الإعلام والدولة.. من الجانى؟ (١)

المعانى التالية سبق أن تناولتها عدة مرات، تعددت المناسبات وطل الجدل حول الإعلام ودوره، سلبا أو إيجابا، فى مصر خلال الأعوام الأخيرة. والمراقب الأمين للأوضاع يعلم أن الإحساس العام والتوجه السائد فى مصر، نظاما وجمهورا، هو سلبى بامتياز فى هذه المرحلة، بل وقبلها بأشهر طويلة.

الحوار، بل الجدل والتجاذب، الدائر مؤخرا بعد تصريحات الرئيس الأخيرة، والتى اتسمت بالسلبية والعتاب الحاد تجاه مواقف الإعلام، أو جزء منه، فى تناول الوضع فى مصر بشكل عام وبعض تلميحات انتقادية لإدارة الرئيس نفسه لبعض الملفات. هذا الجدل يدعو لطرح نقاش جاد حول موضوع الإعلام. هذا الطرح ليس جديدا، وسبق أن كتبته وعرضته للنقاش، لكنى لم أجد أحدا حتى الآن فى الدولة المصرية جديته فى التعامل مع هذا الملف تتجاوز الاهتمام بالسمع، ولا بأس ببعض «الحواديت» التى تؤكد حضور الأزمة، أما ما بعد ذلك «لا شىء»، فى حدود معلوماتى على الأقل.

عبد اللطيف المناوى

يظل السؤال الرئيسى الذى لم يجب عنه مسؤول واحد فى الدولة: ماذا تريدون من الإعلام؟ بصيغة أخرى: ما هى استراتيجية الدولة المصرية الإعلامية؟

وأعود إلى ما سبق أن طرحته مرارا ولم يسمع أحد، على أمل أن يسمع أحد هذه المرة.

شهدت الساحة الإعلامية حالة من السيولة والفوضى الإعلامية تطيح بكل مصالح الدولة وقدرتها على السيطرة فى ظل غياب أهداف أو استراتيجية واضحة للدولة فى التعامل مع الإعلام تخدم مصالحها وتراعى الحالة غير المستقرة للوضع السياسى فى مصر والمنطقة العربية، وتزداد حالة السيولة والفوضى الإعلامية مع وصول عدد وسائل الإعلام من فضائيات وقنوات تليفزيونية رسمية، ومواقع إلكترونية إخبارية إلى المئات، 20 منها على الأقل لها جمهورها الذى تؤثر فيه، زاد هذا الجمهور أو قل.

وتعمل جميع الوسائل الإعلامية الإلكترونية أو المطبوعة أو المسموعة أو المرئية بدون تحديد أو معرفة بقضايا الأمن القومى، أو تحديد أهداف محددة لحماية الدولة ومراعاة المرحلة الانتقالية، كما أن هناك بعض أشكال التواصل غير المنضبطة بين بعض وسائل الإعلام والإعلاميين وبعض الأجهزة الأمنية، حيث يتم تناول أسرار ووثائق ومعلومات تتعلق بشخصيات سياسية أو اجتماعية بارزة فى المجتمع، ولأن هذه التسريبات تبدو غير محكومة فإنها تخلق حالة من التوتر فى المجتمع، خاصة مع انتشار الاتهامات بالعمالة والخيانة على مختلف الأطراف دون أن يكون لها داع أحيانا أو سند قانونى فى معظم الأحيان. غياب سياق يعمل داخله الإعلام، وغياب خطة مركزية قادرة على تعبئة الجماهير حول قضية وطنية واحدة تفتح الباب واسعا لسيادة هذا الشكل من الأداء.

وتزيد حالة السيولة والفوضى الإعلامية من ازدياد الاستقطاب السياسى والعقائدى مما يهدد السلام الاجتماعى، وقد يصل الأمر إلى تحريض بعض الإعلاميين على القتل وتنصيب أنفسهم قضاة ومحققين ووكلاء عن المجتمع، وأصبحت الوسيلة للانتشار لدى عديد من الإعلاميين أن يخاطبوا العوام بلغة غير مهنية ولا تراعى مواثيق شرف ولا قوانين ولا أخلاقيات مهنية، ويقوم الإعلام بقصد أو دون قصد ويبتز مشاعرهم فيخلق حالة من السيولة السياسية يجب أن تتوقف، كما أنه يتجاهل قضايا اجتماعية واقتصادية، ويقوم باستدعاء رجال الدين ليزيد من حدة الاحتقان الطائفى والعقائدى حتى بين المذاهب المختلفة فى الدين الواحد أو الأديان المختلفة دون مراعاة أى معايير مهنية، وإبراز أمراض المجتمع دون تقديم أى معالجة اجتماعية، وهو ما يهدد المجتمع نفسه.

فى إطار توصيف الحالة يمكن الحديث عن كيانات إعلامية تبدو متنافرة تخلق صورة غير متماسكة أو واضحة المعالم، لكن على الرغم من ذلك يمكن تقسيم الإعلام المصرى إلى إعلام تملكه الدولة- غير معروف أى جزء فيه هو المالك- وإعلام خاص يبدأ مستواه من صحف أو مواقع صغيرة، هو إعلام «بير السلم»، كما أسميه، وصولا إلى كيانات إعلامية ضخمة معظمها يحقق خسائر ضخمة مما يثير تساؤلات مشروعة وجادة وقلقا حقيقيا حول مصادر تمويل وطبيعة أهداف تلك الوسائل، وهذا يمس، بشكل مباشر، حدود الأمن القومى للبلاد.

ويظل السؤال المهم معلقاً: ماذا تريد الدولة من الإعلام؟.. وهذا حديث يُستكمل.