رحم الله شهداء الوطن

 بقلم عبداللطيف المناوى

جنازة شهداء رفح

ما حدث فى سيناء لم يكن مفاجئا رغم مأساويته، فالمعلومات التى كانت متاحة من قبل تشير إلى توقع حدوث عمل إرهابى، هذه المعلومات تسربت فى البداية من بعض الدوائر الأمريكية بأن عملاً محدوداً، ورداً محدوداً أيضاً يمكن أن يقع فى سيناء، ومنذ عدة أيام طلبت إسرائيل من رعاياها المغادرة الفورية لسيناء، وقبل هذا وذاك تزايدت التقارير الأمنية من مختلف الجهات داخلياً وخارجياً عن أن سيناء باتت أرضاً خصبة لجماعات إرهابية متعددة، وأن الإفراج عن جميع العناصر التى ارتبطت بأعمال العنف والإرهاب فى مصر فى السنوات الثلاثين الماضية وتشجيع عودة الهاربين منهم للعودة إلى مصر من الخارج، واستقبال بعضهم استقبال الفاتحين وإسقاط التهم والعقوبات أو إعادة المحاكمات لبعضهم مع ضمان عودتهم سالمين دون قيد، كل هذه الإجراءات وإن لم يثبت أنها ساهمت بشكل مباشر فيما حدث فى سيناء إلا أنها أعطت دلالات مهمة على اتساع صدر النظام الحاكم حالياً فى مصر فى التعامل مع هذه المجموعات وهذه الأفكار، وبالتالى فإن ذلك بدا وكأنه أرضية نفسية مناسبة للحركة لمثل هذه المجموعات، خاصة أن العديد من العمليات التى وقعت فى سيناء أو من خلالها تم التعامل معها بقدر من غض الطرف، بل المباركة الضمنية من قبل قيادات تنتمى للتيار السياسى الحاكم، وأعنى هنا العمليات التى نفذت ضد خط الغاز الواصل إلى إسرائيل والتى بلغت سبع عشرة عملية حتى الآن، كذلك عملية إيلات وعملية إطلاق النار على دورية إسرائيلية فى يونيو الماضى، وقبل ذلك ما سمى جمعة الهوية الإسلامية، والتحركات والتظاهرات التى حدثت بعد ذلك، وكان قوامها الجماعات الإسلامية المتعددة فى سيناء، التى على رأسها جماعة التكفير والهجرة التى تشكلت منذ سبعينيات القرن الماضى، ومنظمة السلفية الجهادية ومنظمة أنصار الجهاد ومنظمة الرايات السوداء وأحدثها منظمة مجلس شورى المجاهدين. يضاف إلى العناصر السابقة ذلك التوجه الذى يحمل فى ظاهره ملمحاً إيجابياً وهو دعم إخواننا فى غزة، بينما يحمل فى باطنه خطراً حقيقياً على الأمن القومى المصرى. فحسب ما يعلم الكثيرون فإن هناك ضغوطا متزايدة من قبل أطراف داخل النظام الحاكم على بعض مؤسسات الدولة لفتح الحدود بلا ضابط مع غزة تحت الشعار الذى أشرت إليه بدعم غزة، وهناك العديد من المقترحات التى تم تقديمها فى هذا الإطار لفتح أسواق مشتركة أو إقامة مناطق حرة مفتوحة أو السماح بالحركة والتملك دون قيد أو شرط لأهالى غزة فى مصر وسيناء، لكن مازالت هناك أصوات عاقلة داخل العديد من المؤسسات المصرية تعلم خطورة هذا الطرح على الأمن القومى المصرى، بل على مستقبل القضية الفلسطينية والوطن الفلسطينى أيضا، لذلك لم تشهد هذه الأفكار تنفيذاً كاملاً، لكن هذه الضغوط أسفرت عن حالة من السيولة فى سيناء، وأظن أن الادعاء بأن هناك سيطرة مصرية من الدولة المصرية على سيناء هو أمر محل شك كبير، بل يمكن القول إن حضور الجماعات الجهادية وجماعات المهربين على طرفى الحدود أكثر تأثيرا وحضورا هذه الأيام. من قبل ومنذ سنوات طويلة أشرت فى العديد من المقالات واللقاءات إلى أن سيناء يمكن أن تكون قنبلة موقوتة تنفجر فى الجسد المصرى كله، أو أن تكون عنصرا مضافا إلى قوة الوطن، الأمر يعتمد على أسلوب التعاطى مع كل مشكلاتها، مشكلات سيناء هى جزء من الجريمة الأخيرة التى وقعت لأبنائنا هناك، لكنه لم يكن ليحدث لو لم تكن الظروف باتت مهيأة لمثل هذا الحادث وغيره من الحوادث. شهداء مصر ودَّعهم أبناء مصر، وفى هذه اللحظات كان ينبغى أن تتراجع مفاهيم الأهل والعشيرة، لا أن تكون الفرصة لإثبات أن النظام الحاكم هو نظام بعض المصريين. أبناء مصر دفعوا الثمن لتلك الحالة التى نعيشها، رحم الله شهداء الوطن.

الإعلانات

السلطة المركزية يسيطر عليها كهنة فرعون حتى اليوم

 

أحد الشعارات التى رفعت لسنوات شعار اللامركزية، وكنت دائماً من غير المقتنعين بتطبيق هذا المفهوم على الأرض فى مصر، تلك الدولة التى خلقت مركزية وعاشت مركزية السلطة طوال آلاف السنين، وعبر عشرات الأنظمة السياسية ومئات الحكام. ظل المركز هو قلب الأحداث وهو هدف كل الباحثين عن التأثير. لذلك لم أشك لحظة أن الحزب الوطنى الذى كان حاكما ما هو إلا امتداد لحزب مصر، الذى كان أيضاً حاكماً، وكلاهما امتداد طبيعى للتنظيم السياسى الواحد باختلاف أسمائه، سواء الاتحاد الاشتراكى أو الاتحاد القومى أو هيئة التحرير، ظلت هذه التنظيمات جميعها تعبيراً عن السلطة المركزية الجديدة التى باتت تدير الدولة. هذه السلطة المركزية الجديدة لم تكن إلا امتداداً للسلطة المركزية التى كانت فى بلاط الملوك السابقين ووزاراتهم أو نظاراتهم، وهى أيضاً البلاط الذى كان يحكم مصر حول الحاكم أياً من كان عبر التاريخ سواء كان الحاكم مندوباً سامياً أو أميراً أو سلطاناً أو ملكاً، ويعود بنا الأمر حتى عمق التاريخ إلى بلاط الفرعون وكهنته الذين كانوا يمثلون هذه السلطة المركزية، أى ببساطة فإن السلطة المركزية القائمة اليوم ما هى إلا امتداد لسابقاتها من السلطات المركزية بأشكالها المختلفة حتى تعود إلى كهنة فرعون.

السلطة المركزية القائمة اليوم والتى تسيطر عليها الجماعة بشكل احتكارى يتأكد كل يوم ليست سوى تعبير عن مركزية شخصية الدولة المصرية، لذلك لم أستغرب أننى لمست نفس الروح والنفس اللتين سادتا أوساط الدولة فى مصر عبر تاريخها، كذلك لم يكن غريباً أن ينبت حزب الجماعة الجديد نماذج مكررة من شخصيات سادت من قبل مثل عز أو عزمى أو غيرهما حتى من نماذج رجال الأعمال، ما اختلف فقط هو اللحية والتوجه الدينى، لكن المضمون هو ذاته. أيضاً لا أستغرب تلك الحركات البهلوانية التى قام بها سياسيون وإعلاميون ورجال أعمال بالانتقال بتميز ملحوظ فى القدرات البهلوانية من اتجاه إلى آخر، كل ذلك كان متوقعا، قد تكون درجة التحول وسرعة الهرولة أكثر من استيعابها ولكن فى النهاية يظل – للأسف – سلوكاً متوقعاً.

قد يفسر هذا أيضاً إذا ما نظرنا عبر تاريخ العلاقة بين المصرى والسلطة، التى كانت إحدى صفاتها لدى العديد من المصريين أنها «غاشمة»، رغم ذلك فإن طبيعة العلاقة بين المصرى والسلطة هى ثنائية الحب والكره، يكره المصرى السلطة من نشأتها لتنظيم مياه الرى وتحصيل الضرائب، لكنه يظل دائماً حريصاً على التقرب منها والتحالف معها واحتوائها إن أمكن ولا بأس من أن يناسبها، وإذا ما عدنا إلى أمثالنا الشعبية فسنجد العديد منها التى تتحدث عن كراهية السلطة والتقرب منها فى ذات الوقت. لذلك لست من المراهنين على أن التغيير – أى تغيير – سوف يأتى من داخل جموع الناس، فالأغلب أن حالة التكيف مع السلطة المركزية أياً كانت سوف تكون هى سيدة الموقف.

أسمع من يقول إن الشعب هو الذى غير وأسقط النظام السابق، ولى هنا تعليقان، الأول أن ما حدث العام الماضى هو ما يمكن تسميته بالعاصفة المثالية التى من الصعب أن تتكرر ذات العناصر التى تجمعت لتؤدى إلى الإطاحة بمن كان يحكم فى النظام السابق. النقطة الثانية أن كل ما حدث هو أن النظام القديم على ما هو عليه من عناصر، فقط تم تغيير مواقع هذه العناصر فى المعادلة. تلك المعادلة التى ظلت تتكون من سلطة مركزية وجماعة معارضة. ما تم هو تبادل للمواقع داخل ذات المعادلة، أصبحت الجماعة الدينية هى من يمسك بتلابيب السلطة المركزية، وأصبح من كان يمسك بهذه السلطة من قبل فى موقع المعارضة. لكن النتيجة استمرار المعادلة كما هى.

ما أطرحه ليس تيئيسا ولكنه تفكير بصوت مرتفع، ويظل السؤال هل يمكن لمصر أن تخرج من أسر استمرار ورثة كهنة فرعون على مر آلاف السنين حتى الآن فى السيطرة على السلطة المركزية؟ هذا يتطلب حديثاً طويلا عن تغيير نمط علاقات الإنتاج، وقبله الحديث عن البقية الباقية من المؤمنين بمدنية الدولة، أين هم وماذا يفعلون، وهذا حديث آخر.

 

التطهير العرقى السياسى يتقدم بثبات

 بقلم   عبداللطيف المناوى

قسم أسامة بن لادن العالم إلى فسطاطين، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، وذلك عندما قال فى بيانه المسجل والذى أذيع عبر قناته التليفزيونية المختارة فى ذلك الوقت فى السابع من أكتوبر عام ٢٠٠١ «أقول إنّ هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين!: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه!، وفسطاط كُفْرٍ- أعاذنا الله وإيّاكم منه -، فينبغى على كلّ مسلم، أنْ يهبّ لنصرة دينه، وقد هبّت رياح الإيمان، وهبّت رياح التّغيير لإزالة الباطل!» هكذا وضع اللبنة الأولى لذلك الأسلوب الذى بات متبعا بشكل واع أو غير واع لدى معظم حركات الإسلام السياسى فى تعاملها مع الآخر. ولم يقف الكثير أمام هذا الأسلوب فى الفصل والعزل الذى يقترب من العزل العنصرى عندما كانت هذه الحركات فى موقع المعارضة الشرعية أو غير الشرعية، لكن الأمر اختلف الآن عندما تمكنت بعض هذه الحركات من السيطرة على مقاليد الحكم بطريقة أو بأخرى، فما كان يمكن غض الطرف عنه فيما مضى لا يجوز غض الطرف عنه الآن وهم يمسكون بتلابيب الحكم وتلابيبنا بالتبعية.

أقول هذا فى هذا الوقت لما أراه من سلوك على الأرض من قبل من يحكمون أو يتحكمون الآن فى مصائرنا، فكل الدلائل تشير إلى أن هناك ما يشبه التطهير العرقى لمؤسسات المجتمع ومراكز ثقله الرئيسية، ويمكن أن نلحظ هذا واضحا مثلا فى موقف الجماعة الأخير من ترشيحات رؤساء تحرير الصحف القومية، فقد استخدمت الجماعة إحدى أدواتها المتمثلة فى مجلس الشورى المطعون على دستوريته والمعرض للحل، وذلك من خلال الأغلبية والأقارب داخل المجلس لتضع لجنة اختيار واختبار كتلك اللجان التى تستخدم فى مكاتب التوظيف التى تورد عمالا إلى دول الخليج، وتنكشف الحقيقة جلية عندما يصحح الأستاذ صلاح منتصر من موقفه ويعلن استقالته من لجنة التوظيف التى تورط فى عضويتها ويكشف لنا عن أسرار إدارتها من الداخل وكيف تتجه النية المسبقة إلى «تمكين» قوى الجماعة الضاربة داخل الوسط الإعلامى من السيطرة على جميع الوسائل، أو بحد أدنى المتعاطفين بشكل كلى أو المتحالفين مقدمى الخدمات دون شرط أو قيد. إن ما يحدث أو سيحدث فى مؤسسات الصحافة القومية ومن بعده المؤسسات التى تتعامل مع الرأى العام هو شكل من أشكال التطهير العرقى لتلك الوسائل، وتأكيد لمفهوم الفسطاطين، فسطاط الجماعة والفسطاط الآخر.

ليس هذا هو ما يحدث فقط فى مؤسسات الإعلام، ولكن علمنا بها لأن أصحابها هم أصحاب منابر الرأى، وبالتالى صوتهم أكثر علوا ووضوحا، ولكن ما يحدث فى مؤسسات الدولة الأخرى يمكن لكل واحد فى مجاله أن يلحظ تلك الحركة الدؤوبة لتمكين عناصر بعينها من المناصب الإدارية الوسطى والعليا، وهنا أذكر ما ذكره أحد أعضاء الجماعة الحاكمة تعليقا على ذلك فى أحد البرامج التليفزيونية من أن الرئيس أوباما عندما تولى عين ثلاثين ألف موظف لتنفيذ سياسته، وبالتالى فإن من حق الرئيس المصرى الجديد أن يعين هو الآخر ثلاثين أو أربعين ألف موظف جاهزين ومعدين بالفعل لتنفيذ سياسته، انتهى مضمون تصريح قيادى الجماعة، وهو تصريح مغلوط بعيد عن الدقة يبرر فقط للحقيقة التى نشهدها على الأرض من قيامهم بتمكين عناصرهم فى كل مكان من السيطرة على مفاصل الدولة الرئيسية، هذا الأسلوب من التحكم والسيطرة سوف يضمن لهم المستقبل فى السلطة أو الضغط والتهديد فيما لو اهتزت هذه السلطة من تحت أقدامهم.

والنظر إلى التشكيل الوزارى بدءا من اختيار رئيس وزراء لا يوجد خلاف على هويته، كما لا يوجد شك فى درجة ولائه للجماعة حتى لو كان غير مقيد فى كشوفها «العلنية» المعلومة على الأقل، كذلك تشكيلة الوزراء المختارين سوف تدلل لنا على ذلك الأسلوب الذى يعتمد أهل الثقة وليس أهل الخبرة، وبات واضحا أنه بات هناك لبس واضح فى عنوان قصر الرئاسة، أظن أن أى مواطن بسيط لماح سوف يحتار إذا ماوجه رسالة إلى مؤسسة الرئاسة فأى عنوان سوف يختار: مقر الرئاسة الشكلى فى مصر الجديدة أم مقرها الفعلى أعلى جبل المقطم؟.

أجراس الخطر القادم

 

 

 

بقلم عبد اللطيف المناويImage

سوف تستمر المعركة السياسية مستعرة، ولا أعتقد أن أى مؤمن بموقفه صادق فى طرح تصوراته لمستقبل هذا الوطن سوف يتوقف عن محاولة إيقاف الدفع بالبلاد نحو سيطرة قبضة واحدة عليها أو القبول بمفهوم الوطن ذى الزى الموحد إما أن نرتديه غصباً أو طواعية أو نبحث لنا عن مكان آخر. لا أعتقد أن أى صادق فى موقفه- حتى لو أصبحوا قلة- سوف يستسلم
لكن هذا الموقف السياسى الذى أتمنى أن يثبت لا ينبغى أن يوقفنا عن دق نواقيس الخطر الأكبر الذى تواجهه مصر ويحاول البعض التقليل من شأنه، هذا الخطر هو الوضع الاقتصادى المتردى الذى نتجه إليه بشدة، ولا أصدق هنا تصريحات بعض المسؤولين الوردية وبعض المسؤولين الحزبيين فى الجماعة الحاكمة تلك التصريحات الوردية التى لم تختلف عن سابقتها فى التخدير الذى نفيق بعده على كارثة. ولن يكون افتتاح محال بقالة جديدة هو الانجاز الاقتصادى الأكبر حتى لو حظى بأعلى مستويات الحضور، فالاقتصاد المصرى هو اقتصاد مركب لا يمكن حل مشكلاته عبر محال المانيفاتورة.

لا أمل لدفع الوضع الاقتصادى المصرى إلا باتخاذ إجراءات واضحة تؤكد على الاستثمار طويل النفس الهادف إلى إقامة مشروعات كبيرة لا تنتظر تحقيق الربح فى نهاية الدوام، بل استثمارات تضع خططاً للمستقبل، هذه الاستثمارات لن تأتى إلا من خلال خلق حالة من الاستقرار والأمان وتطمين المستثمرين المصريين والعرب والأجانب بأن الخلاف السياسى، حتى الصراع السياسى، لا يعنى بأى حال الإطاحة باقتصاد البلد، لأنه سواء حكم مصر الإخوان أو غيرهم من أى قوة سياسية أو شعبية أو مؤسسية فإن ملايين المصريين سوف يظلون ينتظرون أن يحظوا بمستوى حياة كريمة لم يروا مقدماتها حتى الآن
الأكيد أن هناك غموضاً فى البرامج الاقتصادية للقوى السياسية فى مصر يهدد التدفقات الاستثمارية الأجنبية فى المرحلة الأخيرة، رغم التزام تلك القوى بسياسات السوق الحرة، كما يدعون، ولم يثبتوا حتى الآن وما يؤكد هذا التوجه، بل إن الرغبة فى السيطرة قصيرة النظر والشكل الجديد من الاحتكار قصير النظر أيضاً وهو ما نلحظه أو نشم رائحته. إن مصر تواجه تحديات اقتصادية حالياً تتمثل فى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتدنى معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى وهبوط احتياطى النقد الأجنبى من ٣٦ مليار دولار إلى ١٥.٣ مليار دولار فى نهاية مايو الماضى، أى خلال ستة عشر شهرا.

إن التداعيات الاقتصادية السلبية التى شهدتها مصر شملت تنامى الإضرابات العمالية والاحتجاجات الفئوية والانفلات الأمنى والاشتباكات الطائفية والأزمات السلعية وأعمال العنف والبلطجة وتدنى معدلات النمو الاقتصادى إلى ١.٨ فى المائة فى نهاية عام ٢٠١١ مقابل سبعة فى المائة عام ٢٠٠٨.

كل هذا أدى إلى تراجع الاقتصاد المصرى فى ٢٠١١ فى الدخل، بعد تأثر قطاعات السياحة والبناء والتشييد والاستثمارات الأجنبية والمحلية، كنتيجة مباشرة للاضطراب السياسى والأمنى، قطاع السياحة الذى كان يعد واحداً من أهم مصادر الدخل القومى سابقا تقول الأرقام، إن تدفق السائحين على مصر انخفض بصورة كبيرة، نتيجة لتدهور الوضع الأمنى، حيث تشير إلى أن أعداد السائحين فى العام ٢٠١٠ كان ١٣ مليون سائح، وتقلصت إلى مليون ونصف المليون فى ٢٠١١ ، على أقصى تقدير، وهذا الانخفاض مرشح للتزايد مع الأصوات التى نسمعها بدعوات لا تدفع أى سائح أياً كانت جنسيته إلا إلى شطب اسم مصر من الدول التى يفكر فى زيارتها، اللهم من جبال تورابورا فى أفغانستان. تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر فى مصر إلى ما يقرب من النصف مقارنة بالعام الماضى، هو أيضاً أمر لا نستغربه فى ظل حالة التهديد الدائم للمستثمرين بأنهم متهمون فى أى لحظة، وأصبحت وجهة المستثمرين إلى مبانى النيابات بمختلف أشكالها للدفاع عن أنفسهم بدلاً من أن تكون وجهتهم إدارات الاستثمار والبنوك.

وعندما يسمع أى مستثمر عن آخر مات كمداً بعد التحقيق معه أو آخر مازال يستجدى توقيعاً لإنهاء معاملاته ولا يجد أو ثالث يحاول إقناع سلطات التحقيق التى وجد نفسه فى مواجهتها بأنه لم يخالف القانون، عندما يسمع أو يرى كل هذه المواقف فأظن أن التراجع إلى نصف فى المائة مفهوم ومبرر. أما المستثمر المصرى فيكفى فقط الإشارة إلى كل هذه الاعتصامات والإضرابات والاعتداءات والتوقيفات، والضغوط الخفية لدفع بعضهم لبيع استثمارات لأسماء بعينها. وأبسط المؤشرات وأخطرها فى الوقت ذاته أنه لا يوجد مستثمر مصرى واحد لا ينتابه القلق الشديد وهو يتوجه إلى المطار كل مرة إن كان اسمه مدرجاً بقوائم الممنوعين من السفر أم لا!!!!.

 سوف يظل الخلاف السياسى قائماً، ويجب أن تستمر القوى المختلفة فى العمل من أجل تحقيق أهدافها،  ولكن لا ينبغى أن ننسى أن هناك شعباً يقترب من التسعين مليوناً يريد أن يعيش، وإلا فالطوفان قادم.

 

 

 

الرجل الذي أخلص بحق لوطنه

 

بقلم عبد اللطيف المناويImage

الإخلاص و الولاء للوطن و المبادئ هى أكثر الصفات التى ارتبطت بشخص عمر سليمان .. غيبه الموت فى لحظات فارقه و صعبه فى مرحلة محاولات إعادة تشكيل هذا الوطن, وهى تلك المحاولات التي تنفست الصعداء عندما علمت بوفاة سليمان فقد غاب أحد الأسماء التي تعلق بها كثير من المصريين, وظل لديهم أمل أنه يمكن أن يكون الحل و المخرج من الأزمة التي تعيشها الدولة, ورغم عدم منطقية هذا الأمل خاصة بعدما تحقق هدف استبعاده من السباق الرئاسي وإعلانه الرغبة فى الراحة, إلا أن العديد رفضوا تصديق هذا الواقع وظلوا متعلقين بأمل عودته للساحة. وقد ىأشرت إلى هذا المعنى فى كتابي عن الأيام الأخيرة لحكم مبارك عندما قلت: ” ارتبط اسم جهاز المخابرات العامة فى السنوات الأخيرة باسم عمر سليمان لكن الأهم أنه لأعوام طويلة أيضا ظل الأعتقاد لدى المصريين بأن الحل من الحالة السياسية التي تمر بها مصر اسمه عمر سليمان, و الحالة التى أقصدها هنا هى ذلك الشعور بعدم وضوح ملامح لمستقبل السلطة فى مصر, وحل لمشكلة التوريث التي كانت تحظى برفض كبير, لكنه كان ممزوجا بسؤال: ما هو البديل؟ و لم يكن أحد ينتظر إجابة لأنه تم إخلاء الساحة أمام الرأى العام حتى لا يظهر بديل لجمال, لكن الوحيد الذي كان عصيا على الإقصاء عن الصورة هو عمر سليمان, لذلك كان هو أيضا المخرج من هذا المأزق”.. كان السؤال الذي طرحته بعد ذلك: هل سينجح عمر سليمان في أن يحقق الحلم الذي عاشه مصريون في أن يكون هو المخرج من المأزق السياسي أم أنه بقبوله منصب نائب الرئيس في هذه الظروف قد حطم الحلم؟ وذلك في إشارة إلى قراره بقبول منصب نائب رئيس الجمهورية يوم 29 يناير من العام الماضى. لقد قبل هذا المنصب وهو يعلم أنه يضع مستقبله وحياته على المحك. يعلم أنه يضحي بنفسه ثمنا لولائه و إخلاصه لهذا الوطن. وعندما مارس دوره في الأيام التالية شهدت له جميع القوى السياسية و الشبابية بإخلاصه وولائه لمبادئه وصالح الوطن, شهد بهذا بعض من أولئك الذين تلبسهم أرواح الشر في هذه الأيام بعدما استشعروا جبروت السلطة فتكبروا ورفضوا أن يشاركوا في جنازة من شهدوا له يوما, رجل كان يلجأ إليه كل من يشعر أن الطريق أغلق في وجهه, يظل هذا الرجل الأمل. و يعلم الحكام الجدد أن هذا الرجل ظل يحافظ على قنوات الأتصال مع كل الأطراف من أجل مصلحة هذا الوطن. لكن فيما يبدو أن الأحساس بالكبر (بكسر الكاف) و الإنكار سمة أهل الحكم, وادرسوا من سبقوكم. بالقر الذي أثارت فيه جنازة فقيد الوطن من مشاعر بالحزن والأسى, والشعونر بأنه مازال بيننا من يعرف معنى اللإخلاص والتقدير لمن يخلص, بالقدر ذاته أثارت ردود فعل وفاة عمر سليمان و السلوك تجاه جنازته مشاعر عميقة من القلق. فقد أثبتت  أن حالة الأنقسام التي تعاني منها مصر هى حالة حقيقيه وخطيرة, وأن ملاتمح التراجع في صحية مكونات التركيبة الجديدة لبعض أبناء هذا الوطن مثيرة للقلق بحق. لم أكن أتخيل يوما أن يكون رد فعل البعض هو الشماتة, بل إصدار الفتاوى بجواز الفرح لموت سليمان وتحريم الصلاة عليه, إضافة إلى إعلان الجماعة التي تحكم البلاد أنها لن تشارك في جنازة رئيس مخابرات مبارك. الأكثر وضوحا هو ذلك التأكيد الذي أرسله الرئيس الذي رشحته الجماعة بأنه رئيس فقط لبعض المصريين الذين يشترط فيهم أن يكونوا من الجماعة أو-بحد أدنى- يشاركوهم فرحتهم بوفاة من اعتبروه عدوهم. الأكيد أن هناك حالة من الحزنوالقلق تنتاب قطاعا كبيرا من المصريين بعد رحيل رجل أخلص بحق لوطنه.

وسطية الأزهر الهدف القادم

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما بدأ البعض بالتظاهر أمام مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، منذ أكثر من عام، خشيت أن يدفعه ذلك إلى التخلى عن المهمة التى حملها، والتى اعتقدت وقتها أن استمراره فى منصبه سوف يكون صمام أمان لحماية الدولة التى بدت ملامح انهيار العديد من مكوناتها مبكراً. كان مفهوماً أن بعض المسؤولين قرروا منذ تلك الفترة أن يسلموا مسؤوليتهم لاقتناعهم بأن المستقبل لن يمكنهم من الاستمرار فى تحمل هذه المسؤولية بالشكل الذى يحافظ على بعض أركان الدولة من الانهيار، لذا كان الأفضل أن يحاول آخرون القيام بهذه المهمة، لكن الوضع مع شيخ الأزهر كان مختلفاً من وجهة نظرى، فبما له من مميزات شخصية نادرة، وبما للأزهر المؤسسة من قوة ذاتية اكتسبتها من النشأة والتاريخ ومكانتها فى النسيج الوطنى، هذا مجتمعاً ظننت أنه عنصر جوهرى ينبغى الحفاظ عليه بملامحه وشخصيته القائمة لمواجهة المستقبل، الذى كانت مقدماته تشير إلى ما وصلنا إليه الآن، وبالفعل تحمل الإمام الأكبر الكثير، واستطاع أن يمر صلباً من أزمة إلى أزمة، ليستمر قائداً لهذا الصرح الذى هو عنصر استقرار للدولة المصرية المدنية، ما ظلت المؤسسة محافظة على كيانها المعتدل الحافظ لوسطية الإسلام بحق وليس ادعاء، ولا تسقط فى شباك محاولات اختطافها والاستحواذ عليها، كما وقع العديد من مكونات الدولة فريسة لهذه العمليات الدؤوبة من الاختطاف والاستحواذ.

من الملاحظ أنه منذ بدايات استئثار الجماعة بشؤون البلاد والعباد فإن هناك حالة غير خافية من التربص بالمؤسسة الدينية العلمية العالمية الأعرق «الأزهر الشريف»، وهذا أمر مفهوم تماماً لجماعة قررت أن تصبغ المجتمع كله على شاكلتها وأن تسيطر على عناصر المجتمع الرئيسية، ويظل الأزهر أحد أهم هذه العناصر، إضافة إلى نقطة مهمة، وهى أن العلاقة بين الأزهر كمؤسسة، وبين الجماعة منذ نشأتها على يد حسن البنا، الذى تخرج فى كلية دار العلوم، لم تكن هى العلاقة الأمثل، الخلاف بين الأزهر والإخوان رغم بقائه فى إطار أمور محددة من وقت لآخر، إلا أنه فى حقيقة الأمر يمتد إلى ما هو أكبر وأعمق من ذلك، إذ يعد الأزهر فى طليعة القوى المناوئة لهيمنة الحكم الإخوانى والسلفى، لاسيما أن العديد من قياداته – وعلى رأسهم شيخ الأزهر – يرون أن الدولة يجب أن يبقى طابعها مدنياً، وهذا ما أكدته وثيقة الأزهر للحريات، التى ينبغى أن تلعب دورًا جوهريًا فى صياغة الدستور الجديد، وحسنا فعل شيخ الأزهر عندما أشار بوضوح إلى محاولات الجماعة وحلفائها القفز فوق مبادئ الوثيقة، وأعلن بوضوح أهمية الإبقاء على المادة الثانية من الدستور كما هى.

لن تتوقف محاولات السيطرة، والمقدمات واضحة، بدأت منذ إعلان الجماعة عن عدم رضاها على تعيين الدكتور الطيب وقت تعيينه، واستمرت بعد تسلقهم مقاعد الحكم، وبدا هذا فى تصريحات رئيس مجلس الشعب المنحل عندما هاجم الإمام الأكبر، داعياً إلى ضرورة تطبيق قانون «العزل السياسى» على الدكتور الطيب، واستمرار هذا التوجه الذى بدا فى التعاطى مع مشروع القانون الخاص بتعديل أحكام القانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١، الذى يقضى بانتخاب شيخ الأزهر عن طريق هيئة كبار العلماء بعدما كان القانون سالف الذكر يعطى رئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر، ليفقد الأزهر استقلاليته تماما، وصولاً إلى الأزمة الأخيرة التى حدثت بجامعة القاهرة من قبل القائمين على البروتوكول الرئاسى بتجاهل شيخ الأزهر تماماً وعدم تخصيص مقعد له فى الصفوف الأمامية، رغم أنه بمثابة رئيس وزراء.

«وسطية الأزهر» التاريخية ربما كانت السبب وراء محاولات جماعة «الإخوان المسلمين» السيطرة على المؤسسة الأزهرية، خصوصاً أن شيخها الحالى يؤكد كل يوم هذه الوسطية، حتى إنه قرر إنشاء «هيئة إعلامية» تابعة للأزهر الشريف، لتوثيق ونشر وتأكيد تلك الوسطية.

وأظن أن دكتور على جمعة، مفتى الديار، هو أيضاً أحد أهداف الاستحواذ، خاصة مع مواقفه التى منها ذلك التصريح الذى رد به على الدكتور يوسف القرضاوى بأن الأمة الإسلامية ابتليت منذ فجر التاريخ بعلماء لا يمكن أن ننكر علمهم، لكن ننكر عليهم رغبتهم الجامحة فى أن يصنعوا لأنفسهم بطولات ورقية على حساب القواعد الشرعية والمصالح المرعية، والحفاظ على نظام المجتمع واستقراره، ومحاولة إقحام ثوابت الدين فى معترك السياسة الحزبية، الأمر الذى يؤدى إلى مزيد من الفرقة والتشرذم باسم الدين.

الحلفاء الجدد

بقلم عبداللطيف المناوى
إذا ما ذكرت «القاعدة» تبادر إلى الذهن فورا أنها العدو الأول لأمريكا، وأن معظم الدماء التى سالت على أيدى الأمريكيين وحلفائهم قد تمت إراقتها تحت مظلة محاربة «القاعدة». لكن ما لا يتذكره كثيرون أن تنظيم القاعدة هو صناعة أمريكية فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى لمواجهة الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان، وما إن تحقق الهدف نفضت أمريكا يدها من هؤلاء «المجاهدين» الذين انقلبوا عليها، وتحول حليف الأمس إلى عدو اليوم. وإلقاء الحلفاء بعد انتفاء الغرض منهم على قارعة الطريق هو سلوك أمريكى مارسته دائما بامتياز، موقفها من «شاه إيران ومن صدام والأسد ومشرف والقذافى ومبارك» وغيرهم – هو نموذج للسلوك الأمريكى الذى دعم هذه الأنظمة لعقود طويلة تحت شعارات الديمقراطية، وتخلص منهم تحت ذات الشعارات.والحقيقة أن المحرك الوحيد فى كل الحالات هو المصالح الأمريكية.

ولكن أين المصلحة الأمريكية فى التعاون مع «الإخوان» فى المنطقة، وهى التى دعمت دائما موقف الأنظمة فى المنطقة فى محاربة «الإخوان»؟ يجيب عن هذا ما ذكره عدد من السياسيين الأمريكيين أنهم عانوا خلال السنوات الماضية بعد انتهاء الحرب على أفغانستان والعراق التى خلقت واقعا معاديا للأمريكان فى العالم الإسلامى والعربى بشكل خاص.

وعانت أمريكا ومصالحها من اعتداءات عديدة وتهديدات تكاد تكون يومية لا تملك إلا أخذها مأخذ الجد، فعاشت أمريكا فى حالة تأهب دائمة. وكل هذه التهديدات تأتى من إسلاميين يعتقدون أن أمريكا تدعم الأنظمة القمعية فى بلادهم، وتقف ضد رغبة الشارع، لذلك كانت الرؤية الأمريكية هى التخلى عن تلك الأنظمة وفتح قنوات حوار مع هذه التنظيمات الإسلامية.

ووجدت أمريكا ضالتها فى «الإخوان» للوصول إلى تحقيق التقارب بين أمريكا والمسلمين فى العالم العربى، وجرت عشرات اللقاءات داخل السفارات وفى عواصم ومدن غربية وعربية وتركية بين مسؤولين رفيعى المستوى السياسى والأمنى والاستخباراتى وبين قيادات الجماعات قبيل الإعلان عن انطلاق «الربيع العربى»، وأعطتهم الضوء الأخضر والدعم لمواجهة الأنظمة الحالية التى لم تعد ذات نفع يذكر لأمريكا، وبذلك تستطيع أمريكا أن تعيد نفسها إلى الساحة العربية من خلال دعمها للثورات المطالبة بالحرية والديمقراطية ضد الأنظمة «الفاسدة» «الدكتاتورية» التى دعمتها أمريكا دائما، فينتفى هنا أهم الدوافع للتهديد المستمر للمصالح الأمريكية فى أمريكا والعالم من الإسلاميين بعد أن باتت داعمة لهم فى أوطانهم.

ويدلل على صحة هذا الطرح تلك الملاحظة المهمة بأن رغم ما شهده ميدان التحرير والمناطق المجاورة له من أحداث، على مدار أكثر من عام ونصف العام فإن السفارة الأمريكية اللصيقة بالميدان لم تتعرض يوما لاعتداء أو محاولة اعتداء. أيضا لم يتعرض هتاف واحد لـ«الشيطان الأكبر» أمريكا، كما يصفها الإسلاميون على الجانب الآخر للخليج، هذا على الرغم من المواقف العنترية السابقة التى كانت تتهم النظام السابق بأنه «عميل الأمريكان»، ولكن يبدو أن الرؤية من زاوية السلطة لمفهوم العمالة مختلفة.

وعلى الطرف الآخر لم يكن الأمريكان أقل كرما عندما ضغطوا بضراوة – سواء نفى وجود مثل هذه الضغوط لواء أو أكثر أو لم ينفِ – من أجل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية بفوز مرشح الجماعة، لأنها «النتيجة الصحيحة» كما يرون. واستطعت أن أفهم لماذا كانت حالة اللامبالاة هى السائدة لدى المسؤولين الأمريكيين والغربيين، عندما كان يعرض عليهم التواصل مع أى قوى سياسية أخرى غير «الجماعة».

وجدت أمريكا نفسها الآن فى صف واحد مع «الإخوان»، من أجل تحقيق مصالح الطرفين معاً، فالأمريكان يريدون إنجاز مشروعهم بإضعاف دول المركز من جهة والسيطرة على خيرات الباقى من جهة أخرى، وقبل ذلك نزع فتيل العداء من التنظيمات الإسلامية المعادية لهم. أما «الإخوان»، فالمُهم الوصول إلى السلطة وتحقيق المشروع الإخوانى القائم منذ أكثر من ثمانين عاماً.

الدرس المستفاد: الحلفاء يتبدلون، وتبقى المصالح.

عندما حكم رجال الدين إيران

بقلم   عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

فى إحدى القاعات الصغيرة فى مبنى البرلمان البريطانى العتيد جلست مجموعة من المثقفين والسياسيين المصريين والبريطانيين يتناقشون حول الأحداث فى مصر. السمة المشتركة بين المصريين المشاركين أنهم جميعاً تقريباً ينتمون، أو يحسبون أنفسهم على التيار الليبرالى، الجميع قلق على مستقبل الدولة فى مصر بعد أن تمكنت أكبر وأقدم جماعات الإسلام السياسى من أن تفرض حضورها وسيطرتها على الحياة السياسية فى مصر، وتمكنت من اقتناص منصب رئيس الجمهورية، وتلت ذلك بحركة مباغتة إلى الأمام بتحدى القضاء والجيش والمجتمع ككل عندما حاولت من خلال رئيسها استكمال الاستحواذ من خلال إلغاء قرار المحكمة الدستورية العليا وإعادة البرلمان المنحل، وهى المعركة التى مازالت رحاها تدور حتى كتابة هذا المقال.

فى ظل هذه الأجواء دار النقاش فى تلك القاعة، وانقسم المصريون الحاضرون إلى قسمين، أحدهما يرى أنه ينبغى إعطاء الرئيس الجديد وجماعته فرصة، وأن يبدأ الليبراليون التعاون معه، خاصة أنه لم تتح للجماعة مثل هذه الفرصة من قبل، والقسم الآخر يعتقد أنه لا فرصة لليبراليين فى ظل حكم قوى الإسلام السياسى، وأن الحل هو أن يبدأ الليبراليون والقوى المدنية المصرية فى جمع صفوفهم لتشكيل نواة قوية وحقيقية للحفاظ على مدنية الدولة، وعدم السقوط فى فخ الحديث عن إعطاء الرئيس الجديد فرصة وأن يتعاونوا معه.

بينما النقاش محتدم طلب رجل اقترب من الستين من العمر الكلمة، وقدم نفسه باعتباره أحد المثقفين الإيرانيين الذين يعيشون فى بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً هى عمر الثورة الإيرانية، وأشار الرجل بيده قائلا إنه فى غرفة مجاورة لتلك التى يجلسون فيها دار نقاش كان هو أحد المشاركين فيه، وكأنه النقاش الدائر اليوم، الفارق الوحيد أنه كان يدور منذ أكثر من ثلاثين سنة بين بعض المثقفين الإيرانيين وكان «الخمينى» عائداً لتوه إلى إيران ليركب ويقود الثورة الإيرانية، واعتقد كثيرون من الليبراليين أن التعاون مع قوى رجال الدين ممكن، خاصة أن كلا الطرفين شارك فى الثورة، بل إن اليسار الإيرانى هو من بدأها وركب عليها رجال الدين. وأضاف الرجل أنه لو كان يملك تسجيلاً صوتياً لحوارهم وقارنه مع الحوار الدائر اليوم لكانا متطابقين، وتساءل: «انظروا الآن أين نحن؟ بل أين إيران؟» خيم صمت على القاعة وبدا كأن من فيها يستحضر الصورة التى أيقظها الرجل لما حدث فى إيران.

لقد أتى أول مظاهر الثورة فى إيران من الطبقة الوسطى فى المدن، كانوا ينتمون فى معظمهم إلى التيار الليبرالى بمفهومه العام، أو بحد أدنى لم يكونوا جزءاً من تيار المعارضة السياسية الدينية، وكانت هؤلاء مطالبهم بناء ملكية دستورية وليس جمهورية إسلامية.

 فى المرحلة الأولى استطاع رجال الدين استيعاب هؤلاء المعارضين اليساريين والليبراليين، وتجنب «الخمينى» فى تلك الفترة الإشارة إلى القضايا الخلافية مثل «ولاية الفقيه» وغيرها من الموضوعات التى يمكن أن تتسبب فى انفضاض هذه القوى عنه، وظل الأمر على هذا المنوال إلى أن عاد «الخمينى» منتصراً فاتحاً من باريس إلى طهران فى الأول من فبراير عام ١٩٧٩ ليبدأ مرحلة جديدة من العلاقة مع القوى الليبرالية والمدنية الإيرانية التى كانت حليفة له حتى قبيل وصوله من باريس، وبدأ خطواته بالإطاحة بـ«شهبور بختيار» رئيس الوزراء، وتعيين «مهدى بازركان» معتبراً أن هذه الحكومة الجديدة هى «حكومة الله» وحذر من عصيانها، فأى عصيان لها هو «عصيان لله» ـ على حد قوله فى ذلك الوقت.

 وبدأ بعض الجنود فى الانشقاق والانضمام إلى جانبه بينما رفض البعض الآخر، فأعلن الجهاد على هؤلاء المعارضين له من العسكريين الذين لم يسلموا أنفسهم له، وانهارت القوى غير الخمينية عندما أعلن المجلس العسكرى خروجه من ساحة الصراع السياسى يوم ١١ فبراير من نفس العام ليحسم «الخمينى» الأمر لنفسه، وهو الذى كان قد قال يوماً وهو فى المنفى «إن رجال الدين لا يرغبون فى الحكم» ليتحول هو بعد ذلك ـ وفقاً للدستور الذى وضعه وقتها ـ إلى المرشد الروحى الأعلى وقائد الثورة ورئيس البلاد مدى الحياة، ووافق الإيرانيون فى ظل نشوتهم على الدستور وسلموا قيادة بلدهم لرجال الدين الذين استمروا حتى اليوم.

حكى الرجل الإيرانى تجربته بحرقة حقيقية للمصريين الحاضرين وتركهم فى حيرة.

السلفيون أيضاً يدخلون النار

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد يربط القارئ بشكل مباشر بين عنوان المقال وما أصبحنا نطالعه فى الصحف وشاشات التليفزيون عن سلوك من تحصّنوا بمظهر الدين ليبثوا فى أنحاء الوطن حالة من الذعر والهلع «حادث قتل شاب السويس نموذجاً» بينما لا تحرك الجماعة الحاكمة ساكناً لإعلان موقف حاسم ضد هذه الجرائم، واكتفوا باستخدام التعبيرات التى كانت تستخدم معهم فيما سبق بأن القانون سوف يأخذ مجراه(!!) الربط صحيح بين العنوان وهذه الحوادث، رغم أننى لا أدّعى شرف ملكية هذا العنوان، فصاحبه وليد طوغان مؤلف الكتاب الذى يحمل هذا العنوان، والذى تجاوز حدود الكتابة الصحفية فى هذه المواجهة الشجاعة إلى حدود الباحث المالك لأدوات بحث قوية ومنطق قادر على الصمود فى النقاش للانتصار للدعوة لإعمال العقل، ومحاصرة المدعين احتكار الحقيقة وحاملى صكوك الغفران.

للوهلة الأولى يعتقد من يقرأ الكتاب من عنوانه، كما اعتاد معظمنا، أنه سوف يقرأ معركة صحفية صارخة تتفق والعنوان الصدامى والأجواء التى نعيشها، وأعترف بأننى بدأت القراءة وأنا لدىَّ هذا التوقع، إلا أننى ومع الغوص فى الكتاب اكتشفت أننى أمام طرح فكرى مهم يصلح بحق أن يكون بداية لنقاش جاد حول مفهوم إعمال العقل والنظر بشجاعة إلى مسلّمات تحولت إلى وثنيات بسبب الخشية من الاقتراب منها وتفنيدها. المقدمة بدأت باستعراض على عجل حول التغير الذى أصاب الشارع المصرى، وكيف أن حالة الازدواجية باتت هى المسيطرة على طبيعة الشخصية المصرية، حتى إنه يمكن القول إن المصريين امتلكوا سمات الدين دون امتلاك الدين ذاته.

من أهم ما يطرحه الكتاب تلك العلاقة الوطيدة بين المصريين والسنة النبوية التى اقتربت ـ إن لم تكن تجاوزت عند البعض من حد قداسة القرآن، ويناقش طويلاً عبر صفحاته التى تجاوزت الثلاثمائة صفحة الأدلة والبراهين على أن هناك من التراث ما تحول إلى سنن حملها السلفيون بادعائهم أنهم يتمسكون بأصول لم تكن أصولاً من الأساس، فلم تنفصل العقيدة عن الدنيا فقط، إنما انفصل الدين عن المنطق كما يقدمه هؤلاء.

الكتاب أكبر كثيراً من أن أستعرضه فى هذه المساحة، ولكن من بين الإشارات المهمة فيه تلك الإشارة إلى اختفاء الدعاة «الشيك» على حد قوله، مثل عمرو خالد وخالد الجندى، وبدء عصر الدعاة الطغاة من الذين اختاروا فقهاً أشد واحتكروا الحقيقة وقرروا العسر سبيلاً لهم وللأمة.

رغم حديث المؤلف المباشر عن التيار السلفى الإسلامى نازعاً عنهم احتكارهم بأنهم هم فقط أحباب الله، فإنه حرص على التأكيد على أن السلفية الدينية بشكل عام هى أصل المشكلات، وأن احتكار الحقيقة ومقاومة أعمال العقل هما آفة الزمان.

عندما صدرت الطبعة الأولى من كتابى «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» كان مفاجئاً لى ذلك التجاهل الذى تعامل به زملاء وأصدقاء من إعلاميين وكتاب «كبار»، فقد آثر هؤلاء السلامة فاكتفى البعض بالتهنئة والإعجاب الشفوى، والبعض الآخر تجاهل الأمر كلياً، وظل الأمر هكذا حتى بعد الطبعة الرابعة، لم يدرك الزملاء أن أهم ما ينتظره كاتب هو تقدير القراء فى المقام الأول، وهو ما لمسته، والثانى هو تقدير الزملاء وهو ما لم ألمسه. ولأننى أدرك هذا جيداً فقد كان لزاماً علىَّ أن أقدر جهد الصديق، الذى لم ألتقه حتى الآن، وليد طوغان، وتقديرى ليس فى مجرد تناول الكتاب فى مقال أو نشر خبر عنه، بل فى الأساس أن أقرأ وباهتمام وتقدير للجهد الواضح الموضوع فى هذا الكتاب الذى يعد بحق أحد الأسس المهمة التى ينبغى أن نعتمد عليها فى إطلاق حوار عقلانى حول مستقبل هذه الأمة وهذا الوطن الذى أصبح بالفعل فى مهب عاصفة قوية مغلفة بالأصولية الدينية الرافضة لمنطق الاجتهاد وإعمال العقل.

سعيكم مشكور

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

بعد حالة اللهاث التى عشناها لأكثر من عام نحتاج أن نتوقف للحظة، لننظر ماذا فعلنا لأنفسنا ولبلدنا، أو ماذا فعلنا فيه وبه؟ عندما خرج المصريون يوم الثامن والعشرين من يناير العام الماضى لم يختلف أحد على معظم الشعارات التى رفعت. وقتها لم يكن أحد، حتى أشد المتحمسين، يتوقع أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من نتائج، لكن ذلك التنوع المذهل من أطياف المصريين المشاركين فى هذه المظاهرات خلق توقعا بين عديد من المصريين بأن الأفضل هو القادم. اليوم، وبعد مرور هذه الأشهر الطويلة أطلب من الجميع أن يغلق عينيه للحظة ويفكر بهدوء ودون تحفز: أين نحن الآن؟ هل ما وصلنا إليه هو ما كان يحلم به أولئك الذين شاركوا أو تعاطفوا أو تفهموا مطالب المتظاهرين فى الأيام الأولى؟

اسمحوا لى بأن أضع إجابتى باختصار فى إطار المساحة المتاحة، عاشت مصر منذ ثورة ١٩٥٢ ما يمكن تسميته معادلة «ثنائية النظام الحاكم والجماعة الإسلامية المعارضة»، وهذه المعادلة فرضت نفسها منذ حسم جمال عبدالناصر الصراع السياسى وقتها، وانتصر لجناحه فى الضباط الأحرار، وأطاح بالإخوان فى الصراع الأشهر بين الجماعة والجيش فى ذلك الوقت، وبدأت الجماعة رحلة الحظر والمطاردة، ومنذ ذلك الحين ظلت القوتان الرئيسيتان فى معادلة الحياة السياسية المصرية هما النظام القائم على شرعية ثورة يوليو، الذى تمكن من حسم الصراع عام ١٩٥٤، والقوة الأخرى هى جماعة الإخوان المسلمين المنحلة منذ ذلك الوقت وما خرج من عباءتها من جماعات إسلامية معتدلة ومتطرفة، لكنها على الرغم من ذلك ظلت، رغم حظرها، هى القوة الرئيسية فى المعارضة سواء وقت التنظيم الواحد المتمثل فى الاتحاد القومى، ثم الاتحاد الاشتراكى، أو فى ظل التعدد الحزبى الذى بدأ عام ١٩٧٧.

بينما ظلت القوى المعارضة الأخرى، سواء داخل التنظيم الواحد أو التنظيمات السرية الأخرى أو أحزاب المعارضة فيما بعد، ضعيفة التأثير والتواجد، ولم يكتسب حزب معارض قوة إضافية إلا عندما تحالف مع الجماعة «المحظورة» فى ذلك الوقت، وحالة التحالف بين الجماعة وحزب العمل الاشتراكى أو حزب الوفد ماثلة فى الأذهان، وتمثيلهم فى برلمان ٢٠٠٥ يؤكد هذ المعنى، حيث شكلوا قوة المعارضة الرئيسية، بل الوحيدة المؤثرة. ظلت الجماعة تناور سياسياً، وتنتهز الفرص لتدعيم تواجدها، تحالفت مع الجميع مرحليا، وأقصد هنا «الجميع» بمعنى الكلمة، ومن يعد لتطور العلاقة بين الجماعة والنظام منذ تولى الرئيس السادات حتى ظهر الخامس والعشرين من يناير العام الماضى يمكن له أن يرصد هذا الأسلوب الذى أبدعت فيه الجماعة، كيف تبقى على قيد الحياة، وكيف تستفيد من كل المواقف وكل الحلفاء والأعداء. حتى عدم شرعية الجماعة قانونياً تم استغلالها كعنصر قوة وتعاطف، وهذا يفسر عدم رغبتهم طوال السنين الماضية فى اتخاذ خطوات لاستعادة الشرعية أو إيجاد شكل قانونى للجماعة، حيث إن هذه الشرعية سوف تخصم من رصيد التعاطف وتحجم من مساحة المناورة لها. أذكر أننى سبق أن صرحت أكثر من مرة بأنه ليست هناك مشكلة بين الإعلام والجماعة، لكن هناك مشكلة قانونية وشرعية بين الجماعة والنظام، أو العكس، وعلى الطرفين العمل لإيجاد حل لهذه المشكلة.

بعد هذا التقديم لشكل العلاقة تاريخيا نجيب عن السؤال: ماذا جنينا اليوم بعد حوالى عام ونصف العام؟ والإجابة: حصلنا على ذات المعادلة، لكن مع تبديل مواقع أطرافها، أصبحت الجماعة هى الحاكم، أما كل المصريين الآخرين وكل القوى التى حملت شعارات الثورة والثورية، وكل الشباب الذين شاركوا، وكل الليبراليين والمقيدين فى كشوف الليبراليين، الكل أصبح خارج المعادلة. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً وغاية فى الصراحة: ألا يمكن القول إن «الثورة» التى قامت لم تكن إلا «انقلابا» إخوانيا استغلت فيه الجماعة كل هؤلاء الذين أشرت إليهم ممن شارك منذ اللحظة الأولى؟ هل أكون متجاوزا الحقيقة إذا قلت إن لسان حال الجماعة يقول لكل هؤلاء: «لقد حققنا حلمنا الذى حلمنا به منذ عشرات السنين بفضلكم، ولم يبق لنا إلا أن نقول لكم: (سعيكم مشكور)»، هل جاوزت الحقيقة؟