لا أستثنى منكم أحداً

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عنوان هذا المقال هو آخر مقطع لقصيدة «القدس» للشاعر العراقى مظفر النواب، كان يقولها مشيرا بأصبع الاتهام إلى الجميع، حكاماً ومحكومين، عما آلت إليه «القدس»، منذ فترة ليست بالقليلة يطاردنى هذا المقطع عندما أنظر لما آلت إليه الأحوال فى بلدنا، وعما يواجه بر مصر من أزمات يتسبب فيها بشكل أساسى بعض من أبنائها، بل الأدق كثير من أبنائها، من مختلف التيارات والاتجاهات ومواقع المسؤولية المختلفة: سياسية، إعلامية، ثقافية، دينية، أو عسكرية.

دعونا نتفق فى البداية على أن الأحوال فى مصر قد وصلت إلى حالة من حالات السيناريوهات المفتوحة، كل الاحتمالات واردة ابتداءً من إتمام العملية الانتخابية، انتهاء باحتمالات الانقلاب العسكرى، مروراً باحتمالات النهايات السعيدة «لتيار الإسلام السياسى بالطبع» أو احتمالات الصدام التى لا يدرك حدودها أحد. ويتزامن مع هذه الحالة وضع اقتصادى يزداد تدهوراً بمعدلات ينافس فيها حالة التدهور السياسى التى يعانيها الوطن.

لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ هذا هو السؤال الذى يطاردنا. البعض من القوى السياسية الفاعلة على الساحة تسارع بتوجيه أصبع الاتهام إلى الآخرين، دون أن يدروا أنهم بينما يوجهون أصبعاً واحداً نحو الآخرين، فإن هناك ثلاثة أصابع تشير إليهم. لكن الواقع وقراءة ما حدث ويحدث حتى الآن يجيب عن السؤال ببساطة، وهى الإجابة التى اخترتها عنوانا للمقال: «لا أستثنى منكم أحداً».

نعم الكل مسؤول، لم تمتلك أى قوة سياسية أو فاعلة رؤية واضحة منذ البداية، وهنا أتحدث عن الشباب الذين رفضوا التفكير المنطقى لتنظيم صفوفهم وخلق جسد سياسى جديد يكونون من خلاله رقماً سياسياً موجوداً ومؤثراً فى ميزان القوى السياسية، وبدلا من ذلك تسابقوا فى تشكيل الكيانات الهشة التى تجاوزت الثلاثمائة حركة وائتلاف، تسابق بعضها فى الظهور الإعلامى، إرضاء للذات والأهل والأصدقاء، وهكذا أضاعوا على أنفسهم وعلى الوطن فرصة لست أدرى إن كان تكرارها وارداً على الإطلاق فى ظل اختلال المعادلة الظاهر، وإن كان توقعى ليس فى خانة التفاؤل. القوة الأخرى هى تيارات الإسلام السياسى، التى مارست كل أنواع الالتفاف السياسى، فتحالفت وقت احتاجت التحالف، وخاصمت وقت الكسب من الخصام، ويسألنى سائل هنا: أين أخطأوا إذن؟ فأجيب: لأنهم وضعوا هدفهم الرئيسى هو تحقيق مصلحة وهدف الجماعة دون الاعتبار لمصلحة الدولة المصرية، التى أعلوا عليها مفهوم الدولة الدينية بمفهومها العابر للحدود.

القوة الثالثة هى القوى الحزبية التقليدية، التى عانت من الحصار لسنوات طويلة فى وقت ما من عمر النظام السابق، وهى معاناة لم تمكنها من التخلص من أمراضها بعدما خف عنها الحصار، سواء فى فترات من عمر النظام السابق أو فى ظل النظام الحالى، فاستعانت على هذا الهزال بأسهل الطرق، وأسهلها هنا هو البحث عن المكسب السريع المضمون بتحالفات انتهازية صغيرة هنا وهناك، لتحقيق ما يعتقده البعض من قادتها من أمجاد شخصية، هى فى حقيقتها ليست أكثر من تيجان من ورق لا قيمة لها.

انقلب بعض هذه القوى مع الثابت من عقيدتها السياسية، فتحالفت مع أى من الأطراف التى تحقق مصلحتها الضيقة، ولم تحاول أن تقف برؤية للمستقبل، ولم تحارب هذه القوى من أجل الوطن، كل الوطن. أما الإخوة الليبراليون، أو من أطلق عليهم المسجلون فى كشوف الليبراليين، فلم يختلفوا كثيرا عن القوى الأخرى، ورأينا ليبراليين متأسلمين ومتعسكرين ومتمركسين ومن كل الألوان، وتخلى هؤلاء، المفترض أنهم يمثلون النخبة القائدة للمجتمع، عن أداء دورهم المنتظر منهم. وأصل إلى المجلس العسكرى، الذى مارس بامتياز إضاعة الفرص الواحدة تلو الأخرى، وتبنى مفهوما غريباً منذ اللحظة الأولى، أنه جاء ليدير لا ليحكم، وكان هذا الموقف سبباً فى تلك الإدارة التى واجهت اتهامات بأنها إدارة بأيدٍ مرتعشة وغير حاسمة.

أيضاً استسلم المجلس لتلك الحالة من المقاطعة التى فرضتها عليه القوى الليبرالية، أو المسجلون على قوائمها، والأقباط والشباب بمختلف اتجاهاتهم عندما اعتبروا أن التعاون مع المجلس العسكرى يتناقض مع السلوك الثورى، ولم يدرك هؤلاء أن القوة الوحيدة التى كانت قادرة على ضمان الحد الأدنى من مدنية الدولة هى القوات المسلحة، ولكن هذا تاه وسط الصخب الكبير الذى مارسته بعض هذه القوى وشارك فيه باقتدار العديد من الزملاء الإعلاميين، الذين لم يكن همهم سوى الانتشار السريع، أو ما اعتبروه عمليات تطهر، وهذا الطريق لا يمر إلا من خلال طريق معاداة المجلس العسكرى.

المهم أن المجلس الذى كان ينبغى أن يحكم ويدير بقدرة وثبات أكبر استسلم لهذا الواقع، ولم يجد أمامه سوى التيار الإسلامى السياسى، فتعاون معه منفرداً فى بعض الأحيان مما أثار الشك فى وجود تحالف غير معلن. وأظن أن الخطأ الكبير الذى وقع فيه المجلس، هو أنه ظن أنه قادر على التعامل مع هذه القوى دون أن يدرك أنه لا يمتلك من الخبث السياسى ما لدى هؤلاء، وأظنهم لم يقبلوا أن يصدقوا فى مرحلة ما أن اقتراب وتعاون هذه التيارات معه لا يحكمها سوى مصلحتها فقط، وأنه فى اللحظة التى تتحقق فيها المصلحة سوف ينقلبون عليها، لم يريدوا أن يصدقوا ذلك، ولكن أظن أنه اقتنعوا الآن، ولكن الوقت تأخر كثيراً. كان المتصور ألا يستسلم المجلس لهذا الواقع الذى فرضه العديد من القوى السياسية وألا يختار الطريق الأسهل.

السجن للإبداع والحرية للإرهاب

بقلم عبداللطيف المناوى
ما تمر به مصر الآن لا يقع تحت مفهوم المضحكات المبكيات، ومع الأسف الشديد لم نعد نواجه إلا المبكيات. كنت أتمنى أن أتحدث اليوم فى أى موضوع يحمل بشائر أمل، لكن ما يحدث قادر على القضاء على أى أمل.

ليس من حقنا، وفقاً للقانون، التعليق على أحكام القضاء، لكن من حقنا أن نشعر بالصدمة لما يحدث حولنا هذه الأيام، ففى الوقت الذى يصدر فيه حكم بالحبس على عادل إمام لمجمل أعماله «ولم أسمع من قبل عن فنان يحبس لمجمل أعماله، فقد اعتدنا أن نسمع عن تكريم فنان لمجمل أعماله»، فيحبس عادل إمام بسبب محام طالب للشهرة، ولم يعلم أن صدور هذا الحكم إعلان عن إرهاب لكل من يعملون فى مجالات الإبداع، وهذا، فى حد ذاته، يعد خطوات تجر المجتمع المصرى عشرات السنين إلى الخلف.

يحدث هذا ويُحبس فنان فى الوقت الذى تصدر فيه أحكام براءة ورد اعتبار وإسقاط أحكام عن أشخاص بعضهم أُدين بشكل كامل فى أعمال إرهابية أو جرائم اقتصادية أو جرائم ترويعية، ويزيد الأمر بلة أن البعض ممن أُدين فى أعمال اغتيال أو محاولات اغتيال تعاد محاكمتهم ولن أستغرب إذا ما حُكم لهم بالبراءة، ولن أستغرب أيضا إذا ما تم تكريمهم باعتبار ما فعلوه من اغتيال أو محاولة اغتيال مفكرين أو مسؤولين سابقين من أعمال البطولة التى يجب أن يكرموا من أجلها وتدرس فى كتب التاريخ أيضا، باعتبارها جزءاً من نضال الشعب المصرى ضد النظام السابق. أيها السادة، إن ما شهدته مصر فى الثمانينيات والتسعينيات من أعمال إرهابية هى ببساطة أعمال إرهابية. الاغتيال ومحاولة الاغتيال والتفجير والقتل والتدمير هى أعمال إرهابية ليس لها مسمى آخر، والجرائم الاقتصادية هى جرائم اقتصادية تستحق العقاب لا رد الاعتبار.

والإبداع يظل إبداعا، والحفاظ عليه وحمايته هو دور أى قوى سياسية أو اجتماعية تدعى أنها تعيش فى القرن الواحد والعشرين. ولتكتمل الصورة يستخدم الحكام الجدد مصادر قوتهم بسيطرتهم على البرلمان ليتجاوز به حدود العقل والمنطق، وتسيطر عليهم شهوة الانتقام والاستحواذ فيخلطون بين السلطات، وبدلا من أن يستخدموا البرلمان من أجل صالح من تورطوا بالتصويت لهم أصبحوا يستخدمونه للانتقام ولإحكام السيطرة والانفراد بالحكم. أخشى ما أخشاه أن يكون كل ما سوف نحصل عليه من ممارسة ديمقراطية هو التصويت الحر ولكن لمرة واحدة فقط.

المكارثية الجديدة والليبراليون المتأسلمون

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

حكى لى أحد الأصدقاء عن تجربته عندما ظهر فى أحد البرامج التليفزيونية، وكان الطرف الآخر واحدا من الإسلاميين الجدد، وتطور النقاش بينهما عندما لمس صديقى أن «الحاكم الجديد» يتشدد فى موقفه الانتقامى مما مر به من مصاعب من قبل، فسأله هل تريدون أن تعاقبوا كل الشعب بما تعتقدون أنكم عانيتم منه؟ فأجاب «الحاكم الجديد» بعصبية: نعم، وأضاف: «لقد كنا نطارد ونحاكم وندخل السجون، بينما الشعب يقف يتفرج». للأسف الشديد هذا هو الانطباع الذى يمكن أن يخرج به كل من يتابع سلوك وأداء وحديث معظم الإسلاميين الذين سيطروا على معظم أركان الحياة السياسية فى مصر، فكل من يراقب أداءهم فى البرلمان وفى وسائل الإعلام لا يستطيع إلا أن يلحظ تلك الحالة الانتقامية، سواء فيما يقوله بعضهم أو فى مشروعات القوانين التى يناقشونها أو مشروعات القوانين التى يحاولون إصدارها، وبدا الأمر كأنهم بالفعل يعاقبون كل المجتمع على ما يعتقدون أنهم عانوا منه ولم يحاول المجتمع أن يقف معهم.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت ممارسات أخرى تهدف إلى إقصاء من يختلف معهم وإرهاب من يفكر فى الاختلاف، وبدت ملامح مكارثية جديدة عندما تسرب خبر بأنهم يعدون قوائم لاستبعاد أو لعزل مجموعة من الصحفيين والإعلاميين الذين لم يجمع بينهم عامل مشترك إلا عامل واحد هو أنهم يختلفون وينتقدون سلوك ومواقف الحكام الجدد، وهذا يذكرنا بحالة المكارثية التى عاشتها الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب الباردة، عندما بدأ سيناتور جمهورى اسمه «جوزيف مكارثى» يتهم الناس بوجود صلة تربطهم بالمنظمات الشيوعية، وذلك دون أى إثباتات كافية، وادعى «مكارثى» وقتها عام ١٩٥٠ أن هناك مئات من الموظفين فى الخارجية الأمريكية من المتعاطفين مع الشيوعية، ثم بدأت حملة ضد عديد من الأشخاص، وعندما أصبح هو رئيساً للجنة الدائمة للتحقيق وضع قوائم سوداء للعديد من السياسيين والمثقفين، وتم القضاء على الحياة المهنية للعديد من الناس، ولكن سقطت «المكارثية» بعد سنوات قليلة عام ١٩٥٤ وانتهت، لكننا لا ندرى إذا ما بدأنا هذا السلوك المكارثى متى يمكن أن ينتهى.

لا تقف الأمور التى أعتبرها مقدمات لكارثة حقيقية عند هذه الحدود، ولكن الأخطر هو ذلك السلوك الذى بدأت بعض الشخصيات الليبرالية أو من الأفضل تسميتهم «المقيدين فى كشوف الليبراليين»- تمارسه، وهو سلوك منافق انتهازى يتعارض بشكل كامل مع ما يدعونه من أفكار ليبرالية، فبدأوا يبحثون عن تفسيرات ومخارج وتبريرات ليبرالية أو «ثورية ليبرالية» لذلك السلوك المكارثى.

عيد القيامة المصرى فى ظلال القلق

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الطريق إلى الكاتدرائية فى العباسية أعاد إلى ذاكرتى الكثير من الأحداث، وأتاح لى الفرصة لأرى كيف تغير شكل الشارع كثيرا فى القاهرة. بعد مغامرة القيادة دون إصابة أو خناقة لفظية أو جسدية، وصلت إلى مبنى الكاتدرائية لأهنئ الأصدقاء والإخوة المصريين الأقباط بعيد الميلاد، هى المرة الأولى التى أذهب هناك دون أن يكون البابا شنودة موجودا، ولكن ما لمسته فى الحقيقة أنه كان الغائب الحاضر.. تذكرت حالة القلق التى لمستها فى حديثه وصوته آخر مرات التقيته أو حدثته فيها، لم يكن قلقاً على طائفة ولكنه كان قلقا على وطن. قلق من مصرى أن تتغير ملامح هذا الوطن إلى ملامح لا يعرفها ولا نعرفها، أظنه كان تعبيرا عن قلق كثيرين فى هذا الوقت، وهو قلق مازال حاضرا فى الأجواء ويتأكد حتى الآن.

رغم ذلك المزيج من أجواء الحزن لغياب البابا والأجواء الروحانية وأيضا الاحتفالية بمناسبة العيد فإن ما كان حاضرا بقوة كما فى كل مصر هو ذلك الإحساس العام بالقلق على مستقبل مصر، وكان يتسرب بين تهنئة العيد دوماً الإشارة إلى التخوف حول ماذا بعد، وكيف هو شكل مصر المستقبل. حديثى مع الأنبا باخوميوس كشف لى عن شخصية راغبة فى استمرار الحالة المصرية المتسامحة المتصالحة، وجدته يبحث ويؤكد السبل التى يمكن أن توصل لهذا الطريق، وعن الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا قادة ومؤثرين لتأكيد هذا الاختيار لشكل مصر المستقبل.

شعرت بسعادة حقيقية عندما دخلت إلى المكان ووجدت الوجوه التى عرفتها والتقيتها كثيرا، الأنبا موسى، والأنبا يوأنس والأنبا أرميا والأنبا مرقص وكثيراً من الأصدقاء، وسعدت بهذا القدر من الدفء فى الاستقبال. وكانت سعادتى أيضا كبيرة عندما التقيت بذلك الرجل الذى أعاد لموقعه مكانته، فضيلة الإمام الأكبر د.أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الذى أتى مهنئا بالعيد.

سألتنى إحدى القنوات التليفزيونية لأقول كلمة للأقباط، فاخترت أن تكون الكلمة لكل المصريين بمناسبة عيد القيامة، فهو ليس عيدا قبطيا فقط، ولكنه أيضا عيد مصرى، فعندما دخلت المسيحية مصر جاء «عيد القيامة» موافقاً لاحتفال المصريين بعيده، فكان احتفال الأقباط بعيد الفصح – أو «عيد القيامة» – فى يوم الأحد، ويليه مباشرة عيد «شم النسيم» يوم الاثنين، ويوم شم النسيم هو يوم احتفال ورثه المصريون عن آبائهم الفراعنة، واستمر الاحتفال بهذا العيد تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس، وذات العادات والتقاليد، التى لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن، وعندما دخل الإسلام مصر أصبح المصريون جميعا، أقباطاً ومسلمين، يحتفلون بذلك العيد المصرى، بعد أن يحتفلوا جميعا بعيد القيامة.

تظل مصر الوطن تحمل داخلها ثقافتها، مصر الوطن قادرة دائما على مر التاريخ أن تتجاوب وتتفاعل مع كل الثقافات التى مرت بها وعاشت فيها، حتى تكون ذلك النسيج الفريد للشخصية المصرية، وبات لمصر مذاقها الخاص فى التعامل مع الثقافات بل الديانات، فكل ثقافة مرت أو دين دخل إلى مصر اكتسب مذاقا مصريا خالصا، ولم تتمكن ثقافة من البقاء بمصر إلا بتجاوبها مع طبيعة الشخصية المصرية الوسطية المعتدلة ذات المزاج الخاص.

مصر هى ذلك الوطن الذى خلق ليبقى، ويظل المصريون هم ذخيرة وزينة هذا الوطن إذا أرادوا بحق.. كل عام ونحن المصريين جميعاً بخير.

الريبة القانونية والريبة السياسية

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

هناك تعريف فى القانون يسمى «فترة الريبة»، هذه الفترة لا يجوز فيها اتخاذ قرارات أو إجراءات أو تصرفات حيث إن هذا يعد باطلا فى تلك الفترة.

عادة هى الفترة السابقة لإصدار قانون يمكن أن يؤثر فى واقع حالى، أو حكم قضائى يمكن أن يؤثر التصرف به قبل تنفيذه فى إحداث تغير أيضا فى الواقع، وهو يُعد سوء استغلال لتلك الفترة.

إذا ما طبقنا هذا المفهوم – مفهوم فترة الريبة – على الوضع السياسى الراهن، فهو ينطبق بامتياز على وضع الانتخابات الرئاسية الحالى وأوضاع المرشحين، وبالتالى فإن تغيراً فى القواعد المنظمة يعد بالمفهوم القانونى البحت تصرفاً باطلاً تحت مفهوم فترة الريبة،

وبالتالى فإن تحرك الجماعة من خلال حزبها لتعديل قانون العزل «الغدر» سابقا هو تصرف يتسم بالبطلان، لأنه يغير واقعاً من أجل مصلحة خاصة، ولاستهداف أشخاص بأعينهم دخلوا سباق الرئاسة على القواعد المعلنة سابقا والتى لا يجوز قانونا تغييرها بعد غلق باب الترشح لأنها تقع فى منطقة الريبة القانونية.

هذا عن الريبة القانونية ولكن الأهم هنا هو الريبة السياسية، وفيما يبدو أن الجماعة لا تألو جهدا فى تأكيد «ريبتنا» تجاه نواياهم الاستحواذية حتى لو كان من خلال وسائل وأشخاص آخرين سوف يدعون عدم ارتباطهم بهم، ولكن الواضح للجميع أن هذا السلوك إنما المقصود به إخلاء الساحة من أى مرشح يمكن له أن يتمكن من ضبط أو إحداث حد أدنى من التوازن أو التصدى لتلك الرغبة الجامحة للسيطرة والاستحواذ والنهم للسلطة،

وهذا هو الأمر الذى دفع لاستخدام الترخيص الشعبى الذى حصلوا عليه فى ظروف من الصعب أن تتكرر ليعلنوا أنفسهم أوصياء على الشعب كله ليس هذا فقط ولكنهم استخدموا ذلك الترخيص أداة وسلاحاً لتحقيق أهدافهم الخاصة بالجماعة فى السيطرة والاستحواذ.

كل الدلائل والإشارات التى خرجت حتى الآن من جماعات الإسلام السياسى لا تخلق داخلنا إلا الريبة بل يبدو وكأننا تخطينا مرحلة الريبة فى النوايا إلى مرحلة اليقين، وهم فى الحقيقة لم يعودوا يهتمون كثيرا بإخفاء النوايا أو ارتداء القفازات الناعمة بل قرروا أن يلعبوها بوجه مكشوف وأيد عارية، ويرفض حتى الآن البعض ممن يديرون البلاد – دون سبب مفهوم – أن يروا هذه الحقيقة.

ثلاث قصص عن الإخوان

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

هذا المقال يحكى ثلاث قصص عن جماعة الإخوان المسلمين، واحدة قديمة تعود لمنتصف العقد الماضى، وقصتين تعودان إلى الأسبوع الماضى الذى سبقه.

القصة الأولى وقعت فى منيل الروضة، أحد الشوارع المعروفة فى هذا الحى شارع الملك الصالح، هذا الشارع يطل على حى مصر القديمة عبر النيل على الطرف الآخر، وفى إحدى عماراته التى تحمل رقم ٢٠، وفى دورها الأول يقع مقر جماعة الإخوان المسلمين السابق، حيث يخلع الداخلون إليه أحذيتهم على بابه قبل الدخول إليه.

داخل هذا المقر، الذى دخلته شخصياً عدة مرات خالعاً الحذاء قبل الدخول، التقيت عدة مرات بأكثر من مرشد للإخوان لإجراء لقاءات صحفية أو للنقاش حول قضايا مختلفة، وأستطيع الادعاء بأنه ربطتنى، ومازالت – رغم الاختلاف – علاقات ود واحترام بالعديد من قيادات وأعضاء الجماعة، ومازلت أذكر بكل التقدير الأستاذ عمر التلمسانى الذى عرفته والتقيته أكثر من مرة فى مقر مجلة «الدعوة» بشارع التوفيقية بوسط القاهرة فى بداية حياتى الصحفية، وكان رجلاً فاضلاً رحمه الله.

المقر البسيط لجماعة الإخوان على نيل منيل الروضة كان قد تحول منتصف العقد الماضى إلى قبلة تتوجه إليها معظم القوى السياسية تطلب الدعم والبركة من الجماعة ومرشدها، تساوى فى ذلك الساعى لمقعد نيابى أو موقع نقابى أو مرشح رئاسى، جميعهم ذهبوا إلى شقة المنيل خالعين الأحذية، مصلين خلف المرشد، ولا يهم وقتها إن كان الباحث عن الدعم على وضوء أم لا، المهم دعم الجماعة التى هى بالفعل رقم مهم فى المعادلة السياسية المصرية، وإن كان – فى ظنى – رقماً مبالغاً فى قوته وتأثيره.

وضع جماعة الإخوان المسلمين ظل منذ ذلك الوقت فى حاجة ملحة إلى فتح حوار صريح وموضوعى حوله، فالجماعة تحظى باعتراف يكاد يكون معلناً من قبل أجزاء عديدة من الدولة وأجهزتها، بل قيادات من حزبها الحاكم، والجماعة التى يحاول بعض القوى السياسية التشكيك فى تأثيرها تسعى هذه القوى لكسب ودها، وتخلع الأحذية فى شقة المنيل حتى لو لم تتناول «الشاى أو الحاجة الساقعة»، والجماعة التى بدأت جماعة دعوية ينظر إليها قادتها باعتبارها «القوة السياسية والاجتماعية الأهم فى مصر».

الأكيد أن جماعة الإخوان هى رقم مهم – كما ذكرت – ولكن يبدو أيضا أنه رقم فعال فى تأثيره، وقد تكون الكتلة التصويتية للإخوان، التى تبلور بعض من ملامحها فى انتخابات الرئاسة السابقة، توضيحاً لحقيقة قوة الجماعة وحضورها فى الشارع.

ولكن فى المقابل أظن أيضاً أن قوة الجماعة، التى تبدو أكبر من حجمها، يعود السبب فيها إلى الضعف والوهن الذى تعانيه القوى السياسية الأخرى، وكذلك لغة الخطاب غير الشعبية أحياناً التى يتبناها بعض هذه القوى بما فيها الحزب الحاكم، هذا الغياب عن الشارع وهذه الفجوة فى الخطاب هما اللذان يعطيان للجماعة قوة أكبر من حجمها الحقيقى، وأظن أن الوضع الطبيعى الآن أن يفتح الحوار، حوار حقيقى حول وضع الجماعة، وأن تخطو الجماعة خطوات واضحة لا لبس فيها للعمل فى ظل القوانين المنظمة للمجتمع وللعمل السياسى فى هذا المجتمع متعدد الثقافات.

القصة الثانية، وقعت فى أوغندا أثناء زيارة وفد برلمانى إلى أوغندا، عندما رفض بعض النواب الوقوف لتحية السلام الجمهورى الأوغندى، بحجة أن هذا الأمر بدعة، وهو ما أثار غضباً من دولة أفريقية مهمة لمصر فى ملف حوض النيل.

القصة الثالثة، كانت فى مطار القاهرة، حيث اعتدى سائق الدكتور سعد الكتاتنى، رئيس مجلس الشعب، واثنان من زملائه، على عاملين بمطار القاهرة، بعد مطالبة العاملين ببوابات المطار السائقين بدفع الرسوم المستحقة على السيارات التى يستقلونها، عقب توصيلهم «الكتاتنى» والوفد المرافق له، للتوجه إلى زيارة رسمية إلى «عنتيبى»، وهو ما دفع قائد السيارة إلى كسر ذراع البوابة ليتمكن من المرور، وتحرر محضر بالواقعة.

ما الذى تغير؟.. انتقل الإخوان من الملك الصالح إلى المقطم.

شؤون مصرية فى أربيل

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
تظل مصر حاضرة فى الذهن العربى، ويظل التأكيد على أنه لا صلاح لحال العرب دون أن تجد مصر طريقها الصحيح لتكون دليلا وتقود التحرك العربى. هذه حقيقة سواء اتفقت السياسات أو اختلفت، وحتى لو نازع هذه الحقيقة بعض الكيانات التى تتحدى حقائق التاريخ والجغرافيا.. هذا ما ظللت أسمعه دوماً فى أى ملتقى عربى، وهذا أيضا ما تكرر سماعى له هذا الأسبوع من عديد من المثقفين العرب الذين شاركوا فى معرض أربيل الدولى السابع للكتاب، الذى جمع عدداً من المثقفين العرب من مختلف الدول العربية.. الاتفاق الرئيسى بينهم هو تلك الحقيقة التى ذكرتها سابقاً لكنها مغلفة بقدر كبير من القلق على مستقبل مصر وبالتالى العالم العربى.

من أكثر الأسئلة التى باتت تصيبنى بقدر من الحزن هو ذلك السؤال المتكرر فى كل مكان عن أحوال مصر، سبب حزنى هو أن السؤال عادة ما يكون مغلفا بقدر واضح من الحزن والتعاطف والأسى من قبل السائل، وهذا يذكرنى بالوقت الذى كنا نسأل فيه ذات السؤال عن أحوال العراق أو السودان عندما كانت تمر بفترات صعبة، يحزننى أن مصر تمر الآن بحق بفترات صعبة، ويؤلمنى أن نتعرض نحن لهذه الحالة التى تدفع الآخر للأسى على أحوالنا.. مصر بحق لا تستحق منا ذلك.

هناك حالة بين المثقفين العرب والمصريين الذين التقيت بهم فى أربيل، هى مزيج من التسليم والقلق، التسليم بأن مصر قد دخلت الحالة الإسلامية السياسية، وأن الإخوان هم حكام المرحلة المقبلة، وتسليمهم بهذه الحالة هو ذاته سبب قلقهم، القلق على مدنية الدولة، ما لاحظته أن البعض نتيجة حالة الرفض الكامل لكل ما سبق بات مستعدا لأى مستقبل شريطة ألا تعود مصر للحكم العسكرى، كما يرون ماضى مصر خلال الستين عاماً الماضية، ويراهنون على أن مصر بناسها وثقافتها الخاصة لن تستسلم بسهولة لسيطرة الإسلام السياسى، وأنه إذا كان هؤلاء يريدون أن يحكموا مصر فليس أمامهم إلا احترام الخصوصية المصرية حتى فى فهم وممارسة الدين، وهؤلاء يعتقدون أن المصريين سوف يصححون مسارهم بعد فترة، ويراهنون على طبيعة المصرى الوسطية على مر التاريخ، ببساطة فإن مصر غير مؤهلة لأن تكون «إيران أخرى»، وسوف تنجح الحالة المصرية فى احتواء الحالة الإسلامية السياسية لتكون منتجاً جديداً ليس هو بالضرورة كباقى النماذج الحاضرة فى الساحة اليوم.

على الطريق الآخر تقف مجموعة أخرى لتؤكد دخول مصر إلى عصر الدولة الدينية، وأن هؤلاء الذين يراهنون على وسطية مصر لا يقدرون حقيقة وقدرات تيار الإسلام السياسى الممثل فى الإخوان المسلمين القادر على التغلغل فى نسيج المجتمع والدولة، والذى يقوم بالفعل بهذا الدور حالياً دون أن يلحظ ذلك كثيرون، وأن الخشية أن يكون كل ما مرت به مصر خلال العام الماضى وخلال الأعوام المقبلة هو ممارسة انتخابات حرة لمرة واحدة كمظهر وحيد للديمقراطية، هؤلاء يحملون نظرة يسميها غيرهم «نظرة تشاؤمية»، ويسمونها هم «نظرة واقعية».

الطرفان اجتمعا على تحميل النخبة مسؤولية تراجع الآمال فى أن تنتج مصر تجربة ديمقراطية حقيقة، وأيضاً مسؤولية تراجع حلم الدولة المدنية، وذلك بما أطلقوا عليه تخلى النخبة وتخاذلها لأسباب مختلفة، منها طبيعة تكوينها، وطبيعة علاقتها بالسلطة على مر العصور.

كان من أكثر التعليقات التى توقفت أمامها عندما كنا نناقش ككل العرب الآن من هو رئيس مصر المقبل، ذلك الرد من أحد المثقفين المصريين عندما قال «لدى أسباب واضحة لرفض أن أصوت لأى مرشح من المرشحين المطروحين على الساحة الآن، ولكن ليس لدى أى أسباب لأعطى صوتى لأى من المرشحين»، وكان هذا التعليق من أكثر التعليقات التى حظيت بإجماع.

وتظل تفاصيل ما شهدته مصر هى الموضوع الأكثر إثارة وجدلاً حتى الآن، وقد تحولت ليلة لدى المثقف والسياسى العراقى المعروف فخرى كريم، وهو رئيس مؤسسة المدى التى تحمل على عاتقها إقامة معرض الكتاب هناك ـ تحولت الليلة فى منزله إلى حوار وجدل طويل حول ما شهدته مصر خلال تلك الأيام، وكان الاهتمام عظيماً.

هذه بعض أجواء ما يدور بين المثقفين العرب الذين جمعهم الاهتمام بالكتاب، وسيطر عليهم الهم العربى وعلى رأس القائمة الآن مصر.

الاستحواذ ما بين المرشد وأحمد عز

بقلم عبداللطيف المناوى

المرشد العام للإخوان المسلمين

فاجأتنى حالة المفاجأة التى انتابت كثيرين عندما أعلن الإخوان عن حقيقة موقفهم وإعلان نيتهم استكمال مخطط الاستحواذ على كامل السلطة فى مصر. لم أتفاجأ عندما أعلنت قيادات الجماعة، فى مؤتمر صحفى فى ليلة من ليالى مصر المرتبكة، عن ترشيحهم نائب مرشد الجماعة كمرشح لرئاسة مصر. منذ اللحظة الأولى، التى بدأ فيها الإخوان تحقيق حلمهم بالسيطرة على الحكم فى مصر عندما فازوا بالعدد الأكبر فى البرلمان، علمت أن نيتهم استكمال سيطرتهم حتى لو أبدوا عكس ذلك فى بعض المراحل، فهذه قصة تاريخية لم تتكرر لتحقيق حلم الدولة، وعلى الرغم من معرفة العديد من القوى السياسية ومن السياسيين هذه الحقيقة فإن حالة الانتهازية، وفى بعض الأحيان الإحساس الكاذب بالقوة والسيطرة، جعل الجميع يتجاوز عن هذا الإدراك وبدا الأمر كأنهم لم يقرأوا التاريخ.

لست ضد أى فصيل سياسى أن يفعل ما يراه من أجل أن يمارس دورا سياسيا يعتقد أنه جدير به وأنه يملك المقومات لذلك، لكن تظل الأسئلة: إلى أى مدى القرار السياسى يتواءم سياسياً مع الواقع ومع متطلباته؟ وأيضاً: مصلحة من أولا مصر الوطن أم الجماعة؟ ويحضرنى هنا سؤال آخر: يا ترى ما الفارق بين إحساس أحمد عز بقوة الحزب الوطنى ورغبته فى الاستحواذ لإحساسه بالقوة الذاتية والسيطرة على الساحة السياسية فأدار انتخابات ٢٠١٠ كما أدارها، ما الفرق فى هذه الحالة وحالة مكتب إرشاد الجماعة بقيادة المرشد وإحساسهم بالقوة الذاتية وسيطرة رغبة الاستحواذ عليه؟ أظن أن هذا سؤال مشروع فى هذا التوقيت. غابت الرؤية الأشمل عمن أدار مصر ٢٠١٠ وأظن أن الحالة تتكرر الآن.

ستخرج الأصوات عالية: لقد فاز الإخوان فى انتخابات حرة: وأجيب بأن هذا صحيح لكن حرية التصويت لا تعنى أن هناك حالة ديمقراطية كاملة تعيشها مصر، مفهوم الديمقراطية أكثر شمولا وتعقيدا من حرية التصويت وإلا انتهى بنا الحال إلى ديمقراطية حق التصويت بحرية لمرة واحدة، ليفتح بعدها الباب واسعاً لسياسة الاستحواذ الكامل.

لقد حذرت فى مناسبات سابقة من سيطرة نشوة الانتصار ورغبة الانتقام والجوع للسلطة والانفراد بالغنيمة، ولن يقنعنى هنا تفسير قيادات الجماعة بأن الأوضاع تغيرت فقرروا اتخاذ موقف مغاير لموقفهم السابق، فهذا يعنى ببساطة أن من حق كل القوى الفاعلة على الساحة أن تعيد النظر فى مواقفها مرة أخرى وتتراجع عما التزمت به من قبل، مستخدمة ذلك التبرير الذى يبدو أنه حق، لكن يراد به «الحق» وهو مصلحة الوطن.

قد تنجح الجماعة فى تحقيق حلمها الخاص، لكنه لن يكون حلم الوطن، قد تنجح بالفوز بانتخابات الرئاسة وتحقيق الاستحواذ الكامل، وقد يكون هذا خطوة أولى فى تحقيق حلمها الأكبر بالدولة الإسلامية، لكن أظن أن حلم الدولة المصرية هو الذى سوف يتراجع.