكثر حسما وأسرع في اتخاذ الإجراءات ، كان ينبغي الكشف منذ اللحظة الأولى التي يتم فيها التبين من هذه التجاوزات بل من هذه الجرائم عن كل من تورط فيها ، كان ينبغي نشر كشف بأسماء كل من تورط في هذه الجريمة ، كشف بأسماء من ثبت انهم تاجروا في الأمر هذا الشعب الطيب الذي اعتاد أن يعطي ثقته لمن يظن أنه يعمل من أجله بحق .

مطالبة عدد من نواب الأغلبية بضرورة اتخاذ إجراءات سريعة وفورية بفصل النواب المنتمين للحزب الوطني من عضويته هي دعوة ينبغي على  قيادات الحزب الاستجابة السريعة والفورية لها ، لا مجال للانتظار ضد هؤلاء النواب بعد إحالة أوراقهم وما تحمله من مخالفات صارخة بشأن قرارات العلاج على نفقة الدولة وحصولهم على الملايين من الجنيهات على حساب المرضى الفقراء . وينبغي محاسبة من تورط مع هؤلاء داخل وزارة الصحة .

صحيح أن الملف تمت إحالته للنائب العام ، ويصح هنا القول بأن يحدث ذلك متأخرا  أفضل من ألا يحدث أبدا .

إن ملف العلاج على نفقة الدولة هو إهانة للنواب جميعهم ، وينبغي تبرئة ساحة الشرفاء منهم بكشف المتورطين ، وينبغي نشر كل هذا على الرأي العام حتى يعلم ما مصير من تاجر بالأمة .

لكي يرضى عنكم الناس

بقلم   عبداللطيف المناوى

سألت نفسي سؤالا , ماذا يمكن أن تفعل الحكومة – أية حكومة – لكي يرضي عنها الناس ؟ واستعرت جزءا من إجابة سبق ان كانت محور حديث لي مع صديق , هذه الإجابة تفترض القادم , متى يرضي الناس في أي وقت عن حكومتهم , وعندما اتحدث عن الناس فانني اعني معظم الناس بدرجات متفاوتة , ليس هذا بسبب عيب في تكوين الناس  , او تعلية لطبيعة ونوع الحاكمين , ولكنها الطبيعة البشرية التي نبحث دائما عن سقف أعلي للتطلعات , ولكن الأزمة تكون عندما يكون العيب في الحكومة وليس من الشعب , عندما تكون متطلبات الناس ممكنة وتعجز عنها الادارة , او عندما تفشل الحكومة في ان تحوزعلي رضا الناس .

بتطبيق ما فات علي أوضاعنا المصرية فيمكن القول ان الازمة الحقيقية في العلاقة بين الحكومة والناس تتمثل في لغة الخطاب من الحكومة الي شعبها , وتتمثل في قدرة الحكومة على جذب الانتباه الي ما تفعل من ايجابيات , وعندما تغرق نفسها في اخطاء صغيرة تفسد ما تفعله من إنجاز, الخطأ الاخر الذي تقع فيه الحكومة عندما لا تركز علي وسائل ارضاء المواطن البسيطة والممكنة , وهي وسائل لو استطاعت ان تضع يدها عليها لتمكنت من أن تكسب المواطن معها مشاركا ودائما لها في مواقع الانجاز الاخري بدلا من الوقوف موقف المناوئ الناقد لها .

يبدأ هذا الاسلوب بتحديد مناطق تعامل المواطن مع الحكومة , ابتداء من الميلاد وحتي الوفاة , ويمكن تحديد بعضها بسرعة عندما نبدأ بمكتب الصحة الذي تخرج منه شهادة الميلاد , الي المستشفي الذي يعالج فيه الطفل إلى إدارات التعليم التي يتعامل معها الاهالي , الي مكاتب الضرائب , واقسام الشرطة وإدارات المرور , ومكاتب الجوازات والسجل المدني , وغيرها من المصالح الحكومية او المتصلة بالحكومة التي يتعامل معها المواطن في حياته كلها , وقبل ان نحدد المطلوب دعونا نغمض أعيننا للحظة ونتخيل حجم معاناة المواطن في كل ما ذكرت من أماكن , وغيرها مما لم أذكر , وأترك لكم تصور ما يحدث وما يلقاه المواطن من معاناه ,وتخيلوا معي لو قررت الحكومة كبداية في خلق جو من الثقة بينها وبين المواطن أن تبدأ بإصلاح أحوال هذه الأماكن , وقررت ان تيسر علي المواطن في كل هذه النقاط – نقاط التماس المباشرة لها مع الجمهور – في حياته , وان يجد موظفا مبتسما , ومكتبا نظيفا , وانهاء سريع لاجراءاته واوراقه المطلوبة .

تخيلوا معي لو شعر المواطن أن الحكومة وضعت نصب عينها – وعرف ذلك وشعر به – ان تجعل حياته في هذه المناطق البسيطة اسهل وايسر ، تخيلوا معي ماذا يمكن ان يكون شعور المواطن في هذه الحالة تجاه حكومته ؟ لا اقول ان هذا يحل المشكلة , ولا اقول أن الحكومة بذلك تكون قد حلت مشكلتها مع الناس , ولكنها بداية لكي يشعر الناس ان الحكومة بحق معنية بمعاناتهم , والتالي لذلك ان يشعر المواطن ان الحكومة حكومته , وان مشكلاتها هي مشكلاته , وان انجازاتها هي انجازاته ,

دعونا نجرب .

إثيوبيا محاولة للفهم

بقلم   عبداللطيف المناوى

ذهبت إلى أثيوبيا في محاولة للفهم ، فالمشكلة لدينا هي التصورات المسبقة دائما عن الأشياء والأشخاص و التي تجعلنا أحيانا نصل إلى نتيجة خاطئة ، ومحاولة الفهم كانت محاولة لفهم ما يحدث الآن في ملف حوض النيل ، حول سبب الموقف الإثيوبي ، في محاولة لفهم أين نقف نحن الآن من هذه القضية .

إثيوبيا واحدة من الدول القديمة ، وهي صاحية أطول تاريخ من الإستقلال ـ وإن كان ليس بشكل مستمرـ بين دول القارة الأفريقية، حافظت إثيوبيا على إستقلالها خلال فترة إستعمار أفريقيا . وظلت كذلك حتى 1936 حيث إجتاح الجيش الإيطالي إثيوبيا  ، هزمت القوات البريطانية والإثيوبية القوات الإيطالية عام 1941 ، ولكن إثيوبيا لم تستعد السيادة حتى توقيع الإتفاق الأنجلو-إثيوبي في ديسمبر 1944.

ويربطنا بها تاريخ إسلامي واحد ، حيث كانت الحبشة هو المكان الأول الذي ضم واحتضن المسلمين الأوائل عند هجرتهم الأولى وهربهم بدينهم عند الملك النجاشي وفرارهم من كفار مكة  .

أما أنهار إثيوبيا فتتجه جميعها نحو الغرب وتنتهي في حوض وادي النيل باستثناء نهر أومو الذي يجري في الجنوب ويتجه إلى بحيرة ويجري في الشمال نهر تكيزة أو كما يسمى محلياً «الرهيب» مع روافده هابطاً من جبال ألاسكا. ولكن أكبر أنهار إثيوبية هو نهر آباي، أو النيل الأزرق، الذي يتغذى من بحيرة تانا ومن نهر آباي الصغير أو النيل الزرق الصغير الذي يهبط من جبال شوك ويصب في بحيرة تانا المذكورة.

تبلغ مساحة أثيوبيا 1.127.127 كم2  ، ويبلغ سكانها حوالي ال80 مليون ، وقد تسبب الجفاف المتكرر الذي تعرضت له أثيوبيا في العقد الأخير إلى خسائر بالغة بشرية وبيئية ،  وتتعدد اللغات والعروق البشرية  في إثيوبيا و يرافق ذلك  تعدد في الانتماءات الدينية ، وأصول السكان في إثيوبيا متنوعة جداً. ويؤلف الأمهريون الأكثرية الساحقة منهم ويقدرون بنحو ثلث السكان، ثم يليهم شعوب الغالا ويؤلفون نحو خمسي السكان. ويلي ذلك مجموعات بشرية متعددة الانتماء العرقي والقومي منهم: قبائل التغرة التي تعيش في الشمال، والجماعات النيلية التي تقيم في الجنوب والغرب من البلاد، والعرب الذين يتوزعون على أقاليم أوغادين وصحراء الدناقيل، وغيرهم مثل الصوماليين والدناقيل والسودانيين.

ذهبت إلى إثيوبيا كما قلت في محاولة للفهم ، والحقيقة أننا كلنا في حاجة للاقترال وفهم هذا التنوع الثقافي و التاريخي ، و العلاقات التي كانت موجودة ، والتي نتمنى أن تعود أفضل مما كانت

الجزء الآخر من الصورة

بقلم   عبداللطيف المناوى

يبدأ الخطأ عندما لا أري سوى ما أقتنع به ، ويتضاعف الأثر السلبي عندما أصر على ما أراه ، ولا أحاول أن أجهد نفسي بأن أنظر من زاوية مختلفة من زاوية الآخر ، هذا ينطبق إلى حد كبير على أسلوبنا في التعامل مع دول حوض النيل ، لقد اكتفينا بالتأكيد على ما هو غير قابل للنقاش أو التنازل وهو عدم التنازل عن حق مصر في الحصول على نصيبها وما يكفيها من مياه نهر النيل ، واكتفينا لسنوات طويلة بالتأكيد على هذا المعنى و التقليل من أي رؤية مخالفة لبقية دول الحوض ، ولم نحاول أن نذهب إلى زاويتهم لنرى من خلالها ، ليس لتبني ما يرون ، ولكن لكي نصل إلى رؤية مكتملة ، إلى صورة أكثر اكتمالا تساعدنا على فهم المشكلة من زواياها المختلفة لتمكنا من اتخاذ القرار الصحيح و الخطوات الصائبة نحو حل تلك الأزمة بما يضمن لنا مصالحنا ، وتدفق حقنا من المياه ، ولكن في ذات الوقت دون خسارة أي من العناصر الأخرى من علاقات و استقرار مع دول ليس لنا جميعا خيار سوى أن نتواجد معا إلى الأبد .

جزء من الخطأ في فعلنا في الماضي أننا وقفنا مكاننا نؤكد على ما هو حق لنا في مياه النيل ، نلوح بالاتفاقيات و المعاهدات الدولية التي تنص على حقوق مصر في هذه المياه ، ولم نشغل أنفسنا كثيرا في أن نعرف ماذا يريد الآخرون ، لماذا غضب الآخرون ، هل مواقفهم هذه نابعة عن جهل منهم بهذه الاتفاقيات ، أم رفض لها ، أم تعبير عن غضب من سلوك غائب منا ، أو سياسة في التعامل غاب عنا فيها الإحساس بالطرف الآخر ، واحتياجاته السياسية و الاقتصادية والنفسية ، المشكلة أننا تعاملنا أيضا بأسلوب الضامن لما في يديه إلى الأبد ، والقادر دائما على التحرك الناجح في الوقت الذي يراه مناسبا .

انشغلنا بأمور أخرى كثيرة ، وفي غمرة انشغالنا لم نلحظ بأن ما كنا نعتقده من الثوابت في بعض المناطق لم يعد من الثوابت ، ولم ندرك أن هناك تطورات سياسية واقتصادية ، ونفسية قد حدثت في مناطق اعتدنا أن نتعامل معها تعامل الواثق القادر دون أن يطور من أساليبه أو يجدد من وسائل تواصله ورؤيته لهذه المناطق التي اختلفت رؤيتها لما حولها وعلاقاتها ومصالحها و تحالفاتها وحتى لنفسها .

الاتفاقيات الدولية مهمة ، ولكنها لن تكون الحل لموضوع مياه النيل ، والإصرار على الموقف والحق في الحياة ينبغي أن يكون مستمرا ، ولكن وحده ـ أي الإصرار ـ لن يكون كافيا لتحقيق ذلك .

بعد أيام قليلة قضيتها في إثيوبيا ، ما يمكنني قوله أننا نحتاج أن نقف من زوايا مختلفة ننظر إلى الصورة  بتحرر من أساليب عفى عليها الزمن ، ونمسك بحقوق لن نتمكن من الحفاظ عليها ، لو لم ندرك ذلك .

الشخصية المصرية .. إلى أين؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا يستطيع أحد أن ينكر وجود حالة  من الهجوم على الشخصية المصرية بدأت تظهر في الإعلام في الفترة الأخيرة  ، على سماتها ، على تكوينها ، حتى على ما حققته ، رغم ما تتمتع به ، وما حققته وحفرته في سجلات التاريخ  ، بدأت هذه الحالة تظهر ، وتتزايد ، في الوقت الذي يتم فيه التقليل من قيمة أي إنجاز يتم تحقيقه على أرض الواقع  ، بل والتشكيك في حدوثه .

وطوال الوقت هناك حالة من الترقب والهجوم من ناحية ، والبناء في صمت من جهة أخرى ، في مجالات متعددة ، ومختلفة ، ودائما يفاجئنا الشباب الذين لا نتوقف عن انتقادهم بأن يقدموا لنا إنجازاتهم في مجال أعمالهم سواء كان في السياسة أو الاقتصاد أو في مجالات العمل المختلفة ، دائما تجد مصريا يفوز بجائزة دولية هنا ، ومصري آخر يتم تكريمه في دولة أخرى ، وثالث يتم اختياره من أفضل خمسة أو عشرة في مجال ما على مستوى العالم ، يحدث هذا بالتوازي مع الهجوم المستمر على الشباب ، وعلى الجيل الجديد تحديدا ، واتهامه بأنه لم يحقق شيئا ، وأنه جيل مرفه لا يقدر قيمة العمل ، بالإضافة إلى اتهامات بفساد المحيط العام الذي أثر على فساد الجيل الجديد كله ، يتوازي المشهدان في مخيلتي ، وأنا أرى هذا في ناحية  وهذا في ناحية أخرى ، وفي كل مرة أرى المشهدان أقول متى يتوقف هؤلاء المهاجمون ، حتى يعطوا هؤلاء الشباب الفرصة لكي يثبتوا ذواتهم ، ويثبتوا للجميع أنهم قادرون على بناء حلمهم بوطن قوي قادر ، يفتخر بأبنائه علماء ومهندسون ومعلمون وأطباء .

وربما لا يكون الهجوم يستهدف فئة عمرية واحدة فقط بل يتمدد ليشمل هجوما على مشروعات وطنية ، قومية ، ربما تؤدي بشكل غير مباشر إلى أن تسود حالة من الإحباط بين الجيل الجديد ، وبين كل من يساعد في بناء الوطن  ، وهم يرون ، حسب ما يقدم لهم ، في وطنهم سيء ، وناقص ، و قبيح .

 لست هنا ضد النقد وتصحيح الأوضاع الخاطئة ، لكني أفرق بين النقد والنقض ، انتقاد عمل خاطئ ، حتى يتم إصلاحه ، ويعود في صف بناء الوطن ، والذين يبنون الوطن ، والنقض الذي لا يهدف إلا إلى الهدم ، لست ضد مهاجمة الفاسد ومعاقبته ، لكني ضد تجويل كل صورة ناصعة إلى أخرى قاتمة

في ظل التساؤلات المزمنة حول التغير الذي لحق بالشخصية المصرية  ، وفي ظل الاتهامات بأنه لا يوجد إنجاز مصري ، في ظل  هذه الحالة العامة من التشكيك والتعجيز والتقليل والهجوم ، التي بدأت تتفشى ، وتنتقل والتي لا تصب إطلاقا في صالح أي طرف ، يجب أن نسلط الضوء على النماذج الحقيقية التي تصلح أن تكون قدوة لشبابنا في مجالات مختلفة ، فهناك جهد مصري حقيقي في أكثر من مكان ، وهناك عرق مصري ، وهناك مستقبل مصري  يطل من هناك ، يجب أن نفخر به ، ونبرزه .

في بعض الصناعات وبعض القطاعات ، إذا نظرنا إليها بنظرة جدية ـ غير متشائمة ـ نجد أن ما  تحقق هو إنجاز حقيقي ، ولمن لا يحبون كلمة إنجاز ، أقول إن هناك جهد مصري حقيقي بأيدي مصرية ، هي نفسي الأيدي التي بنت من قبل الأهرامات والمعابد وأبو الهول ، الأيدي التي بنت من قبل المسلات ، الأيدي المصرية التي  بنت المساجد والكنائس والقلاع والأبواب والمدن التارخية ، الأيدي المصرية التي  حفرت قناة السويس وعمرت الصحراء  ، الأيدي المصرية التي بنت السد العالي و ، الأيدي المصرية التي تعرق وتعمل وتكد الآن من أجل مستقبل أفضل لهذا البلد .

ما أراه هو أنه يجب أن نتفاءل بحجم الجهد المصري ،  بحجم الانجاز المصري ، ، أن نشجع شبابنا ونساعده في حلمه في بناء وطن أجمل ، وأتصور انه من المطلوب ان نعلم الحجم الحقيقي لجهد المصريين ، لعمل المصريين ، لعرق المصريين ، فهذه ثروة البلد ،ثروة المصريين ، ثروتنا جميعا كل من يعملون فيها يفعلون ذلك من  اجل الهدف الرئيسي ، وهو رفعة شان هذا الوطن ، الذي نعيش فيه جميعا ، وحتى نستطيع أن نعيش في مستوى يليق بنا جميعا .

التغير الذي لحق بالشخصية المصرية ، لم يضعفها ، وهو تغير طبيعي نتيجة لتغيرات اقتصادية وسياسية وتكنولوجية ، لكن يجب ألا نجعله معول هدم ، فكل الشعوب تتغير ، فهذه سنة الحياة ، لكنها تسعى أن تجعل تغيرها للأفضل .

يجب أن ننظر قليلا إلى النصف الملآن من الكوب ، وعندما نراه ، نتأكد أن هذا هو إحدى الدلالات المهمة التي تستدعي إعادة التفكير فيما نقوله ، وما نفكر فيه ، وما نسمعه ، وما نكتبه  ، هو إحدى الدلالات التي تطل في النهاية كإجابة  على أسئلة مشروعة  ، هي إحدى الدلالات التي تقول إنه رغم المشاكل الكثيرة التي نعاني منها  ، لكن  هناك شيء جدي على أرض الواقع  يجب أن نقف جميعا إلى جواره .

خُط الصعيد وخُط سيناء

بقلم   عبداللطيف المناوى

لم تتعامل الدولة ولا المجتمع مع صعيد مصر في النصف الأول من القرن الماضي باعتباره منطقة محرمة خارجة عن القانون ، ولم يتم اعتبار الصعايدة جميعهم وقتها خارجون عن القانون ، لأنه كان من بينهم خط الصعيد ـ بضم الخاء ـ وتم التعامل مع الخارج عن القانون هو ومجموعته التابعة ، و في ذلك الوقت  ـ وقت مواجهات الأمن مع الخط لم نسمع أو نقرأ عن أن هذه المواجهات كانت تدور بين الصعايدة و الأمن ، بل كانت في حدودها : مواجهات بين الأمن والخارجين عن القانون ، وهذا هو الوضع الذي يجب أن نتعامل به هذه الأيام مع ما يحدث في سيناء ، فمن الخطأ ، بل من الجرم تجاه هذا الوطن أن يتحول الحديث عن مواجهات بين رجال الامن وبعض الخارجين عن القانون من أهل سيناء بأن يتم تناولها بأنها مواجهة بين بدو سيناء والأمن المصري ، ما أرجوه من زملائنا الصحفيين و المحللين ، ومن يتطوع للحديث بالكتابة أو إبدء الرأي أن يحرصوا على التأكيد على ذلك الفارق الجوهري و الحيوي ، ما يحدث في سيناء ليس مواجهة بين بدو سيناء والأمن .

التعامل مع هذا الموضوع بهذه الزاوية الخطأ سيخلق شعورا متزايدا بالتوتر لدى أهالينا في سيناء ، وليس من المقبول أن تتم معالجة هذه القضية في ظل ذلك التصنيف المتعسف ، وأن يخرج علينا بعض الزملاء للحديث عن البدو الذين يشهرون مطالبهم السبعة في وجه الداخلية ، وأن يكون المطلوب الأول لدى الأمن أحد المصادر المهمة في التعامل الإعلامي ، وأن تفتح الساحة الإعلامية أمام هاربين من وجه العدالة لكي يضعوا شروطهم والأخطر أن يتم تقديمها باعتبارها مطالب للبدو .

الأكثر من ذلك أن يقوم هؤلاء الخارجون عن القانون بعقد مؤتمر صحفي وصفه أحد الزملاء تحت عنوان ” قبائل سيناء تعرض مطالبها اليوم في مؤتمر صحفي عالمي ” ، ويكون ذلك  المؤتمر ” العالمي ” الذي عقد بالأمس هو عبارة عن اثنين من المطلوبين للعدالة و الهاربين من أهالي سيناء أمام عدد قليل من الصحفيين ، يقف فيه أحد هذين الخارجين على القانون يحمل في يده سيجارة ملفوفة بالحشيش في تحد واضح أمام قليل من الصحفيين ليضع ما أسماه مطالب البدو ، وأسأل جميع الزملاء هنا : هل من العدل و الأمانة تجاه هذا الوطن ، وتجاه أهلنا في سيناء أن نسمي هؤلاء بدو سيناء ونتعامل معهم باعتبارهم يمثلون أهلنا في سيناء ، لا أملك إلا أن أقول حرام علينا جميعا إن نفخنا في النار بهذا الأسلوب حتى لو كنا لا ندري .

الصعايدة لم يكونوا خارجين على القانون عندما كان بينهم الخط ـ بضم الخاء ـ وأهلنا في سيناء ليسوا خارجين على القانون لأن بينهم خط جديد .

تحدثت بالأمس عن خط الصعيد ، وكيف لم يقع المصريون في ذلك الوقت في خطأ الخلط بين خط الصعيد و الصعايدة ، وكنا في ذلك الوقت أكثر حكمة عندما فصلنا بين الاثنين ، وهذه الحكمة هي الغائبة عنا هذه الأيام في التعامل مع ما يحدث في سيناء إذ نخلط بين بعض الخارجين عن القانون وبين أهلنا في سيناء .

وقد يكون مناسبا التذكير بحكاية خط الصعيد ثم نعود بعد ذلك إلى خط سيناء ، الخط ليس اسم شخص ولكنه لقب أطلق على بعض الأشخاص المجرمين الذين ارتكبوا العديد من الجرائم وبثوا الرعب فى نفوس المواطنين وظلوا طليقين تتعقبهم يد العدالة لفترة طويلة من الزمن وتناثرت حولهم العديد من الحكايات .

صاحب لقب الخط الأصلي هو محمد منصور ، بدأت اسطورته بمشاجرة بسيطة مع رجل يدعى طوسون من عائلة اسمها حميد ونتج عنها مقتل احد افراد عائلة حميد وهكذا بدأت قصة محمد منصور مع الإجرام ، بدايته كانت من درنكة مسقط رأسه وكان الرد سريعا من عائلة حميد فبدءوا فى البحث عنه لكهنم لم يجدوه لانه وجد طريقه الى الجبل للمحافظة على نفسه وكان القصاص من نصيب اثنين من أشقائه.

بعد صعوده الى الجبل فى عام 1914 اجتمع حوله المطاريد والخارجيين على القانون وبدءوا فى فرض سطوتهم وسرقوا وقتلوا وتاجروا فى المخدرات والسلاح وأشاع محمد منصور الرعب فى قلوب الناس فى المنطقة وحتى المناطق المجاورة وبالقوة التى حصل عليها محمد منصور ـ الخط ـ أصبح متعطشا للدماء حتى  انه ارتكب أكثر من 15 جريمة قتل وشروع فى قتل .

فى عام 1947 كانت النهاية لهذا السفاح حيث قام فى هذا الوقت بخطف احد الاطفال وطلب من اسرته فدية مقابل اطلاق سراحه فابلغ العمدة الشرطة ، وطلبت منه الشرطة ان يسايره حتى يتم الايقاع به وهذا هو ما حدث بالضبط واعدت الشرطة كمينا فى المكان المحدد للتسليم وتمكن شيخ الغفر فى هذه الاثناء من الإمساك بالمتهم وتقييده ودارت معركة بالرصاص سقط فيها الخط قتيلا لتنتهى بذلك قصة خط الصعيد.

كان من الغريب جدا أن أجد صورة سالم أبو لافي ـ الذي يصلح أن نطلق عليه لقب خط سيناء ـ  وهو على الصفحات الأولى للصحف حاملا في يده اليمنى سيجارة ملفوفة بالحشيش ، ويرفع يده الأخرى بعلامة النصر متحديا النظام  و السلطة و العرف  وما تعلمناه من أصول مهنية وصحفية ، و يصح في هذه الحالة التساؤل الذي تساءله أحد الأصدقاء : هل  يحدث هذا في مصر أم أنه يحدث في كولومبيا ، هل يمكن أن يحدث هذا في دولة بها قدر من العقل والمنطق ، وأن يفسح  المجال  من أجل خارج على القانون ليجري مؤتمرا صحفيا ، تتصدر صوره الصفحات الأولى للصحف ، وتتسابق شاشات الفضائيات من أجل تصويره وعرضه ، لا يمكن أن يحدث هذا إلا في دولة تسيطر عليها عصابات المخدرات ، ولا وجود فيها لأي نظام .

أعود إلى سالم أبو لافي الذي يتم التعامل معه على أنه كان الممثل الأصيل والوحيد للبدو في سيناء ، وهذا هو الخطأ الكبير الذي يقع فيه العديد من الزملاء الإعلاميين والصحفيين ، فأبو لافي  ومن معه  ليسوا  سوى مجموعة من الخارجين على القانون ، من منطقة سيناء ، ولا يصح أن يتم التعامل معهم بأنهم ” بدو سيناء ”  جميعهم ، وأن مطالبهم هي مطالب أهل سيناء ،  وليس من المناسب التعامل مع خارج على القانون على أنه ممثل أهل سيناء، ومن الجرم في حق الوطن أن نقع في هذا اللبس الخطير

ولمن لا يعرف سالم أبو لافى، تم احتجازه عام 2008 على إثر تصاعد احتجاجات أهالى سيناء عند الحدود مع إسرائيل بسبب مقتل 4 من أبناء قبيلة الترابين والرياشات برصاص الشرطة، وهو  أحد الذين توسطوا لتحرير العميد حسن كامل أحد قيادات قطاع الأمن المركزى برفح وبرفقته 51 جندياً من قوات الأمن المركزى ، والهارب من سيارة الترحيلات بسيناء فى 3 فبراير الماضى، و المتهم  فى قتل النقيب أحمد أسامة معاون مباحث بئر العبد والشرطى سيد غريب إسماعيل .

ويظل التساؤل مطروحا : هل يتم التعامل مع الخارج على القانون ، والمتهم في مواجهة الدولة ، على اعتبار أنه ممثل سيناء في وسائل الإعلام  التي تنادي بسيادة القانون وتنتقد الخروج عليه ، ما يحدث يحتاج إلى وقفة عاقلة من كل الأطراف في العمل السياسي والإعلامي ، ومن مسئولي الدولة ، فلا يمكن أن نعمل على هدم هيبة الدولة ، ولا ينبغي أن نصم أهل سيناء بما ليس فيهم ، ولا أن نعتبر خارج على القانون هو ممثل لمنطقة كاملة من الوطن .

وأعود وأذكر مرة أخرى أنه في أوائل القرن الماضي حين كانت هناك مواجهة بين خط الصعيد و قوات الأمن لم يحدث أن قال أحد أن هناك مواجهة بين الصعايدة والدولة ، ولم أقرأ أو أسمع أن صحيفة من الصحف في تلك الفترة أفردت له صفحات عن بطولاته كبطل مغوار.

تلك الصورة ، وذلك الأسلوب في التعامل مع هذه القضية والخلط بين الخارجين على القانون وأهالي سيناء ، ما هي إلا خناجر في جسد هذا الوطن حتى لو لم يقصد الضاربون أن تكون النتيجة هي طعناتهم  .