«خدوا بالكم من مصر»

1378625_407072516081837_2119787900_nعبد اللطيف المناوي

كان غريبا ومفرحا أن يرتفع صوت أغنية «تسلم الأيادى» ونحن نقترب بخطواتنا نحو مقر الأمم المتحدة بنيويورك، كان الصوت يزداد ارتفاعا كلما اقتربنا، وكان ممزوجا بأصوات مصرية تهتف بحماسة مع الأغنية «مصر.. مصر»، وعندما وصلنا وجدنا مشهدا لم يتمالك كثيرون أنفسهم من دموع فرت من الأعين من فرط التأثر والحماسة. رجال ونساء وأطفال، أعمار مختلفة، مسلمون ومسيحيون، كلهم يهتفون بحب وحماسة، والوجوه تعلوها ابتسامات حقيقية وفرحة تكاد تقفز من الوجوه. شعور غامر بالسعادة والفخر والاعتزاز بأن ننتمى جميعا إلى هذا البلد، إلى هذا الوطن.

«الوطن» هو كلمة السر، هو الفرقان الفاصل بين مواقف المصريين مما يحدث فى مصر، هؤلاء الذين رأيت يحتفلون بعودة الوطن إليهم حتى لو كانوا على بعد آلاف الأميال، وطن شعروا وشعرنا جميعا بأنه اختطف منا ولم نعتقد أن عودته يمكن أن تكون قريبة، لكنها إرادة الله أن يحمى هذا الوطن بيد أبنائه الذين خرجوا لينقذوه من مستقبل مجهول، أبناء الوطن من الشعب والجيش فكوا الوطن من أسره وحرروه من الاختطاف واستعدنا ما ظننا أنه ضاع إلى الأبد. لذلك كان منطقيا أن أجد من بين اللافتات الكثيرة واحدة تقول: «إحنا شعب جيشنا شعب وشعبنا جيش»، هذه الجملة التى تبدو مرتبكة التكوين هى فى الواقع تعبير حقيقى عن شعور المصريين، تأكد المصريون جميعا من الحقيقة التى حاول البعض تغييبها وساعد فى ذلك بعض الظروف والملابسات التى أحاطت مصر خلال الأعوام الأخيرة، ما خلق حالة من الانفصال بين الشعب وجيشه، لكن عادت الثقة والفهم الصحيح لموقع الجيش المصرى فى تكوين الدولة والأمة المصرية، فقد أعاد المصريون اكتشافهم لجيشهم، أو بتعبير أدق أزالوا الغبار عن تلك العلاقة الأزلية، علاقة وحدة نسيج الجيش والشعب.

فى الطريق إلى المظاهرة، وبينما تسير المجموعة التى ضمت أسماء معروفة ومحبوبة من الأوساط السياسية والفنية والإعلامية وهم يحملون أعلام مصر، شاهدهم أحد الأمريكيين السود بلحية أطلقها وشارب حلقه، وقرر أن يسير خلف المجموعة أو أمامها وهو يهتف ضد الجيش والفريق السيسى بإصرار غريب ورفض لسماع أى رأى آخر، وظل على هذا المنوال لمدة اقتربت من ربع الساعة، وهو الوقت الذى استغرقناه حتى الوصول إلى مكان المظاهرة أمام الأمم المتحدة. أذكر هذا المشهد والربط بينه وبين ما علمته بعد ذلك من أن العديد من الجوامع دعا فى صلاة الجمعة إلى التظاهر فى اليوم التالى، نفس يوم المظاهرة المؤيدة لخيار المصريين وقرارهم، لكنها كانت دعوة للتظاهر تأييدا للإخوان المسلمين. وبالفعل شهدت نيويورك مظاهرتين فى الوقت ذاته، لكن الفارق بينهما كان كبيرا. مظاهرة التأييد- كما وصفتها- يغلفها الأمل والسعادة فى استعادة الوطن، وتستطيع أن تلمس حجم الإحساس بالفخر بالانتماء إلى وطن اسمه مصر فى الوقت الذى غيم فيه على التظاهرة الأخرى غيوم من الكآبة والغضب والحزن، لكن الفارق الأكبر كان فى طبيعة المشاركين، بمظاهرة التأييد كان كلها من المصريين، أما المظاهرة الأخرى فقد كان فيها بعض المصريين من المخدوعين أو فاقدى القدرة على الرؤية الصحيحة والتزموا بالسمع والطاعة، أما الأغلبية العظمى فقد كانت من جنسيات أخرى باكستانية وأفغانية وجنسيات أخرى، ولم يستطع حجم الإنفاق الكبير على هذه المظاهرة إخفاء حقيقة أنهم لا يدافعون عن وطن لكنهم يدافعون أو ينفذون أوامر تنظيم لاقتناع أو انقياد أو بمقابل مادى.

من أكثر المشاهد التى توقفت أمامها كان عندما نادى وألح فى النداء علىَّ رجل عجوز، توجهت نحوه ولا أعلم ماذا يريد، فحيانى بحرارة وشد على يدى وقال بمزيج من القلق والفرحة والخوف الشديد: «خدوا بالكم من مصر، أرجوكم خدوا بالكم منها، إوعوا تضيع تانى».

فى طريق العودة استوقفتنا عائلة مصرية لتسأل عن مكان المظاهرة، كان ابنهم الصغير عمره حوالى ست سنوات، يلبس زيا قريبا للزى العسكرى، وصفنا لهم الطريق وأعطيت الطفل الصغير العلم الذى كان معى ليرفعه وهو يشارك المصريين الحقيقيين فرحتهم وفخرهم بأنفسهم وجيشهم ووطنهم.

مَن الخائن القرار أم السلوك؟

28sepعبد اللطيف المناوي

بصدور قرار محكمة الأمور المستعجلة بعابدين في القاهرة الأسبوع الماضي بحظر جمعية الإخوان المسلمين، والجماعة المنبثقة عنها، وجميع أنشطتها، والتحفظ على أموالها، في الدعوى المقامة من حزب التجمع، أصبحت ثالث مفارقة لحل الجماعة على مدار تاريخها.

رد فعل قادة الجماعة على قرار حلها وحظرها لم يختلف عن رد فعل أعضائها على قرار الحظر الأول، وصف بعضهم القرار بأنه حرب على الإسلام والمسلمين، وأنه موجه إلى الدعوة الإسلامية، وكأن الإسلام أصبح حكراً على جماعتهم. بعد قرار الحل الأول عام 1948 اعتبروه أيضاً حرباً على الإسلام، واعتداء على الدين، واعتداء على شرع الله، كما أنهم رأوا أن قرار حل «الإخوان» لا يصدر عن مؤمن، واعتبروه «قراراً خائناً أصدرته جهات خائنة». وكان هذا مقدمة لاغتيال رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت كما سأبين.

سأتوقف سريعاً عند قصتي حظر الجماعة، مع بعض التركيز على ملابسات القرار الأول في هذه المرة، لمحاولة خلق حالة مقارنة بين سلوك الأمس وسلوك اليوم لجماعة ادّعت دائماً أنها دعوية.

كان عام 1948 عام الكوارث على الإخوان المسلمين، في السابع والعشرين من فبراير وقع انقلاب على نظام الحكم في اليمن اغتيل فيه الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن على يد المعارضة بزعامة عبدالله الوزيري، وكان لحسن البنا وللجماعة دور كبير في هذا الانقلاب بالتعاون مع البدر حفيد الإمام يحيى، لإعداد اليمن ليكون أولى دول الخلافة، ولكن الانقلاب لم يدم أكثر من ستة وعشرين يوماً فقط، فكان ذلك بداية التوتر بين ملك مصر وحكومتها من جانب وجماعة الإخوان المسلمين ورجلها الأول حسن البنا «مشروع الخليفة وقتها» من جانب آخر. وفي الثاني والعشرين من مارس من نفس العام (1948) قام التنظيم السري للجماعة باغتيال القاضي أحمد بك الخازندار على يد اثنين من الإخوان، بعدما حكم في قضية كان أحد أطرافها عضواً في الجماعة. وخرج حسن البنا في لقاء الثلاثاء، وهو يوم لقائه بالجماعة من كل أسبوع ليخطب، وأنكر قيام الجماعة باغتيال القاضي أحمد الخازندار إلى أن أثبتت التهمة وثبت كذبه، وتم الحكم على الفاعلين بعد خمسة أشهر.

وفي الخامس عشر من نوفمبر من نفس العام (1948) أمسكت الشرطة سيارة جيب بها مستندات تخص جماعة الإخوان المسلمين عبارة عن مخططات تفجير سفارتي أميركا وبريطانيا وأماكن أخرى، ومستندات كل عمليات التفجير التي تمت في الآونة الأخيرة، فضلاً عن بعض القنابل والمتفجرات. والأهم من ذلك القبض على ثلاثة من رجال الإخوان، كان أهمهم مصطفى مشهور أحد الخمسة المؤسسين والمسؤولين عن التنظيم السري.

وفي الرابع من ديسمبر من نفس العام جرت تظاهرة بكلية الطب بجامعة فؤاد (القاهرة)، فقاد اللواء سليم زكي -حكيمدار شرطة القاهرة- قوات الأمن لفض التظاهرة، وإذا بطالب ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين يلقي عليه قنبلة من الطابق الرابع فسقطت أمامه فمات على الفور. اشتعل الموقف بعد هذا الحادث بين الحكومة السعدية والإخوان، مما دعا حسن البنا إلى أن يطلب من رئيس مجلس النواب حامد جودة في نفس اليوم التوسط لدى محمود النقراشي باشا رئيس الوزراء، لبدء صفحة جديدة بين الجماعة والوزارة، لكن جودة رفض مطلبه. حاول البنا الاتصال بالملك فاروق أو بإبراهيم عبدالهادي رئيس الديوان الملكي، في محاولة لاحتواء الأزمة، ولكن دون فائدة. وبعد يومين من الحادث صدر الأمر بإغلاق صحيفة الإخوان، وفي نفس اليوم خرجت جريدة الأساس جريدة الحزب الحاكم بعنوان «أخبار سارة ستذاع قريباً».

في الثامن من ديسمبر من نفس العام (1948)، أي بعد يومين آخرين، وبالتحديد في الساعة العاشرة مساءً، اتصل عبدالرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية بالمرشد حسن البنا ليبشره أن أخباراً سارة ستذاع في الراديو بعد قليل من شأنها إنقاذ الموقف، فشكره حسن البنا. وتجمع قادة الجماعة ومعظم المنتمين إليها بالمقر العام في الدرب الأحمر بقلب القاهرة، والتفوا جميعاً حول الراديو في انتظار الأخبار التي ستتم إذاعتها. وفي الساعة الحادية عشرة مساء أذاع راديو القاهرة أمر الحاكم العسكري العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد، ومصادرة أموالها وممتلكاتها. بعد أقل من عشر دقائق خرج الإخوان من المقر العام فوجدوا أن المكان قد تم حصاره من جميع الجهات، وأنهم وقعوا في الفخ وتم القبض عليهم جميعاً ما عدا حسن البنا المرشد العام ومؤسس الجماعة.

قرر الإخوان الانتقام من النقراشي باشا رئيس الوزراء رداً على قرار حل الجماعة، والذي رأوا فيه اعتداء على الدين، واعتداء على شرع الله، كما أنهم رأوا أن قرار حل الإخوان لا يصدر عن مؤمن- كما ذكر محمود الصباغ أحد قادة التنظيم السري، وأنهم رأوا أن شخصاً كمثل النقراشي باشا لابد أن يزاح عن الطريق بأي ثمن. وفي صباح يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ديسمبر، أي بعد عشرين يوماً من قرار الحل، وفي بهو وزارة الداخلية، تنكّر شاب من شباب الإخوان المسلمين في زي ضابط وأطلق الرصاص على النقراشي باشا بين أفراد حراسته فأرداه قتيلاً، ودفع ثمن قرار حل الجماعة.

وعقب ثورة 23 يوليو عام 1952، أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً بحل جميع الأحزاب السياسية في البلاد، مستثنياً جماعة الإخوان المسلمين، لكونها كانت تقدم نفسها «جماعة دينية دعوية»، حيث قال المرشد العام للجماعة وقتئذ حسن الهضيبي لوزير الداخلية سليمان حافظ، إن «الإخوان جمعية دينية دعوية، وأعضاؤها وتكويناتها وأنصارها لا يعملون في المجال السياسي، ولا يسعون إلى تحقيق أهدافهم عن طريق أسباب الحكم كالانتخابات»، ولكن كالعادة حاولت الجماعة القفز والسيطرة على الحكم، فوقع الصدام بين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر و»الإخوان»، عقب محاولة اغتياله في ميدان المنشية بالإسكندرية، فتم حل الجماعة للمرة الثانية في 29 أكتوبر 1954.

واليوم هذا هو قرار الحل الثالث، الاختلاف ان قرار المحكمة هذه المرة يأتي ليقرر ما هو قائم بالفعل، فالجماعة باتت محظورة بقرار شعبي.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

أحلام البسطاء

2013052113691401650عبد اللطيف المناوي

عندما أظلم المستقبل، وعندما غابت أى بارقة أمل فى المستقبل خرج المصريون ليطيحوا بمن سرق منهم الأمل وأظلم عليهم حياتهم. أحد الدوافع الرئيسية لثورة الثلاثين من يونيو هو تلك الحالة من اليأس التى سكنتنا فى جدوى استمرار هذه الجماعة التى اختطفت الوطن وسرقت أحلام الناس. عندما خرج الملايين لم يكن لديهم تصور لليوم التالى، بل كان خروجا من أجل اقتلاع ظلام اليأس، وبحثا عن طاقة نور. وعندما تمكن المصريون من استعادة بلدهم مرة أخرى عشنا جميعا النشوة، نشوة الانتصار والإحساس بالإنجاز، ومازلنا نعيش تلك الحالة حتى الآن. لكننى اليوم أدق جرس الإنذار، حالة النشوة ليست حالة أبدية، بل هى حالة وقتية، وإذا كانت تلازمها حتى الآن، فذلك لأن ما أنجز كبير ومفاجئ ومفرح، لذلك تمكنا، طوال تلك الفترة، من تجاوز كل حالات الإحباط وكل ما بدا ويبدو أمامنا من مشكلات أو معوقات، لكن المشكلة أن هذه الحالة وقتية مهما طال الزمن، والحل الوحيد الذى يضمن استمرارها يكمن فى أن يستعيد المصريون الأمل فى المستقبل، وهذا هو الأمر الذى لم يحدث حتى الآن، فما نراه هو عودة بشكل أو بآخر إلى تلك الدوائر القديمة من التراخى والإهمال وغياب الإحساس بأن ما فعله المصريون كبير ويستحقون من أجله واقعا مختلفا وأملا فى المستقبل، وهذا إنذار مبكر. عندما خرج الفريق السيسى يوم الثالث من يوليو ليعلن انحياز الجيش لشعبه، وحرصا منه على تأكيد مفهوم عدم التدخل فى إدارة شؤون البلاد السياسية، ترك أمر تشكيل الحكومة للرئيس المؤقت والقوى السياسية، وأظن- ويظن معى كثيرون- أن الأفضل فى ذلك الوقت كان تشكيل حكومة طوارئ تقوم بإدارة شؤون البلاد لا يتجاوز عددها عشرة وزراء، لكن لم يحدث هذا، وخرجت علينا تلك الوزارة التى شهدت عمليات فصال وجدل ومساومات سياسية ولى ذراع متبادل بين ما تسمى قوى سياسية، هى فى الواقع لا تملك حضورا واضحا فى الشارع، وبدلا من حكومة تحمل إحساس الطوارئ، خرجت علينا حكومة مزدحمة بالوزراء، كأننا نعيش مرحلة الاسترخاء التى عانينا منها طويلا من قبل، وتم اختراع مناصب وملفات داخل الوزارة، فى محاولة لتلبية رغبات القوى السياسية غائبة الشعبية. أصبحت اجتماعات مجلس الوزراء أشبه باجتماعات مجالس الجمعيات التعاونية، التى يتحدث كل شخص فيها فيما يخصه وما لا يخصه، وظهرت، منذ البداية، تلك الحالة من غياب القدرة على الفعل أو الإحساس بإلحاح الأزمات وحاجة المواطن إلى استعادة الأمل. ولأن مجلس الوزراء مزدحم، ولأن كل منهم لديه الرغبة فى الحديث فيما يعنيه وما لا يعنيه، أصبح الإحساس العام بأن هذه الوزارة منفصلة عن الشارع تماماً كالوزارات التى مرت على مصر لعقود مرت، وبدا واضحا أنها حكومة يغيب عنها الوعى بإلحاح اللحظة، وبدا الأمر كأننا نعيش أجواء سابقة. هذا الوضع يؤكد أننا نقع مرة أخرى فى ذات الخطأ، نغير «الهارد وير» ويبقى «السوفت وير» كما هو، بمعنى آخر غيرنا الأجساد وبقيت العقول كما هى. المطلوب دق جرس الإنذار بشدة فوق رؤوس الجميع، المطلوب تفسير ما يحدث من البعض وإيقافه، المطلوب استعادة إحساس الخطر وإعادة الثقة للناس فى أن من يديرون قادرون على استعادة الأمل. هذا يحدث عندما يتوقف المسؤولون عن ممارسات تبدو متناقضة مع الحالة التى يعيشها المصريون بعد ثورتهم. وحتى أفسر نفسى أستعرض بعض مواقف من الذاكرة صدمتنى كما صدمت كثيرين. فليس مفهوما مثلا أن يقوم أحد نواب رئيس الوزراء بزيارتين إلى كندا فى أقل من شهرين فى عمر الوزارة، وتقول وكالة الأنباء الرسمية إنه يسافر ليجرى مباحثات مع كبار المسؤولين فى كندا تتناول دعم التعاون الاقتصادى بين البلدين فى شتى المجالات، بينما تتردد الأقاويل فى الأروقة أنه يسافر لزيارة ابنه أو لإنهاء إجراءات الجنسية الكندية، وكلا الأمرين لا غبار عليهما كموضوع شخصى، لكن تظل الأسئلة المعلقة: هل هذا وقته؟ السؤال الثانى: لماذا نلبس الأمور غير حقيقتها؟ لماذا نستفز الناس بتفسيرات هى ذاتها مستفزة؟. ويؤكد لنا المسؤولون أن العادة التاريخية لغياب التنسيق مازالت قائمة ولم تسقط مع الإخوان، وهى غياب التنسيق بين أطراف الدولة حتى نظن أنهم متخاصمون أو يعادون بعضهم بعضا. لأن المساحة محدودة، فأستغل السطر الأخير لأقول إن الأداء الحالى لا يخلق طاقة أمل لدى المصريين، البسطاء لا يشعرون بأن لهم أحلاما فى طريقها للتحقيق، وهذا مؤشر جد خطير. تزول النشوة مهما طالت ويبقى الواقع الذى يحتاج إلى إرادة حقيقية كى ننجح.

محاولات بيع ارض مصر التي رفضها كل المصريين الا…

عبد اللطيف المناوي

 abd el lateeeeefffمسالة تبادل الأراضي احد الأفكار القديمة التي يمكن القول لن عمرها هو عم القضية الفلسطينية تقريبا. ويروى أن الرئيس الأسبق أنور السادات في أثناء المفاوضات مع إسرائيل عرضوا عليه الفكرة، وكانت تتلخص في ان تتنازل مصر عن جزء من أرضها في سيناء مقابل قطعة ارض موازية في صحراء النقب. كان السادات شديد الخبث عندما وافق بشرط ان يختار هو مكان الأرض البديلة. فأتى السادات بالخريط ووضع علامة على ما يريد في المقابل، واكتشف المفاوضون الأمريكيون والإسرائيليون انه وضع علامة علامة ميناء إيلات منفذ إسرائيل الوحيد على البحر الأحمر، ولم يفاتحوه في الأمر بعدها.

بعد تولي الرئيس الأسبق مبارك الحكم ظلت المحاولات لإقناعه، وظل رافضا حتى اللحظة الأخيرة من حكمه رغم كل الإغراءات وكل الضغوط، وهذا ما أشار اليه في حديثه أو “دردشته” مع طبيبه التي نشرت مؤخراً.
ركب الاخوان على نفس مصر لمدة عام ولا ندري ماذا حدث في هذا العام حتى الآن، ولكن المؤشرات تقول انه في هذا الملف تحديدا يبدو أن هناك تنازلات قدموها أو التزام بتقديمها وهذا يفسر من بين أمور أخرى ذلك الغضب والمفاجأة لسقوط الاخوان من قبل أطراف غربية.
مرة أخرى قد يكون من المناسب استعراض لجزء من وثيقة جيورا إيلاند مستشار الامن الثومي الاسرائيلي الاسبق مطلع 2010، الوثيقة طويلة ومليئة بالتفاصيل ولكني ساتوقف هنا سريعا عند بعض النقاط المهمة.
تقول احد اجزاء الوثيقة “اقترحت الإدارة الأمريكية علي الدول العربية إعطاء إسرائيل مقابلا لاستعدادها التنازل عن أراض مقابل الاتفاق. ففي نظر هذه الإدارة ليس في مستطاع الفلسطينيين وحدهم دفع الثمن لإسرائيل مقابل التنازلات الكبيرة التي ستقدمها في إطار اتفاق السلام. والثمن المنتظر تقديمه من الدول العربية هو تحسين علاقاتها مع إسرائيل. وعلي الرغم من أهمية ذلك، فمن الواضح صعوبة “تعويض” خسارة إسرائيل كل مناطق الضفة مقابل بوادر حسن نية أو أمور أخري.كما أنه من الصعب موضوعياً، عدم رؤية شوائب حل الدولتين. فمن جهة ستضطر إسرائيل وفلسطين للاكتفاء بدولة صغيرة ومكتظة سكانيا، ومن جهة أخري ستكونان محاطتين بدول ذات أراض شاسعة، مع عدد قليل من السكان (الأردن، صحراء سيناء، السعودية). فالأمر الوحيد الذي تملكه الدول العربية بكثرة وتحتاج إليه إسرائيل وفلسطين بصورة حادة هو الأرض. فإذا تنازلت هذه الدول عن جزء قليل من الأرض، يمكن إدخال تحسينات كبيرة علي وضع إسرائيل والدولة الفلسطينية” وتستمر الوثيقة لتشرح كيفية “تكبير الكعكة” بحيث يخرج الجميع رابحين: “أسس الاقتراح:1ـ تنقل مصر إلي غزة مناطق مساحتها نحو 720 كيلومترا. وتشمل هذه المنطقة جزءاً من الشريط المبني الممتد علي طول 24 كيلومتراً علي طول شاطيء البحر المتوسط من رفح غربا حتي العريش. بالاضافة إلي شريط يقع غرب كرم سالم جنوبا، ويمتد علي طول الحدود بين إسرائيل ومصر. وتؤدي هذه الزيادة، إلي مضاعفة حجم قطاع غزة البالغ حاليا 365 كيلومترا نحو ثلاث مرات.
2 ـ توازي مساحة 720 كيلومتراً حوالي 12 في المئة من أراضي الضفة الغربية. ومقابل هذه الزيادة علي أراضي غزة، يتنازل الفلسطينيون عن 12في المئة من أراضي الضفة التي ستضمها إسرائيل إليها.
3 ـ مقابل الأراضي التي ستعطيها مصر إلي فلسطين ستحصل من إسرائيل علي منطقة جنوب غرب النقب. ويمكن أن يصل حجم الأراضي التي ستنقلها إسرائيل إلي مصر إلي 720 كيلومتراً، ويمكن أن تكون أصغر.
وبه ان يشرح الفائدة التي تجنيها غزة يبدأ شرح الفائدة بالنسبة لمصر. تقول الوثيقة “مقابل إعطاء مصر (للفلسطينيين وليس لإسرائيل) 720 كيلومتراً من أرضها “المقدسة”، ستحصل علي عدة فوائد: 1 ـ أرض مقابل أرض. إذ ستحصل مصر من إسرائيل علي أرض تقع جنوب النقب حجمها 720 كيلومتراً. 2 ـ مصر اليوم معزولة جغرافياً عن جزء أساسي من الشرق الأوسط (هو الجزء الشرقي)، وذلك عبر البحر الأحمر إلي الشرق الجنوبي، والبحر المتوسط في الشمال. ومن أجل السماح بارتباط بري، ستسمح إسرائيل بحفر قناة تربط بين الأردن ومصر. وستمر القناة التي يبلغ طولها نحو عشرة كيلومترات من الشرق إلي الغرب (علي بعد خمسة كيلومترات من إيلات) وتكون خاضعة للسيادة المصرية الكاملة. بحيث لايحتاج الانتقال من مصر إلي الأردن إلي موافقة إسرائيلية. 3ـ بين المطار الجديد في غزة الكبري، والمرفأ البحري الجديد علي شاطيء البحر المتوسط، والقناة التي تربط مصر بالأردن، يجري شق شبكة من الطرق السريعة للسيارات، ويمد أنبوب للنفط (مسار هذه الخطوط سيكون بمثابة حدود أردنية – مصرية علي الجانب المصري) وتجتاز هذه الخطوط الثلاثة القناة إلي الأردن، ومن هناك ستتوزع شمالاً في اتجاه الشمال الشرقي نحو العراق والأردن، وجنوباً في اتجاه السعودية ودول الخليج. وسيؤدي هذا الربط إلي فوائد اقتصادية ضخمة. والفائدة التي ستجنيها مصر واضحة: إذ ستحصل الجمارك المصرية علي حصتها من حركة التنقل بين الأردن والعراق والخليج العربي من جهة ومرفأ غزة من جهة ثانية. 4ـ تعاني مصر مشكلة مياه آخذة في التفاقم. فهناك زيادة كبيرة في عدد السكان مقابل تراجع في مصادر المياه العذبة. وليس باستطاعة دولة نحو خمسين في المئة من سكانها يعيشون علي الزراعة الاستمرار، لعقد أو أكثر من دون حل جذري لمشكلة المياه. الأمر الذي يقتضي توظيف استثمارات في تحلية مياه البحر وتكرير المياه، ويتطلب هذا أموالاً طائلة وتكنولوجيا متطورة. وهو ما لا تملكه مصر، من هنا مقابل “الكرم” المصري، سيوظف العالم في مصر (عبر البنك الدولي) في مشاريع تحلية المياه وتكرريها. 5 ـ لقد أعطي اتفاق السلام المصري – الإسرائيلي مصر الكثير من الإنجازات، ولكنه في المقابل فرض قيوداً كثيرة وقاسية علي انتشار قواتها العسكرية في سيناء. وستوافق إسرائيل كجزء من إقدامها علي إجراء تغييرات علي الملحق العسكري لاتفاق السلام، مما سيسمح لمصر أن تقول لشعبها: صحيح أننا تنازلنا عن واحد في المئة من سيناء، لكن هذا التنازل سيسمح لنا بعد ثلاثين عاماً، بتطبيق السيادة المصرية بصورة أفضل علي 99 في المائة من أرضنا. 6 ـ تسعي مصر مثل العديد من الدول في المنطقة إلي الحصول علي الطاقة النووية (لأغراض سلمية)، وبناء مفاعلات نووية من أجل انتاج الكهرباء”.
ما فات كان آخر المحاولات العلنية والذي ظلت مصر بقيادتها ترفضه دائماً، اما ما حدث سرا بعد ذلك فلا ادري متى يظهر للنور.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

كرداسة

عبد اللطيف المناوي21sep

عندما يسيطر القبح على المشاهد يتراجع الجمال، ولكن يظل كامناً إذا ما كان حقيقياً وأصيلاً، وفي مصر يحاول القبح أن يحكم المدينة، يسعى المنتمون إلى الجزء الطامع في السلطة والانتقام، من الجماعات الإسلامية السياسية والإرهابية منها على وجه التحديد، وفي صدارتها جماعة “الإخوان المسلمين”، يسعى هؤلاء إلى سيادة القبح تحت شعارات ودعاوى تبدو وكأنها حق، ولكن الحقيقة أنها باطل، لكن المطمئن أن مكامن الجمال وطبيعة الشخصية المصرية أصيلة، وأثبت التاريخ أنها لا تضيع أو تتوه خلف موجات القبح حتى وإن بدا أنها توارت.

كرداسة هي آخر المتعرضين لموجة “التقبيح” بسبب سيطرة “الإخوان” وأتباعهم عليها، وما ارتبطت به من أعمال إرهابية، خاصة مذبحة قسم الشرطة يوم الرابع عشر من أغسطس الماضي يوم فضّ اعتصام رابعة عندما توجه البعض إلى القسم وأحرقوا المبنى وقتلوا مأمور القسم وضباطه وعساكره وذبحوهم ومثّلوا بجثثهم في مشهد من الصعب أن ينساه كل من شاهده، وخلال الأيام الأخيرة تمكنت قوات الأمن المصرية من اقتحام المنطقة بعد أن تحولت إلى المعقل الرئيسي للهاربين من الجماعات الإسلامية المصرة على مواجهة الدولة والمجتمع، وساعدهم على ذلك طبيعة كرداسة جغرافياً.

ولكن هل مازالت كرداسة قادرة على تجاوز موجات التقبيح التي تعرضت وتتعرض لها؟ إذا ما نظر أي سائح إلى مصر في ما حمل معه من تذكاراتها ففي الغالب سيجد أحد منتجات كرداسة، ولاسيما بين السياح العرب، فإن هذه المنطقة وهذا الاسم مرتبط لديهم بالنسيج والأقمشة والعبايات والجلاليب والمفارش، هذه هي كرداسة التي يعرفونها، والتي يعرفها التاريخ كمدينة صغيرة قديمة ارتبط اسمها بالنسيج، بل وصل الأمر إلى القول إن النسيج بدأ فيها قبل إقامة القرية!

مركز كرداسة مقره كرداسة، وهي من أكبر مدن محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية، وهي من القرى القديمة في مصر، فقد تطرقت إلى ذكرها في أكثر من موضع المؤلفات التي اهتمت بحصر القرى المصرية مثل القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945م لمؤلفه محمد بك رمزي، كما أتى ذكرها في الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك بالجزء الخامس عشر، حيث تحدث عن صفاتها، وأن بها أنوالاً لنسيج المقاطع القطنية والأحرمة الصوفية وغير ذلك، فضلاً عن المصابغ والطواحين، وأن لها سوقاً يوم الاثنين تباع فيه المواشي وغيرها، وتزرع فيها الملوخية والبامية قبل وقتهما، الغريب أن هذا السوق مازال قائماً حتى اليوم، ولكن من ذهب إلى كرداسة مؤخراً اكتشف أن السوق بات مدينة خوف ورعب. ولا يعرف أحد على وجه التحديد متى بدأت صناعة النسيج في كرداسة، فهي تكاد تكون من قدم البلدة نفسها، لكن المعروف أن أولى خطوات تطوير هذه الصناعة كانت على يد النائب البرلماني محمود باشا فهمي المكاوي ابن المنطقة، والذي قام بتأسيس الجمعية التعاونية لصناعة النسيج عام 1943، ووصل عدد مصانع النسيج بها إلى حوالي ستمئة مصنع صغير، هي سر حياة المنطقة.

لم يكن النسيج وحده قريناً لاسم كرداسة، ولكنها ارتبطت أيضاً ببعض رموز التشدد في الحركات الإسلامية مثل قرية ناهيا، فهي مسقط رأس عائلة الزمر التي ينتمي طارق وعبود الزمر إليها، فطارق الذي سُجِن بتهمة قتل السادات، يعد الآن من المطلوبين بتهمة التحريض على العنف.

ومع اعتلاء جماعة “الإخوان المسلمين” مقاليد الحكم في البلاد وصعود الرئيس المعزول محمد مرسي إلى قمة السلطة التنفيذية للدولة حيث رئاسة الجمهورية، عادت كرداسة معقلاً لأعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” وحاضنة للفكر الديني المتطرف، ولعل الطبيعة الجغرافية لمنطقة كرداسة ساهمت في أن تصبح قرية أبو رواش التابعة لمركز كرداسة إحدى أهم قرى السلاح في مصر ومركزاً للبؤر الإرهابية والعناصر الإجرامية المطلوبة، فللقرية ظهير صحراوي يجعل من السهل الدخول والخروج منها.

وبعد مذبحة قوة التأمين التابعة لقسم مركز شرطة كرداسة يوم 14 أغسطس نشطت الخلايا المتطرفة بها لتمارس عملاً إرهابياً ضد الدولة، وتنتقص من وضعها الأمني لتتحول كرداسة إلى بؤرة تؤوي مطلوبين ومسلحين، وبهذا رفعت كرداسة راية العصيان ودخلت في معركة مصير، حيث “الداخلية” في مصر إما أن تكون أو لا تكون.

(متاريس… حواجز أسمنتية… أسلحة نارية ما بين الآلي و”المتعدد” و”الآر بي جي”… دشم وعوائق معدنية… يظن من يرى ذلك أنه في منطقة حرب، لكن المفاجأة أن ذلك المشهد هو في مركز كرداسة بالجيزة عقب إعلان عدة جماعات إسلامية سيطرتها عليها وإعلانها إمارة إسلامية؛ رداً منها على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة)… هذا هو الوصف الذي قدمه زميل صحافي في تحقيق له عن كرداسة تحت سيطرة “الإخوان” وحلفائهم، وتحولت من جنة للسياحة إلى موطن للمسلحين والمجرمين والهاربين والفضل لهم.

 كرداسة ذلك المركز الذي ذاع صيته واشتهر عالمياً، لكن ليس بمزاراته السياحية بل بمجزرة مؤسفة بكل المقاييس عندما انتزعت الرحمة من قلوب البعض وقاموا باقتحام قسم الشرطة وسحل وقتل المأمور ونائبه ومعاوني المباحث على مرأى ومسمع من الجميع، سيطروا عليه وأرادوه إمارة للقبح والعنف، ولم يكن أمام السلطات المصرية إلا أن تطهر المدينة مما يشوبها، وقد تأخر هذا التدخل كثيراً للحد من الضحايا.

خرج القبح من المدينة، فهل يعود إليها جمال الذكريات التي يحملها كل من زارها، وهو ينظر إلى ألوان نسيجها المفعم بالحياة؟ أتمنى.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

كرداسة

article2عبد اللطيف المناوي

عندما يسيطر القبح على المشاهد يتراجع الجمال، ولكن يظل كامناً إذا ما كان حقيقياً وأصيلاً، وفي مصر يحاول القبح أن يحكم المدينة، يسعى المنتمون إلى الجزء الطامع في السلطة والانتقام، من الجماعات الإسلامية السياسية والإرهابية منها على وجه التحديد، وفي صدارتها جماعة “الإخوان المسلمين”، يسعى هؤلاء إلى سيادة القبح تحت شعارات ودعاوى تبدو وكأنها حق، ولكن الحقيقة أنها باطل، لكن المطمئن أن مكامن الجمال وطبيعة الشخصية المصرية أصيلة، وأثبت التاريخ أنها لا تضيع أو تتوه خلف موجات القبح حتى وإن بدا أنها توارت.

كرداسة هي آخر المتعرضين لموجة “التقبيح” بسبب سيطرة “الإخوان” وأتباعهم عليها، وما ارتبطت به من أعمال إرهابية، خاصة مذبحة قسم الشرطة يوم الرابع عشر من أغسطس الماضي يوم فضّ اعتصام رابعة عندما توجه البعض إلى القسم وأحرقوا المبنى وقتلوا مأمور القسم وضباطه وعساكره وذبحوهم ومثّلوا بجثثهم في مشهد من الصعب أن ينساه كل من شاهده، وخلال الأيام الأخيرة تمكنت قوات الأمن المصرية من اقتحام المنطقة بعد أن تحولت إلى المعقل الرئيسي للهاربين من الجماعات الإسلامية المصرة على مواجهة الدولة والمجتمع، وساعدهم على ذلك طبيعة كرداسة جغرافياً.

ولكن هل مازالت كرداسة قادرة على تجاوز موجات التقبيح التي تعرضت وتتعرض لها؟ إذا ما نظر أي سائح إلى مصر في ما حمل معه من تذكاراتها ففي الغالب سيجد أحد منتجات كرداسة، ولاسيما بين السياح العرب، فإن هذه المنطقة وهذا الاسم مرتبط لديهم بالنسيج والأقمشة والعبايات والجلاليب والمفارش، هذه هي كرداسة التي يعرفونها، والتي يعرفها التاريخ كمدينة صغيرة قديمة ارتبط اسمها بالنسيج، بل وصل الأمر إلى القول إن النسيج بدأ فيها قبل إقامة القرية!

مركز كرداسة مقره كرداسة، وهي من أكبر مدن محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية، وهي من القرى القديمة في مصر، فقد تطرقت إلى ذكرها في أكثر من موضع المؤلفات التي اهتمت بحصر القرى المصرية مثل القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945م لمؤلفه محمد بك رمزي، كما أتى ذكرها في الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك بالجزء الخامس عشر، حيث تحدث عن صفاتها، وأن بها أنوالاً لنسيج المقاطع القطنية والأحرمة الصوفية وغير ذلك، فضلاً عن المصابغ والطواحين، وأن لها سوقاً يوم الاثنين تباع فيه المواشي وغيرها، وتزرع فيها الملوخية والبامية قبل وقتهما، الغريب أن هذا السوق مازال قائماً حتى اليوم، ولكن من ذهب إلى كرداسة مؤخراً اكتشف أن السوق بات مدينة خوف ورعب. ولا يعرف أحد على وجه التحديد متى بدأت صناعة النسيج في كرداسة، فهي تكاد تكون من قدم البلدة نفسها، لكن المعروف أن أولى خطوات تطوير هذه الصناعة كانت على يد النائب البرلماني محمود باشا فهمي المكاوي ابن المنطقة، والذي قام بتأسيس الجمعية التعاونية لصناعة النسيج عام 1943، ووصل عدد مصانع النسيج بها إلى حوالي ستمئة مصنع صغير، هي سر حياة المنطقة.

لم يكن النسيج وحده قريناً لاسم كرداسة، ولكنها ارتبطت أيضاً ببعض رموز التشدد في الحركات الإسلامية مثل قرية ناهيا، فهي مسقط رأس عائلة الزمر التي ينتمي طارق وعبود الزمر إليها، فطارق الذي سُجِن بتهمة قتل السادات، يعد الآن من المطلوبين بتهمة التحريض على العنف.

ومع اعتلاء جماعة “الإخوان المسلمين” مقاليد الحكم في البلاد وصعود الرئيس المعزول محمد مرسي إلى قمة السلطة التنفيذية للدولة حيث رئاسة الجمهورية، عادت كرداسة معقلاً لأعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” وحاضنة للفكر الديني المتطرف، ولعل الطبيعة الجغرافية لمنطقة كرداسة ساهمت في أن تصبح قرية أبو رواش التابعة لمركز كرداسة إحدى أهم قرى السلاح في مصر ومركزاً للبؤر الإرهابية والعناصر الإجرامية المطلوبة، فللقرية ظهير صحراوي يجعل من السهل الدخول والخروج منها.

وبعد مذبحة قوة التأمين التابعة لقسم مركز شرطة كرداسة يوم 14 أغسطس نشطت الخلايا المتطرفة بها لتمارس عملاً إرهابياً ضد الدولة، وتنتقص من وضعها الأمني لتتحول كرداسة إلى بؤرة تؤوي مطلوبين ومسلحين، وبهذا رفعت كرداسة راية العصيان ودخلت في معركة مصير، حيث “الداخلية” في مصر إما أن تكون أو لا تكون.

(متاريس… حواجز أسمنتية… أسلحة نارية ما بين الآلي و”المتعدد” و”الآر بي جي”… دشم وعوائق معدنية… يظن من يرى ذلك أنه في منطقة حرب، لكن المفاجأة أن ذلك المشهد هو في مركز كرداسة بالجيزة عقب إعلان عدة جماعات إسلامية سيطرتها عليها وإعلانها إمارة إسلامية؛ رداً منها على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة)… هذا هو الوصف الذي قدمه زميل صحافي في تحقيق له عن كرداسة تحت سيطرة “الإخوان” وحلفائهم، وتحولت من جنة للسياحة إلى موطن للمسلحين والمجرمين والهاربين والفضل لهم.

 كرداسة ذلك المركز الذي ذاع صيته واشتهر عالمياً، لكن ليس بمزاراته السياحية بل بمجزرة مؤسفة بكل المقاييس عندما انتزعت الرحمة من قلوب البعض وقاموا باقتحام قسم الشرطة وسحل وقتل المأمور ونائبه ومعاوني المباحث على مرأى ومسمع من الجميع، سيطروا عليه وأرادوه إمارة للقبح والعنف، ولم يكن أمام السلطات المصرية إلا أن تطهر المدينة مما يشوبها، وقد تأخر هذا التدخل كثيراً للحد من الضحايا.

خرج القبح من المدينة، فهل يعود إليها جمال الذكريات التي يحملها كل من زارها، وهو ينظر إلى ألوان نسيجها المفعم بالحياة؟ أتمنى.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

ماذا تريد قطر؟ (الأخيرة)

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

يقول البعض فى قطر إنهم يريدون إعادة الأمور إلى مجاريها، لن أشكك فى طرح من يطرحون هذه الرغبة، لكن هذا يتطلب العديد من الخطوات التى تؤكد مثل هذه الرغبات، وليس هناك مجال للقول بأن الطرف المصرى يتحمل جزءا من توتر هذه العلاقة، لأن الحقيقة المجردة تقول إن من أفسد هذه العلاقة هو الطرف القطرى، الذى أوصل المصريين إلى حالة نفور الحكومة القطرية فهم المسؤولون عنها.

الخطوة الأولى التى على القطريين اتخاذها هى تغيير لغة الخطاب السياسى على الفور، والاعتراف بإرادة الشعب المصرى التى اختارت التخلص من جماعة اكتشفت أنها تضيع الهوية المصرية، وكان ذلك بدعم قطرى واضح قبل وأثناء وبعد.

على القطريين عدم إقحام انفسهم فيما يسمى مبادرات لحل ما يسمى الأزمة السياسية فى مصر لعدة أسباب، أولها عدم إحساس المصريين بوجود أزمة، لكنها مشكلة داخلية مع جماعة تواجه الوطن. والحساسية الشديدة للمصريين من التدخل فى الشأن الداخلى، ثانيها أن طرح مبادرة بين أطراف يعنى أن الأطراف متساوية فى القوة، وهذا يصطدم بشكل قوى مع مشاعر المصريين، ثالثها أن التنسيق مع تركيا هو تأكيد على عدم سلامة وصدق الهدف من طرح المبادرة، خاصة فى ظل الموقف التركى المعادى للرغبة الشعبية المصرية.

على القطريين الإعلان الفورى عن مبادرة قطرية لإلغاء الفوائد على القروض والودائع القطرية كدليل على عدم تعمدهم إعاقة المسيرة المصرية.

الإعلان والتحرك بشكل مكثف عن استمرار المشروعات الاستثمارية القطرية، التى بدأت بالفعل، أو البدء فى تلك التى سبق الإعلان عنها، هذا هو الدليل الذى يمكن أن يؤكد صدق النوايا القطرية.

تتوقع الحكومة القطرية أن يقوم مسؤولون مصريون بزيارة قطر، وهذه مسألة غير متخيلة فى ظل الموقف القطرى المعادى الذى تناولناه فى المقالات السابقة.

كما ذكرت فإن المبادرة هنا ينبغى أن تكون مبادرة قطرية. فإن المصريين بطبيعتهم متسامحون، وعلى استعداد دائم لفتح صفحة جديدة عندما تصدق نوايا الطرف الآخر، لذلك فإن مبادرة إصلاح العلاقة بين الدولتين هى مبادرة قطرية، أو ينبغى أن تكون مبادرة قطرية إن كانوا صادقين. وبالتالى فإن المتوقع أن تبادر قطر بإعلان رغبتها عن قيام مسؤولين قطريين بزيارة مصر، وتقديرى أن المصريين سيرغبون فى ذلك.

أعود مرة أخرى لتكرار ما ذكرته من قبل: لو اجتمع أهل الأرض والسماء من أجل العمل على تقديم صورة جديدة لقطر لدى المصريين، ولو اجتمع خبراء العالم لتصحيح الفهم والمشاعر السيئة لدى المصريين تجاه قطر، ولو أعلنت قطر سياسة جديدة تجاه المصريين فلن يؤدى كل هذا لشىء فى ظل وجود قناة «الجزيرة» التى استطاعت أن تصيب قطر بضرر شديد داخل مصر ولدى المصريين، وبالتالى لن يتمكن أى جهد من تحقيق هدفه ما لم يتم تغيير سياسة القناة تجاه مصر بشكل واضح، الحد الأدنى فى هذه المرحلة هو إغلاق الجزيرة مباشر مصر، لأنه ليس هناك شبيه بهذه القناة إلا قناة الحرة عراق، وهذا مفهوم فى ظل احتلال أمريكى للعراق ولا يمكن فهمه فى الحالة المصرية. ولا يمكن مقارنة الجزيرة مباشر مصر بروتانا مصرية أو إم بى سى مصرية، حيث إن هذه القنوات قنوات ترفيهية عامة بها مضمون سياسى محدود، فى حين أن الجزيرة مباشر مصر هى أداة فعل سياسى غير محايد.

كما ذكرت فى البداية يدعى البعض فى قطر أنهم راغبون فى إصلاح العلاقة، وأعيد مرة أخرى أن الكرة بل كل الكرات فى الملعب القطرى، فهل يصدقون؟

حقيقة ما حدث في مصر في يناير ويونيو

3bd el latiffعبد اللطيف المناوي
يدور الجدل، ولا أظنه سيتوقف، حول ما شهدته مصر في الخامس والعشرين من يناير منذ أكثر من عامين وما شهدته يوم الثلاثين من يونيو الماضي. لن أخوض كثيرا في هذا الجدل ولكني سأتوقف عند نقاط أظنها أساسية  من وجهة نظري، وسأمر عليها سريعا خلال بعض المقالات لكشف الحقيقة كما شهدتها.
 ان ما شهدته مصر منذ أكثر من عامين كان تعبيرا عن رفض لحالة من السكون الذي اقترب من الجمود نتيجة الإصرار على عدم التغيير، واعتبار ان التغيير مرادف للفوضى او يعني الإطاحة بالنظام. وزاد الأمر تعقيدا الإحساس بان الحالة التي كانت قائمة مرشحة للاستمرار نتيجة ما بدا وقتها من مقدمات فهم منها الناس ان النظام مستمر حتى مع اختفاء الرئيس وذلك بتولي ابنه الرئاسة من بعده، سواء بترتيب في حياته او بعدها. وبغض النظر عن صحة هذا او عدم صحته فان الاكيد هو ان الاقتناع العام تبنى هذه الرواية وباتت حقيقية أكثر مما لو اعلن عنها صراحة. هذا الطريق الذي رآه العديد من أهل الوطن مغلق ورافض للتغيير هو الذي هيأ بشكل أساسي الأجواء للقبول بالخروج في اول فرصة للتعبير عن الغضب. وهكذا خرج مجموعة من الشباب لتقود جموع مهيأة للتعبير عن غضبها. وبغض النظر عما إذا كانت مجموعات من الشباب مدربة ومعدة لمثل هذا اليوم او لا فان الحقيقة ان الأجواء كانت مهيأة. خروج معظم من خرج وقتها كان بهدف التعبير عن الغضب والرغبة في التغيير، وكانت حدود المطالب وقتها ذات سقف منخفض لكن ساهمت الإدارة البعيدة عن أي ذكاء سياسي هي التي ساهمت في الاندفاع بما حدث ليصل إلى ما وصلت اليه.
ولكن ماذا عن الاخوان؟ اصبح من المعروف قطعا الآن ان الاخوان في إطار الانتهازية السياسية أعلنت عدم مشاركتها في مظاهرات الخامس والعشرين، وفي إطار الانتهازية السياسية شاركت في نهاية يوم الخامس والعشرين عندما اكتشفوا ان المظاهرات كبيرة وعدم اعلانهم المشاركة سيحاسب عليهم، رغم اتفاقهم السابق مع امن الدولة على عدم المشاركة، وهو الاتفاق الذي كان احد أطرافه احد قيادات الجماعة المسؤولة عن الاتصال مع أجهزة الأمن واسمه محمد مرسي العياط النائب السابق في البرلمان وقتها.
يظل السؤال لماذا اندفع الاخوان في مظاهرات ما بعد الخامس والعشرين؟ والإجابة هنا تعود أيضاً إلى غباء الإدارة السياسية داخل الداخلية وقتها التي خرجت ببيان منتصف الليل لتلقي فيه باللوم الكامل تقريبا على جماعة الاخوان، رغم ان الجميع يعلم ورأى أنهم لم يشاركوا إلا في اللحظات الأخيرة من اليوم، وتحديدا بعد العصر. ولكن يبدو ان قيادة الداخلية وقتها اعتقدت ان الوقت مناسب لتوجيه ضربة للجماعة باتهامها بالمسؤولية الكاملة عن أحداث اليوم، وقد قرأت قيادة الجماعة الموقف وادركت أنها قد وضعت في موقف المواجهة التامة، وبات الأمر بالنسبة لهم أنها معركة البقاء “يا غالب يا مغلوب” كما يقول المثل. لذلك كان بيان الداخلية إعلان عن شحذ الهمم لديهم والاستنفار من اجل الدفاع عن البقاء. وهكذا فتحت مصر منذ السادس والعشرين من يناير ليتسلل إليها كل من استطاع من أعضاء الجماعة وحلفائها ف جي الخارج عبر المطارات وعبر الحدود البرية والبحرية والإنفاق. واستنفذت قيادة التنظيم الدولي وأعلنت ساعة الصفر لتنفيذ المخطط المعد سلفا للتنفيذ في الوقت المحدد، ولم يكن معلوما هذا التوقيت ولكنه فرض عليهم.
تحركت الجماعة بقدر كبير من الدهاء والانتهازيين واستغلال أخطاء النظام وقتها، والاهم استغلال بعض الانتهازيين ممن انتسب إلى الحركات الشبابية، واستغلوا أيضاً براءة الكثير من شباب مصر وأهلها الذين خرجوا تعبيرا عن غضبهم وإعلانا لرغبتهم في تحريك المياه الآسنة. والملاحظ ان الجماعة وقتها لم ترفع أي شعار ديني،  ولكنهم في الوقت نفسه سيطروا تقريبا على الحركة في الميادين المختلفة. كل ذلك كان بدعم وإشراف مباشر من قيادة دولة كانت تدعي أنها شقيقة، لم يعد خافيا على احد أنها قطر. وأيضاً بدعم ومباركة أمريكية لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة في المنطقة.
جاء يوم الثامن والعشرين لتسيطر الجماعة على الحركة، وتستغل الشباب ومعرفتهم بأساليب مواجهة الأمن كما تدرب بعضهم عليه، وبدأوا تحت هذا الغطاء في تنفيذ مهمتهم في إحراق مصر مستغلين حالة الغضب التي اعمت كثيرين عن حقيقة ما يقومون به. وانخدع كثيرون بما حدث، والمشكلة ان هؤلاء ظلوا في حالة الآن خداع لوقت طويل، بعضهم دون ان يدري، والبعض الآخر كان يدري او بات بعلم ولكنه لم يكن يريد إلا ان يستمر في عملية تدمير الدولة متخطيا بمراحل إسقاط النظام. واستمر الحال في هذا الخداع الاختياري لدى هؤلاء حتى اكتشفوا ماذا فعلت ايديهم، فحاولوا التوبة والرجوع عما ورطوا انفسهم فيه عندما دعموا الاخوان ليس فقط ليسرقوا حركة الجماهير واحلامها ولكن ليخطفوا الوطن كله نحو المجهول، ساعتها أفاقوا وانضموا إلى ركب الثورة المصرية الحقيقية من اجل استعادة مصر. ولهذا حديث آخر.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

ماذا تريد قطر؟(٤)

DSC_8195عبد اللطيف المناوي

المقدمة الحقيقية للسقوط الكبير للقناة، قطرية الانتماء ظاهريا، «الجزيرة»، بدأ مع أحداث يناير، والانكشاف الكامل وضح أيام حكم الإخوان، وأثناء وبعد ثورة ثلاثين يونيو. وكما ذكرت من قبل تظل سياسة هذه القناة، التى خلعت عنها أى ملمح مهنى فى التناول، هى العنصر الحاسم فى أى تطور ممكن فى العلاقة المصرية القطرية.

وأعود لنستكمل بسرعة الصورة والموقف القطرى الذى تمثل فى موقف قناتها من الأحداث. كنت قد بدأت المقال الأخير فى وضع شهادتى حول أداء هذه القناة يوم الخامس والعشرين من يناير وما تلاه.

توازى الدور الذى تقوم به القناة العامة مع قيام قناة الجزيرة مباشر، القناة الأخرى للجزيرة، بفتح شاشتها لما قدمته باعتباره تعليقات المشاهدين، وهى تحمل أكبر قدر من التحريض والسب والتجاوز ضد النظام المصرى القائم وأركانه وقتئذ، والتأكيد من خلال هذه التعليقات على أن ما يحدث فى مصر هو انهيار كامل، رغم أن الأمور كانت فى بدايتها، ولم تكن تنبئ بذلك، ولا كان ذلك هو سبب نزول المصريين للتظاهر، ولم يقف الأمر أيضا عند هذا الحد، بل إن شاشة قناة الجزيرة مباشر، تحولت إلى وسيلة الاتصال البديلة بين الجماعات المنظمة والمشاركة فى المظاهرات، بعد بطء وقطع الاتصالات والإنترنت.

أقول: خلال هذين اليومين كانت «الجزيرة مباشر» هى وسيلة الاتصال البديلة، ولقد قامت القناة بدور وسيلة الاتفاق والإبلاغ عن أماكن التجمع والتظاهر والإجراءات، التى ينبغى اتخاذها فى حال مواجهة الشرطة، وأسلوب التظاهر، وكيفية التعامل مع القنابل المسيلة للدموع، والإجراءات التى ينبغى اتخاذها عند التعرض لمثل هذه المواقف، وأيضا كيفية الكر والفر من قوات الشرطة، وكيفية تنظيم التظاهر للضغط على قوات الشرطة، أى كل التعليمات التى كانت على فيس بوك، وتويتر والمدونات والإنترنت، فكانت البديل للمواقع الاجتماعية والاتصالات المقطوعة. ولم نكن نفهم فى ذلك الوقت تفسيرا لذلك، ولم تكن ملامح المؤامرة قد اتضحت كما حدث الآن.

كان المشهد برمته غريباً، وأبعد ما يكون عن الأعراف المهنية، بادرت بالاتصال بمدير القناة فى مصر فى ذلك الوقت، واسمه عبدالفتاح فايد، وتبرأ مدير المكتب مما يحدث فى «الجزيرة مباشر»، وادعى أن ذلك يتم فى قطر، وأنه ليس لديه أى سيطرة عليه، وأنه أبلغ الإدارة فى الدوحة، العاصمة القطرية، لكنهم لم يستجيبوا، وطلبوا منه فقط أن يمدهم بما يطلبونه، وقد كان ذلك الموقف غريبا ومفاجئًا من قناة الجزيرة، حيث إن الرئيس مبارك كان قد زار قطر قبلها بأسابيع، ولقد كان أحد الموضوعات المهمة التى طرحت فى النقاش مع أمير قطر هو توقف قناة الجزيرة عن الهجوم على مصر، وقد علمت ذلك من الرئيس شخصيا، وأن موقف القناة سوف يكون أكثر موضوعية وحرفية، كما أكد له الأمير فى تلك الزيارة، التى كانت يبدو وقتها أنها محاولة لتهدئة العلاقات المتوترة بين البلدين فى كثير من المناحى السياسية المختلفة، غير أن الأيام بعدها كشفت أنها كانت عملية تخديرية للقيادة السياسية المصرية. وهكذا أعلنت قناة الجزيرة بشكل واضح أنها الطرف الجديد فى معادلة الأحداث المقبلة، وأصبح موقفها كموقف الإخوان المسلمين.

واليوم تؤكد هذه القناة مرة أخرى ذلك الموقف اللا مهنى، وذلك القرار بالاستمرار فى كونها طرفاً مباشراً فى الأحداث فى مصر، ولكنها هذه المرة لا تدرك أنها بموقفها هذا فقدت البقية الباقية من الاحترام والتقدير عند القطاع الأعظم من المصريين، وأظن أنه بات من الصعب تعويض تلك الخسارة الكبيرة المتمثلة فى المصداقية، وأيضا لا أظن أن من الوارد عودة العلاقات المصرية القطرية إلى المستوى المقبول بين بلدين، يفترض أنهما شقيقان، دون أن تعود تلك القناة ومسؤولوها إلى الطريق المهنى الموضوعى. وهذا التصحيح لموقف القناة هو من بين سلسلة من الإجراءات التى أراها حيوية إذا أراد المسؤولون القطريون إعادة المياه إلى مجاريها، ولكنه يظل إجراء محورياً وأساسياً من بين إجراءات أخرى اتخاذها هو السبيل لإنقاذ البقية الباقية من علاقة يبدو أن القطريين فى موقع المسؤولية لا يريدون لها ذلك.

«اللي حضّر العفريت يصرفه»

14sepعبد اللطيف المناوي

عنوان المقال هو مثل مصري معروف، يعلق جرس المسؤولية في رقبة المسؤول عن الفعل، هذا المثل هو من أكثر الأمثال التي تحضرني خلال الفترة الأخيرة، وهو يحضرني كلما بدأ الحديث عن “الإسلام السياسي” أو خلط الدين بالسياسة، والمشكلة الحقيقية هنا، هو ذلك الفشل المتكرر لكل من حضر العفريت، ولم يعرف كيف يصرفه، والنماذج هنا كثيرة، لكن يظل أكثرها حضوراً هو نموذج الرئيس الأسبق أنور السادات والنموذج الأميركي.

الرئيس المصري الأسبق أراد أن يواجه منافسيه السياسيين في ذلك الوقت من اليساريين والناصريين، فاستحضر قوى الإسلام السياسي، المتمثلة وقتها في جماعة “الإخوان المسلمين”، التي كانت قياداتها وقتها بين هاربة ومسجونة، فأخرجهم وأعادهم ليستخدمهم، أو هكذا تصور، في مواجهته السياسية، ولم يقف به الأمر عند هذا الحد بل خلق “الجماعة الإسلامية” في الجامعات لنفس الهدف، وهو مواجهة نفوذ وسيطرة اليسار والناصريين على الجامعة، فخرجت “الجماعة الإسلامية” مدعومة بأمن النظام وحمايته ودعمه السياسي. لم يدرك السادات وقتها خطورة إخراج العفريت من القمقم، أو لعله أدرك ذلك في لحظاته الأخيرة، وهو يعاني آلام الرصاص الذي أطلقه عليه أبناء العفريت، الذي استحضره بنفسه ولم يعرف كيف يصرفه.

النموذج الثاني هنا هو الإدارة الأميركية التي تشارك في تحمل مسؤولية الدماء التي تسيل كل يوم، بسبب عدم الإدراك المستمر لخطورة اللعب بالدين في السياسة، ظنوا -أي الأميركان- أنهم بعيدون عن ساحة الفعل التي يمكن فيها لهذا العفريت الذي استحضروه أن يؤثر فيهم، وظلوا في هذا الوهم إلى أن استيقظوا منه منذ اثنتي عشرة سنة ويومين، أي يوم الحادي عشر من سبتمبر الذي مازلنا نعيش ذكراه.

القاعدة أو تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد… هي منظمة وحركة متعددة الجنسيات، تأسست في الفترة بين أغسطس 1988 وأواخر 1989 وأوائل 1990، تدعو إلى الجهاد كما تعتقده. في البداية، كان الهدف من تأسيس القاعدة، الذي أسهمت فيه أميركا ذاتها، محاربة الشيوعيين في الحرب السوفياتية في أفغانستان.

دعم الولايات المتحدة وحلفائها كان واضحاً، كانت تنظر إلى الصراع الدائر في أفغانستان بين الشيوعيين والأفغان المتحالفين مع القوات السوفياتية من جهة والأفغان المجاهدين من جهة أخرى، على أنه يمثل حالة صارخة من التوسع والعدوان السوفياتي، أو هكذا سوقت الموقف أمام العالم، خاصة حلفاءها الذين تولوا عنها عملية التمويل والتجنيد، موّلت الولايات المتحدة عن طريق المخابرات الباكستانية المجاهدين الأفغان الذين كانوا يقاتلون الاحتلال السوفياتي في برنامج لوكالة المخابرات المركزية سمي بـ”عملية الإعصار”.

في الوقت نفسه، تزايدت أعداد العرب المجاهدين المنضمين إلى القاعدة (الذين أطلق عليهم “الأفغان العرب”) للجهاد – كما يعتقدون- ضد النظام الماركسي الأفغاني، بمساعدة من المنظمات الإسلامية الدولية، خاصة مكتب خدمات المجاهدين العرب، الذي أمدهم بأموال تقارب 600 مليون دولار في العام الواحد، تبرعت بها حكومات ومؤسسات وأشخاص اعتقدوا وقتها أنهم ينصرون الإسلام، ولم يدركوا أنهم لم يكونوا سوى ممولين لصنيعة أميركية، سيدفعون هم ثمن مشاركتهم في صنعها يوماً ما، والمشكلة أن بعضهم مازال غير مدرك لذلك.

ودفعت أميركا نفسها ثمن إخراج العفريت من قمقمه عدة مرات، لكن يظل ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو الثمن الأعلى، وإن كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة تتحمل، كما قلت، المسؤولية عن دماء مواطنيها على يد صنيعتهم، ولن يخفف من ذلك ما ادعوه من حرب على الإرهاب راح ضحيتها مئات الآلاف، يشاركون في تحمل مسؤولية دمائهم، ولن يخفف عنهم أيضاً قتلهم لصنيعتهم أسامة بن لادن الذي سيظل حاضراً في أذهان صانعيه حتى بعد أن ألقوا بجثته في قاع المحيط.

ليست ذكرى سبتمبر فقط هي التي تدفعني اليوم إلى هذا الحديث، ولكنه العناد والإصرار على تكرار الخطأ، عندما أرى اليوم ذلك الإصرار الأميركي على دعم تجربة الإسلام السياسي وتمكينه من الحكم، أصاب بالدهشة، ها هم يكررون الخطأ مرة أخرى، ويعتقدون هذه المرة أن شغل جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية، سوف يصرف عنهم خطورة هذه الجماعات، ولذلك عملوا لسنوات من أجل تنفيذ هذا المشروع، ويمكننا أيضاً أن نلمس ذلك الإصرار على الجهل، منهم أو منا، بأن مخططهم هذا يجنبهم المخاطر.

أذكر أنه طوال الأعوام الثلاثة الأخيرة تقريباً في حديثي إلى سياسيين وإعلاميين غربيين حول الدعم الغربي لجماعات الإسلام السياسي، أحذرهم من أنهم سوف يشهدون حادي عشر من سبتمبر آخر، وأن محطات مترو الأنفاق البريطانية ستشهد مثل ما حدث في السابع من يوليو عام ألفين وخمسة، وأن ما شهدته عواصم ومدن أوروبية من أحداث إرهابية مرشح للتكرار، مادامت هذه الجماعات تشهد دعماً وغض طرف من قبل هذه الدول، اعتقدت هذه الدول وعلى رأسها أميركا أن هذه الجماعات مادامت بعيدة عنها ومحصورة في بلادها بأنها في أمان منها، وهي هنا لا تدرك أنها إنما تعطي سماء آمنة تتمكن هذه الجماعات من خلالها، أن تجتمع لتنظم نفسها وستكون هذه الدول من بين الأهداف. الخطأ الكبير أنها لا تدرك أن العفريت عندما يخرج من القمقم فإن إعادته إليه ليست سهلة، وأن العفريت لا يعترف بالحدود والمسافات.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة