حتى لو لم تكن حقيقية

بقلم عبداللطيف المناوى

نيلسون مانديلا

عندما أشرت فى المقال الأخير إلى الرسالة التى نسبت إلى زعيم جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، توقف البعض أمامها لما فيها من معانٍ، ولكن أيضا ترك البعض الآخر المغزى منها وما تحتويه من معانٍ، وتوقف أمام ما أثير وقتها من أن هذه الرسالة مزيفة، وأن نيلسون مانديلا لم يوجه مثل هذه الرسالة. لا أملك أن أؤكد أو أنفى هذا الادعاء، ولكنى فى كل الأحوال أدعى أن هذه الرسالة تتوافق مع أسلوب تفكير وحياة وممارسات «مانديلا»، لذلك لن أتوقف أمام ما طرح لاقتناعى بما تحويه الرسالة. المقال السابق أشرت إلى أجزاء من الرسالة، وسألنى البعض: لماذا لا تنشرها كاملة؟ والبعض الآخر توقف أمام حالة التجاهل التامة للرسالة من قبل وسائل الإعلام المختلفة، لذلك قررت أن أخصص هذه المساحة اليوم لإعادة نشر الرسالة التى نحن فى أحوج الأوقات لها، حتى لو لم تكن رسالة حقيقية:

«أعتذر، أولاً، عن الخوض فى شؤونكم الخاصة، وسامحونى إن كنت دسست أنفى فيما لا ينبغى أن تقحم فيه.

لكنى أحسست أن واجب النصح أولاً، والوفاء ثانيًا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصرى يحتمان علىّ رد الجميل.

أحبتى ثوار العرب، مازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يومًا مشمسًا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن.

خرجت إلى الدنيا بعدما وُورِيتُ عنها سبعة وعشرين عامًا، لأنى حلمت أن أرى بلادى خالية من الظلم والقهر والاستبداد، ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصى، إذ سأرى وجوه أطفالى وأمهم بعد كل هذا الزمن، فإن السؤال الذى ملأ جوانحى حينها هو:

كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟

أكاد أحس بأن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير، وهو سؤال قد تحدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذى ستنتهى إليه ثوراتكم.

إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم.

أنا لا أتحدث العربية، للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التى تصلنى عن تفاصيل الجدل السياسى اليومى فى مصر وتونس تشى بأن معظم الوقت هناك مهدر فى سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين، وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفى والإقصاء، كما يبدو لى أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وتبكيت كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة. ذاك أمر خاطئ فى نظرى.

أنا أتفهم الأسى الذى يعتصر قلوبكم، وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أننى أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم فى هذه المرحلة.

إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التى قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم فى غنى عنه الآن.

عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق فى النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هما أكبر هدية للبلاد فى هذه المرحلة.

أعلم أن مما يزعجكم أن تروا الوجوه ذاتها التى كانت تنافق النظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم ألا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم.

أذكر جيداً أنى عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهنى هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكننى وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام على أن هذا كان الخيار الأمثل، ولولاه لانجرفت جنوب أفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد.

إنها سياسة مرة لكنها ناجحة.

تخيلوا أننا فى جنوب أفريقيا ركزنا – كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم، لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب أفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنسانى اليوم.

أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)».

نيلسون روهلالا مانديلا

هوانتون – جوهانزبيرج

(الله ينور عليك يا عم نيلسون).

الإعلانات

مانديلا و«الحقيقة والمصالحة»

بقلم عبداللطيف المناوى

نيلسون مانديلا

دخل الزعيم الجنوب أفريقى «مانديلا» المستشفى، لعلاجه من آلام حادة فى البطن «ماديبه»، وهو الاسم الذى يطلقه أهل جنوب أفريقيا على رئيس البلاد بعد سقوط نظام الفصل العنصرى يبلغ من العمر ٩٣ عاما. قبل ٢٢ عاما فى ١١ فبراير ١٩٩٠، خرج «مانديلا» من سجن «كوبن أيلاند» وبعدها بأربع سنوات انتخب أول رئيس أسود لها، تحول مانديلا رمزا عالميا للمصالحة والتسامح، ومن بين أبرز ما فعله فى هذا الإطار تشكيله لجنة أطلق عليها «الحقيقة والمصالحة». استطاع «مانديلا» أن يحافظ على وحدة بلده فوضع مصلحته فوق رؤيته الشخصية الضيقة باعتباره زعيم السود، ووضع مصلحة واستقرار جنوب أفريقيا فوق رغبة الانتقام من عنصرية البيض تجاهه شخصيا وتجاه أبناء شعبه، قضى «مانديلا» ١٠ آلاف ليلة داخل السجن، لكنه خرج وحكم برؤية لخصها فى قوله: «يجب أن نعرف حقيقة ما حدث، وبعد ذلك نسامح من ظلم». وجه «مانديلا» رسالة إلى شعب مصر وشعب تونس، لن تسمح المساحة بعرضها كلها، ولكن فقط نشير إلى أجزاء منها وإن كنت أنصح بإعادة نشرها مرات ومرات. ومن بين ما جاء فى هذه الرسالة «إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم، فالهدم فعل سلبى والبناء فعل إيجابى. إن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل. ما أفهمه من تفاصيل الجدل السياسى اليومى فى مصر وتونس يدل على أن معظم الوقت مهدر بسب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين، وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفى والإقصاء، كما يبدو لى أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى الإقصاء والهجوم على كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة، ذلك أمر خاطئ فى نظرى». ويستمر «مانديلا» بقوله: «إن النظر إلى المستقبل والتعامل بواقعية أهم بكثير عند الوقوف على تفاصيل الماضى المرير. أذكر جيدا أنى عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهنى هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت لهم صلة بالنظام السابق، ولكننى وقفت دون ذلك، وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل، ولولاه لانجرفت جنوب أفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد». ويقول فى النهاية «إنها سياسة مرة ولكنها ناجحة». هذا بعض ما قاله «مانديلا» الذى يقف على نفس قامة غاندى فى تاريخ الإنسانية ومع دعائى له بالشفاء، أظن أننا نحتاج لاستحضار ما قاله فى تلك المرحلة.

الرابط الأصلي على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=329727&IssueID=2424