كوميديا حكومية

بقلم عبد اللطيف المناوي

يستحق الخبر الذى تداولته الصحف والمواقع خلال الأيام الأخيرة حول تبادل وزارة الكهرباء وشركة المياه قطع الخدمات عن بعضهما بسبب الفواتير والمديونيات المتراكمة، التوقف أمامه، والتساؤل عن الطريقة التى تدير بها الحكومة خلافاتها الداخلية، وحل «الاشتباكات» بين الوزارات والهيئة الحكومية.

15_19_52

تفاصيل الخبر ليست خافية عن أحد، وفيها أن وزارة الكهرباء اتخذت بالفعل خطوة قطع التيار الكهربائى عن بعض المنشآت الإدارية التابعة لشركة مياه القاهرة منذ شهرين، بسبب تراكم المديونيات عليها، فردت الشركة بقطع المياه عن عدد من المنشآت التابعة لوزارة الكهرباء، وهى التفاصيل التى فتحت باباً من السخرية والاستغراب عن الأسلوب المتبع بين مؤسستين تابعتين لحكومة واحدة.

ولو مددنا هذا الخط- خط طريقة قطع الخدمات المتبادلة على امتداده- فلنا أن نتخيل ماذا سيحدث إذا وقع خلاف مالى بين وزارة الكهرباء ووزارة الداخلية، هل ستبادر وزارة الكهرباء بقطع الخدمة عن أقسام الشرطة، وهنا سيكون من حق الأقسام أن ترد بأسلوب مماثل، وهو أن تحتجز موظفى وزارة الكهرباء كأسرى لديها، حتى تتم إعادة التيار مرة أخرى؟.

أما فى حال اختلفت وزارتا الرى والزراعة، ففى هذه الحالة ستلجأ وزارة الرى لقطع المياه عن أراضى وزارة الزراعة، وقد تمنع رى الأراضى الزراعية، وفى هذه الحالة قد تلجأ وزارة الزراعة للضغط بأن تمنع موظفى وزارة الرى من شراء منتجاتها من خلال منافذ بيعها المتعددة.

لكن المشكلة فى هذه الطريقة هى أن بعض الجهات الحكومية سيكون موقفها صعباً، لأنه لا يمكنها، للأسف، أن تفعل أى شىء للضغط أو الرد فى حال اختلفت مع وزارة أخرى، لأنها مثل المواطن العادى، لا يملك أدوات ضغط فى يده على الوزارات، فماذا بإمكان وزارة التخطيط مثلاً أن تفعل رداً على زميلاتها من الوزارات الأخرى إذا اختلفت مع إحداها، وكيف سترد وزارة البيئة، ولا شىء تملكه فى يدها، إلا إذا قررت أن تترك أكوام القمامة تتراكم أمام الوزارة المناوئة.

الأكيد أن ما حدث بين وزارة الكهرباء وشركة مياه القاهرة هو كوميديا سوداء، وتبدو كأنها صورة كوميدية، ربما لم تصل إليها عقول مؤلفى الأفلام الساخرة بعد، لكنها فتحت الباب للعديد من النكات وعشرات الكاريكاتيرات على صفحات الصحف، ومئات الكوميكس المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى للسخرية من الحكومة، التى لا تستطيع حل خلافاتها الداخلية، فتلجأ بعض مؤسساتها لطريقة «المكايدة»، كما وصفها البعض.

هذه حالة من «الكوميديا» فى إدارة أمور الدولة، والتى يبدو أنها فى سبيلها فى بعض الوزارات للتحول أو اعتماد أسلوب «احتجاز الرهائن»، من يستطيع أن يمتلك ويسيطر على الرهينة، ويتمكن من لى ذراع الآخر.

ما تكشف عنه هذه الحادثة، التى لها أصداء فى الماضى، هو أن هناك مشكلة فى تعامل أجنحة ومؤسسات وأجهزة الدولة مع بعضها، هناك مشكلة فى إدارة الخلافات، ومشكلة فى إدارة الموارد، ومشكلة فى حل المشاكل الناجمة عن التشابكات الإدارية.

وعلى الحكومة أن تعى أنه لا يجب تصدير هذه الحالة من الارتباك وعدم التنسيق وعدم التعاون وغياب التجانس للمواطنين، فإذا كانت هذه الحالة هى التى يقرأها المواطن فى الصحف، فماذا تتوقع منه الحكومة أن يفعل عندما يتعامل مع مصلحة حكومية؟

ماذا بعد إقالة الوزير؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

خرج وزير التموين، قبل أيام، فى مؤتمر صحفى ليعلن استقالته من منصبه، وينهى الجدل المثار حوله فى أكثر من اتجاه، وبعد جدل كبير فى المجتمع المصرى حول أقاويل تتردد حوله واتهامات موجهة إليه لم تثبت صحتها بعد، لكن ماذا بعد الاستقالة؟ وماذا بعد خروج الوزير من الحكومة؟

هل نتوقع أن تبدأ حالة من حالات البطولات والبطولات المضادة حول ما حدث؟ وهل نتوقع أن تبدأ أطراف عديدة فى الحديث عن بطولات قاموا بها ضد الوزير، أو حلموا أن يقوموا بها؟ هل ننتظر مجموعة من المعارك التى تتم بأثر رجعى على خلفية ما يحدث، وهل نرى حالة من حالات ادعاء الحكمة بأثر رجعى؟

Untitled

الأكيد أن هناك محاولات بالفعل بدأت تسير فى هذا الاتجاه، مثل حديث مسؤول عن مخاطبة الرئاسة لوقف استيراد شحنات قمح مصابة بفطريات، قال إن وزير التموين المستقيل لعب دوراً أساسياً في إقناع الحكومة بالموافقة على دخولها. وبالطبع لسنا ضد كشف فساد سابق، ولكن ما أحذر منه هو محاولة البعض القيام ببطولات وهمية تجر البلاد إلى مزيد من الخطوات المتراجعة بدلاً من التفكير فى الخطوة المقبلة.

الأمر الوحيد المطلوب حسمه الآن هو أن توضح الحكومة أو الدولة لماذا استقال الوزير؟ وهل استقال بسبب ما تردد حول إقامته بأحد الفنادق الخاصة لأكثر من 30 شهراً، أم أن السبب يرتبط بما أثير ويثار حول مجموعة من المشكلات التى تتعلق تحديداً بما يعرف بـ«قضية فساد القمح»، ومنظومة التموين، والمطاحن والصوامع؟

إذا كانت الإجابة هى مسألة إقامة الوزير فى أحد الفنادق، فينبغى التوقف عند هذا الحد، فالرسالة وصلت، والقضية عرفت، والجميع وعى الدرس، والفرق بين المال العام والخاص، والموظف العام والموظف فى مؤسسة خاصة، أما إذا كان الأمر يتعلق بقضية فساد القمح، ومشاكل تتعلق بمنظومة التموين، فلابد أن يتم توضيح هذه المشكلات، وأسبابها، ووضع حلول مناسبة لها، وكيفية تطبيق هذه الحلول، حتى لا تتكرر المشكلة، وحتى لا يصبح المواطن البسيط هو الضحية فى النهاية، لكن التوقف عند لحظة الاستقالة والبطولات الوهمية فهذا استمرار فيما لا ينبغى الاستمرار فيه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية أن تجيب الدولة أو الحكومة عن التساؤل حول هذا الخلل فى وزارة التموين، وهل خلل قديم أم حديث وما هى الإجراءات التى اتخذت لحله؟ وهل هى كافية؟ وما هى الخطوات التى ستتخذ خلال الفترة المقبلة؟ ومن المسؤول عن هذا الخلل واستمراره، ليس فقط للحساب لكن أيضاً للإصلاح. كما علينا أن نعرف هل هذا الخلل موجود فى هذه الوزارة فقط، أم موجود فى وزارات أخرى، وأظن أن البحث فى وزارات أخرى سيكشف لنا عن نفس الخلل، أو خلل مشابه، يحتاج لتدخل علاجى سريع لاجتثاثه من جذوره.

الفترة القادمة صعبة فى كل الأحوال، فى ظل السعى للحصول على قرض من صندوق النقد الدولى، لدينا التزامات يجب أن نفى بها، وطريق للإصلاح يجب أن نسير فيه، ولن نتمكن من فعل ذلك دون القضاء على أى خلل وفساد موجود، وما هو مطلوب من الحكومة، ليس فقط الصراحة، ولكن أيضاً الشفافية فى الإجراءات.

الموظف العام واحترام الرأى العام

بقلم عبد اللطيف المناوي

من ضمن «الخناقات» الجانبية الكثيرة التى انشغل بها المصريون الفترة الماضيةـ فى حين تغيب عنهم الإشكاليات الرئيسيةـ موضوعات كثيرة لا تستحق، وقليل منها يستحق.

ولعل من بين هذه الموضوعات القليلة حكاية «الخناقة» الحادثة بين أحد وزراء الحكومة وبين عدد من أعضاء البرلمان، والموضوع الجانبى المثير فيها للمواطنين فكرة أن الوزير يقيم فى فندق لمدة 3 سنوات، وتختلف التقديرات حول مساحة غرفته فى الفندق، ومكانها، وتكلفتها، وهل هى 30 متراً أم 130 متراً، وهل تطل على النيل مباشرة، أم تطل على مدينة القاهرة، وهل هى بـ100 دولار فى الليلة، أم بـ800 دولار، وهل سكرتاريته الخاصة معه أم ليست معه.

IMG_0132

لن أتوقف طويلاً أمام هذه المقارنات، ولن أميل بوجهة نظر فى مساحة أو سعر، ولن أدغدغ مشاعر مَن يقرأ لأميل أو لأرجح فكرة أن تكون تكلفة الإقامة مليوناً أم 8 ملايين جنيه، وهل يحسب الدولار بالسعر الرسمى، أم بالسعر «غير الرسمى»، أما ما سأتوقف عنده فهو تصريح الوزير فى مجال دفاعه عن نفسه عدة مرات بأنه حر فى أن يصرف ماله الخاص بالشكل الذى يراه، وفى أن يقيم فى شقة أو فى فندق، ومفهوم «الحرية» هنا هو الذى عليه خلاف فى حدوده.

الأمر الأكيد أن شخص الوزير يمتلك الحرية الكاملة فى أن يفعل ما يشاء فيما يمتلك، ولكن هناك جانب غاية فى الأهمية، هو أنه ارتضى أن يكون موظفاً عاماً، وبالتالى فإنه يخضع للمفاهيم الحاكمة لدور وسلوك وحدود تدخل الرأى العام فيما يعتبره شأنا شخصياً.

أستدعى هنا إحدى الحكايات الحديثة التى حدثت خلال الأشهر الماضية، تحديداً فى شهر إبريل الماضى، عندما أثارت ما سُميت «تسريبات ووثائق بنما» العديد من ردود الفعل فى العديد من دول العالم، وكان من بينها ما شهدته بريطانيا، عندما ظهر فى تلك الأوراق أن رئيس الوزراء البريطانى فى ذلك الوقت، ديفيد كاميرون، قد امتلك أسهما لشركة لوالده فى جزر البهاما، وثارت الدنيا ضده لأنه وضع نفسه فى شبهة عدم دفع ضرائب، أو فى شبهة ملكية أسهم لم يكشف عنها، وخرج كاميرون وقتها ليفعل ما لم يتوقعه أحد، عندما نشر إقراراته الضريبية طوال السنوات التى سبقت وتلت توليه رئاسة الوزراء، وظهر فيها أنه التزم ضريبياً، وإن كان قد استفاد جزئياً ببعض التسهيلات الضريبية، وصنع بفعلته هذه سابقة يمكن أن تكون ملزمة لكل سياسى يأتى بعده.

نحن هنا إزاء كشف لمعلومة عمرها يتجاوز الثلاثين عاماً، عن شخصية عامة (عمر أسهم كاميرون فى شركة والده قبل بيعها عندما تولى رئاسة الوزراء، وعندما تم الكشف عنها)، وكان رد الفعل أن كاميرون لم يناقش فى تلك اللحظة حق الرأى العام فى المعرفة، ولم يقف عند حدود التوضيح، ولكنه تجاوز ذلك إلى مرحلة الإثبات بالوثائق والأدلة.

أنا هنا لا أقارن، ولا أطالب بنفس مستوى ما يحدث فى دول أخرى، فأنا أعلم تماماً اختلاف الثقافة العامة السائدة على مدار عشرات السنين، وأعلم الحدود التى يمكن من خلالها التعامل مع الشخصية العامة، ولكنى هنا أقف مرة أخرى أمام فهم الوزير لحدود حق الرأى العام فى المعرفة، فهو حر أن يفعل ما يشاء فى ماله الخاص، ولكن حق المعرفة للرأى العام- درءاً للشبهات- يظل حقاً ينبغى التعاطى معه بقدر من الاحترام والتجاوب وليس الإنكار.

مرة أخرى، هى «خناقة» من بين الجدل الكثير الحادث فى مصر فى أمور، منها الحقيقى والمؤثر، وهو قليل، ومنها الكثير من اللغط الدائر لتزجية أوقات البعض.

ماذا حققت مصر فى الأوليمبياد؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

إذا تجاوزنا المشكلات الصغيرة والكبيرة، التى صاحبت البعثة الرسمية إلى ريو دى جانيرو، من طابور العرض إلى طبيعة الملابس ورفع أعلام دول أخرى، والأخطاء الإدارية التى أطاحت بمدرب لاعب الجودو، واللعب مع لاعب إسرائيلى وإشكالية مصافحته من عدمها، والجدل الذى أثير حول لاعبة الرماية التى سخر منها البعض بأن الله نجى الجماهير من سهامها الطائشة بعد أن فشلت فى التصويب، إذا تجاوزنا تلك المشكلات وغيرها، فلنا أن نسأل أنفسنا: ماذا حققنا فى الأولمبياد فى هذه الدورة؟

IMG_0132

أحرزت مصر ثلاث ميداليات برونزية، فى التايكوندو لهداية ملاك، ورفع الأثقال للسيدات من سارة سمير، ورفع الأثقال للرجال من محمد إيهاب، وما عدا ذلك فالبعض يصلح أن يقال عنه إنه ذهب للتمثيل المشرّف، وقد يكون فريق الباليه المائى، حتى من موقعه المتأخر، قد أعطى صورة حضارية عن مصر. لكن هل هذه الميداليات البرونزيات الثلاث هى الوزن الحقيقى لمصر فى الألعاب الأوليمبية؟

ما أعتقده هو أننا فى حاجة لإعادة نظر فى أشياء كثيرة لها علاقة بهذه الألعاب، وتأهيل اللاعبين، والاهتمام بهم، وتأسيس لاعب أوليمبى قادر على المنافسة، كما أن علينا أن نجيب عن: هل هذا هو دور الدولة، أم دور المجتمع المدنى، أم دور المؤسسات الاقتصادية؟

الإجابة هى أنه ليس دور الدولة بشكل كامل، لكن على الدولة أن تقوم بدور إشرافى، وأن يقوم بالدور التأهيلى المجتمع المدنى فى كل منطقة، كما أن هذا هو دور رجال الأعمال الاجتماعى، لكن حتى يقوموا بهذا الدور لا بد أن يشعروا أولاً أنهم جزء من هذا المجتمع، ومسؤولون عن جزء من اتخاذ القرار فيه، ومطلوب منهم المشاركة فى إعداد الأفراد وتأهيلهم للسباقات الدولية، وفى نفس الوقت تغيير المفاهيم العامة فى المجتمع.

قرأنا عن لاعبة قررت أن تتفرغ للبطولات الأوليمبية وتركت كل شىء ما عدا ذلك من تعليم وخلافه، وسألتنى ابنتى: ماذا لو لم تحصل البطلة المصرية سارة أحمد على الميدالية البرونزية، خاصة أنها تركت امتحانات الثانوية العامة من أجل الأوليمبياد؟ هل كانت ستحصل على فرصة دخول امتحانات الدور الثانى لإكمال دراستها وفق المحاولات الجارية الآن من أجل أن يحدث هذا، أم ستقوم بإعادة العام الدراسى مرة أخرى؟

الإجابة مرة أخرى عن هذا السؤال تكشف عن جانب آخر من ثقافة المجتمع فى حاجة إلى تغيير، والدور الرئيسى للدولة هنا هو المساعدة فى إحداث هذا التغيير، فلن تحصل مصر على ميداليات أكثر من التى حصلت عليها هذه الدورة وفى الدورات السابقة ما لم تتغير النظرة إلى أهمية الألعاب الفردية، والألعاب الأوليمبية، فبنظرة إلى تاريخ مصر فى هذه الألعاب يتضح لنا أن مجموع ما حققته منذ عام 1912 حتى الآن لا يتجاوز الـ29 ميدالية.

ويتطلب هذا أن يتولى المجتمع المدنى العمل على تأسيس مراكز أوليمبية للتحضير للبطولات الأوليمبية فى كل محافظة، وكل مدينة، وكل قرية بالبحث عن المواهب المصرية، وفى هذا إعادة متطورة وعصرية لمفهوم الساحات الشعبية الذى كاد يختفى، ولابد أن يتم هذا بدعم من رجال الأعمال الذين يتوجب عليهم القيام بدور مجتمعى، وذلك تحت مظلة الدولة وبدور إشرافى وتنظيمى منها. وإذا استطعنا أن نفعل هذا فيمكن خلال الدورة القادمة من الألعاب الأوليمبية أن نحرز ميداليات أكثر تستحقها مصر.

ولا ينسينا هذا أن نوجه التحية للأبطال المصريين الثلاثة هداية ملاك ومحمد إيهاب وسارة سمير، الذين أدخلوا الفرحة على ملايين المصريين، وحققوا إنجازاً رغم ضعف الإمكانيات ورغم كل الظروف.

مصر بعد ثلاث سنوات

بقلم عبد اللطيف المناوي

مرت ثلاث سنوات على رحيل نظام الإخوان، وعلى نظام حكم كاد يعصف بهوية مصر ومستقبلها وحاضرها. وقبل يومين مرت ذكرى مرور ثلاث سنوات على فض اعتصام الإخوان وأتباعهم فى ميدان رابعة العدوية، بعد أن تحول الاعتصام إلى بؤرة إرهابية تخرج منها التهديدات والوعيد، وتحاول أن تكون دولة موازية للدولة الحقيقية.

خرجت فى الذكرى الثالثة اعترافات من أطراف عدة على صلة بالإخوان بأن الاعتصام كان مسلحاً، وإذا كان البعض قد فوجئ بهذه الاعترافات الطوعية، فإن ما يدعو للاندهاش هو مفاجأتهم وليس كون الاعتصام مسلحاً. كانت الدلائل تشير منذ البداية إلى ذلك، ويمكن الرجوع ببساطة إلى الفيديوهات التى التُقطت لفض الاعتصام الذى نُقل على الهواء، ومتابعة من أى الاتجاهات انطلقت الرصاصات، ومَن أول مَن سقط، ومَن قتل مَن؟

ولمَن نسى، أو تناسى، ربما من الواجب أن نُذكر بأجواء تلك الأيام، وبأن أول مَن سقط كان من جانب الشرطة برصاص الإخوان، وأنه لم يسقط أى قيادى إخوانى قتيلاً أو جريحاً، بل دفعوا بالأبرياء فى المواجهة، ليتاجروا بدمائهم فيما بعد.

ولمَن نسى نقول إن الإخوان كانوا يقسمون بالأَيْمان المُغَلَّظة على عدم قدرة القوات على فض الاعتصام، بل كانوا يتحدونهم بشكل مستفز، وكانوا يتعاملون مع البيانات التى تطالبهم بالرحيل بسخرية شديدة، وكانوا يدللون بذلك على ضعف موقف الحكومة وفشلها فى التعامل مع الموقف، وعجت صفحات الإخوان بالكذب الأسود حول انشقاقات داخل الجيش على أشدها، ومحاولات انقلابية داخل الجيش على قياداته، وأن الجيش فقد السيطرة على سيناء، والسيسى يستعد للهروب من المطار، وغير ذلك كثير. لقد كانوا يدفعون الأمر إلى منطقة الصدام الدموى، وكما قالها أحد الذين شاركوا فى الجهود السياسية الدولية السابقة على فض الاعتصام، فإن ثانى أفضل خيار للإخوان هو سقوط ضحايا لهم بالآلاف ليكونوا فى موقع الضحية، وهذا ما سعوا له، بل كانوا يجعلون الأطفال يحملون أكفانهم، ولم يضعوا فى اعتبارهم دماء الضحايا الذين خدعوهم وأقنعوهم بأنهم يحاربون من أجل الإسلام والشريعة، والحقيقة أنها حرب من أجل السلطة والانتقام، السلطة لهم والانتقام من المصريين الذين كشفوهم بسرعة ولفظوهم.

مرت ثلاث سنوات، تغيرت فيها مصر، وخطت خطوات إلى الأمام، نعى جيداً أن هناك مشاكل اقتصادية وسياسية، ولدينا إحساس بأن الأمور لم تصل بعد إلى المرحلة التى كنا نتمنى أن تصل إليها، مازلنا نعانى من المشاكل البيروقراطية ومن سوء الإدارة فى بعض المناطق، لكننا استعدنا وطننا وهويتنا.

نعى أننا الآن فى مرحلة تصحيح الأوضاع، وأن مصر خارجة من مأزق كبير، ربما هناك ضيق لدى البعض، لكن هذا الضيق من أجل مستقبل أفضل لهذا البلد، لا من أجل الصراع على الهوية، التى حاول الإخوان اختطافها وتغييرها، بل محو هوية المصريين.

ما تحتاجه مصر فى هذه المرحلة، وبعد ثلاث سنوات من رحيل الإخوان ومن فض اعتصامهم، هو أن تلتفت للأمام، أن يعمل الجميع من أجل مستقبل هذا الوطن، وأن نقبل اختلافاتنا الداخلية مادامت فى صالح هذا البلد ومن أجل هويته.

.. لكن ماذا حدث فى 77؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

«أول محاولة للإصلاح الحقيقى كانت عام 1977»، هذا ما قاله الرئيس عبدالفتاح السيسى، أمس، عندما تحدث عن الأوضاع الاقتصادية، أثناء افتتاحه أكبر مجمع للبتروكيماويات فى مصر والشرق الأوسط بمحافظة الإسكندرية، ويعد هذا أول تقدير وتقييم للمحاولة الإصلاحية فى ذلك الوقت والتى تم التراجع عنها، ولا يذكر الناس منها إلا ما عرف باسم «انتفاضة الخبز»، أو «انتفاضة الحرامية».

100_0757-1.jpg

وأذكر أننى منذ ثلاث سنوات تقريباً، وخلال حديثى مع أحد كبار المسؤولين وقتها، والذى أصبح الآن فى موضع مسؤولية أعلى، تحدثت معه، ودعوته إلى ضرورة أن تدرس الحكومة الحالية ما حدث فى يناير 77، عندما رفعت الحكومة الأسعار وكيف تواصلت الدولة مع الجماهير وكيف كان رد الفعل، وطالبت بأن تتم دراسة الحالة لتجنب تكرار رد الفعل فى حال لجوء مصر إلى أية إصلاحات اقتصادية صعبة مقبلة، وأن تكون هناك سياسة مالية جديدة، وأن يتم دراسة الوضع النقدى، وتأثير ذلك على الأسعار، ورد الفعل المتوقع أمنياً وسياسياً واقتصادياً، ووضع الخطة المناسبة للتعامل مع الموقف، ومرة أخرى دراسة كيفية التواصل مع الجماهير لكسب القطاع الأكبر منه، إن لم يكن داعماً، فعلى الأقل متفهماً للإصلاحات التى تحدث.

لكن ماذا حدث عام 1977؟ كانت البلاد خارجة من الحرب منهكة اقتصادياً، وكانت هناك رغبة فى محاولة إصلاح حقيقية، وفى إحدى جلسات مجلس الوزراء تحدث الدكتور عبدالمنعم القيسونى، رئيس المجموعة الاقتصادية، عن ضرورة رفع الدعم عن بعض السلع استجابة لقرار من البنك الدولى بعدم إقراضنا 200 مليون جنيه ما لم يتم رفع الدعم، وقال القيسونى: «إن المركب يميل الآن من الناحية الاقتصادية ويمكن أن يغرق وإنه لا مهرب من اتخاذ القرار»، وحدد القيسونى السلع التى يقترح رفع الدعم عنها ومنها سلع تموينية، وقال إن المشكلة ذاتها تتكرر مع الدول العربية بعد أن قررت عدم دفع أية مساعدات إلا بعد استشارة خبراء من البنك الدولى، واعترضت الدكتورة عائشة راتب، وزيرة الشؤون الاجتماعية، وقال سيد فهمى، وزير الداخلية، إن الوزارة أُلفت لكى تثبّت الأسعار، فكيف يفاجأ الناس بعد شهرين برفع الأسعار؟ وقال إن هذا يؤثر على الوضع الأمنى.

بعد ذلك عقد السادات اجتماعاً، تحدث فيه الدكتور حامد السايح، وزير الاقتصاد والاستثمارات، وقال «إن رفع الأسعار إجراء لا مهرب منه، وهو لازم اليوم قبل الغد، وأى تأخير فى رفع الأسعار يمكن أن يعرض البلاد لكارثة اقتصادية». وقال السادات: «إذا كان هذا هو الرأى الفنى، وإذا كان التأخير يعرضنا لكارثة، فإننى موافق»، لكن ممدوح سالم، رئيس مجلس الوزراء، عقد اجتماعاً بصفته رئيسا لحزب مصر «الحزب الحاكم»، مع أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب، شرح لهم الموقف، وفى يوم 13 يناير أعلن القرارات الاقتصادية فى مجلس الشعب، وإذا بأعضاء حزب مصر يهاجمون قراراته، وفسر رد فعلهم بأنهم فضلوا مخاطبة ود الرأى العام والناخبين فى دوائرهم الانتخابية على الالتزام الحزبى، وتطور الأمر بعد ذلك إلى مظاهرات يناير، والتى أعقبها تراجع السادات عن تلك القرارات.

هذا ما حدث عام 77، عندما كانت هناك نية لمحاولة للإصلاح الحقيقى، وهنا نعود لنفس النقطة، مع أول اعتراف من رأس الدولة بأهمية الإصلاحات الاقتصادية التى تمت فى عام 1977، وهو إدراك كيف تدار عملية الإصلاح، وما هى الإجراءات التى يجب أن تستبق الإصلاحات، وما هى الإجراءات التى يجب أن توازيها، وما هى الإجراءات التى يجب أن تليها، وأشير هنا إلى ما حدث من أعضاء مجلس الشعب، وأعضاء الحزب الحاكم، الذين تخلوا عن مسؤوليتهم السياسية وقتها ورفضوا أن يقفوا مع الحكومة فى قضية رفع الأسعار.

تراجع السادات وقتها، إثر المظاهرات الشهيرة فى ذلك الوقت، وعلى الرغم من أن ذلك من الممكن أن يفسره البعض بأنه هزيمة سياسية، لكنه كان قراراً صحيحاً، وعلى الرغم من أن السادات ظل يردد أنها «انتفاضة حرامية»، إلا أن المقربين منه قالوا إنه كان يدرك أنها مظاهرات ضد رفع الأسعار المفاجئ، وأن سببها الحقيقى هو الأسلوب الخاطئ فى إدارة قضية الإصلاحات الاقتصادية، وتوصيلها للجماهير.

وبرأت المحكمة المتهمين فى تلك القضية عام 1981، وقالت فى حيثيات حكمها إن «الذى لا شك فيه وتؤمن به المحكمة واطمأن إليه ضميرها ووجدانها أن تلك الأحداث الجسام التى وقعت يومى 18 و19 يناير 1977 كان سببها المباشر والوحيد هو إصدار قرارات اقتصادية برفع الأسعار، فهى متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب، ولا يمكن فى مجال العقل والمنطق أن ترد تلك الأحداث إلى سبب آخر غير تلك القرارات، فلقد أصدرت على حين غرة وعلى غير توقع من أحد وفوجئ بها الناس جميعاً بمن فيهم رجال الأمن، فكيف يمكن فى حكم العقل أن يستطيع أحد أن يتنبأ بها ثم يضع خطة لاستغلالها ثم ينزل إلى الشارع للناس محرضاً ومهيجاً؟!».

القرار الاقتصادى الذى اتخذ عام 77 كان صحيحاً، لكن التعامل معه كان خاطئاً، وهو ما أدى إلى نتيجة عكسية، وجعله يشكل هاجساً وتخوفاً مستمراً لدى رؤساء مصر التالين، ولدى جميع المسؤولين بعد ذلك، فى التعامل مع قضية الإصلاح السياسى بشكل جاد وواضح، لأنه دائماً كان ما حدث فى 18 و19 يناير فى ذهن كل مسؤول.

اعتراف الرئيس السيسى بأهمية إجراءات حكومة 77- يدفع لأهمية التعامل مع الملف بشكل مختلف، والاستفادة من الأخطاء التى وقعت وقتها، وأهمها مفاجأة الجماهير برفع الأسعار، وعدم إشراكهم فى القرار السياسى.

مصر فى حاجة للإصلاح الاقتصادى، لكن يجب أن تدار العملية بشكل علمى ممنهج، أن نستفيد من أخطاء تجربة 77، وأن يشترك المصريون جميعاً فى القرار، وبهذا وحده تنجح عملية الإصلاح.

على هامش الأوليمبياد

بقلم عبد اللطيف المناوي

«أكثر اللحظات صعوبةً على نفسى كانت عندما عُزف السلامان الوطنيان».. هذا ما قاله ماركو باجاريتش، اللاعب القطرى من أصل كرواتى، فى فريق قطر لكرة اليد، تعليقاً على المباراة التى أقيمت بين قطر وكرواتيا، وانتهت بفوز قطر 30 /23 على كرواتيا، التى تعد من أهم منتخبات كرة اليد فى العالم.

عبد اللطيف المناوي

وأضاف اللاعب الكرواتى المتجنس قطريا بشكل مؤقت، شارحاً علاقته ببعض اللاعبين فى منتخب بلاده الأصلية: «لقد لعبت مع هؤلاء اللاعبين، وعشت مع بعضهم فى كرواتيا، ولكن ماذا يمكننى أن أفعل؟». كان «باجاريتش» هنا يتحدث عن فكرة التنازع بين الانتماء الأصلى والانتماء إلى الدولار، لكنه تجاوز هذه اللحظات عندما بدأت المباراة، موضحاً ذلك بقوله: «لكن بعد ذلك كانت مباراة، كأى مباراة فى كرة اليد».

«باجاريتش» ليس هو اللاعب الوحيد فى المنتخب القطرى لكرة اليد، الذى يتكون من 5 لاعبين من دول البلقان، و2 من سوريا، وفرنسى وإسبانى وكوبى ومصرى، أما المدرب فهو إسبانى الجنسية.

تكلف هذا الفريق الملايين، حيث إن القواعد تسمح للاعبين بالتجنس بجنسية أخرى، ويمثل البلد الجديد فى حال عدم تمثيل بلاده لمدة 3 سنين.

قبل تشكيل هذا الفريق كان ترتيب قطر فى لعبة كرة اليد 108 على مستوى العالم، والآن بعد أن تمكنت من هزيمة كرواتيا المرشحة بقوة للحصول على الميدالية الذهبية أصبحت مرشحة للفوز بالميدالية.

ولو حدث هذا فإن ذلك سوف يكون سابقة خطيرة، كما عبّر مدرب فرنسا، كلود أونيست، الذى يعتبر أن هذا تشويه لمفهوم الرياضة والأوليمبياد، وأن هذا سوف يكون مدمراً لمفهوم التنافس.

من المعروف أن العديد من الرياضات، خاصة فى قطر، يمثلها لاعبون أجانب، وهذا قد يكون مفهوماً نتيجة الظروف الخاصة للدولة، لكن الأكيد أن هذا أيضاً له دلالة على مدى سيطرة المال وقدرته على التأثير وتغيير المشهد حتى فى المجال الرياضى.

لقد خَبِرنا هذه القدرة فى التغيير السياسى، وهو الأمر الذى شاهدناه ومازلنا نعانى منه فى تغيير مسارات شعوب ومقدرات دول بدافع المال، ولكن هذا تطور جديد فى تأثير المال حتى فى تشكيل مستقبل الأوليمبياد، التى يعود عمرها إلى عصر الإغريق، حيث بدأت فى سنة 776 قبل الميلاد. وكانت تقام كل 4 أعوام على شرف زوس، كبير آلهة اليونان، وزوجته هيرا، وتدوم لمدة 7 أيام.

الملحوظة الأخيرة فى هذا الأمر هى ذلك الإحساس بالوطن، وهو الأمر الذى أعتقد أننا نملكه ولكن لا نقدره.

لدينا الوطن ولدينا الإحساس، لكن ليس لدينا الإحساس العميق فى التعاطى مع هذا الإحساس، وليس لدينا التجاوب الحقيقى فى كيفية تمثيل وطننا. نحن لدينا نعمة لا نعرف قدرها ولا معناها، ليس لدينا المال لكن لدينا الوطن.

قديماً، تحدثت عن مفهوم الدولة الوطن، والدولة الترانزيت، وقلت إن الدولة الترانزيت هى تلك الدولة التى يكون طريق المطار فيها هو الأكثر ازدحاماً عندما تمر بأزمة، لكن الدولة الوطن هى تلك التى تبقى فيها وتتمسك بها حتى فى أشد اللحظات سواداً، وفى أحلكها.

مصر مرت بأزمات، وتمر بأزمات، وستمر بأزمات، وعلى القائمين على الدولة أن يجدوا فى هذه الأوقات ما يربط الشعب بوطنه، يراهنون عليها، ويعملون على استغلالها لخدمة الوطن، وتأكيد أن هذا الوطن هو وطن كل المصريين.

الأوليمبياد مستمر، والمباريات قادمة، ولن يكون غريباً أن يصعد كرواتى أو صربى ليتسلم إحدى الميداليات التى تفوز بها قطر.

كيف نواجه هزيمة الإرادة؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

من أكثر ما تردد خلال الفترة الماضية محاولات كسر إرادة المصريين وإحباطهم، وهو ما تناوله الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته، فى الذكرى الأولى لافتتاح قناة السويس الجديدة، ولكى نحدد أسلوب مواجهة الإحباط وهزيمة الإرادة، ينبغى أن نحدد الأسباب التى تحقق أو تتسبب فى هذا.

ويمكن القول إن هناك سببين أساسيين، تندرج تحتهما أسباب فرعية، الأول منهما وهو العنصر الخارجى، وأقصد بـ«الخارجى» هنا ما هو خارج إرادة المجموع من المصريين، والقوى الخارجية التى قررت أن تناصب التجربة المصرية الجديدة العداء.

أما العنصر الثانى فهو داخلى ويعتمد بالأساس على العناصر التى تهدد محاولات الخروج من المأزق، وسأمر على السبب الأول سريعاً، لأن هزيمته لن تتحقق إلا بالقضاء على السبب الثانى لحالة الإحباط.

فليس غريباً أو جديداً علينا أن تكون هناك قوى إقليمية أو دولية هدفها بالفعل أن تستمر مصر فى أفضل أحوالها فى تلك الحالة المقلقة، فلا هى دولة منهارة ولا هى دولة قوية قائمة، وهذا فى أحسن الأحوال لأن هناك مَن يسعى من قوى إقليمية ومن جماعات مصرية متحالفة أو متفقة مع أهداف هذه القوى، وتريد للتجربة المصرية أن تنهار انهياراً كاملاً، ولا بأس أن تنضم مصر إلى جماعة الدول المنهارة والفاشلة فى المنطقة.

وهذا الموضوع تفاصيله كثيرة، لكن ما يهمنى هنا هو الإشارة إلى السبب الثانى، وهو المرتبط بالوضع الداخلى، فحتى الآن يسمع الناس عن إنجازات لا يعلمون عنها شيئاً، فما بالك بالإحساس بها، الوضع الاقتصادى والحياتى والمعيشى شديد الصعوبة، والإحساس بالخطر يتزايد يوماً بعد يوم، وفى مقابل ذلك مازال هناك مسؤولون يتحدثون عن إنجازات وبطولات لا يعرف بها سواهم، فى الوقت الذى يعانى فيه المواطن العادى.

الواقع يقول إن النية كانت متجهة إلى عدم الاستدانة، ما لم يكن معلوماً أين تذهب هذه القروض، وأن يكون ذلك مرتبطاً بمشروعات إنتاجية، ولكن ما يحدث الآن هو أن الدولة تحاول الارتباط بقرض كبير من صندوق النقد الدولى، وهو ضرورة فرضتها الظروف التى وصلنا إليها، لكن لا يعلم الناس فيم سوف تُستغل تلك القروض، وما المستهدف منها.

الموضوع يطول، ولكن باختصار فقد وعد الرئيس فى البداية بالاستقرار والأمان والأمل، ومازلت أعتقد أن مخرج هذه الأمة من تلك الأزمة لن يتأتى إلا من خلال رؤية واضحة مترجمة إلى برنامج علمى وعملى محدد الأهداف ومحدد السبل والأدوات والنتائج، وذلك فى إطار خطة عاملة شاملة (master plan)، لمصر ولمستقبلها، وتواصل صحيح بلغة صحيحة ومحفزة للناس، لكى يشعروا أن المشكلة التى نعانى منها فى البلد هى مشكلتهم أيضا، وأن حلها لن يكون إلا بمشاركتهم.

الرجل الذى لن يكون سلطاناً

بقلم عبد اللطيف المناوي

لم يقف الرئيس التركى رجب طيب أردوغان- الذى لن يكون سلطاناً- عند حدود اتهام دول عربية، كدول أو كأشخاص فاعلين بها، بل امتد به الأمر إلى دول الجوار الأوروبى، وحلفائه على الشاطئ الأطلسى، ولم يتبق أمامه إلا اتهام ذباب وجهه بأنه يخطط للإطاحة به.

العديد من المراقبين فى العالم يعتقدون- بل والبعض يؤكد- أن هذا الانقلاب الذى فشل هو انقلاب أريد له أن يكون انقلاباً من قِبَل أردوغان، بمعنى أن الانقلاب حقيقى بالفعل، ولكنه فى ذات الوقت هش، وتمت الوشاية به مبكراً، وبالتالى سمح له أردوغان بالحركة المسيطَر عليها، حتى يتمكن من تحقيق الحلم الذى لا يفارق خياله منذ سنوات، والذى تجسد فى صورة رأيناها جميعاً، عندما وقف على سلم قصره ذى الألف غرفة، وفى خلفية الصورة جنود الإمبراطورية العثمانية.

بدأ أردوغان تلك الحرب المسعورة على معارضيه، والمخططة سلفاً، وعمليات الذبح من كشوف أُعدت مسبقاً ليحقق الهدف الذى كان يسعى إليه منذ أعوام طويلة، ووجد فى ذلك الانقلاب الهش الذى علم به مسبقاً فرصة فوق الزمن ليحقق ما يراه، فبدأ أردوغان عملية العصف بمَن حوله، وأغلق البلاد، وبات وضعه قريباً من وضع ديكتاتور كوريا الشمالية، ولم يهتم بإقالة وإبعاد وسجن واعتقال الآلاف ليس من الجيش- الذى يُفترض أنه قاد الانقلاب- وحده، ولكن من كافة طوائف المجتمع، والتى شملت المعلمين وأساتذة الجامعة والرياضيين وحكام كرة القدم، وأغلق مدارس وجامعات ومعاهد، وأقصى قضاة وموظفين فى وزارة التعليم، فضلاً عمن تمت الإطاحة بهم من وزارة الداخلية والجيش والحرس الجمهورى.

ونظرة سريعة على أرقام المعتقلين والمستبعدين تكشف عن كشوف معدة مسبقاً، وبدأ أردوغان فى تنفيذها مع الإعلان عن فشل الانقلاب، وهذا السلوك يؤكد فقط تلك الرغبة المريضة الساكنة بداخله لتحقيق الحلم الدائم من إبعاد معارضيه، وأن يكون سلطاناً على جثثهم.

الغريب هنا هو تلك الأبواق التى تماهت مع أردوغان، والتى رأت فيما فعله سلوكاً صحياً وصحيحا، ودافعت عن موقفه وإجراءاته، بل تحت شعار «الدفاع عن الديمقراطية والرئيس المنتخب» أجازوا له العصف بمَن حوله والاعتقال والتعذيب والقتل والتخوين.

قراءة المستقبل تقول إنه حتى لو استمر أردوغان فى مكانه فإنه سيحقق خسارة كبيرة، سواء داخلياً أو خارجياً، فخارجياً.. اتهم الشرق والغرب بمعاداته وتدبير الانقلاب للإطاحة به، وداخلياً.. ففى سبيل تحقيق حلمه أطاح بالآلاف، ليس من المعارضة فقط بل من كل الاتجاهات، ومن كل الفئات باعتقالاته العشوائية، فضلاً عن أنه خلق حالة من الغضب داخل الجيش ضده، بصور التعذيب والإهانة لجنود الجيش التركى عقب القبض عليهم وتعذيبهم من قِبَل أنصاره، وهو ما يعنى أنه لا يُستبعد أن تكون هناك تحركات أخرى ضده، سواء من داخل الجيش أو من بين القوى والأفراد الذين بطش بهم وبعائلاتهم، لكنه فى كافة الأحوال- والأمر الأكيد- لم يكن ولن يكون- أبداً- سلطاناً.

تصرف اضطراري صحيح وتعبير خاطئ

  بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ أعوام قليلة كان الموقف الاقتصادى المصرى الرسمى هو رفض أو تأجيل أو إعاقة التفاوض مع صندوق النقد الدولى، على الرغم من أن إمكانيات التفاوض فى تلك الفترة كانت أكثر صحة وصحية، حيث كان الوضع أكثر استقراراً.

وعلى الرغم من أن هناك وجهات نظر رأت أن تأجيل التفاوض مع صندوق النقد الدولى كان قراراً خاطئاً فى تلك الفترة، إلا أن مبررات سياسية واجتماعية كانت يمكن أن تكون مبرراً لمن رفض التفاوض فى تلك المرحلة، خاصة مع السمعة التى يحظى بها صندوق النقد الدولى فى الأوساط الدولية، من قبيل تلك المشاكل التى يسببها بشروطه القاسية التى يفرضها للقبول بالقرض، ولما لتلك الشروط من أثر على الأسعار وضغوط اقتصادية على محدودى الدخل، نتيجة عملية الإصلاح التى يقترحها البنك للقبول بالقرض، والتى تصل فى بعض الأحيان إلى حد الشرط الإلزامى الذى تضيق معه مساحات التفاوض.

المهم دارت الأيام، وأوصلنا وضعنا الاقتصادى وضغوط اللحظة- بغض النظر عن مناقشة الأسباب حالياً- إلى القبول باللجوء للتفاوض مع الصندوق، وهذا كما ذكرت فى البداية هو تصرف الضرورة، وهو التصرف الصحيح الوحيد فى هذه المرحلة، خاصة مع تراجع الدعم النقدى المباشر من الدول الصديقة.

وكان الخطأ هنا االذى قصدته هو ذلك الترويج والتهليل للجوء للتفاوض مع صندوق النقد الدولى، والتعامل مع هذا اللجوء باعتباره انتصاراً اقتصادياً.. إذن فالقرار صحيح والترويج للقرار خاطئ.

انخفض سعر الدولار فى السوق السوداء بعد اتخاذ هذا القرار، والإعلان عنه، وهنا أيضاً الخطأ الآخر فى التعامل مع هذه القضية تحديداً باعتبارها انتصاراً، عندما تحدثت بعض وسائل الإعلام عن انهيار «الأخضر» فى مواجهة الجنيه المصرى، وكان الانهيار المزعوم هو انخفاض عن أعلى سعر وصل إليه الدولار مقابل الجنيه، مع أن هذا السعر يرتفع عن السعر الرسمى للجنيه بنسبة تتجاوز 30 فى المائة.

المسألة ببساطة هى أن المطلوب هو الحديث بصراحة، والصراحة هنا تعنى أننا نمر بأزمة كبيرة ينبغى أن يعرفها الناس، وينبغى أن يعرفوا أبعادها وتأثيراتها والمدى الزمنى لها، ومع إعلام الناس بأبعادها يجب أن نشرح لهم كيف ستتعامل الدولة معها، والأسلوب المتبع فى الحل، والوسائل المستخدمة، والإمكانيات المتاحة بصراحة دون تطبيل أو تهليل. ويجب أن يخبر الناس بذلك خبراء متخصصون يعون حقيقة الموقف، وخبراء يتحدثون عن الحلول التى يجب أن يعرفها الناس، وأن يتم ذلك من خلال أساليب علمية فى التواصل مع الجماهير، وإيصال الرسالة، حتى يمكن أن تتحول هذه الأزمة من عائق محبط إلى دافع وطلقة عمل.

ملحوظة أخيرة فى هذا الإطار: ليس من المفهوم أن يقود عربة واحدة حصانان مختلفان متناقضان فى التوجه والتفكير، بل يكادان أن يكونا متخاصمين، وأنا هنا أقصد عربة الاقتصاد المصرى، أما الحصانان فلكم التخمين.