شجون مصرية على البحر الميت

201305250636682عبد اللطيف المناوي

كم شعرت بالحزن لما وصل إليه الحال بنا بين دول المنطقة، ازداد هذا الشعور بينما كنت أحضر مؤتمر الشرق الأوسط للمنتدى الاقتصادى العالمى (دافوس)، الذى ينعقد كل عامين، الذى أقيم على شاطئ البحر الميت فى الأردن. عندما دخلت إلى قاعة المؤتمرات التى تحمل اسم الراحل الملك حسين، تذكرت المؤتمر ذاته الذى استضافته مصر فى شرم الشيخ عام 2008، وكان من المؤتمرات المبهرة بحق لكل من شارك فيه، ونجحت مصر وقتها فى إقناع المنتدى الاقتصادى العالمى بأن تعتمد شرم الشيخ ليعقد فيها هذا المؤتمر بشكل دائم بالتبادل مع البحر الميت، وهو بالطبع ما لم يحدث بعد ذلك، وأظنه لن يحدث فى الزمن القريب. شعرت بأن أول شىء يجب أن أفعله أن أرسل رسالة إلى المهندس رشيد محمد رشيد، ليس كصديق ولكن كمصرى، لأشكره فيها على الجهد الذى قدمه لمصر. فقد كان رشيد هو صاحب الجهد والإنجاز باستضافة هذا المؤتمر العالمى فى شرم الشيخ.

منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة من المؤتمر لم ألتق أى شخص وعرف أننى من مصر إلا وأبدى حزنه لما آلت إليه الأوضاع فيها وسادت نبرة المتحدث الشفقة، وتردد دائماً كلمة «مصر لا تستحق ما تواجهه».

المؤتمر هذه السنة كان شعاره «تعزيز أسباب النمو والاستمرارية»، والمقصود هنا القدرة على المحافظة على استمرار النمو، ومحور خلق فرص عمل للشباب كان أكثر المحاور حضوراً فى جلسات المؤتمر، ودون أن أشعر وجدت أننى فى حالة استحضار دائم لبلدى وأنا أستمع إلى الجدل الدائر، ويستمر شعورى بالمرارة عندما أقارن بين ما نحن فيه وبين ما يحدث فى العالم، بين اللغة التى أسمع وبين اللغة التى أصبحت سائدة لدينا بفضل حكامنا الجدد، هم يتحدثون لغة واقعية مبنية على أسس علمية، الذى تحدث عن اقتصاد مصر كأنه يتحدث عن اقتصاد اليابان، ويبشر بأخبار مبتهجة خلال الأسابيع المقبلة، ويشيد بالجهد الكبير الذى تقوم به الحكومة الحالية لإصلاح ما أفسده النظام السابق. كانت الملحوظة الأساسية على من كانوا يستمعون له إما عدم تصديقهم لما يقول أو حالة واضحة من اللامبالاة.

لا أظن أن صاحبنا كان يدرك أن العدد الأكبر من الحاضرين يعلم تماماً حقيقة الوضع الاقتصادى المصرى وفقا لأحدث المعلومات المتاحة فى المؤسسات الدولية. وبمناسبة الأرقام والحقائق فقد جمعنا لقاء بالسيد مسعود أحمد، المدير الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا بصندوق النقد الدولى، وعند حديثه عن موقف القرض المصرى من الصندوق حاول أن يقدم المعلومة الدقيقة بأسلوب غاية فى الدبلوماسية والتهذيب المتوافق مع طبيعته الشخصية البادية عليه، قال السيد مسعود- ما معناه- إنه كانت هناك اتفاقية تم التوصل لها من قبل مع حكومات مصرية سابقة ولم يتم التنفيذ، وإن الوضع الآن هو أن الحكومة المصرية الحالية قد بدأت مرة أخرى إعداد مشروعها للإصلاح الاقتصادى، وعندما تنتهى من مشروعها فسيقدم للصندوق لدراسته وتقييمه لتبدأ المفاوضات بعدها حول القرض. ما فهمته أن الموضوع فى المربع رقم واحد مرة أخرى. إذا «الإنجاز» الاقتصادى الأهم لحكم الجماعة مازال فى طور التكوين الأول.

وبمناسبة طبيعة ومستوى من مثل مصر هذا العام فقد بدا أن هناك تراجعا واضحا فى المستوى الرسمى، وكان الحضور المصرى مثيرا للتعجب من العديد من المشاركين، الذين تساءلوا: هل هذه هى مصر التى نعرفها؟.

أكثر ما لفت النظر فى المشاركة المصرية كان حضور السيد عماد عبدالغفور، القيادة السلفية المعروفة، مساعد الرئيس، حرص الرجل على التواجد طوال أيام المؤتمر، المشكلة أنه ظن أن مجرد الحضور والتجول فى ردهات المؤتمر بابتسامة تبدو متسامحة ومريحة كافٍ لتحقيق الهدف، لكن هذا لا يكفى إلا لأن تحكم على الرجل بأنه مريح، وهذا لا يمثل دولة ولا يشكل سياسة. لقد كانت مشاركته فى إحدى الجلسات حول الحكومات الإسلامية من أكثر المشاركات إثارة للجدل، عندما بدأ يتحدث عن الوضع فى مصر تذكرت من يراهنون على الخلاف بين الإخوان والسلفيين ويعتقدون أن هذا هو المخرج، تساءلت عندما سمعته يتحدث «هل حقاً هناك فرق؟» وإجابتى واضحة: لا فرق هناك.

عندما دخل السيد عبدالغفور إلى القاعة كان من بين المشاركين السيد عمار الحكيم، المرجع الشيعى، السياسى المهم فى العراق، حرص السيد عبدالغفور على ألا يصافح الحكيم، وهو الأمر الذى لفت أنظار الحاضرين ودفع أحدهم فى تعليقه إلى مطالبته بتحسين علاقاتهم مع الطوائف الإسلامية الأخرى قبل الحديث عن العلاقة مع المسيحيين. أما موضوع الأقباط فى مصر فقد قلل من شأنه تماماً، مؤكداً أنه لا مشاكل، ثم ألقى بقنبلة عندما قال: «نحن نعمل على تطبيع العلاقات بين المسلمين والأقباط فى مصر»، وأنا أخرج من القاعة سمعت أحد الذين حضروا يقول للآخر: «هل سمعته وهو يتحدث عن أن المستفيدين بالسياحة من قبل كانوا ثلاثمائة شخص؟ كيف يأتى بلا أرقام أو معلومات؟»، ويرد عليه الآخر: «هذا بسيط، هل سمعته وهو يتحدث عن تطبيع العلاقات مع الأقباط؟».

أما الحضور المصرى الآخر لليبراليين أو المثقفين والمهتمين فلهذا حديث آخر.

Advertisements

اختيارات الجماعة والنظام وراء خطف الجنود

el manawy 19عبد اللطيف المناوي
نشوة الإنجاز الكاذبة على وجوه الحكام من الجماعة لا ينبغي ان تعمينا عن حقيقة الأزمة التي وضعوها جميعا فيها، تحرير الجنود المخطوفين الأسبوع الماضي هو جزء من استعادة هيبة ما تبقى من مؤسسات الدولة. هؤلاء الجنود ينتمون إلى المؤسسة الباقية بين مؤسسات الدولة متماسكة صالحة لان تكون عنصرا حاسما أو مرجحا في اتجاه مدنية الذولة، وعندما عاد هؤلاء المخطوفين كان ذلك استعادة لهيبة هذه المؤسسة التي تحاول أطراف متعددة ومستويات مختلفة في الدولة العبث بها. لكن هذه العودة لا تعني استعادة الدولة لسيادتها المنتهية والمنتهكة في العديد من أجزاء الدولة وعلى رأسها في سيناء. هذه حقيقة ينبغي ان تظل حاضرة وألا تتسبب النشوة الكاذبة لدي رئيس الدولة وتابعوه في غياب هذه الحقيقة.
عودة الجنود تطرح من الأسئلة أكثر مما تطرح من تفسيرات، وفي ذات الوقت تضع النظام الحاكم في مواجهة الإجابة على هذه الأسئلة وتحديد موقفه من العديد من القضايا. ونبدأ بعض من هذه التساؤلات والملاحظات دون ترتيب. الملاحظة الأولى هي تلك النشوة التي أشار بها مرسي عدة مرات إلى ان العملية لم تراق فيها نقطة دماء، ولم يحدد لنا هل هذه النشوة سببها سلامة الجنود فقط أم سلامة الخاطفين؟ خاصة إذا ما تذكرنا بيانه الأول الذي اكد فيه انه أعطى تعليماته بالحفاظ على أرواح الخاطفين والمخطوفين ، وهي سابقة فريدة من نوعها في عالم السياسة والسياسيين عندما يتساوى الخاطف والمخطوف في نظر القيادة السياسية، وهذا الموقف فسره المتحدث باسم الرئاسة بان العملية هدفها إطلاق سراح مجموعة من الأفراد تم خطفهم. نلاحظ هنا ان وصف هذه العملية بالإرهابية لم تحدث ولو على سبيل الخطأ مرة واحدة على لسان مرسي أو أي من مرؤوسيه أو قياداته في الجماعة، وهذا الموقف يتطلب توضيحا لا لبس فيه: كيف تنظر مؤسسة الرئاسة المفترض أنها تمثل كل المصريين إلى عملية الخطف؟ وهل هي عملية “إرهابية” أم عملية “إجرامية” كما سبق وان وصفوا قتل الجنود في رمضان الماضي؟ وكيف تنظر مؤسسة الرئاسة إلى هذه الجماعات التي تقوم بمثل هذه العمليات؟ هل ينظرون اليهم باعتبارهم جماعات “إرهابية” أم جماعات “جهادية” تنتمي إلى نفس مجموعات وجماعات الأهل والعشيرة؟ وهنا تأتي النقطة الثانية حول من يتحمل مسؤولية فتح مصر بشكل عام وسيناء بوجه خاص على مصراعيها لأعضاء الجماعات الإرهابية في العالم، بل ان البعض اعتبر ان مصر قد باتت توفر لهذه الجماعات والأفراد سماء آمنة يتجمعون فيها ويتدربون ويتسلحون، ونلاحظ ان الدولة الرسمية التي تحتلها الجماعة تتجاهل هذا الواقع، وهذا كان إشارة واضحة لارهابيي العالم بان مصر ترحب بهم، وقد تحدثت عن هذا الموضوع من قبل وتساءلت وقتها انه إذا كان هذا هو الحال فان السؤال الطبيعي الذي يقفز إلى الذهن هو ما دام كل هؤلاء قد وصلوا فمتى يعود ايمن الظواهري؟ وأظنه تساؤل يزداد إلحاحا وظهورا يوما بعد يوم والمسؤول الأول عن طرح هذا السؤال وإلحاحه هو سلوك النظام الحاكم الذي يؤكد يوما بعد يوم ان اختياراته لا تصب في الصالح الوطني بالمفهوم المحدد والمعروف لنا نحن المواطنين بل يصب في صالح حسابات الجماعة فوق الوطنية وتحالفاتها ومصالحها الضيقة الخاصة بها.
الأمر المهم الآخر ان اختصار أزمة خطف الجنود عند حدود ربطها بمشاكل سيناء هو حق يراد به باطل، تحدثت هنا وفي أماكن أخرى ولسنوات عن مشاكل سيناء، وذكرت دائماً أنها قنبلة موقوتة يمكن ان تنفجر في أي لحظة، لكن هذه العملية الأخيرة ومثلها من عمليات خطف وقتل سابقة في سيناء ليس السبب فيها مشاكل سيناء التي تعقدت وازدادت في ظل الحكم الراهن. ولكنها ترتبط أساسا بتحالفات الجماعة والنظام وعلاقاتهم بالجماعات الإرهابية التي لم يحسموا موقفهم منها، وتغيير هذا العنصر هو خطأ مقصود يتم دفعنا جميعا للاقتناع به لإبعاد العيون عن المشكلة الحقيقية. ولا يمكن فصل هذه العملية عن عملية قتل الجنود المصريين الذين راحوا ضحية لمؤامرة لم تتضح تفاصيلها وتتعرض التحقيقات فيها إلى محاولات نجحت حتى الآن لإخفاء نتائجها. الخطوط مرتبطة ومشكلات التنمية في سيناء التي يجب ان تحل بريئة مما يحدث من جماعات الإرهاب على أرضها. المسؤول الأول هو تلك الجماعة وذلك النظام الذي يرفض ان يجعل أهدافه حدودها الوطن، وان الوطن اسمه مصر وليس أي مسمى أخر، وان هذا الوطن الذي اسمه مصر لن يكون ولاية أو إمارة من دولتهم التي يحلمون بها.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

ما بين خطف الجنود وقتلهم.. «التمكين» هو الهدف

downloadبقلم   عبداللطيف المناوى

العملية الغادرة التى راح ضحيتها ستة عشر من أبنائنا الجنود فى رمضان الماضى لم تكن مفاجئة لبعض «كبار» المسؤولين فى هرم السلطة فى مصر، كما ذكر وقتها، والأكثر من ذلك أن تسريبات كانت قد ترددت قبل العملية بأسبوعين على الأقل، ووصلت هذه التسريبات وقتها إلى أعلى مستوى فى السلطة. كان مفاد هذه المعلومات وقتها أن هناك تخطيطاً لوقوع عملية على الحدود، يروح ضحيتها عدد من المصريين يعقبها رد فعل إسرائيلى «محدود» يقابله غض طرف مصرى، ويستغل هذا الحدث لإحراج الجيش ودفعه خارج دائرة الفعل السياسى. بعدها بأسبوعين، وقعت عملية قتل جنودنا، وتم استغلالها، كما شهدنا بالتخلص من قيادة الجيش وقتها، لتبدأ بعدها محاولات مستمرة من الجماعة وقيادتها للتمكن من الجيش وفرض سيطرة الجماعة عليه، وهو الأمر الذى فشلوا فيه بفضل الموقف الراسخ من القيادة الجديدة للقوات المسلحة، التى تدير علاقتها مع تلك المحاولات «الرسمية» للسيطرة بقدر عالٍ من الذكاء والوطنية حتى الآن.

كانت الخطوة الأولى التى قامت بها قيادة الدولة عقب مقتل الجنود فى رمضان الماضى- هى الدفع بالجيش إلى المعركة فى سيناء، وقرأ البعض وقتها أن هذا الدفع كان الغرض منه التأكد من إخراج الجيش خارج مساحة التأثير السياسى فى الداخل ودفعه لصدام مع جماعات كانت حليفة يوما للجماعة التى أصبحت حاكمة، ولكن لا بأس من التخلص منها- إن أمكن- على يد الجيش، وهو الأمر الذى يضمن- بحد أدنى- توريط الجيش فى مستنقع محاربة الإرهاب، وهو الأمر الذى يتسق مع محاولات تمت فى الماضى لتغيير العقيدة القتالية للجيش وتغيير أولوياته لتكون محاربة الإرهاب فى المقدمة منها. بدأت العملية العسكرية فى سيناء وقتها، ويبدو أن قيادة الجيش أدركت المخاطر التى يُدفعون هم لها والتى تتناقض مع موقف المؤسسة العسكرية. كان ذلك سببا فى أن إدارة العملية ركزت على حصار الإرهابيين والإمساك بهم وتسليمهم لقيادة الدولة السياسية لتقوم بواجبها. حرصت قوات الجيش وقتها على عدم وقوع ضحايا إلا فى أضيق الحدود. يبدو أن هذا الأمر لم يلقَ رضا من الجماعة الحاكمة وأتباعها، واكتشفوا أنه يضعهم فى حرج مع حلفائهم، كانت النتيجة أن توقفت العملية.

لذلك لم يكن مفاجئًا ما صدر عن مؤسسة الرئاسة، عقب حادث خطف الجنود، عندما جاء فيه «أن الرئيس مرسى وجه باستمرار بذل الجهد للإفراج عن الجنود المختطفين والحرص على المحافظة على أرواح الجميع، سواء المختطفون أو الخاطفون». عاد الجنود، وحاولت الجماعة ورجالها استغلال عودتهم واعتبارها إنجازا «رئاسيا» وهم أول من يعلم كذب هذا الادعاء، ولكن أياً ما كانت الأوضاع، فإن هناك حقائق ينبغى أن تظل حاضرة لوضوحها، رغم محاولات الطمس المستمرة. أهم هذه الحقائق أن ما حدث وما قد يحدث هو حلقة فى سلسلة محاولات توريط الجيش ووضعه فى أزمة تسمح لهم بالسيطرة عليه وإعادة تأهيله، بما يتفق مع أهداف الجماعة وتغيير العقيدة القتالية له. الحد الأدنى هو أن يضعوا الجيش فى علاقة متوترة يشوبها الدم مع قطاع مهم من الشعب المصرى، هذه الحالة بمثابة عملية إشغال للجيش وتحييده كقوة قادرة على تغيير المعادلة السياسية فى أى لحظة مناسبة. ولا بأس أيضاً من استغلال هذا الحادث للمطالبة «بالاصطفاف» خلف القيادة السياسية، كما حاول توابع الجماعة الترويج واستغلال الوضع لتحقيق مكسب سياسى لصالح الجماعة.

لا يبدو أن هناك اهتماماً كبيراً إلا بتوريط الجيش، بوضعه فى هذا الوضع الحرج، وليس هذا الموقف ببعيد عما ذكرته فى بداية المقال عن حادث مقتل الجنود الذى كان عدد من مستويات القيادة على علم باحتمال وقوعه، وهو أيضاً يتسق مع حالة التجاهل الكامل لرغبة المصريين فى معرفة قتلة جنودنا وحرص قيادة الدولة والجماعة على إخفاء نتائج التحقيقات، وهو الأمر الذى سمح بانتشار أخبار على مواقع مختلفة، تفيد بأن بعضاً من شباب الجماعة متورطون فى هذه العملية، وحدد البعض عددهم بأنهم ثلاثة من أعضاء الجماعة. لكن التجاهل كان دائماً سيد الموقف.

لم أتخيل يوما أن يكون هذا حديثنا عن مصر!.

مشهد ثمنه تاريخ من التحدي والتقاليد والأعراف

issue14عبد اللطيف المناوي
قد يكون من المناسب ونحن في الحالة التي نعانيها في مصر ان نلقي نظرة على الآخرين من الامم والدول، النظر إلى هذه النماذج يتيح لنا مزيجا من متعة المعرفة ومحاولة فهم تطور الأشياء ولكنه للأسف يصيبنا في أحيان كثيرة بالحشرة على أوضاعنا وتقاليدنا آلت أهدرت على مر السنيين.
أتاحت أي الظروف معايشة عدة أحداث بريطانية مهمة، وكما نعلم فان لنا علاقة تاريخية قديمة بهذه الامبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب عنها في يوم من الأيام، وان مصر نالت استقلالها عنها وبريطانيا مديونة لها. سوف أشرككم معي في آخر ما تابعت من أحداث بريطانية وهو إلقاء الملكة إليزابيث الثانية لخطاب افتتاح الدورة البرلمانية للبرلمان البريطاني بمجلسيه اللوردات والعموم في الثامن من شهر مايو الحالي، وهو الخطاب الذي اعتادت على إلقائه طوال الستين عاما التي حكمت فيها بريطانيا ولم تتخلف إلا مرتين عام ١٩٥٩ و ١٩٦٣ بسبب حملها في هذا الوقت. وقبل ان اسرد بعضا من مظاهر هذا اليوم ودلالاتها ولفهمها أشير إلى ان
 بريطانيا تعتبر  رائدة النظام البرلماني ومهد الديمقراطية الحديثة في العالم، ويتجلى ذلك من خلال عمق التجربة الديمقراطية في بريطانيا والاستقرار السياسي لنظام الحكم البرلماني الذي كرسته وثبتته مسيرة طويلة من النضال قادها في البداية الملاك ورجال الدين للحد من سيطرة الملك المطلقة في كافة شؤون الدولة، أعقبتها ضغوط شعبية للتعبير عن الإرادة الشعبية ورؤيتها وممارسة دورها في الحياة السياسية والتي انبثق عنها مجلس منتخب مباشرة من قبل الشعب أضحى صاحب السلطة الحقيقية في ميدان التشريع ومراقبة الحكومة.
وتمتاز بريطانيا عن غيرها من دول العالم، في أنها لا تملك دستورا مكتوباً وإنما يرتكز النظام الدستوري فيها على الأعراف والتقاليد والعادات الدستورية.
وصلت بريطانيا إلى هذا الوضع عبر نضال طويل وتطور طبيعي للمجتمع ودماء وحروب أهلية وتجاذبات حتى وصلت إلى ذلك الوضع المستقر، ويبدو بعض من هذا التاريخ متمثلا في التقاليد المتبعة بدقة شديدة في يوم إلقاء خطاب افتتاح البرلمان. يجلس أعضاء مجلس العموم في قاعتهم بملابسهم العادية ويتعامل ون مع اليوم كأي يوم عادي، وعلى الطرف الآخر يحتل اللوردات مقاعدهم في قاعة مجلس اللوردات التي يحتل صادرتها المكان المخصص للملكة، أو عرشها، يرتدي اللوردات اروابهم الحمراء والذهبية، ويرتدي بعضهم الشعر المستعار. يفصل بين القاعتين -قاعة العموم وقاعة اللوردات- ممر من كل جانب يلتقيان في البهو الرئيسي لقصر وستمينستر مقر البرلمان. قبل ان تصل الملكة يتولى الحرس الملكي مسؤولية القصر وتبدأ مجموعة من الإجراءات التقليدية التي تبدو أنها خارج الزمن لكن هناك إصرار عبر مئات السنين على الالتزام بها، كثيرة هي التفاصيل سأتوقف عند بعضها.
من بين الإجراءات المتبعة ان تقوم فرقة خاصة من حراس الملكة الشخصيين ،من الضباط السابقين في الحرس الملكي الذين اقسموا على الولاء للملكة، بتفتيش قبو قصر البرلمان وهم يحملون قناديل مضيئة بالزيت بحثا عن بارود او مواد متفجرة وذلك تقليدا وتفكيرا بالحادث الشهير في عام ١٦٠٥ عندما حاول الكاثوليك الإنجليز محاولتهم الفاشلة لتفجير البرلمان وقتل الملك البروتستانتي جيمس الأول. بالتأكيد هذه المهمة يقوم بها اليوم خبراء المفرقعات ولكن هؤلاء الحراس بلباسهم الأحمر والذهبي هم جزء من المظهر والتقليد.
وقبل ان تخرج الملكة من مقرها في لندن -قصر بكنجهام- يقوم مجلس العموم بإرسال احد أعضائه إلى قصر الملكة ليظل فيه رهينة لا يطلق سراحه إلا بعد عودة الملكة سالمة إلى القصر، وهذا الإجراء الاحتفالي اليوم يعود إلى واقع عاشته بريطانيا وقت الملك تشارلز الأول الري دخل في صراع ومعارك طويلة وشرسة مع البرلمان انتهت بقطع رقبته في البرلمان عام ١٦٤٩ وأيضاً بوضع ملامح واضحة للممارسة السياسية في بريطانيا وحدود سلطات البرلمان والملك.
يصل قبل الملكة في عربة تجرها الخيول سيفها وصولجانها وتاج المملكة، وبعده تصل الملكة من قصرها عبر الطريق الذي يربطه بالبرلمان في عربة ملكية تجرها الخيول يقال ان العربة اشترتها الملكة فيكتوريا بمبلغ سبعمائة جنيه في ذلك الوقت. تدخل الملكة إلى غرفة خاصة ترتدي تاج المملكة وتتوجه بصحبة زوجها إلى مجلس اللوردات، وتعطي الإشارة لدعوة أعضاء مجلس العموم للانضمام إلى اللوردات للاستماع إلى خطابها. يتوجه المسؤول عن امن مجلس اللوردات الذي يطلق عليه (بلاك رود) ليدعو نواب الشعب، وما ان يمر عبر الممر المؤدي إلى قاعة مجلس العموم ويقترب من الباب يبادر أعضاء العموم بإغلاق الباب في وجهه بعنف راضين دخوله في رسالة واضحة عن من هو صاحب السلطة الحقيقية مؤكدين أنها للشعب، ويعود ذلك الإجراء بسبب محاولة الملك تشارلز الأول اقتحام مجلس العموم في ظل صراعه مع البرلمان لإلقاء القبض على خمسة من نواب الشعب بتهمة الخيانة وهو ما فشل فيه. ومنذ ذلك الوقت من غير المسموح لأي من أعضاء العائلة المالكة بالدخول إلى قلعة مجلس العموم. نعود إلى الطقس الممارس اليوم، ما ان يغلق الباب بوجه مندوب الملكة حتى يقرع باب القاعة ثلاث مرات مستأذنا الدخول إلى نواب الشعب فيأذنوا له ويفتكون الباب فينحني احتراما لرئيس العموم الذي يسمى (متحدثا) وليس رئيساً ثم يبلغها ان الملكة تطلب من أعضاء المجلس المحترمين، ثم ينحني، ان ينضموا على الفور إلى قاعة اللوردات، وعادة يبدأ النواب في التحرك وهم يتحدثون ويلقي بعضهم بعض التعليقات، وكان تعليق هذا العام على لسان عضو المعارض الميال لليسار دينيس سكينر الذي علق على مشروع خصخصة البريد البريطاني الشهير بطابع البريد الذي يحمل رأس الملكة قائلا بصوت عالي “رأس الملكة سيتم خصخصتها” وضحك الجميع متوجهين إلى قاعة اللوردات يتقدمهم ديفيد كاميرون رئيس الحكومة وايد ميلباند زعيم المعارضة جنبا إلى جنب باعتبارهم ممثلي وخدام الشعب.
يدخلون القاعة دون ان يجلسوا مع اللوردات وتبدأ الملكة في إلقاء خطابها الذي كتبه لها رئيس الحكومة وتقدم فيه ملامح العام البرلماني من خلال مشروعات القوانين التي سوف تلتزم بها الحكومة، وتتحدث عن ان حكومتها سوف تفعل كذا وكذا وتلتزم بكرا وكذا، وهكذا نعود من أجواء القرن السادس عشر إلى آفاق القرن الواحد والعشرين عندما نفسر ونسمع ما تقول. وينتهي الخطاب وتبدأ ممارسة ديموقراطية عمرها مئات السنين نشأت ونمت عبر قرون من الصراع والتطور والثورات السياسية والصناعية والتطورات الاقتصادية. وعندما يمارس البريطانيون هذه الديموقراطية يقدمون أقصى درجات الاحترام بل والتقديس لتقاليد وأعراف هي في النهاية ما أوصلتهم إلى ما هم فيه اليوم.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

أسئلة سيناء التي لم يجب عنها أحد!

IMG_0132عبد اللطيف المناوي

أسئلة سيناء التى لم يجب عنها أحد!

بالتأكيد، فمشاكل سيناء التى تحدثنا عنها كثيراً من قبل لم تُحل، بل ما يمكن تأكيده فى هذا المجال أنه تمت إضافة مشكلات جديدة تجعل الأوضاع أكثر تعقيداً، وما كان يمكن حله فى السابق ازداد تعثراً إلى أقصى درجات الصعوبة، بعد أن أصبح يتم التعامل مع قضايا الأمن القومى بشكل ارتجالى، فزادت المشكلات، وتعقدت.

هذا التراجع الشديد فى الاهتمام بما يحدث فى سيناء وتركها فريسة للجماعات «الإرهابية»- هو بداية الانهيار، إن لم يكن هو بالفعل دليلاً على انهيار سلطة وهيبة الدولة فى سيناء، وهذا الانهيار، ليس سببه فقط المشكلات الأمنية التى تعانى منها سيناء، وليس سببه فقط فتح سيناء على أوسع أبوابها للجماعات المتشددة، ترتع فيها كما تشاء، وليس سببه فقط رفع اليد عما يحدث هناك، واعتبارها حديقة خلفية لغزة، وليست جزءاً مهما من أرض مصر، دفع المصريون دمهم لاسترداده، بل السبب الرئيسى هو الأسلوب الذى يدار به هذا الملف منذ تولت السلطات الحالية الحكم، فقد أصبحت سيناء فى ظل هذا النظام مرتعاً لإرهابى العالم، وسماء آمنة لكل من يبحث عن مأوى من المطاردة بشكل أو بآخر، وهرع إرهابيو العالم إلى سيناء، باعتبارها دولة الخلافة التى منحها لهم الإخوان. الأزمة لا تقتصر على هذا، بل أصبحت سيناء مستقراً ومقاماً دائماً لجزء من الأهل والعشيرة، فانتشرت الجماعات المتشددة القديمة والجديدة التى سمعنا عنها من قبل، والتى أصبحنا نسمع عنها حديثاً من تنظيمات جهادية وقاعدية وغيرها، وفتحت الحدود على الطرف الآخر لتنظيمات أبناء العمومة الآخرين من الإسلاميين المتشددين والجهاديين الذين اتخذوا من سيناء مكاناً لهم، يستعرضون فيها كما يشاءون، ويهاجمون الشرطة والجيش المصرى، ويختطفون جنودنا، ويقتلونهم أيضاً.

ولا شك أن الوضع الراهن بعد اختطاف الجنود فى طريق عودتهم من جماعات «إرهابية» يطرح عدداً من الأسئلة والاستنكارات والاستفسارات التى تحتاج إلى إجابة، فليس مقبولاً اعتبار أن هذا الحادث- حادث الخطف- هو تعبير عن معاناة أهل سيناء وانعكاس لمشاكلهم المزمنة، لأن هذه المعاناة وهذه المشاكل كانت موجودة بالفعل من قبل، لكنها لم ترق أبداً إلى هذا المستوى من رد الفعل الذى يصل إلى حد اختطاف جنود، يعتبرونهم جزءاً منهم.

الأمر الثانى أن أهل سيناء لا يتفقون مع المنطق العام لاعتماد أسلوب الخطف لتحقيق مطالبهم التى يريدونها من الدولة، حتى لو كانت الإفراج عن ذويهم، فمنذ تفجيرات دهب وطابا وشرم الشيخ، وما تبعها من اعتقالات للعديد من أبناء سيناء ووقفات ومظاهرات لأهالى سيناء للإفراج عن ذويهم، لكن الأمر لم يتطور لحد الخطف، وهذه واحدة، أما الثانية فلأن أولئك المطلوب الإفراج عنهم ليسوا من أولئك المقبوض عليهم من قبل دون دليل ضدهم فى محاولات الاقتحام المسلحة لقسم شرطة ثانٍ العريش، كما كانوا يقولون من قبل. النقطة الأخرى التى تثير التساؤل والاستفسار هى أن النظام الحالى لم يتخذ خطوة إيجابية واحدة تؤكد التزامه بحل أو تحريك المشكلات فى سيناء، بل على العكس، فقد كان سلوكه دائماً إما سلوكاً يخلق شكاً كبيراً فى مدى تمسك النظام بسيناء ومدى الاهتمام بحل مشكلات أبناء سيناء، وليس بحل مشكلات أخرى على حساب سيناء وأرضها وأهلها، وهنا أطرح أسئلة أخرى تحتاج إلى إجابة:

لماذا لم يظهر موقف واضح للنظام حول عملية مطاردة الجماعات «الإرهابية» فى سيناء، ولماذا توقفت وما الدور الحقيقى لقيادات التيارات الإسلامية فى الحوارات التى يتحدثون عنها مع الجماعات الجهادية، وهل هذا الأسلوب فى فتح الحوار تم الاتفاق عليه، ولاقى قبولاً سياسياً وشعبياً أم هو اجتهاد والتزام؟

السؤال الأكبر هو لماذا لم يخرج سياسى واحد من داخل النظام حتى الآن، لكى يقول للمصريين من قتل الجنود هناك فى رمضان، وبأى ذنب قتلوا؟

وعلامة الاستنكار الكبرى الآن حول القبول بالتفاوض مع الخاطفين والتزام من يشغل منصب الرئيس أن يبحث بجدية فى مطالبهم!.

من هؤلاء الذين يتم التفاوض معهم، ومن الذى يقبل أن يكون هناك مجال للتفاوض مع «إرهابيين» ومن يقوم بهذا التفاوض، ولماذا؟!

سؤالى الأخير: هل عملية التفاوض هذه هى دعوة لكل من لديه مشكلة مع الدولة إلى أن يخطف جندياً من الشرطة أو الجيش لكى يحصل على ما يريد؟.

رجل ضد الأخونة

Mideast Egypt Grand Sheikعبد اللطيف المناوي

عاماً بعد عام يتحول منتدى الإعلام العربى فى دبى إلى إحدى المنصات الإعلامية المهمة فى الشرق الأوسط التى تناقش قضايا الإعلام العربى، وتداخلاتها مع ما يحدث فى الساحة السياسية، ويرصد ويحلل ويجمع رموز الإعلام فى كل الدول العربية للنقاش حول مستقبل وطن عربى متحول ومتغير. وعلى الرغم من أن المنتدى فى دورته هذا العام يضم نحو 3500 من الخبراء والمتخصصين فى قطاعات العمل الإعلامى المختلفة، والمحللين ورواد الفكر ورموز الثقافة وكبار الكتّاب والصحفيين العرب والأجانب، إلا أن أبرز ما ميزه هو حضور شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وهو الأمر الذى يعكس وعياً بدور الأزهر ودور شيخه فى نشر الوعى وصحيح الدين، ونشر الوسطية من أقدم مؤسسة إسلامية فى العالم أخذت على عاتقها مهمة نشر الثقافة الإسلامية الحقيقية الوسطية فى مواجهة التطرف والتشدد، وهو الأمر الذى أدركه القائمون على منتدى الإعلام العربى، فسارعوا إلى دعوة الدكتور أحمد الطيب ليكون أبرز المتحدثين فى المنتدى هذا العام.

بالإضافة إلى دور الدكتور أحمد الطيب فى نشر الوسطية الإسلامية، فهو أحد الواقفين بصلابة فى وجه هجمة أخونة مؤسسات الدولة والاستيلاء عليها، ويواجه الرجل من أجل ذلك حرباً إخوانية فى مصر لإقالته من منصبه ووضع شيخ أزهر إخوانى بدلاً منه لكى يطوّع المؤسسة الإسلامية الأولى لصالح جماعة لا ترى فى الدين إلا ما يوافق براجماتيتها، ووصلت الحرب إلى ما اعتبره البعض افتعال مشكلات فى الجامعة، مثل محاولات تسميم الطلاب فى جامعة الأزهر، ثم إطلاق مظاهرات إخوانية داخل الجامعة للمطالبة بإقالته.

ولا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذى لعبه شيخ الأزهر منذ يوم 25 يناير 2011 فى محاولة توحيد الصفوف، والمبادرات التى أطلقها، والوثائق التى جمع حولها القوى السياسية لجمع الشمل مرة أخرى حول الوطن، لكن جماعة الإخوان يبدو أنها لا تريد هذا التقارب فأطلقت لجانها الإلكترونية لتهاجمه ليل نهار، مدعية أنه يحاول لعب دور سياسى، لكن من المؤكد أن شيخ الأزهر يدرك هذا الأمر، ويدرك أسباب الهجوم، ويدرك دوره التاريخى الآن فى الحفاظ على الأزهر، آخر منبر وسطى فى مصر، والذى يعبر عن روح مصر الحقيقية، ويلتف حوله المصريون، ويحافظ على الإسلام من محاولات الجرّ إلى الأخونة لتوظيفه سياسياً لصالح الجماعة، أو محاولة جرّه إلى التشدد من قبل سلفيين، و«سلفنة» الأزهر، أو محاولات جرّ البلاد إلى حالة من التشيع، وهو ما يقاومه على جميع الأصعدة.

كلمة الدكتور أحمد الطيب فى منتدى الإعلام العربى جاءت لتكشف عن وعيه بدوره التاريخى فى تلك المرحلة الحساسة والحاسمة التى تمر بها مصر، إذ تحدث عن «صورة الإسلام والشخصية العربية تتعرضان لتشويه ممنهج»، مطالباً «الإعلاميين العرب والمسلمين بأن يعملوا على تصحيح صورة الإسلام والمواطن العربى»، وانتقد القنوات الدينية، وقال إن «هناك العشرات من القنوات الفضائية تخصصت فى زرع الفتنة بين المسلمين أنفسهم، وبذر بذور الشقاق والصراع بين أبناء الدين الواحد»، وأبدى «الطيب» قلقه من برامج الفتاوى، قائلاً: «برامج فوضى الفتاوى الشاذة والجدال فى الدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير تثير قلقنا جميعاً»، ودعا إلى «ممارسة حرية الكلمة وحرية التعبير، مع التقيد بمراعاة تقاليد ثقافتنا وثوابت مجتمعاتنا وعدم المساس والإساءة للآخرين».

وحذر شيخ الأزهر من المخاطر التى تحيط باللغة العربية «أنصح إخوانى من الصحفيين والإعلاميين بمراعاة حرمة اللغة العربية فى عقر دارها، فلم يعد معقولاً أو مقبولاً أن تكون لغة الصحافة والكتابة والتأليف والأدب فى القرن الماضى أغنى وأثرى وأعمق من لغة اليوم».

ومن أهم ما قاله شيخ الأزهر حديثه عن القناة الأزهرية التى طال انتظارها، والتى سيطلقها لمحاربة التطرف الفكرى الذى تزرعه قنوات الفتنة السلفية، التى تركت الدين وتفرغت لبذر الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، فتحرّم معايدة المسلمين على الأقباط، بل تكفّر المسلمين أنفسهم، وكأن الله لم يخلق مسلمين إلا هم.

 جلسات «منتدى الإعلام العربى» فى دورته الثانية عشرة، التى انطلقت تحت شعار «الإعلام العربى فى المراحل الانتقالية»، كانت فرصة للاستماع إلى شيخ الأزهر، والتأكد من أن رموز مصر الوسطية هم القادرون على حمايتها من دعاة الفتنة والتطرف.

زرع «الخلايا النائمة» مستمر لاستكمال التمكين

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

هل تغيرت ملامح المجتمع حولنا؟ هل اكتشفنا أشخاصًا كنا نظن أننا نعرفهم فاكتشفنا أنهم ليسوا هم الذين عرفناهم؟ هل استيقظت زوجة يوما لتجد أن أبا أولادها ليس هو الذى عرفته منذ سنوات؟ أظن أن هناك العديد من الأسئلة الشبيهة بما أسأل، وأظن أن الإجابة عن معظمها هى بالإيجاب فقد اكتشفنا أن هناك وجها آخر للحياة التى عشناها والبشر الذين عرفناهم، تأصل هذا الاكتشاف بعد سيطرة الجماعة على المشهد العام وبداية ظهورها كقوة حاكمة. اكتشفنا فجأة أن كثيرا من الناس حولنا هم أعضاء فى هذه الجماعة أو متعاطفون معها، الاكتشاف الآخر هو ما اكتشفه بعض هؤلاء الأشخاص من ارتباطات ومشاعر داخلية دفينة تربطهم بالجماعة، لكن قسوة النظام السابق منعتهم من التعبير عنها، ووصل الأمر بالبعض أن يدعى أن اسمه الحقيقى كاسم أحد قادة الجماعة التاريخيين لكنه أخفى هذا حتى لا يضطهده النظام السابق.

هذه النماذج تعبير عما يسمى الخلايا النائمة، ولكن ينبغى هنا أن نفرق بين نموذجين، الأول الذى اكتشفنا أنه جزء بالفعل من التنظيم ولكنه لم يكشف عن حقيقته إلا عندما تمكن التنظيم والتزم بالتعليمات الموجهة له فكشف عن حقيقة موقفه، هذا النموذج هو من ينطبق عليه تعبير الخلايا النائمة بمفهومها السياسى والتنظيمى. النموذج الثانى هو نموذج المنافق الذى يدعى أنه اكتشف داخله خلايا نائمة تنتمى للجماعة أيقظها هو(!) وهذا لا يهمنا الآن فى حديث اليوم.

سمعنا كثيرا مصطلح «الخلايا النائمة» والمقصود به هو أولئك الأشخاص الذين يعيشون فى مجتمعاتهم دون أن يكشفوا عن حقيقة انتمائهم لجماعة أو تنظيم أو جهاز استخباراتى او دولة أخرى. ومنذ أن استولت الجماعة فى مصر على مقاليد الحكم بدأنا نكتشف حجم تغلغلهم على مر السنين داخل مؤسسات الدولة، بل داخل نسيج المجتمع ذاته. لذلك كما يقول القول الشائع هذه الأيام فى مصر «ولا أى اندهاش»!!

كما أفقدونا -أو كادوا- القدرة على الحلم يبدو أنهم يفقدوننا أيضاً القدرة على الاندهاش، لم تعد حتى حواجب الدهشة ترتفع عندما نكتشف الخلايا النائمة تصحو واحدة تلو الأخرى، لا أدرى إلى أى مدى تغلغل هؤلاء وامتلكوا عناصر يحركونها وقتما يقررون.

 رغم خروج الجماعة من سراديب العمل السرى تحت الأرض، إلا أن عقلية التنظيم السرى، لاتزال تسكنها، ومازالت أخلاق «المحظورة» تحكمها. لذلك ليست مفاجأة أنها  لاتزال  تزرع «الخلايا النائمة» لتحقيق الهدف بالسيطرة على مؤسسات الدولة لتحقيق «التمكين» وتدين بالسمع والطاعة لسادة المقطم.

إنه مخطط «التمكين»، كما نصت عليه وثائق قضية سلسبيل، المكتوبة بخط أحد قياداتهم، وفيها أن تغلغل الجماعة فى أجهزة الدولة الفاعلة، يجب أن يكون المنطلق الذى تبدأ منه الجماعة «فتح مصر».

بدأ الإخوان مخطط زرع الخلايا النائمة فى مؤسسات الدولة الحيوية بداية التسعينيات، بناءً على توصيات مصطفى مشهور، المرشد الخامس، هذه الخلايا النائمة متشعبة فى جميع المناصب التنفيذية داخل الدولة، ويحظر على هؤلاء الإفصاح عن هويتهم، لأن دورهم يتمثل فى دعم التنظيم بطريقة غير مباشرة.

البعض يؤكد أن لديه معلومات مؤكدة حول خطة الإخوان لزرع خلايا نائمة بوزارة الداخلية بتعيين 20 ألف محام، فى الوظائف المدنية الشاغرة بالوزارة، لكى تسيطر الجماعة على جهاز الشرطة. الأزهر أيضًا مستهدف  بأن يسيطر مشايخ الجماعة على المؤسسة الدينية العريقة. والأزمات التى تحدث داخل الأزهر ليست بمعزل عن الخلايا النائمة، فالإطاحة بالإمام الأكبر مطلب إخوانى وهو لن يتحقق بغير افتعال أزمة.

فى بعض الأحيان تبدو الأمور شديدة التعقيد ويبدو سيناريو الخروج بعيدا، ولكن لا نملك إلا الاستمرار.

تعديل «حسبي الله»

kandeelعبد اللطيف المناوي

لم أفهم سبباً لاهتمام المصريين بالتعديل الوزارى الذى كان مرتقباً ثم أصبح واقعاً على رؤوسنا جميعاً الثلاثاء الماضى، لكن أظنه شكلاً من أشكال التعلق ببارقة أمل- لم تكن موجودة أصلاً- بأن المعجزة المنتظرة قد تكون كامنة فى التعديلات. نعلم أن هذا التعديل الشكلى لم يكن إلا استجابة شكلية لضغوط مُورست على نظام الجماعة من حلفائها الغربيين، وكان الطلب الغربى وقتها أن تبدأ الرئاسة جهوداً ملموسة لفتح حوار مع المعارضة، وأن تقلل من التعرض لحرية التعبير، وأن يتم تعديل وزارى مرضٍ. وبالفعل نلاحظ أن سلوكاً مختلفاً قد بدأ خلال الأسابيع الأخيرة، لكن هذا الاختلاف كان شكلياً بامتياز، يتنازل مرسى عن بلاغاته ضد الإعلاميين ولكن يستمر أعضاء جماعته ونيابته فى ملاحقة الإعلاميين، كذلك الحال عندما دعت الرئاسة إلى حوار لم يحضره إلا الأهل والعشيرة وبعض المتسلقين، ثم التغيير الوزارى الذى خرج إلى النور كما رأيناه مشوهاً استمراراً لحالة التخبط واللامبالاة برغبات الناس وعدم الفهم للأولويات، والأهم من ذلك بدا النظام الحاكم كمن يُخرج لسانه للناس جميعاً وهو يقول: الحكومة حكومتى أفعل فيها وبها ما أشاء.

وقبل أن أفسر بعضاً من هذا أشير إلى سلوك الجماعة المستمر فى اعتبار الجميع أقل ذكاءً منها باعتبارها جماعة الله المختارة، حتى فى التعامل مع حلفائها الذين طالبوها ببعض الحكمة فى الإدارة، شكلياً نفذت الجماعة ما طُلب منها، دعت لحوار وجلس البعض أمام كاميرات التليفزيون لتسجيل الموقف، وتنازل مرسى، باعتباره رئيساً، عن بلاغاته ضد الصحفيين والإعلاميين وخرجت تصريحات فارغة عن الاحترام المطلق لحرية التعبير، وتم تعديل وزارى لعدد لا بأس به من الوزراء، ولكن الحقيقة البعيدة عن الشكليات أن الوضع لم يتغير والهيمنة أو الأخونة والإقصاء مازالت هى الأسلوب الذى يدار به البلد، وعمليات الإرهاب للإعلاميين وأصحاب الرأى مستمرة «بالقانون» «وبما لا يخالف شرع الله». أما الحكومة فقد أصبحت أكثر وضوحاً بعدما تم الإبقاء على عناصر الجماعة وتدعيمها بعناصر إضافية أيضاً منها، لكن ميزتهم أنهم سيبدأون كلامهم دائماً بالتأكيد على أنهم «مش إخوان» وطبعاً لازم نصدق!!

أعود إلى التعديل الوزارى «الفظيع» الذى علمنا به من المقطم قبل لاظوغلى، وأستعير هنا تعليق الصديق العزيز الأديب والروائى يوسف القعيد عندما قال: «إن التعديل الوزارى كشف الارتباك وانعدام الرؤية التى يدير بها النظام الحالى مصر»، واصفاً الطريقة التى جرى بها إجراء التعديل الوزارى ومقابلة جهات مختلفة للمرشحين منها «حزب الحرية والعدالة»، و«جبهة الضمير» بـ«الأمر المُضحك للغاية».

أظن أن الدفاع الأول لدى من يدافع عن سلوك الجماعة بمنطق أو بدون سوف يقولون- وهم قالوا بالفعل- إن المناصب الوزارية قد عُرضت بالفعل على شخصيات مشهود لها بالكفاءة لكنهم رفضوا، وهذا يمكن أن يكون صحيحاً، لكن ينبغى ألا يكون اللوم موجهاً لهم لأنهم رفضوا ولكن ينبغى أن نسأل: لماذا رفضوا؟ ويمكننى هنا أن أحاول الإجابة نيابة عن هؤلاء بالقول إن من يرضى بالمشاركة فى هذه المرحلة يسأل نفسه أولاً: ما هى أهداف من يديرون؟ وأظن أنه لا يوجد مصرى مخلص يرفض أن يقدم ما يستطيع لإنقاذ مصر من محنتها لو أن القائمين على إدارتها يسعون لذلك، لكن عندما يبدو واضحاً أن هؤلاء إنما يديرون ويتحكمون لصالح جماعتهم، وأن أهدافهم من الإدارة تغيب عنها المصلحة الحقيقية للوطن والمواطن، ساعتها يكون القرار بعدم المشاركة بقصد أو بدون قصد فى استكمال عملية القيادة والسيطرة والتمكين للجماعة على حساب الوطن. إذا ما أضفنا لذلك طبيعة وقدرات وشخصية من تم اختياره للقيادة واستمر الإصرار عليه لغرض بسيط وواضح أنه سهل القيادة والاختراق ولن يقول لا، عندما يكون هذا هو الحال فإننا ينبغى ألا تفاجئنا الاختيارات ولا أن نلوم من رفض أن يشارك فى عملية الترقيع فى هذه الكوميديا السوداء.

معظم الجدد لا يختلفون عن الموجودين، لم نسمع عنهم ولا أظن أننا سنسمع عنهم بعد أن يغادروا، لذلك أصيب العاملون والمهتمون فى المجالات التى أصابها التعديل الوزارى بمزيج من الغضب والمفاجأة والدهشة والسخرية- نعم كل هذا وأكثر- عندما علموا بأسماء الوزراء الجدد، أما من لم يتم تغييره من الوزراء فينبغى أيضاً ألا يكون ذلك مفاجئاً، من أدى دوره المرسوم والمتوقع منه استمر رغم أنف الجميع، وأذكر هنا ما نُسب إلى أحد الوزراء الذى توقع كثيرون أنه راحل لا محالة، رغم أنه نجا فى التعديل السابق، خرج الوزير على شاشته يوم الإعلان عن أن تعديلاً وزارياً قد تقرر، قال للمشاهدين بثقة مطلقة إن التعديل لن يطاله، وإنه «قاعد على قلبكم» كما قال حرفياً، السبب ببساطة أن لكل مسؤول وظيفة ودوراً، ومن يقرر نجاحه واستمراره من عدمه هم من يمسكون بالفعل بمقاليد الأمور.

لا أملك إلا أن أنضم إلى رد الفعل التلقائى الذى ساد معظم المصريين الذين عبّر أحدهم تعليقاً على التعديل الأخير: «حسبى الله ونعم الوكيل».

مشروع تبادل الأراضي: هل بدأ تنفيذ المخطط؟

issue 16 el manawyعبد اللطيف المناوي
يبدو أن مشروع تبادل الأراضي الذي حذرت منه كثيراً بات قريباً جديداً، ولم يكن وصول ما حدث في مصر بعيدا في جزء منه عن مشروع أكبر، لم اكن يوما من هواة نظرية المؤامرة وأتمنى ان أكون على خطأ. تغيير خريطة الحكم في مصر والعبث بمعادلة القوة في الطرف الفلسطيني هو نقطة البداية في انطلاق المشروع، لتبدأ الأطراف الباحثة عن دور وقيمة في لعب دور العراب في عملية “بيع” الأراضي المصرية.
ففي الوقت الذي نشرت فيه الصحف  خبراً عن زيارة رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر قادماً من نيويورك في زيارة سريعة لمصر، تستغرق عدة ساعات، يستقبله خلالها مرسي، وكان قادماً من رئاسة الوفد الوزاري العربي الذي يجري مشاورات في الولايات المتحدة مع المسؤولين الأمريكيين، حول عملية  السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وبحث آليات جديدة للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، نشرت وكالة الأنباء الفرنسية خبراً عن ترحيب إسرائيل بالموقف الجديد للدول العربية المؤيد لتبادل أراض بين الإسرائيليين والفلسطينيين، عقب محادثات أجراها وزير الخارجية الأمريكى جون كيري في واشنطن مع وفد من ممثلي الجامعة العربية، وقالت وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني وهي المسئولة عن ملف المفاوضات مع الفلسطينيين: “هذه خطوة مهمة بالتأكيد وأرحب بها”، و”لنتحدث عن ذلك- نحن مستعدون للتغييرات وهو أمر سيسمح للفلسطينيين كما آمل، بدخول غرفة (المفاوضات) وتقديم التنازلات اللازمة”، بعد إعلان ممثلين عن الجامعة العربية للمرة الأولى أنهم قد يؤيدون مبدأ تبادل أراض بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.
طبعاً غني عن الذكر هنا أن اجتماع كيري كان مع وفد اللجنة الوزارية لمبادرة السلام العربية برئاسة رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، الذي انطلق بعدها إلى زيارة مصر في زيارة غير مخطط لها، قيل أنها لتأكيد الدعم القطري لمصر القابعة تحت حكم الجماعة.
وثمة خبر آخر تم تداوله منذ فترة هو حديث نائب مرشد الجماعة عن إقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وغزة، وقد تردد أن هناك تفويضاً رئاسياً للشاطر بإدارة هذا الملف، والاتفاق مع الجانب الفلسطينى حول محاور تنفيذ المشروع، لعلاقاته القوية بحركة حماس، ولم يتم نفي هذا المشروع بحسم.
وقد يكون من المناسب الإشارة هنا إلى التاريخ القديم للمشروع الإسرائيلي – الأمريكي الذى يطلق عليه أسماء عدة أهمها وأقربها للواقع هو “مشروع تبادل الأراضى”، وقد ولدت الفكرة من جديد فى السبعينيات، فطرحت فكرة لتحييد سيناء مقابل تعويضات لمصر، ثم طرحت فكرة تدويلها وإقامة صندوق دولى لتنمية سيناء، ثم طرحت فكرة تبادل الأراضى بين مصر وإسرائيل أثناء مفاوضات السلام لحل مشكلة ضيق مساحة أراضى غزة، وهى الفكرة التى قوبلت برفض حاسم من الرئيس السادات وقتها. وقد نشر فى مطلع عام ٢٠١٠ دراسة مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق جيورا إيلاند التي قال فيها إن مملكة الأردن الجديدة هى وطن الفلسطينيين التى ينبغى أن تتكون من ثلاثة أقاليم تضم الضفتين الغربية والشرقية وغزة الكبرى التى تأخذ جزءاً من مصر. والدراسة طويلة أنصح بالاطلاع عليها، وأرفق هنا رابط لها:
لكنى هنا سأذكر الجزء الخاص بتصور الوضع بالنسبة لسيناء فيها، وهى كالتالى:
“تنقل مصر إلى غزة مناطق مساحتها نحو ٧٢٠ كيلومتراً. وتشمل هذه المنطقة جزءاً من الشريط الممتد على طول ٢٤ كيلومتراً على طول شاطئ البحر المتوسط من رفح غرباً حتى العريش، بالإضافة إلى شريط يقع غرب كرم أبوسالم جنوباً، ويمتد على طول الحدود بين إسرائيل ومصر. وتؤدى هذه الزيادة إلى مضاعفة حجم قطاع غزة البالغ حالياً ٣٦٥ كيلومتراً نحو ثلاث مرات”.
وتستمر الدراسة الصادمة لتطرح ماذا تستفيد مصر، وتقول التالى: تحصل مصر من إسرائيل على أرض تقع جنوب النقب مساحتها ٧٢٠ كيلومتراً. تسمح إسرائيل بحفر قناة تربط بين الأردن ومصر. وستمر القناة التى يبلغ طولها نحو عشرة كيلومترات من الشرق إلى الغرب “على بعد خمسة كيلومترات من إيلات”، وتكون خاضعة للسيادة المصرية الكاملة، بحيث لا يحتاج الانتقال من مصر إلى الأردن إلى موافقة إسرائيلية، وما يتبع ذلك من فوائد اقتصادية. سيستثمر العالم فى مصر “عبر البنك الدولى” فى مشاريع تحلية المياه وتكريرها لحل أزمة مصر المائية المقبلة. وكذلك فى مشروعات الطاقة النووية.
إذا وضعنا الأخبار الثلاثة السابقة متجاورة، والحديث عن مشروع تبادل الأراضي، يبدو أن الأمر بدأ في التنفيذ.اعتبروا كل ما سبق فقط للتذكير، وأدعو الله أن نكون مخطئين.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

نهضتنا ونهضتهم

blue nile falls4[1]عبد اللطيف المناوي

حذرت قبل ثلاث سنوات فى سلسلة مقالات من أزمة المياه، وسد النهضة، وسافرت إلى إثيوبيا وإريتريا، والتقيت رئيس وزراء إثيوبيا الراحل ميليس زيناوى، والرئيس الإريترى أساس أفورقى فى محاولة للتواصل وإتاحة الفرصة للرأى العام أن يعرف ماذا يدور، ولاقتناعى بأن للإعلام دائماً دورا إن لعبه بشكل صحيح وفى إطار أهداف قومية خاصة فى الشأن الخارجى يمكن أن يكون عاملا مساعدا فى التوصل إلى حلول، ووقتها كان اهتمامى للأزمة التى كانت تهدد مصر بحرب مياه.

ذهبت وقتها إلى إثيوبيا وأريتريا والسودان وجنوب السودان فى محاولة للفهم، فالمشكلة لدينا هى التصورات المسبقة دائما عن الأشياء والأشخاص، والتى تجعلنا أحيانا نصل إلى نتيجة خاطئة، ومحاولة الفهم كانت محاولة لفهم ما يحدث الآن فى ملف حوض النيل، حول سبب الموقف الإثيوبى، فى محاولة لفهم أين نقف نحن الآن من هذه القضية.

وكان الحل المصرى المطروح وقتها، هو أن مصر لن تسمح ببناء أى سدود تؤثر على حصتها المائية والقانون الدولى يقف فى صفها فى هذه النقطة، كما أنها فى نفس الوقت الذى تتم فيه دراسة أى سدود تقام على النيل من دول المنبع، تبدى مصر استعدادها للمساهمة والمعاونة فى إنشائها ما لم يضر بمصالح الأمن القومى المصرى، واعتقادى أن هذا هو المدخل الصحيح لحل هذه الأزمة، التعاون والدراسة والتفاوض فى نفس الوقت.

تعتبر الدول التسع المشتركة مع مصر فى حوض النيل دولاً غير مستقرة، وغير قادرة على أن تبدأ مشروعات كبرى على النهر أو استصلاح أراض زراعية، ولديها أوضاع داخلية تعانى منها، فبعضها يعانى من حروب أهلية وصراعات قبلية ومشكلات اقتصادية، ومثل هذه المشروعات الكبرى تحتاج إلى تمويل دولى، وهذا التمويل لن يأتى دون دراسات جدوى تقر من كل الدول المنتفعة بالنهر، ومن هنا يأتى مدخل مصر للتعامل مع هذه الأزمة، وأيضاً هذه النقطة هى إحدى النقاط التى يمكن أن ترجح عدم وجــود خطر عاجل يهدد تدفق النيل إلى مصر فى المستقبل المنظور.

كانت هناك عدة تحركات سياسية لمصر فى تلك الفترة، أهمها بالتأكيد حرص مصر على علاقاتها الوطيدة مع دول حوض النيل، خاصة إثيوبيا التى ترتبط مائياً مع مصر والسودان، وأن تنمية موارد الهضبة المائية تقوم على المشاركة الفعالة للدول الثلاث، حيث تتمتع معظم دول الحوض بأكثر من مصدر للمياه بينما لا تزيد حصة مصر من الأمطار 20 ملم فى الوقت الذى يصل فى بعض الدول من دول الحوض إلى 20 ألف ملم، أى أن مصر تعانى عجزا مائياً وصل إلى أكثر من 30 % وتتغلب عليه من خلال إعادة الاستخدام، من هذا المنطلق فإنه ينبغى أن نعلم أن أى تكلفة أو عبء أو جهد يتم فى منطقة دول حوض النيل ليس إهدارا للموارد أو الطاقات، وإنما هو شكل من أشكال الاستعمار المباشر فى المستقبل، وبالتالى فإن التعاون والاقتراب من هذه الدول هو مسألة مصيرية ومهمة، ومن هنا جاءت أهمية المبادرة الرئاسية وقتها لإنشاء مفوضية دول حوض النيل بغض النظر عن التوقيع الآن على الاتفاقية الإطارية بين دول حوض النيل. وتوازى مع ذلك مسألة مهمة جداً هى الحرص على عدم التصعيد فى لغة الخطاب حول هذه القضية، مع التأكيد على أن حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل هى حقوق غير قابلة للمناقشة أو المساس بها.

ولكن فى ذات الوقت لا ينبغى أن تأخذ الحماسة البعض منا، أو الرغبة فى تحقيق بطولات وهمية بأن نصل باللغة إلى حد التهديد والوعيد ودق طبول لحرب ليس لها طبول، ولكن تكون معالجة الأمر بالصبر والاستمرار فى التفاوض وتأكيد مفهوم التعاون كأساس لتعويض ما فات والحفاظ على حقوقنا التى لن تمس.

وعلى الرغم من مرور 3 سنوات على هذا، لكن الجماعة التى تحكم مصر غرقت وأغرقتنا معها فى فشلها وأطماعها ونهضتها الكاذبة. فبحسب تقارير صحافية، فالجماعة لم تستيقظ بعد من سباتها، وما زالت تدرس التقرير النهائى للجنة الخبراء، حول سد النهضة الإثيوبى، والذى سيتم تقديمه قبيل نهاية مايو الجارى، تمهيداً لعرضه على رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا، والذى يوضح أن ملامح التقرير توضح أن الدراسات الإثيوبية بشأن السد «غير مكتملة» وهو ما سبق أن خلص إليه آخر تقرير مرحلى للجنة الخبراء، فيما أكدت دراسة علمية أن النتائج المتوقعة من إنشاء السد ستكون «كارثية» وستؤدى لتشريد ملايين الأسر المصرية. وأضاف المصدر أن التقرير النهائى سيكون له دور مهم فى تقييم اللجنة لمدى التأثير السلبى لسد النهضة على دولتى المصب لنهر النيل، وهما مصر والسودان، وهو ما سينعكس على خطة التحرك السياسى للدولتين نحو المشروع الإثيوبى.

لكن الغريب والمثير للتساؤل حقا هو أن رئيس الوزراء كان ينبغى أن يكون على علم بأبعاد الأزمة القادمة فى المياه بصفته كان يقوم بأعمال السكرتارية، التى تعنى أنه يطلع على الأوراق والدراسات بصفته مديرا لمكتب وزيرين على مدار خمس سنوات ثم وزيرا للرى، إلا أنه زاد الطين بلة، وزاد الغرق غرقاً فى أوحال أزمة النيل.