سعيكم مشكور

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

بعد حالة اللهاث التى عشناها لأكثر من عام نحتاج أن نتوقف للحظة، لننظر ماذا فعلنا لأنفسنا ولبلدنا، أو ماذا فعلنا فيه وبه؟ عندما خرج المصريون يوم الثامن والعشرين من يناير العام الماضى لم يختلف أحد على معظم الشعارات التى رفعت. وقتها لم يكن أحد، حتى أشد المتحمسين، يتوقع أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من نتائج، لكن ذلك التنوع المذهل من أطياف المصريين المشاركين فى هذه المظاهرات خلق توقعا بين عديد من المصريين بأن الأفضل هو القادم. اليوم، وبعد مرور هذه الأشهر الطويلة أطلب من الجميع أن يغلق عينيه للحظة ويفكر بهدوء ودون تحفز: أين نحن الآن؟ هل ما وصلنا إليه هو ما كان يحلم به أولئك الذين شاركوا أو تعاطفوا أو تفهموا مطالب المتظاهرين فى الأيام الأولى؟

اسمحوا لى بأن أضع إجابتى باختصار فى إطار المساحة المتاحة، عاشت مصر منذ ثورة ١٩٥٢ ما يمكن تسميته معادلة «ثنائية النظام الحاكم والجماعة الإسلامية المعارضة»، وهذه المعادلة فرضت نفسها منذ حسم جمال عبدالناصر الصراع السياسى وقتها، وانتصر لجناحه فى الضباط الأحرار، وأطاح بالإخوان فى الصراع الأشهر بين الجماعة والجيش فى ذلك الوقت، وبدأت الجماعة رحلة الحظر والمطاردة، ومنذ ذلك الحين ظلت القوتان الرئيسيتان فى معادلة الحياة السياسية المصرية هما النظام القائم على شرعية ثورة يوليو، الذى تمكن من حسم الصراع عام ١٩٥٤، والقوة الأخرى هى جماعة الإخوان المسلمين المنحلة منذ ذلك الوقت وما خرج من عباءتها من جماعات إسلامية معتدلة ومتطرفة، لكنها على الرغم من ذلك ظلت، رغم حظرها، هى القوة الرئيسية فى المعارضة سواء وقت التنظيم الواحد المتمثل فى الاتحاد القومى، ثم الاتحاد الاشتراكى، أو فى ظل التعدد الحزبى الذى بدأ عام ١٩٧٧.

بينما ظلت القوى المعارضة الأخرى، سواء داخل التنظيم الواحد أو التنظيمات السرية الأخرى أو أحزاب المعارضة فيما بعد، ضعيفة التأثير والتواجد، ولم يكتسب حزب معارض قوة إضافية إلا عندما تحالف مع الجماعة «المحظورة» فى ذلك الوقت، وحالة التحالف بين الجماعة وحزب العمل الاشتراكى أو حزب الوفد ماثلة فى الأذهان، وتمثيلهم فى برلمان ٢٠٠٥ يؤكد هذ المعنى، حيث شكلوا قوة المعارضة الرئيسية، بل الوحيدة المؤثرة. ظلت الجماعة تناور سياسياً، وتنتهز الفرص لتدعيم تواجدها، تحالفت مع الجميع مرحليا، وأقصد هنا «الجميع» بمعنى الكلمة، ومن يعد لتطور العلاقة بين الجماعة والنظام منذ تولى الرئيس السادات حتى ظهر الخامس والعشرين من يناير العام الماضى يمكن له أن يرصد هذا الأسلوب الذى أبدعت فيه الجماعة، كيف تبقى على قيد الحياة، وكيف تستفيد من كل المواقف وكل الحلفاء والأعداء. حتى عدم شرعية الجماعة قانونياً تم استغلالها كعنصر قوة وتعاطف، وهذا يفسر عدم رغبتهم طوال السنين الماضية فى اتخاذ خطوات لاستعادة الشرعية أو إيجاد شكل قانونى للجماعة، حيث إن هذه الشرعية سوف تخصم من رصيد التعاطف وتحجم من مساحة المناورة لها. أذكر أننى سبق أن صرحت أكثر من مرة بأنه ليست هناك مشكلة بين الإعلام والجماعة، لكن هناك مشكلة قانونية وشرعية بين الجماعة والنظام، أو العكس، وعلى الطرفين العمل لإيجاد حل لهذه المشكلة.

بعد هذا التقديم لشكل العلاقة تاريخيا نجيب عن السؤال: ماذا جنينا اليوم بعد حوالى عام ونصف العام؟ والإجابة: حصلنا على ذات المعادلة، لكن مع تبديل مواقع أطرافها، أصبحت الجماعة هى الحاكم، أما كل المصريين الآخرين وكل القوى التى حملت شعارات الثورة والثورية، وكل الشباب الذين شاركوا، وكل الليبراليين والمقيدين فى كشوف الليبراليين، الكل أصبح خارج المعادلة. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً وغاية فى الصراحة: ألا يمكن القول إن «الثورة» التى قامت لم تكن إلا «انقلابا» إخوانيا استغلت فيه الجماعة كل هؤلاء الذين أشرت إليهم ممن شارك منذ اللحظة الأولى؟ هل أكون متجاوزا الحقيقة إذا قلت إن لسان حال الجماعة يقول لكل هؤلاء: «لقد حققنا حلمنا الذى حلمنا به منذ عشرات السنين بفضلكم، ولم يبق لنا إلا أن نقول لكم: (سعيكم مشكور)»، هل جاوزت الحقيقة؟

الإعلانات

فزاعة البرلمان لمن يجرؤ

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
الاستراتيجية الواضحة الآن فى تعامل القوة السياسية الحاكمة هى استخدام جميع وسائل القوة المتاحة لديهم لترهيب أو إسكات من يجرؤ على الوقوف للمناقشة أو الاعتراض، أو وضع الأمور فى نصابها بشكل يتعارض مع مصلحة الحكام الجدد. ولم يعد هؤلاء الجدد يهتمون كثيرا بمظهرهم أمام الرأى العام، فقد أدى هؤلاء المكونون للرأى العام مهمتهم فى الانتخابات البرلمانية ومكنوهم من الإمساك بتلابيب الدولة والمجتمع بشكل لم يتخيله أحد ولن يتخلوا هم عنه. الجزء الآخر فى سيناريو التخويف والإشغال هو طرح قضايا وموضوعات خلافية تثير جدلا وفزعا بين كثيرين، ثم المسارعة بالتنصل من هذه القضايا فيما بعد عندما تكون قد حققت هدف الإشغال المطلوب عن خطوات أخرى هم فيها سائرون، وتفصيلا لما أقول أقدم بعض النماذج للتدليل على ما أقول.

جرؤ البعض على تهديد درة التاج المسماة بمنصب رئيس الجمهورية بالترشح، وهو ما يهدد حصولهم على هذا المنصب، فانتفضوا محذرين ومخوفين، ليس هذا فقط، بل مستخدمين أداتهم الرئيسية فى معاركهم والمسماة بالبرلمان ليصدروا قانونا فى ساعات، وهى قدرة تفوقوا فيها على سابقيهم الذين كان يطلق عليهم ترزية القوانين، فهم فى أدائهم هذا قدموا نموذجا صعبا تكراره، ويقف أمامه المتهمون فى العهد السابق منبهرين بالمستوى الجديد الذى لم يصلوا إليه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل نجحوا فى خداع العديدين من القوى السياسية المدنية الذين أعماهم العداء لكل ما هو مرتبط بالنظام القديم عن رؤية الخطر المقبل، فتحالفوا من أجل إجهاض أى محاولة للحفاظ على البقية الباقية من مدنية الدولة.

عندما جرؤت المحكمة الدستورية العليا على قبول دراسة القانون الذى أقره البرلمان، ليس هذا فقط، بل عندما تجاوزوا وبدا أن المحكمة الدستورية العليا بصدد الحكم فى دستورية البرلمان كان التلويح القوى بهدم معبد المحكمة الدستورية العليا على رأس من جرؤ على تهديد الإطاحة بالغنيمة الكبرى، فيتقدم أحد أعضاء حزب الجماعة بمشروع قانون بـ«تعديل أحكام القانون المنظم لعمل المحكمة الدستورية العليا»، وهى خطوة تضرب القضاء فى مقتل وتؤدى إلى عواقب وخيمة.

لم يكن القصد من مشروع القانون تمريره، ولكنه رسالة ترهيب للمحكمة الدستورية العليا بأنهم يملكون القدرة على جعل حياتهم أكثر صعوبة، وبعد أن أدت هذه الخطوة الغرض أعلن النائب الذى تقدم بالقانون سحبه حاليا، وعندما أسمع من يجادل بمفهوم الفصل بين السلطات وأن هذا السلوك يتناقض مع هذا المبدأ الراسخ لا أملك إلا أن أبتسم بمرارة.

أما قضايا الإشغال فحدث عنها ولا حرج، لكن أكثر ما استوقفنى هو تلك الهجمة على كل ما يمكن اعتباره مكتسبات للطفل والمرأة والأسرة خلال السنوات الماضية، ويحتمى القائمون بهذه الهجمة بأن هذه القوانين صدرت فى العهد الماضى الذى يجب التخلص من كل آثاره، وللأسف ينجحون فى ذلك أحيانا مع العديدين ممن كانوا أصحاب أصوات عالية فيما مضى فى الترويج لهذه الخطوات والقوانين، آخر هذه القضايا هى قضية ختان الإناث.

فقد أثار خبر تردد قافلة طبية فى المنيا تابعة لحزب الحرية والعدالة، تقوم بختان البنات هناك – ردود فعل غاضبة فى جميع الأوساط المعنية بحقوق المرأة، وكانت نائبة مثيرة للجدل قد طالبت من خلال مجلس الشعب بضرورة ختان الإناث لضمان الستر والعفة، وهذه ليست المرة الأولى التى تطالب فيها النائبة بمثل هذه المطالبات المثيرة للجدل.

فقد سبق لها أن طالبت بإلغاء قانون التحرش لأن المرأة هى المسؤولة بملابسها عن التحرش بها، ومرة أخرى طالبت بإلغاء قانون الخلع لأن المرأة ليس لها قوامة والقوامة للرجل، وأخيراً طالبت بختان البنات باعتبار أن الختان شرف وسترة للبنت.

وتقدم أحد النواب بمشروع قانون لتعديل نص المادة ٢٤٢ مكرر من قانون العقوبات، المضافة بالقانون ١٢٦ لسنة ٢٠٠٨ الخاصة بتجريم عمليات الختان، على وجه العموم، وخرج أحد المتحدثين باسم حزب النور، قائلاً إن مشروع قانون ختان الإناث الذى تقدم به أحد أعضاء الحزب يهدف إلى إلغاء كلمة تجريم الموجودة فى القانون الذى وضعه المجلس القومى للمرأة بالتعاون مع سوزان مبارك، زوجة الرئيس السابق.

لكنه أضاف أن حزبه سحب المشروع من لجنة الاقتراحات والشكاوى وقبل الدخول فى إجراءات مناقشته بسبب أن العضو قدمه إلى اللجنة قبل الرجوع لرئيس الهيئة البرلمانية للحزب مؤكدا أن هناك أدلة على ذلك تثبت جواز الختان للإناث، أيضاً هناك فتوى من مجمع البحوث الإسلامية والمستقر عليه من السنة النبوية على جواز الفعل، وأن ما يتم من ختان الإناث فى أرياف مصر ليس فيه إساءة أبداً للمرأة وليس من قبيل التعدى على أنوثتها، فلا داعى للمزايدة على الفعل وتجريمه.

إن ما يحدث له وجهان، الأول إلهاء للشعب عن قضايا رئيسية، وأسأل هنا ما أخبار اللجنة التأسيسية للدستور؟ والوجه الآخر هو الكشف عن الرؤية الحقيقية للتيار الحاكم فى أمور الفرد والأسرة والمجتمع.

لا أستثنى منكم أحداً

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عنوان هذا المقال هو آخر مقطع لقصيدة «القدس» للشاعر العراقى مظفر النواب، كان يقولها مشيرا بأصبع الاتهام إلى الجميع، حكاماً ومحكومين، عما آلت إليه «القدس»، منذ فترة ليست بالقليلة يطاردنى هذا المقطع عندما أنظر لما آلت إليه الأحوال فى بلدنا، وعما يواجه بر مصر من أزمات يتسبب فيها بشكل أساسى بعض من أبنائها، بل الأدق كثير من أبنائها، من مختلف التيارات والاتجاهات ومواقع المسؤولية المختلفة: سياسية، إعلامية، ثقافية، دينية، أو عسكرية.

دعونا نتفق فى البداية على أن الأحوال فى مصر قد وصلت إلى حالة من حالات السيناريوهات المفتوحة، كل الاحتمالات واردة ابتداءً من إتمام العملية الانتخابية، انتهاء باحتمالات الانقلاب العسكرى، مروراً باحتمالات النهايات السعيدة «لتيار الإسلام السياسى بالطبع» أو احتمالات الصدام التى لا يدرك حدودها أحد. ويتزامن مع هذه الحالة وضع اقتصادى يزداد تدهوراً بمعدلات ينافس فيها حالة التدهور السياسى التى يعانيها الوطن.

لماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟ هذا هو السؤال الذى يطاردنا. البعض من القوى السياسية الفاعلة على الساحة تسارع بتوجيه أصبع الاتهام إلى الآخرين، دون أن يدروا أنهم بينما يوجهون أصبعاً واحداً نحو الآخرين، فإن هناك ثلاثة أصابع تشير إليهم. لكن الواقع وقراءة ما حدث ويحدث حتى الآن يجيب عن السؤال ببساطة، وهى الإجابة التى اخترتها عنوانا للمقال: «لا أستثنى منكم أحداً».

نعم الكل مسؤول، لم تمتلك أى قوة سياسية أو فاعلة رؤية واضحة منذ البداية، وهنا أتحدث عن الشباب الذين رفضوا التفكير المنطقى لتنظيم صفوفهم وخلق جسد سياسى جديد يكونون من خلاله رقماً سياسياً موجوداً ومؤثراً فى ميزان القوى السياسية، وبدلا من ذلك تسابقوا فى تشكيل الكيانات الهشة التى تجاوزت الثلاثمائة حركة وائتلاف، تسابق بعضها فى الظهور الإعلامى، إرضاء للذات والأهل والأصدقاء، وهكذا أضاعوا على أنفسهم وعلى الوطن فرصة لست أدرى إن كان تكرارها وارداً على الإطلاق فى ظل اختلال المعادلة الظاهر، وإن كان توقعى ليس فى خانة التفاؤل. القوة الأخرى هى تيارات الإسلام السياسى، التى مارست كل أنواع الالتفاف السياسى، فتحالفت وقت احتاجت التحالف، وخاصمت وقت الكسب من الخصام، ويسألنى سائل هنا: أين أخطأوا إذن؟ فأجيب: لأنهم وضعوا هدفهم الرئيسى هو تحقيق مصلحة وهدف الجماعة دون الاعتبار لمصلحة الدولة المصرية، التى أعلوا عليها مفهوم الدولة الدينية بمفهومها العابر للحدود.

القوة الثالثة هى القوى الحزبية التقليدية، التى عانت من الحصار لسنوات طويلة فى وقت ما من عمر النظام السابق، وهى معاناة لم تمكنها من التخلص من أمراضها بعدما خف عنها الحصار، سواء فى فترات من عمر النظام السابق أو فى ظل النظام الحالى، فاستعانت على هذا الهزال بأسهل الطرق، وأسهلها هنا هو البحث عن المكسب السريع المضمون بتحالفات انتهازية صغيرة هنا وهناك، لتحقيق ما يعتقده البعض من قادتها من أمجاد شخصية، هى فى حقيقتها ليست أكثر من تيجان من ورق لا قيمة لها.

انقلب بعض هذه القوى مع الثابت من عقيدتها السياسية، فتحالفت مع أى من الأطراف التى تحقق مصلحتها الضيقة، ولم تحاول أن تقف برؤية للمستقبل، ولم تحارب هذه القوى من أجل الوطن، كل الوطن. أما الإخوة الليبراليون، أو من أطلق عليهم المسجلون فى كشوف الليبراليين، فلم يختلفوا كثيرا عن القوى الأخرى، ورأينا ليبراليين متأسلمين ومتعسكرين ومتمركسين ومن كل الألوان، وتخلى هؤلاء، المفترض أنهم يمثلون النخبة القائدة للمجتمع، عن أداء دورهم المنتظر منهم. وأصل إلى المجلس العسكرى، الذى مارس بامتياز إضاعة الفرص الواحدة تلو الأخرى، وتبنى مفهوما غريباً منذ اللحظة الأولى، أنه جاء ليدير لا ليحكم، وكان هذا الموقف سبباً فى تلك الإدارة التى واجهت اتهامات بأنها إدارة بأيدٍ مرتعشة وغير حاسمة.

أيضاً استسلم المجلس لتلك الحالة من المقاطعة التى فرضتها عليه القوى الليبرالية، أو المسجلون على قوائمها، والأقباط والشباب بمختلف اتجاهاتهم عندما اعتبروا أن التعاون مع المجلس العسكرى يتناقض مع السلوك الثورى، ولم يدرك هؤلاء أن القوة الوحيدة التى كانت قادرة على ضمان الحد الأدنى من مدنية الدولة هى القوات المسلحة، ولكن هذا تاه وسط الصخب الكبير الذى مارسته بعض هذه القوى وشارك فيه باقتدار العديد من الزملاء الإعلاميين، الذين لم يكن همهم سوى الانتشار السريع، أو ما اعتبروه عمليات تطهر، وهذا الطريق لا يمر إلا من خلال طريق معاداة المجلس العسكرى.

المهم أن المجلس الذى كان ينبغى أن يحكم ويدير بقدرة وثبات أكبر استسلم لهذا الواقع، ولم يجد أمامه سوى التيار الإسلامى السياسى، فتعاون معه منفرداً فى بعض الأحيان مما أثار الشك فى وجود تحالف غير معلن. وأظن أن الخطأ الكبير الذى وقع فيه المجلس، هو أنه ظن أنه قادر على التعامل مع هذه القوى دون أن يدرك أنه لا يمتلك من الخبث السياسى ما لدى هؤلاء، وأظنهم لم يقبلوا أن يصدقوا فى مرحلة ما أن اقتراب وتعاون هذه التيارات معه لا يحكمها سوى مصلحتها فقط، وأنه فى اللحظة التى تتحقق فيها المصلحة سوف ينقلبون عليها، لم يريدوا أن يصدقوا ذلك، ولكن أظن أنه اقتنعوا الآن، ولكن الوقت تأخر كثيراً. كان المتصور ألا يستسلم المجلس لهذا الواقع الذى فرضه العديد من القوى السياسية وألا يختار الطريق الأسهل.

ثلاث قصص عن الإخوان

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

هذا المقال يحكى ثلاث قصص عن جماعة الإخوان المسلمين، واحدة قديمة تعود لمنتصف العقد الماضى، وقصتين تعودان إلى الأسبوع الماضى الذى سبقه.

القصة الأولى وقعت فى منيل الروضة، أحد الشوارع المعروفة فى هذا الحى شارع الملك الصالح، هذا الشارع يطل على حى مصر القديمة عبر النيل على الطرف الآخر، وفى إحدى عماراته التى تحمل رقم ٢٠، وفى دورها الأول يقع مقر جماعة الإخوان المسلمين السابق، حيث يخلع الداخلون إليه أحذيتهم على بابه قبل الدخول إليه.

داخل هذا المقر، الذى دخلته شخصياً عدة مرات خالعاً الحذاء قبل الدخول، التقيت عدة مرات بأكثر من مرشد للإخوان لإجراء لقاءات صحفية أو للنقاش حول قضايا مختلفة، وأستطيع الادعاء بأنه ربطتنى، ومازالت – رغم الاختلاف – علاقات ود واحترام بالعديد من قيادات وأعضاء الجماعة، ومازلت أذكر بكل التقدير الأستاذ عمر التلمسانى الذى عرفته والتقيته أكثر من مرة فى مقر مجلة «الدعوة» بشارع التوفيقية بوسط القاهرة فى بداية حياتى الصحفية، وكان رجلاً فاضلاً رحمه الله.

المقر البسيط لجماعة الإخوان على نيل منيل الروضة كان قد تحول منتصف العقد الماضى إلى قبلة تتوجه إليها معظم القوى السياسية تطلب الدعم والبركة من الجماعة ومرشدها، تساوى فى ذلك الساعى لمقعد نيابى أو موقع نقابى أو مرشح رئاسى، جميعهم ذهبوا إلى شقة المنيل خالعين الأحذية، مصلين خلف المرشد، ولا يهم وقتها إن كان الباحث عن الدعم على وضوء أم لا، المهم دعم الجماعة التى هى بالفعل رقم مهم فى المعادلة السياسية المصرية، وإن كان – فى ظنى – رقماً مبالغاً فى قوته وتأثيره.

وضع جماعة الإخوان المسلمين ظل منذ ذلك الوقت فى حاجة ملحة إلى فتح حوار صريح وموضوعى حوله، فالجماعة تحظى باعتراف يكاد يكون معلناً من قبل أجزاء عديدة من الدولة وأجهزتها، بل قيادات من حزبها الحاكم، والجماعة التى يحاول بعض القوى السياسية التشكيك فى تأثيرها تسعى هذه القوى لكسب ودها، وتخلع الأحذية فى شقة المنيل حتى لو لم تتناول «الشاى أو الحاجة الساقعة»، والجماعة التى بدأت جماعة دعوية ينظر إليها قادتها باعتبارها «القوة السياسية والاجتماعية الأهم فى مصر».

الأكيد أن جماعة الإخوان هى رقم مهم – كما ذكرت – ولكن يبدو أيضا أنه رقم فعال فى تأثيره، وقد تكون الكتلة التصويتية للإخوان، التى تبلور بعض من ملامحها فى انتخابات الرئاسة السابقة، توضيحاً لحقيقة قوة الجماعة وحضورها فى الشارع.

ولكن فى المقابل أظن أيضاً أن قوة الجماعة، التى تبدو أكبر من حجمها، يعود السبب فيها إلى الضعف والوهن الذى تعانيه القوى السياسية الأخرى، وكذلك لغة الخطاب غير الشعبية أحياناً التى يتبناها بعض هذه القوى بما فيها الحزب الحاكم، هذا الغياب عن الشارع وهذه الفجوة فى الخطاب هما اللذان يعطيان للجماعة قوة أكبر من حجمها الحقيقى، وأظن أن الوضع الطبيعى الآن أن يفتح الحوار، حوار حقيقى حول وضع الجماعة، وأن تخطو الجماعة خطوات واضحة لا لبس فيها للعمل فى ظل القوانين المنظمة للمجتمع وللعمل السياسى فى هذا المجتمع متعدد الثقافات.

القصة الثانية، وقعت فى أوغندا أثناء زيارة وفد برلمانى إلى أوغندا، عندما رفض بعض النواب الوقوف لتحية السلام الجمهورى الأوغندى، بحجة أن هذا الأمر بدعة، وهو ما أثار غضباً من دولة أفريقية مهمة لمصر فى ملف حوض النيل.

القصة الثالثة، كانت فى مطار القاهرة، حيث اعتدى سائق الدكتور سعد الكتاتنى، رئيس مجلس الشعب، واثنان من زملائه، على عاملين بمطار القاهرة، بعد مطالبة العاملين ببوابات المطار السائقين بدفع الرسوم المستحقة على السيارات التى يستقلونها، عقب توصيلهم «الكتاتنى» والوفد المرافق له، للتوجه إلى زيارة رسمية إلى «عنتيبى»، وهو ما دفع قائد السيارة إلى كسر ذراع البوابة ليتمكن من المرور، وتحرر محضر بالواقعة.

ما الذى تغير؟.. انتقل الإخوان من الملك الصالح إلى المقطم.

ما بعد الانسحاب

بقلم عبداللطيف المناوى

لجنة صياغة الدستور

ما شهدته مصر من جدل خلال الفترة الأخيرة حول ما سُمى «لجنة صياغة الدستور» ينبغى ألا يتوقف عند هذا الحد: مجرد الانسحاب ومحاولة إعاقة تشكيل اللجنة، ولكن أظن أن ما حدث هو فرصة مهمة لتصحيح الأوضاع للقوى السياسية الأساسية الحاضرة فى المشهد حالياً، وأيضا فرصة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل الحفاظ على ما تبقى من ملامح الدولة المدنية فى المستقبل.

أولى القوى التى ينبغى أن تراجع موقفها وتصحح أسلوب تعاملها مع الأمور هى جماعة الإخوان المسلمين ومن معها من القوى الدينية التى قررت أن تمارس السياسة فسيطرت على البرلمان فى ظرف تاريخى من الصعب أن يتكرر مرتين. أول ما ينبغى على الجماعة إدراكه فى هذه المرحلة أنهم ينبغى أن يتخلوا عن مفهوم الغنائم فى ممارستهم للسياسة، فالأمر لم يكن معركة أو غزوة، حدث أنهم أصبحوا الأغلبية فهذا يقتضى منهم التركيز على تحقيق أهداف من أعطوهم أصواتهم لأنهم كانوا الوحيدين المنظمين فى الساحة، وذلك بدلاً من الانشغال فى أمور ومعارك كلامية تدفع الآخرين للشك فى قدرتهم على تحمل المسؤولية والاختفاء خلف هذه الممارسات عالية الصوت خالية الأثر. الأمر الآخر هو التأكيد على مفهوم الشراكة فى الوطن، فالانتخابات البرلمانية لم تكن مزاداً لبيع الوطن ورسا المزاد على الإسلاميين فامتلكوا هذا الوطن، وعلى الخاسرين إخلاء العين محل المزاد.

انتصار تيار لا يجيز له الحق فى الانفراد بشؤون الوطن، وما حدث فى تشكيل لجنة كتابة وثيقة امتلاك مصر المسماة «الدستور» هو دليل على أن هذه العقلية هى المسيطرة على أسلوبهم فى الإدارة، حتى لو حاولوا الالتفاف على الأمور بالتصريح بأنهم فقط يشكلون ٣٠ فى المائة من اللجنة بينما الباقون أتوا بصفاتهم، وصادف أنهم ينتمون إلى الجماعة فوصل العدد إلى أكثر من ٧٠ فى المائة!! وتصريح آخر من أحد قيادات السلفية يؤكد فيه أنهم تنازلوا عن جزء من حصتهم (لاحظ تعبير الحصة من الغنيمة) من أجل أن يعطوا فرصة لبقية التيارات لتشارك فى اللجنة!! (علامات تعجب مرة أخرى)، أسلوب الاستحواذ والامتلاك يجب ألا يكون له مكان، والوطن ليس غنيمة معركة أو غزوة يفوز بها من انتصر ويترك الفتات للآخرين. الأمر الآخر، إحدى أهم خطايا النظام السابق التى عجلت بسقوطه، هو أسلوب الاستحواذ.

القوى الأخرى من الليبراليين والمسجلين على قوائم الليبراليين أظنهم اكتشفوا أن العمل المنسق الفاعل هو الذى يؤثر، وأن عمليات الإقصاء المتبادلة بينهم لن تجدى، وأظن أن عليهم أن يكتشفوا أيضاً أن العمل السياسى يعنى فن الممكن وأسلوب التعاون مع كل القوى التى يمكن أن تسهم فى تنفيذ الهدف، وأن النضال التليفزيونى وحده لا يكفى، بل إن هناك إجراءات على الأرض، وتنسيقاً مع كل من يتفق على حد أدنى من الأهداف الوطنية، هذا هو الطريق من أجل الحفاظ على ما تبقى من مدنية الدولة.

أما القوات المسلحة، الممثلة فى المجلس العسكرى، فهذه هى الفرصة لتأكيد ما سبق أن ادعاه دائماً من أنه يقف على مسافة متساوية من الأحزاب والقوى السياسية، وظل هذا الادعاء محل شكوك لها ما يبررها، وكثر الحديث عن صفقة بين المجلس والجماعة، وخرج العديد من المؤشرات التى تؤكد هذا على الرغم من التأكيد المستمر على عكس ذلك، هذه الحالة ساهمت فى خلق تلك الأجواء من عدم الثقة بين المجلس وبقية القوى الأخرى، التى مارست هى أيضاً أسلوباً إقصائياً نحو الجيش، مما ساهم فى ترسيخ الصورة السابقة.

أظن أن هذه فرصة سانحة ينبغى استغلالها للتأكيد على ما يكرره المجلس العسكرى دائماً من وقوفه على مسافة متساوية من الجميع، ولعل اللقاء الذى تم مقدمة للتأكيد على هذا المفهوم، ولعل هذه الحالة كلها فرصة لاستعادة صورته الحقيقية التى كانت محل شك من أطراف عدة مؤخراً، وأيضا فرصة للقوى السياسية الأخرى لإعادة حساباتها فى علاقاتها المختلفة.

لجنة صياغة «وثيقة امتلاك مصر» المسماة الدستور

لجنة صياغة الدستور

بقلم عبداللطيف المناوى
ليس هكذا يتقرر مصير الأمم، ما حدث خلال الساعات الأخيرة من عملية اختيار اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور كان تتويجاً لمشروع استكمال خطف الوطن فى اتجاه بعينه، والخطأ الأساسى بدأ عندما تم إقرار صيغة اختيار اللجنة بالمناصفة بين أعضاء البرلمان بمجلسيه، واختيار النصف الآخر من خارج المجلسين بموافقة أعضائه. وأنا هنا أتفق مع الوصف الذى استخدم فى وصف هذا التشكيل بأنه مصاب بالعوار، وهو الأمر الذى يطعن فيه. لكن بغض النظر عن الطعن فى هذا التشكيل قانونياً أو دستورياً، فإن الطعن هنا أساساً يكمن فى أن هذه الطريقة تبتعد كثيرا عن مصلحة الوطن، فالدستور ليس صياغة لرؤية أى قوة سياسية حاكمة فى وقت صياغته، وليس وثيقة انتصار سياسى يتم إملاؤها من «المنتصرين» سياسياً على «المهزومين» سياسياً أو انتخابياً، لكنها وثيقة أمة ينبغى أن تعبر عن الأمة بكل أطيافها.

بالنظر السريع إلى الأسماء التى «احتلت» مواقعها فى لجنة صياغة «وثيقة امتلاك مصر» المسماة الدستور نكتشف أن القوة السياسية المنتصرة تشكل حوالى سبعين فى المائة من أعضائها المائة، من بينهم، حسب ما هو متاح لدىّ من معلومات وقت كتابة هذا المقال، ست سيدات، أى ستة فى المائة، وستة أسماء من المسيحيين من بينهم عضو قيادى فى حزب الإخوان المسلمين. أما من المثقفين فلم ينجح أحد ممن قدمهم اتحاد الكتاب الذى كان يتفاءل خيراً فيما يبدو، فاقترح أسماء مثل جمال الغيطانى وبهاء طاهر، ولست أدرى هل كان ذلك تفاؤلاً أم اختباراً لجدية ما يحدث.

فى ساعات قليلة اجتمع ممثلو قوى الإسلام السياسى الحاكمة ومعها بقية الممثلين لبعض القوى السياسية التى تمكنت من التقاط بعض من بقايا البرلمان ليختاروا مائة من بين ألفين وثمانمائة اسم عجّت بهم الكشوف الموزعة على أعضاء البرلمان، وصاحب هذه الكشوف «قائمة دوارة» من قيادة حزب الأغلبية بالأسماء التى على أعضائه أن يختارهم، وكانت النتيجة، كما أشرت من قبل، سبعين فى المائة من تيار الإسلام السياسى، إضافة إلى بعض الأسماء من الليبراليين أو من المسجلين فى كشوف الليبراليين، وذلك فى إجراء لذر الرماد فى العيون، أو على طريقة المحلل لتمرير الوثيقة، وهى اللعبة والدور الذى برعت فيه بعض الأسماء منذ عقود حتى الآن.

ما يحدث فى مصر الآن هو عملية متكاملة لإحكام السيطرة على هذا الوطن ووضعه فى إطار محدد هو بالتأكيد بعيد عن مفهوم وحلم الدولة المدنية الحقة، دولة القانون والمواطنة. وهذا غير بعيد عن كل تلك الظواهر التى نراها من حولنا ولا ندركها، أو ندركها لكن ندعى عدم إدراكها من محاولات السيطرة على مستويات الإدارة الوسطى والعليا فى أجهزة الدولة ومؤسساتها «كل مؤسساتها». كل هذا يحدث ويقف الليبراليون والمسجلون فى قوائم الليبراليين ليتنافسوا فى الظهور الإعلامى والهجوم الإقصائى والتخوينى، ويقف من يدير دون أن يحكم تاركاً الأمور لترسو حيثما اتفق وأينما يدفع التيار، وكلا الموقفين سيحاسبهم التاريخ عليه كما سيحاسب من سيشاركون فى صياغة «وثيقة امتلاك مصر» الجديدة المسماة الدستور إذا ما خرجت كما تشير الشواهد حتى الآن.

«لجنة الأشقياء» التى وضعت دستور ١٩٢٣ وقاطعها حزب الوفد والحزب الوطنى فى ذلك الوقت باعتبارها لجنة حكومية، عاد سعد زغلول ووافق على الدستور الذى أعدته هذه اللجنة التى سبق أن وصفها بهذا الوصف، وذلك لأنها جاءت تضم مجموعة من المفكرين وذوى الرأى ورجال القانون والعلماء ورجال الدين والسياسيين المعتدلين والأعيان والتجار ورجال المال، وكانت اللجنة تمثل كل أطياف المجتمع: الساسة ورجال الدين من المسلمين ومن المسيحيين، وأيضا من اليهود، إذ كانت فى مصر جالية يهودية كبيرة، فخرج دستور وافق عليه من اعترض على اللجنة فى البداية. إذن الأساس فى تشكيل لجنة لصياغة الدستور أن تكون معبرة بحق عن كل أطياف الأمة، وهو الأمر الذى أراه غائبا عما تم تمريره فى اللجنة سالفة الذكر.

ليسمح لى د. محمد نور فرحات باستخدام جزء مما صرح به مؤخرا عندما قال إن الدستور تمت صياغته بالفعل داخل أروقة حزبى الأغلبية ليتحول إلى وثيقة حزبية تضعها أغلبية برلمانية، ويضيف: «إن المادة الأولى الذى ستوضع فى الدستور الجديد ستكون: (مصر دولة نظامها ديمقراطى ذات مرجعية دستورية)»، مضيفاً: «ليس هناك اعتراض على المرجعية الدستورية بشرط أن تُحدد، هل جماعة العلماء التى ستشكل لبحث القرارات السياسية والإدارية لضمان عدم مخالفتها الشريعة الإسلامية مثل مجلس أوصياء الدولة الموجود بإيران ونرجع إلى ولاية الفقيه؟».

أظن هذا كلاماً مهماً يجوز أن نتبعه بسؤال: هل هناك عجلة فى صياغة الدستور حالاً أم أن الأفضل التأنى؟

أقباط ما بعد البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى أن يصاب بنقص المناعة، هذا النقص يصيب أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى، لأن هذا النقص يعرض المجتمع للعديد من الأمراض، ويصاب المجتمع بفقدان المناعة إذا تفتّتت أوصاله إلى جزر متباعدة، متصارعة أحياناً، بحيث تحكم المصلحة الذاتية قصيرة النظر توجهات أفراده وجماعاته، وعندما يمس التطرف أفراد المجتمع من جماعاته والدولة، أو جزءا من كل من هذه الأطراف، فهذا هو الطريق لفقدان المجتمع عناصر المناعة الاجتماعية والسياسية.

أقول هذا الكلام بمناسبة رحيل البابا الذى حاول طوال فترة وجوده على كرسى الكنيسة أن يظل صمام أمان للوحدة الوطنية، وأن يقرب بين الجزر المتباعدة، التى تحاول جماعات وأطراف مختلفة إبعادها عن بعضها البعض.

ولا يمكن هنا نكران أن المجتمع المصرى عانى خلال السنوات الأخيرة، فى الحقبة الأخيرة تحديدا، من نقص مناعته لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، ولعل أبرز هذه الأسباب اختفاء المشروع القومى الذى يجمع كل المواطنين حوله، والتغيرات، أو الانقلابات السياسية المتتابعة والمفاجئة والأزمة الاقتصادية، كما تراجعت عناصر قوية فى بنية المجتمع، كل المجتمع، ومس التطرف، بمفهومه العام، كل الأطراف: «الفرد والجماعة والدولة» كل فى موقعه.

أظهرت الأزمات المتتابعة حالة الاحتقان المستتر تحت هدوء ظاهر بدا أنه غير حقيقى، وكشفت أيضاً عن أساليب لإدارة الأزمات، سواء من الدولة أو من الكنيسة، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية من كل الأطراف، حسمت بشكل قاطع أن وجود احتقان لن يجد طريقه للزوال بمجرد صور فوتوغرافية ومشاهد تليفزيونية تجمع أصحاب العمامات السوداء والبيضاء مبتسمين ابتسامات لا تحمل من المعانى الكثير.

حتى نكون أكثر وضوحاً وتحديداً، فإن هذا الحادث أثبت بشكل قطعى أن ملف الأديان فى المجتمع بشكل عام ومشكلاته بشكل خاص لا ينبغى أن يكون ملفاً أمنياً خالصاً، بل ينبغى أن يكون ملفاً سياسياً ومجتمعياً، ويظل الجانب الأمنى فيه هو المنوط بالأمن.

فى هذا الملف، تحديداً الملف القبطى، فإن النقاش العام الواضح حول ما يراه الأقباط أو معظمهم من وجود ظلم واقع عليهم وهدر لحقوقهم، لو أن نقاشاً بهذا الشكل كان قد بدأ منذ وقت طويل من خلال القنوات المختلفة الإعلامية والسياسية والمجتمعية لما كنا قد وصلنا إلى هذه الحالة.

هذا النقاش العام يكشف حقيقة وحدود هذا الوضع الظالم الذى يعتقده الأقباط، ويكشف أيضاً: هل هذا الإحساس المطروح قبطياً إحساس مبنى على واقع أم أنه إحساس متضخم وأن الواقع مغاير لما يشعرون ويروج له بعضهم؟ هناك حديث عن قانون «همايونى» يحكم بناء الكنائس، ماذا عن واقع الكنائس فى مصر؟ هناك حديث عن تغييب حضورهم فى المناصب العامة وعن الحياة السياسية. ماذا عن الحقيقة، وماذا عن أزمة المشاركة السياسية؟ أظن أن هذا النقاش العام الحقيقى يمكن أن يكشف بوضوح: هل ما يعانى منه الأقباط أو يشعرون به حقيقى، أم أنه مبالغ فيه، أم أنه حالة يعانى منها الجميع، مسلمين ومسيحيين، وأنه يعبر عن أزمة مجتمع وليس أزمة جزء منه.

سلوك بعض من أبناء الشعب المصرى، مسلمين وأقباطاً، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية. إرساء قواعد الدولة المدنية وإقناع أبناء الشعب المصرى بها هو أحد المخارج الرئيسية لما نحن فيه، استعادة الدولة دورها المفقود، ليس الدور الأمنى بالطبع، لكن الدور الذى تتحول فيه الدولة إلى دولة للجميع، مسلمين وأقباطا، واستعادة هذا الدور مسألة ملحة، لأن تضخم دور التيار الدينى فى المجتمع هو تعبير عن غياب أو تخلى الدولة بمفهومها المدنى عن القيام بدورها المفترض فى المجتمع.

ربما يكون رحيل البابا مناسبة مهمة لفتح هذا الملف ودق ناقوس الخطر، قبل اختيار الرئيس، وقبل اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور.

البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أرسل لى ابنى رسالة ليعزينى فى وفاة البابا شنودة قائلاً: أعلم أنه كان صديقك، واتصلت بى شقيقتى أيضا لتعزينى بمجرد أن سمعت الخبر. هذا الاتصال وهذه الرسالة كانا من بين العديد من أصدقاء وزملاء عرفوا علاقتى وتقديرى للبابا شنودة، واعتبروا أن وفاته هى مصاب شخصى بالنسبة لى، وهذا صحيح، كما أنه مصاب وطنى. الوفاة كانت متوقعة منذ فترة مع تدهور حالته الصحية، لكن هذا التوقع لم يكن أبدا سببا فى تخفيف حدة الإحساس بالفقد.

فى حياة الأمم شخصيات هى علامات بارزة فى تاريخها، وهكذا كان البابا شنودة، عرفته منذ بداية عملى الصحفى، وكان ملف المصريين الأقباط أحد الملفات التى أعرتها قدرا كبيرا من الاهتمام منذ اللحظة الأولى، وكان أول كتاب لى فى مطلع التسعينيات عن هذا الموضوع، وكان اسمه: «الأقباط، الكنيسة أم الوطن؟» وتناولت فى هذا الكتاب الموضوع بتفاصيله، كما كان من أوائل الكتب التى تناولت الكنيسة المصرية فى مرحلة تطورها المهم الذى بدأت مؤشراته مع نهاية الأربعينيات بدخول الرهبان المتعلمين الكنيسة، وبدأت ثماره فى الوضوح مع تولى نظير جيد الذى أصبح اسمه الأنبا شنودة مقاليد هذه الكنيسة عام ١٩٧١، كابن لهذا الجيل الجديد الذى أراد للكنيسة مساراً ودوراً آخرين.

أثناء كتابتى لهذا الكتاب حانت لى الفرصة لألتقى البابا شنودة مرات عديدة فى الكاتدرائية، وأقمت معه فى دير وادى النطرون عدة أيام سجلت فيها قصته ورؤيته من زاويته، وتناولت طبيعة العلاقة بينه وبين السادات، وكذلك التطور الذى شهدته الكنيسة المصرية من حالة الاهتمام المطلق بالجانب الدينى إلى قيامها بأدوار أخرى كانت سبباً فى جدل كبير طوال العقود الماضية، هذا الجدل والاختلاف فى الرؤى امتد ليشمل جميع أطياف المصريين بمن فيهم جزء من الأقباط الذين تحفظوا على هذا الدور المتنامى للكنيسة فى الحياة العامة على حساب ما اعتبروه النخبة القبطية من غير رجال الدين، أو من اصطلح البعض على تسميتهم بالعلمانيين الأقباط.

لم ينقطع اتصالى بالبابا شنودة منذ نهاية الثمانينيات، حتى عندما كنت مقيما فى لندن فى التسعينيات كانت زيارته فرصة دائمة لى لألتقيه وأطمئن عليه، وكان آخر لقاء لى معه منذ عام بالضبط، كان عائداً لتوه من العلاج والتقيته ومعه عدد محدود من مساعديه لمدة ساعتين، وأحسست بالقلق الكبير الذى ينتابه، بل ينتاب كل من حوله، لكنه مع كل هذا القلق لم يتراجع قط عن تفاؤله بهذا الوطن الذى كان يكرر دائما بأنه وطن يعيش فينا، وكان مؤمنا بأن الله لن يترك هذا البلد للأخطار، بل سيحميه دوما. أما اتصالى الأخير به فكان منذ حوالى الشهرين، وكان فى أمريكا يتلقى العلاج، ورغم الصوت الواهن إلا أننى استطعت أن ألمس فيه تلك النبرة المتفائلة السمحة المبتسمة.

لن يكون هناك إجماع على شخص، وأعلم وأرى وأتوقع أن العديد سوف يقف منتقدا البابا شنودة ومهاجما للأسف فى هذه اللحظات، لكننى أستغل هذا الموقف لأقول إن الاختلاف مع رؤية البابا شنودة فى بعض القضايا، والتى كنت أنا أختلف معه فى بعضها، لا ينتقص إطلاقا من وطنية هذا الرجل، لقد أحب الوطن بقناعته، وخدم الوطن كما اعتقد أنه الطريق الصحيح، وأظن أن هذا يكفى لكى نقدره ونفتقده. شهادة أشهدها بأنه لم يكن عنيدا عندما يرى طريقا لحماية الوطن. لم يكن ليتأخر فى اتخاذ القرار حتى لو كان سيعرضه للهجوم من بعض ممن حوله، وهنا أستحضر جريمة تفجير القديسين، وقبلها الأزمة التى سببتها تصريحات الأنبا بيشوى، وقتها – وكنت أنا عاملا مشتركا فى الأزمتين – لم يتردد فى اتخاذ الخطوة الصحيحة لتأمين الوطن حتى إن عارضه الأقربون.

رجال كالبابا شنودة لا نملك إلا أن نقدرهم ونحترمهم ونكبر فيهم وطنيتهم، عندما يكونون على قيد الحياة نختلف ونتفق معهم، ندعم رؤيتهم عندما نتفق معها، ونعترض عليها بل نعرقلها إذا لم نتفق معها، لكن هذا الخلاف يظل دائما تحت مظلة الوطن الواحد، وهو اختلاف فى الاجتهاد من أجل ما يعتقد كل طرف أنه الطريق الأصح. وعندما يغيب مثل هؤلاء الرجال، فإن كل الاختلافات تتراجع ويتصدر المشهد كل التقدير والاحترام لرجل أحب وطنه وناسه بالأسلوب الذى آمن أنه الصحيح حتى لو اختلفنا مع بعض تفاصيله. لذلك أقول إن خسارتنا جميعا كمصريين كبيرة لغياب أحد أكثر عشاق الوطن. رحمه الله ووفق من بيدهم الاختيار الأولى لاختيار ثلاثة يمثلون امتدادا للتعايش والتسامح الذى يميز المسيحية ليكون أحدهم بمشيئة الله البابا القادم.

متى يعود أيمن الظواهرى؟

بقلم عبداللطيف المناوى
أيمن الظواهريعلاقتى بالتيار الإسلامى السياسى وبأعضاء الجماعات الإسلامية، خاصة الجماعة الإسلامية هى علاقة قديمة ومعروفة، وبعضها تطور من مستوى علاقات العمل إلى علاقة صداقة شخصية، رغم الاختلاف فى التوجه السياسى. وكنت حاضرا وشاهدا على مبادرة وقف العنف، التى قامت بها الجماعة الإسلامية وجزء من تنظيم الجهاد، وكنت أيضا من الداعمين لفكرة حق أبناء الوطن فى أن يعودوا إلى نسيجه العام حتى لو أخطأوا فيما مضى، على أن يمتلك المجتمع الحق فى التأكد من ألا يعودوا إلى سابق ممارستهم ضد المجتمع.

هذه كانت مقدمة لابد منها، قبل أن أطرح سؤالا من أحد الأصدقاء، ورغم أنه بدا كأنه سؤال ساخر فإنه يحمل الكثير من المعانى وعلامات الاستفهام والقلق والسؤال هو: «متى يعود أيمن الظواهرى؟»، ومبعث السؤال هو ما شهدته مصر بعد ٢٥ يناير من البدء بالإفراج عن قيادات الجهاد التى كانت معتقلة، وعلى رأسهم عبود وطارق الزمر اللذان اسقبلهما معظم الإعلام المصرى استقبال الفاتحين، وبعدها بأشهر يعود شقيق خالد الإسلامبولى «محمد شوقى الإسلامبولى»، قاتل الرئيس السادات، «بعد رحلة طويلة من الجهاد فى أفغانستان» كما قالت وسائل الإعلام المصرية فى تلك الفترة، لكى يستقبل فى المطار من قبل أجهزة الأمن، ليمثل أمام النيابة ويفرج عنه فى اليوم التالى.

ولم يمر الكثير من الأيام حتى زف إلينا الخبر بأن إبراهيم محمد مكاوى، المشهور باسم «سيف العدل»، الرجل الثانى فى تنظيم القاعدة يعود إلى مصر فى ذات التوقيت الذى يخرج فيه المتهمون الأمريكيون فى قضية التمويل الأجنبى، وتتضارب الأقوال فى البداية عما إذا كانت عودة سيف الإسلام انتصاراً للأمن المصرى، أم أنه عاد من تلقاء نفسه، ليحسم الأمر بعدها بساعات، عندما يتم أيضا الإفراج عنه لبدء إعادة محاكمته فى القضية التى قد أدين فيها وحكم عليه بالإعدام. وحسبما علمت فإن العديد من بقية قيادات الجماعات الإسلامية فى الخارج يعدون العدة للعودة إلى مصر.

هذا الموقف يدفعنا إلى طرح سؤال التخوف – وأظن أن لنا كامل الحق – عما مرت به مصر فى الثمانينيات والتسعينيات من عمليات إرهابية حقيقية دفع ثمنها العديد من الضحايا من المصريين، وهذا يدفعنا إلى السؤال الموجه إلى من يديرون البلد وإلى من يسيطرون على الحياة السياسية الآن، وهو: على أى أسس ومعايير تتم عودة هؤلاء؟! وما الضمانات على ألا تتحول مصر إلى قاعدة جديدة للعمل الجهادى؟! وأختم بسؤال الصديق الذى بدأت به: هل يعود أيمن الظواهرى؟

يوم الشهيد

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد المنعم رياض

تتكاثر علينا الأحداث فتتوارى فى الذاكرة أحداث مهمة وأسماء لا ينبغى أن تنسى، ونهمل فى تعليم أبنائنا، فلا يعرفون كثيراً مما يجب أن يعرفوه، فيتحول عباس العقاد إلى شارع، وعبدالمنعم رياض إلى ميدان، وكما فقدت وظائف وألقاب وأدوار معناها من سوء استخدامها، فقدت أيضاً أيام معناها، لأنها تحولت إلى مجرد أيام تحمل أسماء لم نعد نقف أمامها، وكل ما فات خطأ كبير.

غداً هو يوم الشهيد، هو اليوم الذى استشهد فيه اللواء عبدالمنعم رياض، الذى حمل رتبة «الفريق أول» بعد استشهاده، وقصة عبدالمنعم رياض فى ذاتها هى قصة ينبغى أن نذكرها ونعلمها لأبنائنا. واستحضار معنى «الشهادة» ومفهوم «الشهيد» هو أيضاً أحد الأمور التى ينبغى أن تكون حاضرة دائما، لأن هؤلاء هم الذين رووا بدمائهم مستقبل هذا الوطن.

ولد الفريق محمد عبدالمنعم محمد رياض عبدالله فى قرية سبرباى، إحدى ضواحى مدينة طنطا، فى ٢٢ أكتوبر عام ١٩١٩، درس فى كتاب القرية وتدرج فى التعليم، وبعد حصوله على الثانوية العامة التحق بكلية الطب بناء على رغبة أسرته، لكنه بعد عامين من الدراسة فضل الالتحاق بالكلية الحربية التى كان متعلقاً بها، انتهى من دراسته عام ١٩٣٩ برتبة «ملازم ثان»، ونال شهادة الماجستير فى العلوم العسكرية وكان ترتيبه «الأول»، وأتم دراسته كمعلم مدفعية مضادة للطائرات بامتياز فى إنجلترا عامى ١٩٤٥ و١٩٤٦.

بعد النكسة استدعى الرئيس جمال عبدالناصر اللواء عبدالمنعم رياض، وعيّنه رئيساً للأركان. وكان من أقوال البطل الشهيد «إذا وفرنا للمعركة القدرات القتالية المناسبة وأتحنا لها الوقت الكافى للإعداد والتجهيز وهيأنا لها الظروف المواتية فليس ثمة شك فى النصر الذى وعدنا الله إياه». وبدأ الإعداد ومعه حرب الاستنزاف والعديد من العمليات العسكرية التى أسفرت عن تدمير ٦٠% من تحصينات خط بارليف الذى تحول من خط دفاعى إلى مجرد إنذار مبكر، وتدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات فى ٢١ أكتوبر ١٩٦٧ وإسقاط بعض الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال عامى ١٩٦٧ و١٩٦٨.

ونجح فى كسر أسطورة عسكرية، فقد كان العسكريون فى وقتها يؤمنون بأنه لا يمكن مواجهة دبابة إلا بدبابة، فقد كان صاحب إضافة جديدة فى حرب المدرعات منذ عام ١٩٦٨، حيث كان يتم تدريب المشاة عليها فى سرية شديدة، ليصبح الجندى المصرى فى حرب أكتوبر مدمراً للدبابة، ولعل من هنا خرج لمصر أبطال آخرون مثل: محمد المصرى الذى دمر ٢٧ دبابة وعبدالعاطى عبدالله الذى دمر ٢٦ دبابة خلال حرب أكتوبر، وقد كسرا بذلك رقم أحد الجنود الروس الذى دمر ٧ دبابات فى الحرب العالمية. أما أكبر إنجازاته على الإطلاق فهو تصميمه الخطة (٢٠٠) الحربية التى كانت الأصل فى الخطة (جرانيت) التى طُورت بعد ذلك، لتصبح خطة العمليات فى حرب أكتوبر تحت مسمى (بدر).

صدق مع الله، فصدق الله معه: «أنا لست أقل من أى جندى يدافع عن الجبهة، ولابد أن أكون بينهم فى كل لحظة من لحظات البطولة».. «إذا حاربنا حرب القادة فى المكاتب بالقاهرة فالهزيمة تصبح لنا محققة.. إن مكان القادة الصحيح هو وسط جنودهم وفى مقدمة الصفوف الأمامية». لم تكن هذه مجرد كلمات يلقيها القائد على جنوده ليحمسهم، لكنها كانت إيماناً داخلياً وشعوراً يملك وجدان وفكر الشهيد. فقد أشرف على الخطة المصرية لتدمير خط بارليف، خلال حرب الاستنزاف، ورأى أن يشرف على تنفيذها بنفسه، وتحدد يوم السبت ٨ مارس ١٩٦٩ موعداً لبدء تنفيذ الخطة، وفى التوقيت المحدد انطلقت نيران المصريين على طول خط الجبهة، لتكبد الإسرائيليين أكبر قدر من الخسائر فى ساعات قليلة، وتم تدمير جزء من مواقع خط بارليف وإسكات بعض مواقع مدفعيته فى أعنف اشتباك شهدته الجبهة قبل معارك ١٩٧٣.

وفى صبيحة اليوم التالى قرر عبدالمنعم رياض أن يتوجه بنفسه إلى الجبهة، ليرى عن كثب نتائج المعركة ويشارك جنوده فى مواجهة الموقف، وقرر أن يزور أكثر المواقع تقدماً، والتى لم تكن تبعد عن مرمى النيران الإسرائيلية سوى ٢٥٠ مترا، ووقع اختياره على الموقع رقم ٦، وكان أول موقع يفتح نيرانه بتركيز شديد على دشم العدو فى اليوم السابق، ويشهد هذا الموقع الدقائق الأخيرة فى حياة الفريق عبدالمنعم رياض، حيث انهالت نيران العدو فجأة على المنطقة التى كان يقف فيها وسط جنوده، واستمرت المعركة التى كان يقودها الفريق عبدالمنعم بنفسه حوالى ساعة ونصف الساعة، إلى أن انفجرت إحدى طلقات المدفعية بالقرب من الحفرة التى كان يقود المعركة منها ونتيجة للشظايا القاتلة وتفريغ الهواء توفى عبدالمنعم رياض بعد ٣٢ عاما قضاها عاملا فى الجيش، متأثرا بجراحه.

هذه باختصار قصة شهيد الوطن عبدالمنعم رياض، الذى اختير يوم شهادته، ليكون يوماً للشهيد فى مصر. وقبل أن أختم أطالب بإعادة النظر فى التعامل مع شهداء مصر وجرحاها فى الحروب التى خاضها جيش مصر، من أجل الحفاظ على هذا الوطن، فقد علمت أن مصابى حرب أكتوبر يحصلون على حوالى ٧٠٠ جنيه شهريا، أما المكافأة التى حصلت عليها عائلة الشهيد عبدالمنعم رياض فكانت خمسة آلاف جنيه، أظن أنه آن الأوان لإعادة النظر فى هذا الوضع وفى مفهوم «الشهيد».