شهداء رفح… والعريش

الأيدي الآثمة التي اغتالت الجنود المصريين، وقت الإفطار في رمضان، في مذبحة رفح الأولى، حينما اعتلى الإخوان سدة الحكم في مصر، هي نفس الأيدي التي اغتالت الجنود المصريين وأصابت العشرات في العريش في العملية الإجرامية الأخيرة، فلا يمكن الفصل بين العمليتين، بل يمكن أن نقول إنهم كانوا في العملية الأولى يمهدون الطريق لإبعاد الجيش عن الساحة، وعندما فقدوا السيطرة على مقدرات البلاد جنّ جنونهم، فانطلقوا في عملياتهم الإرهابية التي تقتل وتدمر وتخرب.
لا أوجه الاتهام إلى أحد بعينه في جماعة “الإخوان”، لكن لهم جميعاً، لمن تواطأوا وسكتوا، ولمن خططوا ونفذوا، ولمن دعموا في الخفاء، ولمن هللوا، ولمن تربصوا، ولمن كانوا يريدون إبعاد الجيش المصري downloadوالشعب المصري، والسيطرة على البلاد، لإقامة خلافتهم المزعومة التي لا تختلف في شيء عن خلافة تنظيم “داعش” في العراق، إلا في اختلاف الواجهة.
في العملية الإرهابية التي أصابت العريش، وسقط فيها شهداء ومصابون من المصريين، اختلطت دماء الجنود المصريين بدماء المدنيين، لتؤكد مجدداً أن هذه معركتنا جميعاً، جيشاً وشعباً، جميعنا في خندق واحد، ضد تنظيم أعمى إرهابي لا يرى إلا نفسه، ولا يعبد إلا ذاته وتعاليمه الجاهلة والكافرة بالإنسانية والوطن، والتي تضحي بأي شيء للوصول إلى أهدافها، فتستهدف المدنيين والجيش، وتضع قنابلها في المطاعم والقطارات والأتوبيسات، لتكذّب ادعاءها السابق أنها لا تستهدف إلا الجيش والشرطة، ولتوقظ الجميع مجدداً، وتذكرهم بأن العدو لا يفرق بين مصري مدني ومصري مجند، فهم ضد المصريين على طول الخط.
انتقلت عملياتهم من سيناء إلى أحياء القاهرة، وإلى المحافظات، بعد ذكرى 25 يناير، في محاولة لخلق حالة من الفزع والخوف، في الوقت الذي تتقدم فيه مصر قدماً للإعداد للانتخابات البرلمانية- ثالث مراحل خارطة الطريق وآخرهاـ وفي الإعداد للمؤتمر الاقتصادي العالمي، في محاولة من التنظيم الإرهابي لإيهام العالم أن مصر تعاني توتراً وعنفاً، والإيحاء أن هناك خللاً، في محاولة لإفشال المؤتمر الاقتصادي، وإكمال خارطة الطريق.
المطلوب الآن من الدولة هو التعامل بقدر من الحدة والحسم مع هذا العنف الذي استشرى وبدأ يضرب بأذنابه في كل مكان، حتى إن كان غير مؤثر في بعض الأماكن، إلا أنه مثير للقلق، وهو ما تسعى إليه الجماعات الإرهابية وأذنابها، وأبواقها الإعلامية لتقول للعالم إن مصر عادت إلى أجواء العنف مرة أخرى.
وعلى الدولة، وهي تتعامل بالحسم الكافي مع هذه التجمعات الإرهابية، ألا تغفل بُعدَين مهمين هما البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، ولكل منهما أهميته، فالبعد الاقتصادي أن تتقدم الدولة إلى الأمام في المشاريع الاقتصادية والقومية التي بدأت فيها بالفعل، وأن تواصل البناء وخلق حالة من التنمية، لأن أحد أهداف هذه العمليات التخريبية تعطيل وإفساد أية عملية تطور وبناء اقتصادي تحدث في البلاد، أما البعد السياسي فهو بجمع السياسيين حول الوطن، وحول مشروعاته القومية، وحول زعامته الجديدة، وأن يشعر المصريون أنهم يد واحدة في مواجهة التطرف والتخريب، فهذا وحده كفيل بإفساد خطط الإرهاب، والتنظيم الذي يبدو مستعداً للقضاء على جميع المصريين بلا تمييز، لكي يعود مجدداً إلى الحكم.
أمام المصريين معركة طويلة، معركة من أجل بناء وطنهم، ومعركة ضد الإرهاب الأعمى، لن يكفي أن نخوض معركة دون أخرى، بل يجب أن نخوضهما معاً، وننتصر فيهما معاً، وربما على المصريين في هذه اللحظة، أن يتذكروا الشعار الستيني القديم “يد تبني ويد تحمل السلاح”.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

كيف الخروج من حالة «العَوَز»؟

مرة أخرى يتحدث الرئيس السيسى عن المشكلة الأساسية التى نعانى منها، وكيف أن الخروج منها هو الهدف الرئيسى، هذه المشكلة أو التحدى هو حالة «العوز». يقول ابن منظور، فى كتابه «لسان العرب»، إن العوز هو أن يعوزك الشىء وأنت إليه محتاج، وقال أبومالك: «يقال أعوزنى هذا الأمر إذا اشتد عليك وعسر، وأعوزنى الشىء يعوزنى أى قل عندى مع حاجتى إليه، ورجل معوز قليل الشىء، وأعوزه الشىء إذا President Abdel Fatah Elsisiاحتاج إليه فلم يقدر عليه، والعوز بالفتح العدم وسوء الحال».

والعوز هو أيضاً حالة مصرية، اعتدنا عليها منذ قرابة أربعة عقود، عوز على مستوى الدولة، ومستوى الأفراد، حتى أصبح الهم الرئيسى لكل فرد، ولكل مسؤول فى هذا البلد هو كيفية الخروج من هذه الحالة المؤرقة، التى يحاول البعض الخروج منها، ويحاول البعض الآخر التأقلم معها، لكن الأكيد أنه لا تقدم لهذا البلد، كما نتمناه، ما لم يخرج من هذه الحالة التى تشبه القيود التى تكبل حركته، وتقدمه للأمام، ولا يختلف عن رب أسرة يقدم كل راتبه الشهرى للأقساط والديون والمشتريات المنزلية، دون أن يستطيع تدبير مبلغ ليجمّل منزله، أو يطوره أو يغيره أو يحسن حاله. يمكن أن نقول إن حالة العوز بدأت فى مصر مع نكسة 67، عندما وجدت الدولة نفسها واقعة فى أتون الحرب، فوجهت كل طاقاتها الاقتصادية للخروج من الحرب منتصرة، واستنزفت كل مواردها دون أن تجد من يمد يده إليها وقتها باعتبارها خط الدفاع الرئيسى والأول عن القضية العربية، وبعد انتصار أكتوبر 1973 وجدت الدولة نفسها واقفة وحيدة، وقد نفدت معظم مواردها، دون أى مساعدة تتلقاها من أى دولة.

انعكست حالة العوز من هذه اللحظة على الدولة وعلى الأفراد، الذين حاول بعضهم السفر إلى الخليج للهروب من حالة الفقر والحاجة، وانعكست على الدولة التى اتخذت إجراءات اقتصادية عُرفت فيما بعد بالانفتاح الاقتصادى، لكنها لم تشف الجرح، وهو ما وضع مصر فى خيارات سياسية واقتصادية دُفعت إليها دفعاً، لأنها لم يكن لديها البديل، وظلت حالة العوز مستمرة مع استمرار معارك الدولة ضد الجماعات المتطرفة أواخر السبعينيات، ثم الإرهاب طوال الثمانينيات والتسعينيات، ومع استمرار سياسات اقتصادية داخلية لم تقدم الحل ولا البديل للحالة التى تعانى منها البلاد. انعكست حالة العوز على كثير من تفاصيل الحياة الدولية، مرة فى صورة فساد مجتمعى وتقنين الرشوة، وتارة فى انهيار بنية التعليم والصحة، مع زيادة مطردة فى السكان، وتناقص مطرد فى الدخل، وهكذا ظلت مصر تدور فى هذه الدائرة ولا تخرج منها. ازدادت حالة العوز منذ 25 يناير، وطوال أربع سنوات، ظلت مصر فيها تنزف اقتصادياً وسياسياً ومجتمعياً، وهو ما انعكس على حالة المجتمع والفرد، من زيادة فى البطالة والفقر وارتفاع الأسعار والتضخم، وهو ما ضاعف حالة العوز. الهدف الأول فى المرحلة المقبلة هو تخليص مصر من هذه الحالة التى عاشت معها طويلاً، فما يجب أن ندركه أن المخرج الأول والرئيسى من هذه الحالة التى نعيشها هو الخروج من حالة العوز التى تعانى منها البلاد، وهذا لن يتم إلا بالعمل والاصطفاف من أجل هذا الوطن، ووقتها يمكن أن نحقق ما نحلم به من مستقبل أفضل لهذا الوطن.

“مينا” وحد القطرين وأنشأ جهاز الشرطة

توقفت امام تعبير “بوليس” الذي ينتشر في العالم بأشكال نطق مختلفة لكنها جميعا تنتهي الى معنى واحد وهو الشرطة، بحثت عن معنى الكلمة فعرفت انها كلمة لاتينية ذات أصل يوناني وهي تعني المدينة بمعنى المدنية والتحضّر ولا يمكن ازدهار المدنية إلا في ظل الأمن. من هنا نرى العلاقة الوثيقة بين الأمن والرقي الحضاري، فكان جهاز البوليس معنياً بالمحافظة على أمن الدولة ومكتسباتها الحضارية. اما في مصر فمع تولي الخديوي اسماعيل الحكم في سنة 1863م استدعى الضابطين الإيطاليين كارلسيمو والمركيز نيجري وأوكل إليهما مهمة تشكيل قوة نظامية لحفظ الأمن تحل محل طائفة «القواسة» الأتراك غير النظاميين. مع هذه unnamedالطائفة ظهر على السطح مصطلح «البوليس» لأول مرة في تاريخ مصر.
هذا البحث عن اصل الكلمة اغراني للبحث عن تاريخ الشرطة في مصر، فنحن نتعامل معها باعتبارها حقيقة حاضرة ولم نتوقف كثيرا لنعرف عن تاريخ نشأتها. يعتقد البعض أن جهاز الشرطة ارتبط ببدء ما اصطلح على اعتباره نشأة الدولة الحديثة مع وصول محمد علي الى سدة الحكم في مطلع القرن التاسع عشر مع التنظيمات التي أدخلها لتحديث مصر. لكن التاريخ يثبت عكس ذلك، فجهاز الشرطة عرفته مصر مع بدايات الدولة المصرية القديمة عندما وحّد الملك نارمر (المشهور بمينا أي المؤسس) مصر في دولة واحدة يحكمها الفرعون، فظهرت الحاجة الماسة لإدارة تنظم أعمال توزيع مياه النيل بين المصريين، فكان جهاز الشرطة الذي اقتصرت مهمته الأولى على الحرص على توزيع مياه النيل بشكل عادل بين جميع المصريين آنذاك. د. سليم حسن العالم المصري الشهير في مجال المصريات يشير في موسوعته «تاريخ مصر القديمة» الى أن أهمية هذا المنصب دعت الى أن يتولى وزير الفرعون مهام رئيس الشرطة الأعلى في العاصمة، بالإضافة الى المحافظة على المؤسسات العامة، ومتابعة العاملين في إدارة الدولة وعزل من يثبت فساده، بالإضافة الى حراسة الفرعون بتشكيل الحرس الخاص بالفرعون. ومع الوقت أصبح منصب «رئيس الشرطة» من أهم الوظائف في الدولة المصرية. ومن بين مهام الشرطة الفرعونية حماية مقابر الفراعنة حتى لا يتعرض لها لصوص الذهب والمقابر، وربما يكون أبرز ما قامت به الشرطة الفرعونية وسجله التاريخ هو ما قام به رئيس الشرطة «سمحو» من إحباط مؤامرة لاغتيال إخناتون فرعون مصر.
وكانت العلاقة ودية بين الشعب والشرطة في عصر الفراعنة، وهو ما عبر عنه  احد الحكماء في وصيته لابنه والتي اكتشفت في احدى البرديات بأن يكون على وفاق مع رجال الشرطة قائلاً: «اتخذ من شرطي شارعك صديقاً لك ولا تجعله يثور عليك، وأعطه من طرائف بيتك حينما يكون منها في بيتك في أيام العيد، ولا تتغاضى عنه وقت صلاته بل قل له: المديح لك».
على العكس من العلاقة الطيبة التي جمعت بين المصريين والشرطة في عصر الفراعنة ساءت علاقة الشرطة بالمصريين في عهد دولة البطالمة. فقد أصبح رجال الشرطة من الإغريق الغرباء الذين لا همّ لهم إلا جمع المال واحتقار المصريين. إلا أن الوضع أخذ في التغير عند نهاية عصر البطالمة حيث يؤكد د. إبراهيم نصحي في كتابه «مصر في عصر البطالمة» أن البطالمة ومن بعدهم الرومان استعانوا بالمصريين في جهاز الشرطة وهو ما ساعد على عمل هذا الجهاز الحيوي بكفاءة مرة أخرى، وإن كانت قيادة الشرطة ظلت في يد القيادة العليا (دوق مصر) لقوى الاحتلال في مصر إبان الاحتلال الروماني.
مع دخول مصر تحت لواء دولة الإسلام في عام 641م، شهدت مصر تغيرات جذرية في مفهوم نظام الشرطة. فالعرب كانت لهم رؤيتهم الخاصة لعمل الشرطة التي ظهرت لأول مرة تحت مسمى نظام «العسس» في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وفي عهد الخليفة علي بن أبي طالب نظمت الشرطة وأطلق على رئيسها صاحب الشرطة وكان يُختار من علية القوم ومن أهل القوة. وفي مصر الإسلامية كان زكريا بن جهنم بن قيس أول من تولى الشرطة لعمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامي، وكان منصب صاحب الشرطة بمثابة نائب الوالي. ولم يتغير وضع الشرطة في العصور الإسلامية اللاحقة إلا في تقسيم الشرطة بين إدارتين إحداهما في القاهرة والأخرى في الفسطاط في العصر الفاطمي، وهو ما ظل متبعاً في عهدي سلاطين الأيوبيين والمماليك حتى الغزو العثماني لمصر في سنة 1516م، لتشهد مصر بعدها حالة من الانفلات الأمني في ظل الصراع بين القوات العثمانية ممثلة في الباشا وقوات الانكشارية والعربان وبقايا أمراء المماليك بزعامة شيخ البلد. وهو النزاع الذي مكّن قائد الغزو الفرنسي بونابرت من احتلال مصر سنة1798، ولم تنقطع حالة الفوضى تلك إلا مع وصول محمد علي الى سدة الحكم في عام 1805م، فبدأ في تنظيم جهاز الشرطة ضمن مشروعه التحديثي وأوكل هذه المهمة لـ»لاظوغلي» كتخدا (وكيل) محمد علي الذي أعاد تنظيم الشرطة في كيان محكم. وتوسعت مهام الشرطة التي بدأت تأخذ طابعها العصري من حفظ الأمن في مختلف مرافق الدولة، وبدأ استحداث بعض الإدارات التابعة لجهاز الشرطة كشرطة الجمارك وشرطة البصاصين (الشرطة السرية) وكانت مهمتهم التنكر في أزياء الباعة الجائلين والتردّد على دور الأعيان الناقمين على السلطة الجديدة ورفع تقارير الى أولي الأمر لاتخاذ اللازم. وهذه الطريقة، كما يذهب د. ناصر الأنصاري في كتابه «تاريخ أنظمة الشرطة في مصر»، ساعدت في كشف بعض المؤامرات التي كانت تحاك في الظلام للانقضاض على محمد علي.
سأقفز هنا الى التاريخ الحديث الى التاريخ الذي قرر المصريون ان يعتبره عيدا للشرطة وهو يرتبط بما يطلق عليها موقعة الإسماعيلية في 25 يناير، 1952 حيث رفضت قوات الشرطة المصرية تسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية. أسفر الاشتباك بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية عن مقتل 50 شرطيًا مصريًا و80 جريحًا. اصبح ذلك التاريخ عيدا للشرطة، وهو اليوم الذي شهد بداية إسقاط النظام الأسبق ومحاولة تدمير منظومة الأمن منذ اربع سنوات.
أردت في هذا اليوم تذكرا لكل ذلك ان استحضر التاريخ القديم والحديث حتى لا ننسى ونحن نقيم أوضاعنا ونعيد بناء ما تهدم كيف يتحكم الوضع السياسي والظرف العام في علاقة الشرطة بالشعب، وكيف يمكن ان تكون تلك العلاقة علاقة بناء او عنصر توتر.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

الفريق الرئاسى مرة أخرى

أشعر بأنه بات لزاماً علينا إعادة التأكيد على ما سبق أن أشرنا إليه من قبل، لذا فإننى أعيد نشر جزء مما سبق أن نشرته حول أهمية وجود فريق معاون للرئيس، عندما نشرته من قبل كان الظرف أقل إلحاحاً مما نحن President Abdel Fatah Elsisiعليه الآن، لذا فإننى عندما أطرح الموضوع مرة أخرى فى هذا التوقيت أعتقد أن صداه سوف يكون مختلفا.

يحتاج الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى، فى المرحلة المقبلة، إلى أن يكون محاطاً بمجموعات وأشخاص قادرين على أن يلبوا الحاجة إلى تكوين حالة فهم صحيح ودقيق للمجتمع ومشكلاته. لذلك أظن أن وجود صيغة تسمح لأفراد قادرين على الإضافة هو خطوة مهمة، ومن هنا فإن وجود مجموعة استشارية بشكل غير تقليدى قد يكون إحدى الأفكار القابلة للتنفيذ. أعلم أن هناك العديد من الهيئات الاستشارية التى هى موجودة بالفعل أو يتم التفكير فى إنشائها، كذلك ما ارتبط سلبا بمفهوم مستشارى رئيس الجمهورية بمرحلة الإخوان، لكن أظن أن هذا لا ينبغى أن يكون عائقا أمام التعامل من أجل خلق كيان استشارى حقيقى فاعل، مع ضمان أن يكون خالياً من السلبيات.

أول الاقتراحات أن يكون هذا الكيان الاستشارى بعيدا عن الأضواء، وأن يحظر على أعضائه التعامل مع الإعلام بصفة مستشار للرئيس، كذلك فإنه يحظر الإعلان عنهم أو تقديمهم بصفتهم الاستشارية. كذلك يكون هذا الجهد دون مقابل مادى.

هذا المكتب تكون وظيفته تقديم استشارات فنية فى ضوء السياسات والاستراتيجيات القومية الخاصة بالقطاع السياسى والإعلامى والاقتصادى وكل ما تتبعها من سياسات تؤثر على المناخ السياسى والاقتصادى والاستثمارى والنقدى، والسياسات الإعلامية العامة للدولة، وما يؤثر على سياستها إقليميا ودوليا فى إطار للدستور والقانون.

يعمل مع لجنة من كبار المستشارين يقومون بمناقشة الأوضاع السياسية وطرح تصورات للتعامل وطرح تصورات للحلول وتقديم وعمل دراسات لحالات مشابهة والتواصل مع الأطراف أو الجهات المكلفين بالتواصل معهم فى ظرف معين ولهدف معين، وهذه الوحدة الاستراتيجية تتألف من فريق عمل ذى هيكل يمكن الاستدلال عليه من تجارب الآخرين.

يمكن تحديد المسؤوليات فى تقديم المشورة الاستراتيجية والسياسية، دعم الوزارات فى وضع استراتيجيات وسياسات فعالة، إجراء عمليات التدقيق الاستراتيجى، وتحديد التحديات طويلة الأجل.

يضاف إلى المجموعة السابقة فريق العلاقات مع الإعلامين المحلى والدولى، ويهدف للتواصل مع الميديا المختلفة داخلية وخارجية، وتكوين جماعات ضغط أو لوبى، وعمل حملات إعلامية، والتواصل مع صناع القرار وصناع الرأى العام من خلال التعامل مع شركات علاقات عامة عالمية واقتراح أسلوب التعامل السياسى والإعلامى مع الأزمات المطروحة.

ثم يأتى بعد ذلك الفريق الاقتصادى، والمقترح أن يتكون من مجموعة من المتطوعين الفنيين والمتخصصين فى جميع المجالات الاقتصادية المختلفة والمشهود لهم بالكفاءة المحلية والدولية فى القطاعات ذات التخصص، وأيضا المشهود لهم بحسن السيرة والسمعة.

ولهم فى إتمام مهامهم هذه تقديم الدراسات والأبحاث المتخصصة- كل فى مجاله- إلى الرئيس ومعاونيه بصورة دورية، طبقا للرؤية العامة لتوجهات الدولة وما ترغب فيه من سياسات، على أن يكون عمل هذه الهيئة استشاريا بحتا وعدم وجود ازدواجية مع المؤسسات والهيئات الحكومية إلا من خلال إطار تنسيقى يحدد المحاور التى يمكن فيها التعامل مع هذه الجهات. ويحظر تماما على أعضاء هذه الهيئة الظهور إعلاميا أو عمل أحاديث صحفية مع أى جهة، سواء محلية أو إقليمية أو دولية إلا من خلال إذن مسبق.

400 قرية تؤَمِّن سيناء وتبدأ طريق التنمية

تستمر حتى الآن عمليات الجيش المصرى لتأمين سيناء فى معركة متعددة الأطراف، لكنها جميعا تنضوى تحت عنوان أساسى هو محاربة الإرهاب. تحولت شبه جزيرة سيناء إلى نقطة تجمع وحضور للإرهابيين والمتطرفين، وللحق، فإن البداية كانت قديمة نسبيا عندما أهملت الحكومات المتعاقبة تلك المنطقة شديدة الحيوية وتركت المجال للمخربين والمهربين لينتشروا ويتحالفوا ويخلقوا واقعا تدفع الدولة اليوم ثمنه. ولكن هذا لا يغفل ذلك الدور الكبير الذى تسببت فيه جماعة الإخوان التى قفزت إلى سدة الحكم فى مصر لسنة واحدة مكنوا فيها قوى الإرهاب والتطرف المتحالفة معهم من التسلل إلى مصر، بل الدخول إليها دخول الفاتحين فى بعض الأوقات، وفى هذه المرحلة تحولت سيناء بالفعل إلى قاعدة أساسية لهؤلاء، بغطاء ودعم ممن يسيطرون على الدولة المصرية وقتها. هذه الحقائق تسببت فى أن يكون حل مشكلة تواجد الإرهاب فى سيناء مسألة تتطلب وقتاً وجهداً، وبالتأكيد يدفع أهل سيناء ثمناً لهذه الحرب، ويتسبب ذلك فى تأخر أى خطوات من أجل تطوير وتنمية سيناء.download

مرة ثانية، أقول إن المشاكل لا تحل بعقد اللجان الحكومية، ولا بالاجتماعات وحدها، والحديث عن تنمية سيناء يجب أن يتجاوز مرحلة اللجان إلى مرحلة البدء الفعلى فى التنفيذ والتنمية، فهذا حق أبناء مصر فى سيناء وحق هذا الجزء من أرض الوطن علينا. تطوير حياة أبناء سيناء وتوفير كافة الوسائل التنموية والمعيشية لهم سواء على مستوى الزراعة أو الصناعة أو التعدين، وتوفير مصادر المياه اللازمة للمعيشة والرى والأنشطة المختلفة يجب أن يتجاوز مرحلة الورق واللجان إلى تنفيذ فورى، والمطلوب الآن هو اتخاذ قرارات حاسمة، وقرارات عاجلة، ولا ننتظر لجاناً تجتمع لتصدر قرارات، نحن فى حاجة إلى تدخل مباشر وإجراءات مباشرة وبدء التنمية على الفور، حتى والمعركة ضد الإرهاب قائمة.

وقد تكون هذه مناسبة للإشارة إلى حكاية الـ400 قرية التى كان مزمعاً إقامتها، تعود هذه الحكاية إلى عصر الرئيس السادات عندما استدعى المهندس حسب الله الكفراوى، وكان وزيرا للإسكان وقتها، وأصدر إليه تكليفا بالبدء فى إعداد الدراسات اللازمة لإعادة إعمار سيناء، مع التركيز الشديد على القطاع الأوسط الذى يسمى «مسرح الدبابات»، لأن له أهمية استراتيجية خاصة فى أمن سيناء من الناحية العسكرية، يومها طلب الرئيس الراحل استصلاح وزراعة 400 ألف فدان فى هذه المنطقة بالذات، وطلب أيضا إنشاء 400 قرية، بحيث توزع هذه الأراضى وهذه المساكن على الجنود المسرحين من قواتنا المسلحة، وطلب أيضا أن يقام كل بيت فى هذه القرى وفيه مخبأ تحت الأرض به مخزن للسلاح ومخبأ للسيدات والأطفال.. وقد تم تصميم هذا البيت، وشارك فى ذلك اللواء فؤاد عزيز غالى، قائد الجيش الثانى، والذى كان على علم بكل هذه الخطة، وفقا لما رواه فيما بعد الكفراوى.

أقيم فى بداية هذه الخطة، التى أعدت وقتها ولا نعرف أين هى الآن، نموذج فى قرية ميت أبوالكوم الجديدة أمام مبنى هيئة قناة السويس شرق الإسماعيلية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف وإقامة هذه القرى واستصلاح هذه المساحة الضخمة من الأراضى كان من الضرورى التركيز على توفير مياه الشرب والطرق والكهرباء، وبالفعل تحقق ذلك بإنشاء محطة القنطرة غرب ومحطة مياه أحمد حمدى وإنشاء الطريق الأوسط من نفق أحمد حمدى، وحتى الآن توجد نماذج للبيوت التى طلب السادات إنشاءها فى رمانة وبالوظة على الطريق الدولى للعريش، وهى بيوت بدوية يسكن فيها أهالى سيناء. يومها كان السادات واضحا- كما يروى الكفراوى- وهو يؤكد تملك المصريين فقط للأراضى فى سيناء، بحيث يكون المالك مصرياً حتى جده الثالث، ومنع تمليك الأراضى تماماً فى سيناء للأجانب.

وهنا يطرح السؤال: لماذا توقف مشروع زراعة 400 ألف فدان وإنشاء 400 قرية بمواصفات أمنية واضحة وصريحة وتمليك هذه الأراضى للجنود المسرحين من القوات المسلحة وللمجاهدين من أهل سيناء الذين يحصلون على 13 جنيها شهريا كإعانة، ولماذا توقف مشروع انتقال ثلاثة ملايين مواطن من الدلتا إلى سيناء؟!

قد يكون هذا الوقت مناسباً لإعادة فتح الأدراج لإخراج مثل هذه المشروعات وإعادة دراستها.

متى تختفى وجوه السخط والغضب؟

أذكر تلك الفترة التى كان فيها مسجد الفتح بالقرب من ميدان رمسيس بالقاهرة قيد الإنشاء، وأيضاً قيد الصراع الذى لم يتوقف بين الدولة وتيار الإسلام السياسى، بغض النظر الآن عن الملاحظات حول إدارة هذا الصراع لعقود، ورغم عدم اكتمال إنشاء المسجد فقد كان يُستخدم كقاعدة لتجمع وانطلاق أعضاء الجماعات المنتمية للإسلام السياسى بشكل عام، وكان نقطة انطلاق للمظاهرات، وموقعا شبه ثابت بالقرب منه لتمركز قوات الأمن المركزى.Abdul-Latif-Al-Minawi

ذهبت وقتها، وكان ذلك فى مطلع الثمانينيّات من القرن الماضى، لأعد تحقيقاً صحفياً حول الظاهرة لجريدة «الشرق الأوسط» التى كنت أعمل فيها وقتها. أكثر الانطباعات التى استوقفتنى هى تلك الوجوه الغاضبة، بل شديدة الغضب والسخط، هى وجوه أولئك الرجال والشباب الذين تجمعوا استعداداً للاحتجاج والتظاهر. كان ذلك من ضمن ما كتبت عنه فيما كتبت وقتها، وظلت هذه الصورة من ضمن الصور التى التصقت بذاكرتى، ولم يكن ذلك مجرد مشهد للغضب، ولكنه كان إحساساً يلف المكان، ذلك الإحساس بموجات سلبية تخرج من العيون وتعبيرات الوجوه والأفكار.

كلما ظهر أمامى أحد هؤلاء المنتمين لهذه التيارات يصرخ على المنابر أو على شاشات التليفزيون، أو حتى يتحدث بهدوء ظاهر، ولكن يكمن التشدد والتعصب فيما يقول، فينعكس ذلك على ملامح وجهه، كلما شاهدت أحد هؤلاء قفز إلى ذهنى ذلك المشهد والملامح والأجواء الغاضبة أمام مسجد الفتح. آخر المرات التى تذكرت فيها ذلك المشهد كانت عندما خرج علينا عضو سابق ببرلمان الكويت، يدعى مبارك الدويلة، انتشر اسمه خلال الفترة الأخيرة، عندما هاجم دولة الإمارات وولى عهدها الشيخ محمد بن زايد، باعتباره معاديا للإسلام السُّنى. وكأنهم اختزلوا الإسلام السُّنى فى جماعتهم التى لفظتها الشعوب.

لم أتوقف فقط عند هذا المشهد الهزلى الذى أداه فى حديثه حول هذا الموضوع، فعدت لأقرأ وأسمع ما سبق له أن أدلى به من تصريحات أو كتابات سابقة، فوجدت أمامى أحد الوجوه التى تُذكّر بتلك الوجوه الغاضبة، يحمل قدرا كبيرا من الطاقة السلبية فيما يطرح ويدافع عنه أو يهاجم من أجله. حتى عندما وقف داعما ومؤيدا لجماعة الإخوان ولرجلها الذى احتل موقع الرئاسة كان يعطى نفس الإشارات والأحاسيس السلبية. هذا النائب السابق معروف بأنه من العناصر المتشددة، فهو الذى سبق أن قال: «إن الإخوان هم أمل الأمة، وإن سيد قطب هو خير من أنجبته أرحام نساء مصر، وإن حسن البنا هو الإمام المجدد العظيم». أيضا يرى أن أمريكا ليست المسؤولة عن صناعة الإرهاب، وإنها ترعى الإسلام الوسطى وتدعمه، كما يتضح من تصريحاته وأحاديثه عن الولايات المتحدة أنه يتمتع بعلاقات جيدة مع الإدارة الأمريكية أو أحد أجنحتها.

من يعد ليراجع مواقف عضو البرلمان السابق فسيكتشف إلى أى مدى يسكن عقل ونفس هذا العضو السابق موقف سلبى تجاه اختيارات الشعب المصرى التى انحاز لها الأشقاء فى الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد. لقد اختاروا الانحياز بلا قيد أو شرط لاختيار شعب، وتوحدوا معه بهدف نزع خطر التطرّف من المنطقة وإخفاء الوجوه الغاضبة من على الساحة. إذن فإن موقف الشيخ محمد، سواء الداعم لاختيار المصريين أو الهادف إلى تحجيم أثر هذه الجماعات، لا يعبر عن موقف شخصى أو منفرد، وإنما هو تعبير عن موقف كل الشعب الإماراتى وحكام وقادة الإمارات جميعا. تختار الشعوب والقيادات كيف تدخل التاريخ، وقد اختار الإخوة فى الإمارات وقياداتها أن يكونوا فى ذلك مع أشقائهم المصريين فى تدعيم مفهوم اختيار الشعوب وفى محاصرة التطرّف الذى يقود إلى الإرهاب.

كما يقال الصراخ على قدر الألم، وصراخ النائب السابق مفهوم ومتوقع، فهو يعبّر عن أزمة تواجه إخوان الكويت بعد انحسار شعبيتهم بعد تحطيم أصنامهم بسقوط الإخوان فى مصر، كذلك جاء فوز قائد السبسى برئاسة تونس وتراجع شعبية «النهضة» ضربة إضافية لهم.

مثل هذه الوجوه الغاضبة لَن تزيد المؤمنين بحق الشعوب فى الاختيار ومحاصرة التطرّف إلا مزيداً من الإصرار على الاستمرار.

البطولة والحكمة بأثر رجعي

احد أدوات الانسان في التكيف مع واقعه الخيال، نعم، عندما يعجز إنسان عن مواجهة تحديات تواجهه فانه يلجأ الى خلق واقع اخر في خياله، في هذا الواقع الخيالي ينتصر على تحدياته ويحقق طموحاته وينتشي بقوته الوهمية ويحل مشكلته. اعتقد ان هذه الحالة من الهروب هي جزء من تكوين النفس البشرية بشكل او باخر، بصورة ادق، بدرجة او بأخرى. اذا ما زادت هذه الدرجة عن مستوى معين تتحول الى حالة مرضية. واكثر الأمثلة إيضاحا لهذه الحالة تبدأ مع الانسان في مرحلة الطفولة، مثلا اذا ما تعرض الطفل للاعتداء عليه بالضرب من طفل اخر اكبر منه او أقوى منه فانه يعوض ذلك بخيال يعيشه وهو يضرب من ضربه، بل ويختلي كيف انه وجه له ضربات قوية وإسقاطه أرضا.10374079_655605337895219_6766773188295941436_n يغمض الطفل عينيه ويعيش هذا الخيال بل ويتفاعل معه جسديا بحركات يديه وقدميه فيشعر بالارتياح ويتخلص من احساس القهر حتى لو كان ذلك في خياله. تتحول هذه الحالة الى ظاهرة مرضية اذا ما صدق خياله وبدأ يصدر حكايته المتخيلة للآخرين على انها حقيقة، وتزداد حدة الحالة عندما يصدق هو نفسه ويعيش حالة البطولة الوهمية، وينذر هذا بان الرجل القادم من هذا الطفل هو رجل مريض نفسيا يحل مشكلته بالعيش في الأوهام ليخلق لنفسه واقعا مزيفا بديلا عن الواقع الحقيقي الذي يعاني فيه.
للأسف ان كثيرين ممن يحيطوا بنا يعانون من هذا المرض، وللأسف ايضا فان التغيرات الاخيرة والتي اتسمت بانها تغيرات حادة شهدها مجتمعنا سمحت لهؤلاء المرضى ان يطلقوا علينا أوهامهم باعتبارها حقائق، ويصدرون لنا حكمتهم التي لم تكن موجودة يوما، لكن كل هذا بأثر رجعي. نكتشف اليوم كيف ان رجالا ونساء احتلوا مواقع النخبة وتشكيل الرأي العام مصابون بهذا المرض النفسي الخطير، الجديد هنا هو انه إصابة اختيارية، بمعنى ان هؤلاء اكتشفوا انهم كي يعيشوا في الوسط والمستوى ودائرة الضوء التي يريدونها فان الطريق لذلك هو ادعاء البطولة والحكمة بأثر رجعي. فسنكتشف من كان واقفاً موقف المتسول لنظرة رضا من مسؤول سابق يخرج اليوم ليتحدث عن بطولاته وصولاته وجولاته في مجابهة هذا المسؤول، ويخرج اخر ليدعي انه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين الذين لم يسمعوا له ولحكمته فدفعوا الثمن بخروجهم المرير. ايضا أولئك الذين فيما يبدو ان نسبهم يعود في أصوله الى “زرقاء اليمامة” فامتلكوا القدرة على رؤية القادم، فيخرج احدهم ليتحدث اليوم عن انه كيف رأى مستقبل مصر في ظل الاخوان منذ الجمعة التي خطب فيها القرضاوي في ميدان التحرير، وحذر كزرقاء اليمامة من القادم لكن الأغبياء لم يسمعوا منه. هذه هي نماذج الهروب الطفولي الى الخيال للانتصار على احباط الواقع، لكنه كما ذكرت يتحول الى مرض اذا ما سيطر على صاحبه، وهو جريمة اذا اختار شخصا ان يعيش هذا المرض بإرادته ليدعي الحكمة والبطولة بأثر رجعي.
المشكلة التي نعانيها ان أمثال هؤلاء ملأوا الساحة، بل وتمكن بعضهم من ان يفرض نفسه في دوائر متعددة من دوائر تشكيل الرأي العام والتأثير في صنع القرار، ويحاول بعضهم ان يجد لنفسه مكاناً جديدا تحت الضوء. ان سيطرة مثل هذه الشخصيات على اي مساحات تأثير في المجتمع او الادارة لن تصب الا بالسالب ضد مصلحة هذا الوطن.
قد ينجح الزمن لفترة طويلة في أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين ، ومع طول الزمن يبدو الأمر وكأنه حقيقة ، وتبدو هذه الأقنعة لوهلة كأنها وجوه حقيقية، وينجح هؤلاء الحكماء “في غفلة من الزمن” والأبطال “من ورق” في يحدثنا ضجة ويحالوا مقدمة الصورة، ويطرحون انفسهم باعتبارهم المخلصين والمخلصين -بكسر اللام مرة وتشديدها مرة اخرى- معتمدين في ذلك على ضعف ذاكرة الناس، الانسان طبعه النسيان. ومن الطبيعي ان يصاب بالإحباط من يفهم هذه الحالة ويرى خطورتها على المجتمع والدولة، لكن يظل الرهان والأمل في القاعدة التي تقول انه في النهاية لا يصح الا الصحيح، ونظل نعيش على الأمل في ان نرى هذا الصحيح، وحتى يأتي ويصح الصحيح لا ينبغي ان نتوقف عن كشف البطولات الوهمية والحكمة الغائبة.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

مطب لكل مواطن.. أم دولة للجميع؟

Two-black-traffic-lights-on-cross-pole-showing-green-light-and-green-arrow-left-turnفجأة وفى منتصف الطريق وبينما تقود سيارتك تفاجأ بمطب صناعى لا تملك الوقت لتهدئ السيارة فتقفز فى الهواء، وقبل أن تفيق من صدمة المطب الأول يفاجئك المطب الثانى، هكذا معظم طرقنا فى المدن وبين المدن، كل من يريد أن يبنى مطباً ظناً منه أنه يحميه يبادر هو ببنائه دون الرجوع لأحد، ودون أن يوقفه أحد أو تحاسبه جهة رسمية. هذه الصورة التى قد يراها البعض بسيطة اعتبرتها منذ سنوات طويلة دلالة على تآكل هيبة الدولة، عندما يقرر الأفراد أن يحلوا هم محل الدولة، ولا يوقفهم أحد، هنا بداية سقوط الهيبة والسلطة والقدرة على الفعل من الطرف المفترض فيه أنه الأقوى والقادر على القرار والفعل، وهو الدولة. كانت هذه مقدمات رصدتها وغيرها باعتبارها علامات خطيرة على ما قد نواجهه يوما من انهيار تام للهيبة.

عانينا جميعا من حالة الانهيار شبه التام لحضور الدولة وسيطرتها وسقوط هيبتها طوال الأعوام الأخيرة، منذ الثامن والعشرين من يناير، البداية الحقيقية لهذا الانهيار، الذى كانت مقدماته قد بدأت قبلها بسنوات، وكان سقوط النظام وقتها إعلاناً عن هذا الانهيار. شهدت مصر وشهد المصريون أياماً وليالى طويلة أظن أن وصفها بالسواد غير كاف، فقدت مصر ما عرف عنها بأنها بلد الأمن والأمان، القاهرة التى كانت لا تنام أصبح أهلها لا ينامون خوفا وهم فى بيوتهم أو على أبنائهم وهم خارج البيوت. حالة الشارع كانت فوضى عارمة. لا أتجاوز إن وجهت أصابع الاتهام إلى الطرف الثالث الذى عرفناه الآن جميعاً والذى صنع هذه الحالة ودفع لها واستفاد منها، كانت هناك أفعال يدفع لها دفعاً من أجل التأكيد على إسقاط هيبة الدولة والترويج لحالة البلطجة ولى الأذرع. نجح الطرف الثالث فى السيطرة على الأجواء، حتى عندما وصلوا إلى سدة الحكم ظلوا يمارسون سلوك الفوضى من وقت لآخر وذلك فى إطار معركتهم مع مؤسسات الدولة المصرية، التى رفضت الانصياع لهم أو حاولت مقاومة محاولاتهم للاستحواذ والسيطرة. لذلك شهدنا سلوكا متفردا فى البلطجة فى التعبير عن المواقف، فلا بأس من حصار المحكمة الدستورية، ولا مانع من اقتحام قاعات المحاكم والاعتداء على القضاة وتهديد المعارضين ومحاصرة مدينة الإعلام وتشجيع الاعتداء على رجال الشرطة. كل هذا خلق جواً من انتشار البلطجة والفوضى والجريمة، فإذا كان النظام الحاكم قد قرر استخدام الأساليب الإجرامية لتحقيق ما يعتقده أهدافه فإن هذه الأجواء مثالية لانتشار الجريمة والفوضى، فليس هناك من سيحاسب، وهكذا تحولت مصر إلى مدن يسكن فيها الخوف والقلق والتوتر.

الأمر المثير للدهشة والإعجاب أن مصر منذ انتفاضة شعبها فى الثلاثين من يونيو الماضى والتخلص من نظام الجماعة فإن الملحوظة الرئيسية هى انخفاض معدلات الجريمة بشكل كبير، قد لا تكون هناك أرقام دقيقة حالياً، لكن الملحوظة العامة أن هناك تراجعا واضحا فى شكل ونوع الجريمة فى الفترة التالية مباشرة، والدليل الآخر على ذلك هو تلك الحالة من الشعور بالأمان الذى بدأنا جميعا نشعر به فى حركتنا وحركة أبنائنا، فلم يعد ذلك الخوف وحالة الرعب أثناء الحركة أو حتى مع الوجود فى البيوت. الآن أظن أن قدرا كبيرا من الإحساس بالأمان قد عاد على الرغم من أنه لا يمكن القول بأن أجهزة الأمن استعادت قوتها الكاملة بعد، لكن الإحساس العام الذى ملأ المصريين بأن بلدهم عاد إليهم قد توازن مع شعور بأن الأمور باتت أكثر أمناً مع اختفاء الجماعة من موقع السلطة، وبعد أن أتى الشعب بنظامه ورئيسه الذى يريد،

لكن- مرة أخرى لكن- لا يبدو أن الجماعة وتوابعها تريد للدولة أن تعود، وتصر على تحدى هيبتها وقوتها بأى شكل، بل بكل الأشكال، وهذا الأمر يتسبب فى خسارتها للبقية الباقية من تعاطف معها فى الشارع، وهذا ليس قضيتنا اليوم، فإنها بهذا السلوك إنما تحصن المصريين ضد تأثيرها لعقود، لكن ما يهم هنا الآن هو تلك الفوضى التى تنتشر بين الناس، تلك الحالة من تحدى هيبة الدولة والقانون.

عندما أطالب اليوم بتدخل حاسم لفرض القانون وإعادة النظام فأنا أظن أننى أعبر عن رأى قطاع كبير من المصريين، لن أبالغ إذا قلت إنه القطاع الأعظم. حالة البلطجة وقطع الطرق وترهيب المواطنين يجب أن تتوقف فوراً وبأى ثمن. لقد بدأت مصر مشوارها لوضع أسس الدولة المدنية الحديثة، وخطوة مهمة الآن للوصول إلى ذلك الهدف هو اتخاذ استعادة دولة القانون التى تضمن للمصريين العيش بأمان. وإذا لم تستطع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها النجاح فى ترسيخ استعادة الهيبة فإن هذا طريق لن يقودنا إلا إلى طريق لا نتمناه من الفوضى. هذا اختبار يتطلب موقفاً قوياً واضحاً باستخدام كل الأساليب القانونية لحماية الوطن والمواطن.

لن أستطيع أن ألوم سائق ميكروباص يقف وسط الطريق، ولا أملك أن أطلب من بائع متجول أن يترك نهر الطريق، ولا أستطيع أن أحاسب متجاوزا للقانون إذا لم تقم الدولة بدورها الرئيسى لاستعادة الهيبة. وهذا مطلب الناس، بل لنقل أغلبية الناس.