“أم الدنيا وأد الدنيا”

el manawy issue 28عبد اللطيف المناوي
“مصر ام الدنيا وهتبقى أد الدنيا” هذا احد التعبيرات المهمة التي كررها الفريق السيسي خلال الفترة الماضية عدة مرات، ذكرها قبل ثورة المصريين في الثلاثين من يونيو أمام جنوده وضباطه، وأطلقها أمام الشعب عدة مرات بعد نجاح ثورته التي حماها الجيش. قد تبدو الجملة وكأنها جزء من المبالغة اللفظية او التعبيرات الجمالية في اللغة او قدرة تلاعب بالألفاظ ليحظى المتحدث بآيات المستمعين، لكن الحقيقة التي وجدتها منذ اللحظة الأولى وتأكدت لدي بعد ذلك بشكل عملي ان التعبير يحمل في داخله إيمان كبير بصحته وإمكانية حدوثه، إيمان داخلي لدى من اطلقه بقدرات هذا الشعب الذي فاجأ الجميع، حتى نفسه، بقدرته على الفعل وعلى تصحيح الخطأ إذا ما انزلق اليه.
مصر ام الدنيا تعبير نشأنا عليه وعشنا فيه وعاش معنا، هو أيضاً تعبير يستخدمه دائماً محبي مصر من العرب وهم كثر، واصبح هذا التعبير علامة مميزة لمصر بين أبناءها وبين محبيها. وقد يكون منطلق هذا التعبير عائد إلى ما تمتلكه مصر من حضارة وعمق في التاريخ وكثافة سكانية ووزن ومكانة في المنطقة والعالم، وهي الصفات التي تعرضت إلى تهديد بواسطة الجماعة التي كانت حاكمة، فهم لم يفهموا مصر وقيمتها في الحضارة الإنسانية والضمير البشري وحاولوا تقزيمها والتعامل معها باعتبارها ولاية صغيرة مهما كبر حجمها في ظل حلمهم بالدولة الإسلامية، قد يكون هذا السلوك وهذا القصور في فهم قيمة ودور مصر احد اهم العناصر التي عجلت بسقوطهم المدوي. رفض المصريون الإحساس بإهانة “ام الدنيا” على يد بعض من أبنائها ضلوا الطريق واهانوا وطنهم.
عادت ام الدنيا لقيمتها ووضعها بأيدي أبنائها الذين رفضوا العيش في ظل التقزيم. ونأتي الآن إلى الجزء الآخر من التكوين الجديد الذي اطلقه السيسي وأضاف اليه “أد الدنيا” ويكون السؤال هنا كيف يمكن لمصر ان تكون “أد الدنيا”؟ كيف يمكن ان تحتل مكانتها الصحيحة التي تليق بها بين الامم؟ كيف يمكن ان تدور في فلك العالم ، عالم القرن الواحد والعشرين، وليس فلك عالم القرن العاشر؟
وسوف ابدأ بالحديث السياسي قبل الحديث الاقتصاد. السؤال المطروح الآن هو أي التجار يمكن ان تسير فها مصر، التجربة التركية ام تجربة جنوب أفريقيا؟ يدور جدل سياسي بين المثقفين والسياسيين والمتخصصين حول اختيار أي الطريقين، ويمتلك كل طرف يميل لتجربة أسبابه التي تجعله أكثر ميلا لما يعتقد به، وكل تجربة تمتلك بالفعل أسباب نجاحها ومميزاتها، ويمكن ان نتناول ذلك مرة أخرى، صالة المصالحة ووضع الجيش في المعادلة السياسية وحدود دور القوى السياسية الدينية. كل هذه موضوعات حاضرة للمناقشة ولها أبعادها المختلفة.
أظن ان الخطوة الأولى نحو تأكيد مفهوم مصر التي ينبغي ان تكون “أد الدنيا” هو ان نتوقف عن البحث عن أي من التجربتين يصلح لمصر، تركية او جنوب إفريقية والإقتناع والعمل على يكون لنا تجربتنا المصرية، تلك التجربة التي تمتلك داخلها مقوماتها الخاصة القادرة على النجاح والمرور إلى الإمام بالوطن خارج منطقة النوات السياسية. يمكن بالفعل ترسيخ مفهوم التجربة المصرية التي بدأت بخروج شعبي هادر سائر استجاب جيش الشعب لنداء من يدينون لهم بالولاء فوقف مع الشعب وحماه وحقق له حلمه باستعادة الوطن. وبادر الجيش بتسليم السلطة ليؤكد انه فعل ذلك تدعيما لخيار الشعب ورغبته وليس رغبة في القفز على الحكم. ووضع خارطة طريق واضحة بدا الالتزام بها منذ الإعلان عنها من قبل القوى الوطنية المختلفة وتجاوب معها الأغلبية العظمى من الناس لإخراجهم من النفق. تكتمل هذه التجربة المصرية بالاتفاق على وضع مرحلة انتقالية ذات ملامح خاصة تتوافق مع التغيرات السياسية المهمة التي شهدتها مصر، وأظن ان هذه المرحلة يجب ان يكون فيها للجيش وضع واضح داخل المجتمع يعطيه صفة حماية الدولة والإرادة الشعبية لفترة زمنية يمكن تحديدها بدورتين برلمانيتن او أكثر، او دورتين رئاسيتين او أكثر، وان يتم إقرار مبدأ اختيار قيادة الجيش من داخله وبواسطة قياداته كما يحدث مع القضاء على سبيل المثال وذلك ولو لفترة محددة. هذا واقع جديد يجب ان يوضع في الاعتبار، ان هناك تغير مهم حدث في مصر ان الجيش المصري قد اصبح جزء من المعادلة السياسية رضينا او لم نرضى، ورضي الجيش او لم يرضى. لذلك أدعو لنقاش حول هذا الموضوع المهم الذي يضمن لمصر حالة حقيقية من الاستقرار الذي يؤمن لنجاح التجربة المصرية والبدء في طريق وصول مصر إلى وضعها الطبيعي بين الدول.
الجانب الآخر من الجهد هو الجانب الاقتصادي والذي يحتاج إلى مساحة أكبر للنقاش، ولكني اكتفي هنا بالقول ان مصر في حاجة إلى جهد مزدوج من أهلها واشقائها، عودة البناء وعجلة الإنتاج هي الأساس ، إعادة تفعيل وتطوير البنية التحتية هي هدف مهم وأظن ان للجيش دور كبير في هذه المنطقة. اما الأشقاء فيجب ان يعلموا ان مصر قد انابت عنهم بشعبها وجيشها في نزع ورم سرطاني كان سيتمدد ليعرف بهم، واقل ما ينبغي عمله هو الوقوف الحقيقي جانب مصر في هذه المرحلة لتأخذ مصر مكانتها التي تؤهلها لكي تكون “أد الدنيا” بأهلها واشقائها.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين

Untitled2عبد اللطيف المناوي

“ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”، قد تكون هذه أشهر جملة في تاريخ جماعة “الإخوان”، لأن من قالها هو شيخهم ومرشدهم ومؤسس جماعتهم، وكأن هذه الجملة تحولت إلى لعنة تطاردهم، لكنها لعنة يصنعونها دائماً بأيديهم.

حلم الخلافة، الذي سكن عقل حسن البنا ونفسه، تكونت بذرته الأولى في الثالث والعشرين من مارس عام 1928، عندما اجتمع هو وستة آخرون من العاملين في معسكرات الإنكليز، وأعلنوا أنفسهم جماعة “الإخوان المسلمين”، ولقب نفسه بالمرشد وكان عمره 22 عاماً.

تصور مرشدهم مراحل تكوين الجماعة في ثلاثة أجيال؛ جيل التكوين والجيل المحارب وجيل الانتصار، وخلال أربعة أعوام انتشرت الجماعة، وخرجت من حدود الإسماعيلية، وانتقلت بمركزها إلى القاهرة، وصار لها أفرع خارج مصر؛ في سورية ولبنان والسودان وفلسطين.

وفي عام 1938، انتقل البنا بجماعته إلى الجيل المحارب، وتحول بجزء منهم للعمل العسكري، فبدأوا بفرق الرحلات ثم الجوالة التي تطورت إلى كتائب ثم أسر حتى وصلت إلى مرحلة التنظيم المسلح الذي عرف باسم الجهاز الخاص. على يد هذا التنظيم بدأت دماء تسيل وانفجارات تتوالى حتى الثاني والعشرين من مارس قبل يوم واحد من مرور عشرين عاماً على تأسيس الجماعة، وقام التنظيم السري باغتيال القاضي أحمد بك الخازندار، بعدما حكم في قضية أحد أطرافها عضو في جماعة “الإخوان المسلمين”.

وتطورت الأمور في الصدام بين الجماعة والدولة بعد سلسلة من أعمال العنف وإلقاء القنابل إلى قرار رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي آنذاك بحل الجماعة في الثامن من ديسمبر عام 1948، فقررت الجماعة الانتقام فأطلق أحد شباب الإخوان النار على النقراشي باشا في الثامن والعشرين من ديسمبر في بهو وزارة الداخلية فأرداه قتيلاً، ولم تقف حالة التوتر عند هذا الحد، فقام أحد أعضاء الجماعة في السادس عشر من يناير عام 1949 بمحاولة تفجير محكمة الاستئناف بباب الخلق بوسط القاهرة، وتم تفجير القنبلة خارج المبنى في الشارع العام بعد اكتشاف أمرها، ولا يعلم أحد على وجه التحديد لماذا خرج حسن البنا اليوم التالي ليصدر بيانه الشهير بعنوان: “ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين”، من بين ما قال فيه، من بين هذه الحوادث التي تقع من أي طرف سبق الاتصال بجماعة “الإخوان” موجهاً إلى شخصه ولا يسعه “أي حسن البنا” إلا أن يقدم نفسه للقصاص أو يطلب إلى جهات الاختصاص تجريده من جنسيته المصرية التي لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء، هذا ما قاله شيخهم واختلفت وقتها التفسيرات، وكان من بين هذه التفسيرات كما يقول أحد قادتهم في ذلك الوقت إنه صدر ليساعد على تخفيف حدة الضغط على الإخوان، وهو أمر جائز شرعاً في الحرب، ويعد خدعة جائزة.

ما فات هو جزء سريع من تاريخ طويل ليس هناك خلاف عليه حتى من أعضائهم، والدلالات واضحة، إنها جماعة نشأت لأهداف وأحلام تتجاوز الوطنية، ويحكمهم في ذلك مفهوم الغاية تبرر الوسيلة، ولا بأس أن يكون من بين هذه الغاية قنابل واغتيالات، وليس هناك ما يمنع من الكذب تحت ذريعة “الحرب خدعة”، لكن عن أي حرب يتحدثون؟ هي حرب من أجل السلطة والحكم، وهذا ما نشاهده بأعيننا اليوم في مصر مرة أخرى هو إعادة لسلوك متكرر ولكن في ظرف جديد، في ظل الجيل الذي تصور أنه الجيل الثالث جيل الانتصار.

عندما ثبت للناس حقيقتهم أطاحوا بهم، وبالتالي دمروا حلمهم الذي اعتقدوا أنهم نالوه، فكان رد فعلهم الثابت على الأرض الآن إما “أن نحكم أو ندمر”، وبالتعبير المصري الدارج “فيها لأخفيها”، الأمر الآخر أن أذرعتهم في الخارج تقوم بذات المهمة دعماً لأهدافهم.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

ثقافة اليوم التالى

images (1)عبد اللطيف المناوي

مرة أخرى يفعلها المصريون بعد أقل من شهر، أثبتوا للعالم أنهم قادرون على الفعل الذى يبهر العالم عندما يشعرون بأنهم أصحاب القرار. خرجت الملايين الذين اختلفت تقديراتهم ما بين الثلاثين والخمسة وأربعين مليونا، خرج هؤلاء ليؤكدوا رغبتهم فى الحياة فى وطن يضعون هم شروط العيش فيه ولا يفرضها عليهم تيار أو جماعة. خرجوا ليرفضوا الإرهاب ويؤكدون أن الجيش جيشهم وأن القيادة التى تقوده هى من أبنائهم وثقوا فيه وفوضوه وجيشه ليتخذ من الإجراءات ما يرى دفاعاً عنهم وعن حلمهم الذى بدأت ملامح تكوينه وتحقيقه.

مرة أخرى أعود وأؤكد ما سبق لى تأكيده، أن هذه الملايين لا يملك شخص أو قوة أن يدعى أنه من حركها أو قادها، ولا يمكن لتيار أو حزب أو قيادة سياسية أن تمتلك القدرة على تحريك هذه الجماهير إذا ما قرروا ذلك. لقد سبق أن توصلنا إلى هذه الحقيقة التى أترك تقييمها لكم، الجماهير تجاوزت من يدعون قيادتها، النخبة فقدت قدرتها، أو بمعنى أصح انكشفت حقيقتها أمام الشارع الذى كانوا يدعون قيادتهم له. ملأت بعض الشخصيات، التى احتلت مواقع النخبة طوال الأشهر الثلاثين الأخيرة، الفضاء التليفزيونى وسودوا مئات الآلاف من صفحات الصحف، وبدا بعضهم كأنه القائد المنتظر الذى سوف يجمع الناس حوله ليتقدم بهم إلى الأمام فى اتجاه تحقيق حلم المصريين، لكن الحقيقة، التى اكتشفها الشارع مبكرا، أن كل هذه القيادات المفتعلة لم تكن تمثل إلا نفسها وبعضاً ممن حولها، يسألنى صديقى ونحن نتناقش فى ليلة رمضانية من ليالى القاهرة التى استعادها المصريون: «الليبراليون آخدينا على فين؟» وأشعر بأن السؤال يضعط على نقطة الأزمة والضعف التى واجهناها من قبل ومواجهتها مرة أخرى، الليبراليون وأولئك الذين قيدوا أسماءهم فى كشوف الليبراليين هم من ملأوا الدنيا ضجيجاً ولم نر منهم فعلاً أو تأثيراً على الأرض، هم من أفسدوا التجربة الماضية وتسببوا من بين أسباب عدة فى وصول الإخوان إلى احتلال الحكم فى مصر، بل إن بعضهم ساند ونظر من أجل وصولهم، والبعض الآخر نافق وحاول التسلق على ظهورهم، أولئك الذين أطلقت عليهم من قبل تعبير الليبراليين المتأسلمين، اليوم يعود هؤلاء ليمارسوا بنفس الطريقة، عادوا ليختلفوا على الغنائم كما حدث وظل يتكرر منذ غزوة أحد.

علمت أن بعضهم قاتل قتالاً عنيفاً خلال الأسابيع الماضية من أجل أن يشغل منصباً وزارياً، وأن البعض كان يضغط من أجل دفع بعض حلفائه أو معاونيه ليحصل على موقع وزارى قد يفيده إذا ما قرر المشاركة فى الانتخابات الرئاسية، أو هو يسدد فاتورة لهذا الحليف على حساب الوطن. ولم لا فشعوره كبير أنه هو من يقود الشارع. المقصود بثقافة اليوم التالى هو الإجابة عن هذا السؤال: «وماذا بعد؟»، والإجابة عنه من المفترض أن تكون مهمة النخبة أو قيادة الجماهير، التى لا نمتلكها للأسف، لقد حققت الجماهير المعجزة مرتين فى أقل من شهر، ولم نجد بعد من يجيب عن سؤال «وماذا بعد؟»، بل انشغل البعض بالحصول على جزء مما اعتبره غنيمة، والبعض الآخر انشغل بطنطنة الحديث لإثبات قيادته. أما البعض الثالث الذى أصبح فى موقع القيادة فقد ظل يمارس السياسة كأنه مازال ناشطاً سياسياً مثل الدكتور محمد البرادعى، الذى يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، إن كنتم لا تتذكرون، ونسى أنه تجاوز حدود التأثير من خلال التويتر وأصبح يملك قدرة الفعل التنفيذى.

وبمناسبة الحديث عن الدكتور البرادعى فأنا لا أعلم ماذا يفعل فى مصر الآن؟ كما أعلم فإنه مسؤول عن العلاقات الخارجية، ونحن نعانى خلال هذه الفترة من توتر فى هذا المجال بسبب عدم فهم العالم الخارجى لما حدث ويحدث فى مصر، ظننت أن مكانه الآن بعض عواصم العالم يشرح لها ما حدث لا أن يكون قابعا فى القصر الرئاسى يكتب تغريداته تعليقاً على الأحداث. لقد كان يسافر قبل ذلك أكثر كثيراً وهذا دوره الآن. أيضاً نتعرض لموجة هجوم من أعلام الغرب ناتجة عن عدم معرفتهم بالصورة الحقيقية أو بسبب نشاط أكثر تكثيفا من قبل جماعة الإخوان خلال الفترة الماضية ونكتفى بأن نرد على هؤلاء فى الغرب فى صحافتنا وإعلامنا المحلى وبلغتنا العربية، وأسأل: أين أدوات الرئاسة وبقية مؤسسات الدولة المنوط بها توضيح الصورة؟ الشارع تخطى من يدعى قيادته، الجماهير تجاوزت أفكار من يحتل مواقع النخبة زوراً وبهتاناً، التحديات تتجاوز الأساليب التقليدية التى مازالت تمارسها إدارة جديدة للبلاد بأساليب قديمة.

خطر عدم استعادة هيبة الدولة

ميكروباصاتعبد اللطيف المناوي

فجأة وفى منتصف الطريق وبينما تقود سيارتك تفاجأ بمطب صناعى لا تملك الوقت لتهدئ السيارة فتقفز فى الهواء، وقبل أن تفيق من صدمة المطب الأول يفاجئك المطب الثانى، هكذا معظم طرقنا فى المدن وبين المدن، كل من يريد أن يبنى مطباً ظناً منه أنه يحميه يبادر هو ببنائه دون الرجوع لأحد، ودون أن يوقفه أحد أو تحاسبه جهة رسمية. هذه الصورة التى قد يراها البعض بسيطة اعتبرتها منذ سنوات طويلة دلالة على تآكل هيبة الدولة، عندما يقرر الأفراد أن يحلوا هم محل الدولة ولا يوقفهم أحد، هنا بداية سقوط الهيبة والسلطة والقدرة على الفعل من الطرف المفترض فيه أنه الأقوى والقادر على القرار والفعل، وهو الدولة. كانت هذه مقدمات رصدتها وغيرها باعتبارها علامات خطيرة على ما قد نواجهه يوما من انهيار تام للهيبة.

عانينا جميعاً من حالة الانهيار شبه التام لحضور الدولة وسيطرتها وسقوط هيبتها طوال عامين ونصف، منذ الثامن والعشرين من يناير البداية الحقيقية لهذا الانهيار الذى كانت مقدماته سابقة بسنوات، وكان سقوط النظام قبل السابق إعلانا عن الانهيار. شهدت مصر وشهد المصريون أياما وليالى طويلة أظن أن وصفها بالسواد غير كافٍ، فقدت مصر ما عرف عنها بأنها بلد الأمن والأمان، القاهرة التى كانت لا تنام أصبح أهلها لا ينامون خوفا وهم فى بيوتهم أو على أبنائهم وهم خارج البيوت. حالة الشارع كانت حالة من الفوضى العارمة. لا أتجاوز إن وجهت أصابع الاتهام إلى الطرف الثالث، الذى صنع هذه الحالة ودفع لها واستفاد منها، كانت هناك أفعال يدفع لها دفعا من أجل التأكيد على إسقاط هيبة الدولة والترويج لحالة البلطجة ولى الأذرع. نجح الطرف الثالث فى السيطرة على الأجواء، حتى عندما وصلوا إلى سدة الحكم ظلوا يمارسون سلوك الفوضى من وقت لآخر، وذلك فى إطار معركتهم مع مؤسسات الدولة المصرية التى رفضت الانصياع لهم أو حاولت مقاومة محاولاتهم للاستحواذ والسيطرة.

الأمر المثير للدهشة والإعجاب أن مصر منذ انتفاضة شعبها فى الثلاثين من يونيو الماضى والتخلص من نظام الجماعة فإن الملحوظة الرئيسية هى انخفاض معدلات الجريمة بشكل كبير، قد لا تكون هناك أرقام دقيقة حاليا لكن الملحوظة العامة أن هناك تراجعا واضحا فى شكل ونوع الجريمة، والدليل الآخر على ذلك هو تلك الحالة من الشعور بالأمان، الذى بدأنا جميعا نشعر به فى حركتنا وحركة أبنائنا، فلم يعد ذلك الخوف وحالة الرعب أثناء الحركة أو حتى مع الوجود فى البيوت.

لكن، مرة أخرى، لا يبدو أن الجماعة وتوابعها تريد للدولة أن تعود ويصرون على تحدى هيبتها وقوتها بأى شكل، بل بكل الأشكال، وهذا الأمر يتسبب فى خسارتهم البقية الباقية من تعاطف معهم فى الشارع، وهذا ليس قضيتنا اليوم، فإنهم بهذا السلوك إنما يحصنون مصر ضد تأثيرهم لعقود، لكن ما يهم هنا الآن هو تلك الفوضى التى ينشرونها بين الناس، تلك الحالة من تحدى هيبة الدولة والقانون وقبلها انتفاضة الشعب الرافضة وجودهم على مقاعد السلطة والقيادة. عندما أطالب اليوم بالحسم فى تطبيق القانون وإعادة النظام فأنا أظن أننى أعبر عن رأى قطاع كبير من المصريين، لن أبالغ إذا قلت إنه القطاع الأعظم. على الجماعة وقيادتها أن تعلم أن الأمر قد انتهى وأن عودتهم للسلطة لم تعد ممكنة إلا من خلال الآليات التى سوف يقبل بها المصريون بعد أن يضعوا دستورهم الجديد الذى يعبر عنهم وعن طموحاتهم وليس طموحات وأهداف تتجاوز الأهداف القومية والوطنية. حالة البلطجة وقطع الطرق وترهيب المواطنين يجب أن تتوقف فورا وبأى ثمن. لقد بدأت مصر مشوارها لوضع أسس الدولة المدنية الحديثة، وخطوة مهمة الآن للوصول إلى ذلك الهدف هى اتخاذ الإجراءات القانونية التى تضمن للمصريين العيش بأمان. ما نشهده الآن على الأرض يتجاوز حدود المقبول، يتحدى إرادة الشعب ومفهوم القانون، الأهم أنه شكل واضح من الإفساد فى الأرض وتعريض مصالح الوطن والمواطن للخطر، وإذا لم تستطع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها النجاح فى ترسيخ استعادة الهيبة فإن هذا طريق لن يقودنا إلا إلى طريق لا نتمناه من الفوضى. هذا اختبار أول يتطلب موقفا قويا واضحا باستخدام كل الأساليب القانونية لحماية الوطن والمواطن.

لن أستطيع أن ألوم سائق ميكروباص يقف وسط الطريق، ولا أملك أن أطلب من بائع متجول أن يترك نهر الطريق، ولا أستطيع أن أحاسب متجاوزا للقانون إذا لم تقم الدولة بدورها الرئيسى لاستعادة الهيبة. وهذا مطلب الناس.

التواصل مع الآخر والعمى الاختياري

lg0iعبد اللطيف المناوي

حجم النشاط الخارجى والاتصالات الدولية التى قامت بها جماعة الإخوان، التى كانت حاكمة، فوق القدرة على التخيل، يبدو بالفعل أنهم كانوا يدركون أهمية التواصل مع الخارج لذلك لجأوا إلى شركات دولية كبيرة ومكلفة جداً للقيام بدور تقديمهم وتواصلهم فى عواصم العالم المختلفة، كانوا يجوبون المؤسسات الإعلامية الأوروبية والأمريكية على مختلف اتجاهاتها وهم مصحوبون بمرشديهم من خبراء العلاقات العامة من تلك المؤسسات، كان يتم تلقينهم جيدا الإجابات النموذجية عن الأسئلة المتوقعة من صانعى القرار داخل هذه المؤسسات ومن يشكلون الرأى العام من خلال كتاباتهم. والحقيقة، والعهدة على الراوى من الصحفيين الإنجليز الذين قابلوهم، أنهم أجادوا اختيار الشركات التى تتعاون معهم كما أجادوا دورهم المتوقع منهم. نتيجة هذا الترتيب العلمى المنظم استطاعوا أن يتواصلوا بشكل كبير مع وسائل الإعلام الدولية عندما انقلب عليهم المصريون وثاروا فى وجوههم وأطاحوا بهم. على الرغم من هذه الحقيقة التى أذهلت العالم إلا أن الماكينة التى سبق إعدادها على مدار أكثر من عامين تمكنت من إتاحة الفرصة الكاملة للإخوان لعرض الصورة من وجهة نظرهم وكما يرونها، ولأنهم يعملون مع خبراء فقد استطاع هؤلاء الخبراء أن يمدوهم بالأدوات واللغة التى يستخدمونها فى مخاطبة الغرب، واستطاعوا أن يجدوا لغة الخطاب التى تتوافق مع نسق التفكير الغربى والقيم التى يؤمن بها الغرب من مفاهيم الديمقراطية ورفض عدم احترام نتائج الانتخابات والانقلاب عليها. لذلك ركزت الجماعة بأعضائها وعملائها على التركيز على أن هناك رئيسا منتخبا أُخرج من السلطة وأن الجيش هو من فعل ذلك. وسادت حالة من العمى الاختيارى لدى عدد كبير من الإعلاميين والسياسيين فتجاهلوا حقيقة أن ملايين المصريين، يمكن القول الأغلبية العظمى من المصريين أصحاب حق التصويت، قد خرجوا إلى شوارع مصر كلها ولم يعودوا إلا بعد إسقاط حكم الجماعة، وإن المؤسسة الوطنية العسكرية انحازت بشكل كلى إلى هذا الشعب الذى هو مصدر السلطات وصاحب الشرعية الحقيقية، والذى إذا ما سحب ثقته من حاكم أو نظام فقد هذا الحاكم أو النظام أى شرعية يدعيها.

هذه الحقيقة الدامغة حول ما حدث فى 30 يونيو من ثورة شعبية حقيقية وغير مسبوقة لم تجد صدى إيجابيا حقيقيا لدى المتلقى الغربى أو خارج حدود مصر، وسبب ذلك ببساطة يعود إلى أننا لم نفعل كما فعل الإخوان عندما أدركوا أهمية إيجاد قنوات تواصل مع الآخر وبنوا جسورا مع هؤلاء، انشغلنا بالحديث إلى أنفسنا، رأينا الغرب يصف ما حدث بأنه انقلاب فأعلنا غضبنا من الوصف وعدم الفهم، لكننا أعلنّا ذلك لنا وبلغتنا ومن خلال وسائلنا المحلية. فى المقابل لم أستغرب عندما قرر الإخوان منع الصحافة والإعلام المحلى من التواجد فى محيط تظاهراتهم وتجمعاتهم بينما سمحوا للإعلام الغربى بالتواجد، ولم يكن غريباً أن يرفعوا شعاراتهم باللغة الإنجليزية لأنهم يوجهونها إلى صانع القرار الغربى بالأساس. وقد لاحظت تطورا مهما فى موقفهم عندما قرروا فجأة التوقف عن الحديث عن عودة مرسى فى شعاراتهم واستبدلوها بالحديث عن الشرعية والديمقراطية ونتائج الصندوق، وأظن أن هذا التغيير فى الشعارات كان بناء على نصيحة صحيحة لهم بعدم التمسك بهدف عودة من يعتقدونه رئيساً واستبداله بحديث يتفق مع المنطق وصحيح الفهم للعملية الديمقراطية، وهو أسلوب يتفق كثيرا مع العقلية الغربية. لكن المشكلة الكبيرة التى لم يدركوها أنه مهما استعملوا من أدوات علمية وطرق صحيحة فى عملية الإقناع فإن القضية الخاسرة ستظل خاسرة ولو بعد حين، وهم خسروا قضيتهم وظهر فسادها للجميع، وخسروا الداخل تماماً، ولن يفيدهم كسب الخارج مهما كان هذا الخارج، فقضية بلا أساس من واقع حقيقى على الأرض هى قضية خاسرة مهما حملت من أدوات إقناع.

ولكن، ماذا نحن فاعلون؟ ثبت لنا بشكل قاطع وعملى أننا بالفعل نفتقد الآليات والوسائل الصحيحة فى مخاطبة الآخر، لم نعتمد، مؤسسات وجماعات وأفراداً، المفاهيم العلمية والوسائل الصحيحة فى تعاملنا مع الآخر، ظللنا نحدث أنفسنا ونحن نعتقد أن على الآخر أن يبذل هو المجهود ليعرف ماذا نريد، نحن نخاطب أنفسنا ونكتفى بإحساسنا بأننا على صواب، ولا يهم ماذا يفهم الآخرون. أظن أن هذه إحدى مشكلاتنا المهمة التى ينبغى أن نتوقف ونتدارسها ونجد حلاً لها، نحن غائبون عن التأثير فى خارج مجتمعاتنا، غير قادرين على التواصل الصحيح مع الآخر، مشغولون بأنفسنا وبآرائنا فيما يتعلق بنا، ولذلك ننجح فى عمليات الإقناع والجدل فى الداخل ونفشل فيها خارجيا. وما حدث فى 30 يونيو هو نموذج لقضية حقيقية تمتلك كل عوامل الحق والحقيقة والإقناع ولكن وجدنا صعوبة فى تسويق حقيقتها. هذا يؤكد فقط أهمية اعتماد الأساليب والطرق والوسائل العلمية والصحيحة فى التواصل مع الآخر، وأظن أن هذه إحدى المهام الرئيسية التى ينبغى أن تكون من بين أولويات المرحلة المقبلة. وأرجوكم انسوا مسألة الوفود الشعبية أو الشبابية التى تريد أن تسافر للخارج لشرح الصورة الحقيقية، فهذا ليس هو الأسلوب الصحيح فى التعامل، أساليب الرحلات المدرسية ليس هو السبيل للتواصل مع الآخر.

نجح الإخوان فى استخدام أدواتهم الخارجية لكنهم فشلوا لأنهم خسروا الداخل خسارة تامة، فخسروا المعركة، ونجحنا نحن لأننا أصحاب حق وقضيتنا قضية شعب، لكننا وجدنا صعوبة فى تسويق موقفنا للخارج، هذا أحد الدروس التى علينا استيعابها.

لا مصالحة معهم قبل إعادة تأهيلهم

Untitled1عبد اللطيف المناوي

أكثر الأحاسيس ألماً هو ذلك الذي ينتاب المرء بالغربة وهو يدخل بلده، كان ذلك هو الإحساس الطاغي ليس عليّ فحسب، ولكن على كثير من المصريين أيضاً سواء من يعيشون داخلها أو خارجها ويزورونها. إحساس الغربة داخل الوطن كان إحساساً طاغياً مؤلماً، ولكن المصريين تمكنوا من التغلب عليه عندما انتصروا في معركتهم واستعادوا وطنهم المخطوف على أيدي جماعة أعضاؤها من المصريين، ولكن أهدافها لم تكن يوماً تصب في حدود الوطن، بل كانوا يتجاوزون إلى آفاق أمة هم وحدهم يعتقدون فيها ويحلمون بها بأي ثمن.

هذه المرة عندما عدت إلى القاهرة شعرت بهواء مختلف ووجوه مختلفة، شعرت أنني عدت إلى وطن اعتقدت أنني فقدته إلى الأبد، قد تكون الأماكن كما هي، وقد تكون المشاكل بنفس حدتها، لكن شيئاً ما تغير فغير الإحساس بالناس والوطن، وفي وقت قياسي تحولت مصر من بلد طارد لأهله إلى بلد يسعى أهله للبقاء فيه والعودة إليه.

تحتاج مصر إلى ما يدعون إليه الآن بشكل ملح من مصالحة، هذه المصالحة هي عنصر رئيسي لاستعادة ملامح الوطن والعودة إلى الانضمام إلى فلك الدول المدنية المتصالح أبناؤها والمتفق على ملامح شخصيتها وعناصر تكوينها، لكن يظل صوت صراخ جماعة الإخوان وأتباعهم للمطالبة بعودة مرسي أحد أهم العوائق الرئيسية للوصول إلى تلك المصالحة، فاستمرارهم في حالة العناد الشديدة والإنكار التام ستؤدي بهم إلى خسارة ما قد يكون قد تبقى لهم من رصيد عند المصريين، تسببت هذه الحالة من العناد والإنكار في الإطاحة بهم من السلطة التي حلموا بها أكثر من ثلاثين عاماً، وتسببت في كفر معظم المصريين بهم، واستمرارهم سيغلق الباب أمام عودتهم إلى نسيج المجتمع المصري وفقا لطبيعته وقوانينه.

والخطوة الأولى المطلوبة من الجماعة وتوابعها الآن هي إلقاء السلاح الذي يتحصنون به والتوقف عن إفساد حياة الناس، ووقف العمليات الإرهابية التي بدأت تطل برأسها، هذا السلوك لن يؤدي إلا إلى تعقيد الموقف وجعل التعايش أقرب إلى الاستحالة بين الجماعة وبين بقية أهل مصر.

والأكيد أن شعار المصالحة الوطنية، يبقى فارغاً من مضمونه، إذا لم تسبقه المصارحة حيث يمكن أن يكون كلمة حق يراد بها باطل، ففي تجربة جنوب إفريقيا، اعترف الجناة أمام الجمهور، وأمام ضحاياهم (إن كانوا أحياء)، وذوي الضحايا، وطلبوا الصفح والسماح والعفو منهم، وقد يكون ذلك أحد المداخل المهمة لتهيئة الأوضاع لمصالحة حقيقية، وهذا لا يقتصر فقط على جماعة الإخوان التي كانت حاكمة، بل على كل من مارس عملاً عاماً وشاب موقفه تساؤلات، ينبغي حسم هذه الشوائب ليبدأ الجميع العيش في ظل مجتمع تخلص من عقده المتبادلة بين أبنائه.

وقد يكون من المناسب استعادة حكاية مفوضية الحقيقة والمصالحة Truth and Reconciliation Commission (TRC) التي كانت هيئة لاستعادة العدالة على شكل محكمة شُكلت في جنوب إفريقيا بعد إلغاء نظام الفصل العنصري، الشهود الذين كانوا ضحايا لانتهاكات سافرة لحقوق الإنسان تمت دعوتهم للإدلاء بشهاداتهم حول تجاربهم، واختير بعضهم لجلسات إفادة عامة (مذاعة).

مرتكبو العنف كان بإمكانهم الإدلاء بشهاداتهم وطلب العفو من الملاحقة المدنية والجنائية، وكانت الشهادات تتم أمام اللجنة المنعقدة بهيئة محكمة ويقوم مدعون بجلب ضحايا ليقدموا شهادات مضادة، بغرض الوصول إلى الحقيقة.

وكان بإمكان اللجنة منح عفو للمتهمين ما لم يرتكبوا جنايات، وتقرر اللجنة موعد منح الأهلية السياسية التي تتيح للمتهم مزاولة حقوقه السياسية، التي قد تكون مباشرة بعد المحاكمة أو بعد بضع سنين أو يُحرم منها.

هذه التجربة التي أسس لها الزعيم الإفريقي نلسون مانديلا، وتولاها القس ديزموند توتو – الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 1984 – ورفاقه، الغاية منها كانت ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان للبناء للمستقبل، من دون إجراءات عقابية على تجاوزات الماضي. الحصيلة جاءت إيجابية جداً حتى الآن، ومنها انطلقت جنوب إفريقيا على طريق الديمقراطية وتداول السلطة.

مفوضية الحقيقة والمصالحة لعبت دوراً محورياً في إعادة اللحمة الوطنية دون إهدار لحقوق ضحايا النظام السابق ودون حرمان الطبقة الحاكمة السابقة من فرصة إعادة تأهيلها.

وقد يكون التعبير الأخير دقيقاً فيما يتعلق بتيار الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان، أظن أن حاجتهم إلى تأهيل متعدد الجوانب قد يكون خطوة مهمة ينبغي اتخاذها قبل بدء مشروع المصالحة. سلوك الجماعة وتابعوها خلال فترة حكمهم والأسابيع التالية للتخلص منهم وحتى الآن يثبت أنهم فعلاً في حاجة إلى إعادة تأهيل ذهني ونفسي وقيمي.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

دعم مصر الحقيقي

photoعبد اللطيف المناوي
التقدم إلى الإمام ليس هدفا نهائيا، إنما استمرار التقدم إلى الإمام هو الهدف الرئيسي، لذلك فان قوة الدفع الأولى على أهميتها ليست كافية لبلوغ الغاية ما لم تكن متبوعة بطاقة مستمرة تضمن الاستمرار. من هذا المنطلق فإنني اقدر جداً الحملة التي بدأت تحت عنوان وهدف “دعم مصر” وكان تفاعل المصريين معها دليلا حقيقيا على ان الروح المتشبثة بالحياة هي المنتصرة دائماً داخل الجسد الوطني المصري، وانه مهما تملكت من الشكوك حول قدرة المصريين على الفعل في مرحلة ما فان مفاجأة جديدة يخرج بها علينا المصري من كنزه الذي لا ينتهي ليثبت تلك الروح المتمردة المختفية حلف رقائق مما يبدو تسليما وخضوعا للأمر الواقع. هذا ثبت واضحا أثناء الثلاثين من يونيو وما بعدها وحتى الآن، وأتمنى ان يستمر. وفي هذا السياق كان ذلك التفاعل مع حملة دعم مصر والتي بدا رد الفعل فيها عظيما وتجاوب المصريين معها يتجاوز التوقعات والأفكار الابتكارية لمصادر دعم مختلفة كانت أيضاً متعددة وخلاقة.
ولكن، هل هذا وحده قادر على ان يعيد بناء مصر، هل التبرعات النقدية والعينية مهما عظمت قادرة على ان تعطي لمصر قوة الدفع المستمرة؟ اعتقد ان الإجابة جميعنا يعرفها. وأود ان أؤكد هنا تقديري الكبير لفكرة دعم مصر وتقديري للقائمين عليها وعلى تنفيذها، وأدعو الجميع إلى المشاركة فيها كل حسب قدرته وقناعته، ولكني هنا أناقش أهمية البحث عن طرق صفيحية لديها ضمانات الاستمرار. الدعوة لدعم مصر هي حالة تثير قدرا كبيرا من التقدير والاحترام، وهي دلالة على رغبة المصريين الحقيقية وتأييدهم للتغيير الحادث، لكنها دلالة وليست طريقا.
اعلم تماماً ان دولا شقيقة بحق لمصر والمصريين في مقدمتها دولة الإمارات والسعودية والكويت قد أبدت في وقت مبكر موقفها الداعم للمصريين وخيارهم مؤكدين دعمهم وتقديرهم لموقف الجيش الذي اثبت ان ولاءه الأول هو الشعب، هؤلاء الأشقاء أعلنوا بشكل قاطع ومنذ اللحظة الأولى دعمهم لخيار الشعب، وترجموا هذا الالتزام بتحرك سريع على الأرض تمثل أوله في ذلك التصريح الحماسي العملي ذو الدلالة عندما قال مسؤولا إمارتها ان قوافل الطاقة التي تحتاجها مصر سوف تبدأ في أبو ظبي وتنتهي في القاهرة، وهذا صحيح بمنطقه العملي، فمن الواضح ان نية وقرار هذه الدول وهؤلاء الأشقاء هو الدعم الكامل، ولا يقتصر الموقف على هاتين الدولتي ولكن هناك دولا أخرى انضمت من بينها الكويت، وجميعهم يعلنون أنهم سوف يعملون على إقالة مصر من عمرتها الاقتصادية وسوف يفعلون ذلك بوسائل تدعم الاقتصاد المصري ولا ترهقه مستقبلا.
 أيضاً، ولكن، هل هذا كافي لإعادة بناء مصر من جديد؟ أظن ان الإجابة واضحة، لن تبنى مصر إلا بالعودة مرة أخرى إلى دائرة الفعل، استعادة قيمة العمل لدى المصريين، ولكي يعود هذا فان المطلوب تهيئة المناخ لهذه العودة، لذلك فإنني هنا أطالب القوى السياسية والشبابية والعمالية على تبني دعوة العودة إلى دفع عجلة الحياة في مصر مرة أخرى، والتوقف عن استخدام الأوضاع المعيشية او المطالب الفردية او الفئوية مبررا لإيقاف العمل. أيضاً ترشيد أساليب التظاهر والاعتصام والإضراب بحيث لا يؤدي ممارسة تلك الحقوق دون وعي وتنظيم إلى شلل في جسد الدولة. هذا يتطلب بالمقابل من الدولة ان تكون على قدر المسؤولية التي يتحملها النظام الآن، وهذا لن يتأتى إلا باعتماد العمل وفقا لدولة القانون التي يكون فيها القانون هو السيد وهو المحدد لسلوك الجماعات والإقرار ومؤسسات الدولة.
اقتصاديا لن تكون هناك فرصة لإعادة ضخ دماء حقيقية في جسد الدولة المنهك سوى عن طريق اتباع قواعد قانونية واضحة ومطمئنة لكافة أطراف العملية الإنتاجية من عمال وإدارة ومستثمرين. لقد لاحظنا خلال الفترة الماضية تلك الحالة التي دفعت بمعظم المستثمرين، المصريين قبل العرب والأجانب، إلى الفرار من السوق المصرية، وذلك بسبب ذلك المناخ الطارد الذي سكن الأجواء، ما بين مطاردات قانونية عن غير أسس وعمليات إرهاب مارسها البعض من المرتبطين بالنظام الإخواني السابق الذين حاولوا الاستيلاء على كل ما يمكن الاستيلاء عليه من الآخرين مستخدمين في ذلك نفوذهم او نفوذ من تسلقوا على ظهورهم من قيادات الجماعة. السبيل الآن هو إعادة مناخ الاستقرار إلى أجواء الاستثمار. وهناك عدة خطوات أظنها جديرة بتحقيق ذلك الاستقرار نسبيا ان أخذت. واقصد هنا تلك المشروعات التي توقفت او تعاني من خطر التوقف لأسباب مرتبطة بعدم القدرة على اتخاذ القرارات في المرحلة الأخيرة او لتعارض اتخاذ قرارات صحيحة لصالح هؤلاء المستثمرين لتعارضها مع مصالح أصحاب النفوذ.
من بين الكثير الذي سمعت عنه من معوقات تلك الحكاية عن تردد عدد كبير من الأسماء الكبيرة لان يدخلوا مصر ليعملوا فيها لاحساسهم بان المناخ غير مناسب، أيضاً مستثمرين كبار انشاوا مشروعات كبيرة مهددة بالشلل لأسباب غير واضحة. واسألوا في هذا عن المستثمرين الإماراتيين الذين كانوا يعاقبون بسبب موقف بلادهم من الجماعة التي كانت حاكمة.
مصر لن تتخذ مكانها الطبيعي بين الامم التي تليق بها إلا إذا بدأ أبناؤها في العمل الجاد من أجل ذلك الهدف في ظل دولة قانون.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

للقلق أسباب عديدة والمخاطر تطل برأسها

9998393363عبد اللطيف المناوي

قلقى شديد من الأسلوب الذى تدار به الأمور هذه الأيام بعد الموقف الشعبى المصرى الذى زلزل الأرض تحت جماعة الحكم السابقة وأثار جدلاً عظيماً فى مختلف أنحاء العالم حول مفهوم ما شهدته وتشهده مصر. قلقى يتوزع فى اتجاهات متعددة ولا يتسع مقال مهما طال بتناولها تفصيلاً، ولا يمكن أيضاً الانتظار لموعد كل مقال لتناول أحد عناصر القلق، لذا سأتوقف سريعاً أمام بعض هذه المخاوف داعياً لإدارة حوار حولها محذراً مما أعتقده مكمن خطر.

– أعلم أن هناك ضغوطاً جبارة على صانع القرار السياسى فى مصر، ضغوطاً داخلية وضغوطاً خارجية، لكن ينبغى أن يكون الصالح العام وصوت الشعب هو المحرك الرئيسى للأحداث وهدف القرارات. من هذا المنطلق أظن أنه كان هناك قدر من العجلة فى الالتزام ببرنامج زمنى شديد القصر للوصول إلى مرحلة الاستقرار السياسى من خلال الدستور والقوانين المنظمة والانتخابات البرلمانية والرئاسية. ينبغى أن نلاحظ أن المصريين عاشوا ما يتجاوز عامين ونصف العام من الإجهاد السياسى تركزت أسوأ فتراته طوال حكم الإخوان. والآن عندما نبدأ عملية سياسية جديدة تبدأ منذ اللحظة وتستمر على الأقل عاما آخر فإننا بالفعل نعقد من الجو النفسى المحيط ونزيد من قدر الضغوط، ناهيك عن انعدام الفرصة للكيانات السياسية الجديدة التى أفرزتها المرحلة لترتب أوضاعها بسبب ضيق الوقت. وهو الأمر الذى سوف يؤدى إلى اكتساح القوى السياسية التقليدية للمشهد السياسى المقبل بحكم خبرتها ووجودها على الساحة. وعندما أتحدث عن القوى التقليدية فإننى أضع قوى الإسلام السياسى بما فيها جماعة الإخوان. لذلك لن يكون مفاجئاً أن نجد هؤلاء فى صدارة المشهد السياسى مرة أخرى.

– قلق من أسلوب التشكيل الوزارى، مصر ليست فى حاجة إلى الدخول فى هذه المرحلة فى دائرة المحاصصة وتقسيم الغنائم، لذا كنت أرى من البداية الإعلان المباشر عن حكومة طوارئ تدير شؤون البلاد من التكنوقراط، أى حكومة خبراء عدد وزرائها محدود، دورها ينحصر فى إدارة الأزمة التى تمر بها مصر. لكن ما حدث عن تضارب وحوار وتضاغط حول تسمية رئيس الوزراء، وتدخل كل القوى السياسية المؤثرة ومن تدعى التأثير فى عملية الموافقة أو الاعتراض كان خطأً كبيراً.

– ارتباطاً بالتخوف السابق ألاحظ أن الهم الرئيسى الذى ينبغى أن نتوقف أمامه ونعمل على حله هو الأزمة الاقتصادية، وهذه الأزمة لن تحل إلا بتحرك سريع نحو إعادة عجلة الإنتاج للدوران والبدء فى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة مرة أخرى مع الاستثمار والمستثمرين. لن تحل الأزمة دعوات دعم مصر، المهمة، ولا وقوف الأشقاء لدعمنا، وهى مسألة مهمة أيضاً، لكن الطريق الوحيد هو عودة الإنتاج والاستثمار. وهذا يرتبط بحكومة طوارئ قوية من الخبراء المتخصصين ليبعثوا الثقة.

– قلقى كبير من غياب الوسائل والطرق الصحيحة للتعامل مع الخارج. غضبنا غضباً عظيماً، وهو غضب مبرر، عندما وصف إعلام الغرب ثورة المصريين المدعومة بجيشها بأنها انقلاب. ولكن ماذا فعلنا؟ وقفنا نصرخ غاضبين نعلن رفضنا لموقف الغرب وتنافسنا فى التنديد بالموقف غير المتفهم لحقيقة ما حدث، لكن نسينا فى زحمة الغضب أن نتوجه بالحديث للمستهدفين وظللنا نتحدث فى بعضنا البعض، حتى تلك المؤسسات أو الأشخاص المكلفون بالتواصل انشغلوا بالانتشار الإعلامى المحلى ونسوا أن يتحدثوا للآخرين. المبدأ الرئيسى الحاكم هو أن نتحدث للآخر باللغة التى يفهمها وبالمنطق الذى يقتنع به ووفقاً لنسق القيم الحاكمة فى هذه المجتمعات. هؤلاء يريدون أن يسمعوا إلى لغة يفهمونها ومنطق يتوافق مع تكوينهم، وأنا مؤمن أننا فى هذه المرحلة نمتلك أقوى قضية وأقوى منطق ولكننا لا نملك من يعبر عنها. إنها إرادة شعب تمتلك الشرعية وتتحصن بالقانون، فقط نريد أن نقول ذلك للعالم.

– الجماعة وحلفاؤها يخطئون خطأً تاريخياً بما يفعلون الآن، التغيير أصبح واقعاً وما يقدمون على فعله لن يؤدى إلا إلى تعميق الفجوة بينهم وبين بقية نسيج مصر، سوف يصبحون جماعة فى مواجهة أمة، وهذا خطر عظيم عليهم وعلى مستقبل القبول بهم بين المصريين.

– أتفهم مشاعر الغضب بسبب تورط بعض العرب من الفلسطينيين والسوريين مع الإخوان وحلفائهم فى عمليات عنف أو الإعداد لعمليات إرهابية، لكن ذلك لا يجب أن يجعلنا نعمم الموقف على كل الفلسطينيين والسوريين، مصر كانت وستظل داعمة للعرب، كل العرب. لهذا ينبغى العمل على وقف الحملات ضد الفلسطينيين والسوريين على العموم وإنما تحديد المتورط منهم وهم معروفون. لكن العلاقات الشعبية بين مصر وكل الشعوب العربية فوق التشكيك.

– لا يملك شخص أو جماعة أو حزب أن يدعى أنه حرك المصريين أو يمتلك قدرة على فعل ذلك، جميعنا شهد وعرف أن الشعب كان أكثر تطوراً فى فهمه وتقدماً من كل من ادعى قيادته، لذلك فإن ثورة الشعب فى يونيو يملكها الشعب كله ولا يملك أحد أو جماعة الادعاء بأنهم يملكون الحق المطلق فى التعبير عن رغبات الشعب أو أنهم يمتلكون الحق فى أن يدعوا أنهم ممثلوه. هذه الصورة ينبغى تصحيحها وعدم الخضوع لابتزاز. لا يملك أحد أو جماعة حق الاعتراض المطلق أو شرط الموافقة، وإلا كانوا جميعاً يجرمون نفس جرم من قرر أن يدمر نفسه ومعه الوطن.

جماعة في مواجهة الأمة

Untitledعبد اللطيف المناوي
لم يكن قد انقضى على تشكيل “الإخوان المسلمين” خمس سنوات حين وصف مؤسس الجماعة حسن البنا عام 1933 الملك فؤاد بأنه “ذخر للإسلام”، وبينما كانت شوارع مصر تغلي ضد الملك فاروق عام 1937، وصفه البنا، الذي يلقبونه بالإمام والشهيد، بقوله إنه “ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه”، وعندما طالب مصطفى النحاس باشا زعيم حزب “الوفد” بالحد من سلطات الملك غير الدستورية وخرجت جموع المصريين تهتف “الشعب مع النحاس” فتصدى لهم الإخوان بتظاهرات “الله مع الملك”، وفي مارس 1938 نادت صحف الإخوان بالملك فاروق خليفة للمسلمين، وردد الإخوان يمين الولاء للملك فاروق في ميدان عابدين في فبراير 1942 “نمنحنك ولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله”.

وعلى امتداد سنوات النظام الملكي وقف “الإخوان” ضد حزب “الوفد”، وهو صوت الحركة الوطنية ووصل الصراع بين الجانبين ذروته في يوليو 1946، فلجأ “الإخوان” كعادتهم إلى العنف وألقوا بالقنابل على أنصار “الوفد” في بورسعيد مما أسفر عن مقتل أحد الوفديين وإصابة العشرات، فغضب الأهالي وأشعلوا النار في دار الإخوان والنادي الرياضي ببورسعيد، وعندما شن إسماعيل صدقي رئيس الوزراء القريب من الاحتلال الإنكليزي في ذلك الوقت حملة اعتقالات لمئات المثقفين والطلبة والعمال عام 1946 وأغلق عشرات الصحف، نشرت صحف الإخوان الرسمية أن الظروف تحتم ذلك لأن سلامة المجتمع وحرية الأمة فوق كل شيء، وخرج أحد قياداتهم مصطفى مؤمن زعيم الإخوان بالجامعة وخطب تأييداً لإسماعيل صدقي مستشهدا بالآية الكريمة “واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً”.

وبقيام ثورة يوليو التقى الإخوان بعبدالناصر وحاولوا القفز على الحكم، وأغلقت أبواب التفاهم بين الإخوان والثورة بعد محاولتهم اغتيال عبدالناصر في المنشية في أكتوبر 1954، وما إن وصل السادات إلى الحكم حتى قدموا أنفسهم له سلاحاً ضد الناصريين واليساريين في الجامعات، فاستخدمهم وعملوا على تأجيج الفتنة الطائفية، وخشي السادات من العفريت الذي أطلقه فاعتقل كثيرين منهم.

وفي عهد مبارك لم يتركوا فرصة للتأييد إلا وانتهزوها، ويقف تصريح المرشد السابق عام 2005 عندما أعلن المرشد مهدي عاكف في حوار بمجلة “آخر ساعة” تأييد الجماعة لترشيح مبارك لولاية جديدة، وتمنى لو استقبله مبارك والتقى به، وفي 2010 صرح المرشد محمد بديع بقوله إن “مبارك أب لكل المصريين”، وفي الفترة الانتقالية التي أدار فيها المجلس العسكري والمشير طنطاوي شؤون البلاد خرج الإخوان في جمعة 29 يوليو 2011 يهتفون له “يا مشير يا مشير ألف تحية من التحرير”، وأيضاً “يا مشير يا مشير… م النهارده أنت الأمير”.

لم يفعل الإخوان شيئاً عبر تاريخهم سوى الانتقال من هتاف “الله مع الملك”، إلى تحية الرئيس المؤمن السادات، إلى “مبارك والد كل المصريين “إلى “يا مشير م النهارده أنت الأمير” وأخيراً إلى “مرسي مرسي… الله أكبر”.

اليوم سقطت الجماعة بعد عام واحد من القفز على السلطة في مصر، أثبتت ما توقعه حليفهم حسن الترابي عراب الحركة الإسلامية في السودان من أنهم لن ينجحوا في إدارة الدولة حيث نسب إليه قوله منذ فترة: “قلت للإخوان لا تترشحوا للرئاسة، وليكن عندكم أكثرية برلمانية، واستثمروا جو الحريات لصناعة الكوادر التي تقود الدولة بعد قيادة المسجد، فإدارة الدولة تختلف عن إدارة الجمعيات الخيرية”، حسب وصف الترابي الذي أضاف أن “العمل في جو الحرية هو الذي يولد لكم فرصة الوجود ولو من بعد”، ولكنهم لم يفهموا ذلك، وأخذتهم العزة بالقوة، وتمكن منهم العناد والإنكار وشهوة السلطة التي أعمتهم عن الحقائق ووفرت منهم الجميع أفراداً وجماعات.

تاريخ من الانتهازية السياسية والعمل في الظلام والنمو في أجواء التضييق والاستبداد، العداء للشعب وحريته والاعتداء على رموزه بالعنف كان أحد الملامح في تاريخ الجماعة، يختتمونه الآن بالوقوف في مواجهة المجتمع كله، يبدو الأمر الآن بعد سقوط الإخوان كأنها جماعة في مواجهة أمة.

إذا أرادت الجماعة أن تجد لنفسها مكاناً وأن تكون لديها فرصة لاستعادة قليل مما خسرت فإن الطريقة الوحيدة هي أن يدركوا أنهم خسروا السلطة بالفعل، فعلى الأقل لا يخسرون فرصة العودة كفصيل ينشط في إطار دولة مدنية حقيقية.

فشل ثلاثة رؤساء جمهورية وأنظمتهم، ومن قبلهم تيارات ومؤسسات عديدة، جميعهم فشلوا في هزيمة الجماعة والقضاء عليها على مدار أكثر من ثمانين عاماً، هم فقط من استطاعوا بأيديهم أن يقضوا على أنفسهم ويكشفوا حقيقتهم أمام الناس في عام واحد فقط، واستمرارهم في موقفهم الرافض للحقيقة والمعادي للمجتمع الآن سوف يقضي على أي فرصة لعودتهم.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

بلاغ إلى من قد يهتم فى بلد يدعى حمايته الديمقراطية

Untitledعبد اللطيف المناوي

يوم السبت التاسع والعشرين من يونيو، يوم واحد قبل الزلزال الشعبى الذى زلزل الأرض تحت أقدام الجماعة التى كانت حاكمة، فى هذا اليوم كنت أجلس مع صديق وصل لتوه من مصر، من بين حوار طويل دار بيننا أتذكر ما ذكره عن السفيرة الأمريكية فى مصر، خاصة أنه يعرفها والتقى بها الليلة السابقة على وصوله فى حفل عشاء. سألته عن رؤية السيدة باترسون، التى تمارس مهامها «كمندوب سامى» وليس كسفيرة دولة، لأحداث اليوم التالى فأجابنى أنه سألها سؤالا مباشرا «هل تعتقدين أن المظاهرات القادمة ستؤدى إلى تغيير الحكم أو تغيير المعادلة؟» وكانت إجابتها بلهجة واثقة ولكنة أمريكية قوية ممزوجة «بخنفة» واضحة، كما قال لى صديقى، «it is not going to happen» أى أن هذا لن يحدث. ثقتها الشديدة لم تكن تعبيرا عن حسابات بقدر ما كانت تعبيرا عن رغبة وإرادة دولتها، وأيضاً ميل شخصى واضح منذ وطئت أقدامها أرض مصر. وكانت اللطمة الشديدة التى أصابتها هى وإدارتها، أو جزء واضح منها، أولئك الذين راهنوا على تمكين الإسلاميين ومساعدتهم حتى اللحظة الأخيرة.

لم يفاجئنا ما كشف عنه موقع «مبتدا» الذى ثبت أنه مصدر مهم للأنباء فى الفترة الأخيرة عندما كشف اعتمادا على ما وصفه بمصادر «سيادية عليا» أبعاد مؤامرة تتجه أصابع الاتهام فيها بشكل مباشر إلى السيدة باترسون.

يقول «مبتدأ» إن السفيرة الأمريكية «آن باترسون» قد طلبت من الجماعات السلفية عرقلة تشكيل الحكومة الجديدة فى مصر لتتيح الفرصة لجماعة الإخوان المسلمين لاقتحام مقر الحرس الجمهورى.. لقد حاولت آن باترسون الاتصال بالفريق أول عبدالفتاح السيسى لتعرض عليه عقد مفاوضات مع جماعة الإخوان، وهو ما رفضه الفريق السيسى الذى يصر ويصمم على أن يتم القبض على كل من مارس القتل ضد المصريين. وهو ما أغضب آن باترسون حيث قالت لـ«السيسى» إن ما يطلبه هو نوع من المثاليات لا مكان لها فى السياسة، وإن التمسك بالقانون يضر أحياناً بالسياسة؛ وقد حسم السيسى موقفه، وقطع الحوار تماماً مع باترسون بحدة ليخبرها أنها مجرد سفيرة لا حق لها فى التدخل لا هى ولا دولتها فى الشأن المصرى.. كثفت آن باترسون اتصالاتها بالجماعات السلفية هذه المرة لتطلب منهم بكل الطرق تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، وتعطيل أى إعلانات دستورية قد تصدر لحين فرض وجود جماعة الإخوان فى موقف تفاوضى أقوى، وقد أكدت باترسون للسلفيين أن محمد مرسى قد يعود للحكم خلال أيام، ثم أعطت فى الوقت نفسه الإشارة الخضراء لجماعة الإخوان لبدء الاعتداء على مبانى الحرس الجمهورى بشرط ضرورة حدوث الاحتكاك قبل صباح الاثنين لأن الجماعات السلفية لن تستطيع عرقلة تشكيل الحكومة الجديدة لأكثر من ذلك.

وقد قاد تنفيذ هذه المهمة عصام العريان ومحمد البلتاجى؛ حيث تولى البلتاجى تنفيذ مهمة آن باترسون برمتها أمام الحرس الجمهورى، كما تولى عصام العريان مهمة الاتصال بالإعلام العالمى لتجهيزه لردود الفعل لحظة حدوث الاشتباكات بين الحرس الجمهورى أو الجيش والإخوان. وعند منتصف الليل بدأت قناة الجزيرة الموالية لجماعة الإخوان تجهيز الأجواء الإعلامية لتلك المواجهة.. حيث أذاعت العديد من المداخلات والتحليلات التى ترسخ فكرة بوادر خوف معتصمى الإخوان عند الحرس الجمهورى من قيام الجيش بمواجهتهم وبقتلهم، ثم لوحظ توالى عدد من القنوات الخاضعة للإخوان بالترويج لأن الجيش يدفع بتعزيزات قتالية تستعد لقتل الإخوان.

وأخيراً، تم تنفيذ سيناريو آن باترسون أمام الحرس الجمهورى حينما اعتلى أفراد من قناصة الإخوان المبانى العالية، وبدأوا إطلاق النار من جهتهم ليقتلوا على الفور أحد ضباط الحرس الجمهورى برصاصة قناص اخترقت جبهته، وأسقطوا أكثر من أربعين جندياً فى لحظات الاشتباك الأولى. بينما سارعت جحافلهم فى العدو بسرعة نحو بوابات الحرس الجمهورى، ولم يجد الجيش أمامه بعد الكثير من التحذيرات سوى أن يتعامل وفقاً للقانون الخاص بتأمين منشآت القوات المسلحة والعسكرية. ولم تترك قناة الجزيرة الفرصة حيث كانت القناة الوحيدة المستعدة لحظتها داخل رابعة العدوية والمستشفيات الميدانية لتصوير وإخراج المشهد الأخير فى محاولة نهائية لوضع السيناريو السورى محل التنفيذ.

انتهت تفاصيل المؤامرة المنشورة، وهذا بلاغ، إن أمكن اعتباره هكذا، لأى جهة محلية أو أمريكية أو دولية لاتخاذ ما يلزم تجاه أى متورط فى هذه المؤامرة ضد أهل مصر.