الكفر بدولة الجماعة

عبد اللطيف المناويبقلم عبداللطيف المناوى
«أمسكونى وجرونى على الأرض، ثم قيدونى وأتى شخص منهم يطلب منى أن أعترف بأننى أتلقى أموالاً من شخصيات سياسية معينة لأهاجم وأضرب الإخوان، ظلوا يعتدون على بالضرب والصفع على الوجه، ثم ألقوا بى فوق عدد آخر ممن كانوا مقيدين إلى جوار قصر الاتحادية».. هذا ما قاله واحد من بين العشرات الذين قامت أفراد ميليشيات الجماعة بالقبض عليهم وتقييدهم والتحقيق معهم فى ظل الضرب والإهانة لإجبارهم على الاعتراف بالمؤامرة الوهمية التى تبناها «رئيسهم المنتخب»، مؤكدا أن الضالعين فى المؤامرة اعترفوا بينما تحقيقات النيابة لم تكن قد بدأت بعد، بل الأنكى من ذلك أن من ألقى القبض عليهم فى محيط الاتحادية قد أفرج عنهم، وهذا يعنى، ببساطة، أن السيد مرسى قد اعتمد على تحقيقات ميليشيات الجماعة، التى قامت بالقبض والضرب والتحقيق، فى الوصول إلى نتائج يصدم بها المواطنون على شاشة تليفزيون الدولة، التى كانوا يظنون أنها دولتهم، لكنه نجح هو وقيادته الجماعة فى أن يثبت لهم خطأهم، فهى لم تعد دولتهم، ولكنها باتت دولة الجماعة ومن معهم ينافقهم ويخدمهم. وبات واضحا أن سلوك الجماعة كشف عن وجههم الحقيقى، وهو وجه يكشف حقيقتهم كجماعة ذات فكر إقصائى متسلط يرفض الآخر ويصر على الانفراد بـ«الغنيمة»، وهم فى الواقع لا يهمهم كثيراً انكشاف ذلك الوجه، فهدفهم الآن هو السيطرة والانطلاق إلى الأمام بأى ثمن إلى نقطة التمكن التام من مفاصل الدولة، وحدهم لا شريك لهم، كل ذلك تحت اسم الدين الذى يستغلونه ويوظفونه من أجل تحقيق أهدافهم الدنيوية فى السلطة.

كل ممارسات الجماعة وقياداتها التى ينفذها ممثلهم فى الرئاسة لا تصب إلا فى صالح شق الوطن إلى «فسطاطين»، كما قال من قبل أسامة بن لادن، الجماعة وحلفاؤها فى فسطاط وبقية الأشقياء من أبناء الوطن فى فسطاط آخر، وبدا سلوكهم من خلال ممثلهم فى الرئاسة كملك فرنسا لويس الرابع عشر، الذى حكم فرنسا ٥٤ عاما «١٦٦١-١٧١٥»، وارتكزت قاعدة العمل السياسى لديه على الطاعة، حتى صارت هذه المقولة مثالا للاستبداد السياسى، الذى كان يقول «أنا الدولة والدولة أنا»، أما هم فى الجماعة فيضيفون إلى تلك المقولة الشهيرة، من خلال ألسنة دعاتهم وبعض حلفائهم التى تقطر غطرسة وكراهية «واللى مش عاجبه يخرج منها».

لكن الأكيد أنهم سيصلون يوماً إلى ما وصل إليه لويس الرابع عشر كما يقال وهو يحتضر، كما سوف يحتضرون، حيث نسب إليه قوله «أنا سأذهب أما الدولة باقية»، ولكن ما نخشاه أن يكون ذلك بعد أن يكونوا قد هزوا، إن لم يكن دمروا، أسس تلك الدولة ودعائمها.

هم يسيرون فى اتجاه واحد كالقطار فاقد الفرامل، هدفهم السلطة بكل تفصيلاتها وأدواتها، لا يريدون أحداً معهم يشاركهم غير بعض من حلفائهم وخدامهم، الذين سوف يلقون لهم ببعض من الغنيمة، هم يرون أنفسهم الأحق والأنسب والأصلح لهذا الدور، ومن أراد أن يبقى فليبق معهم بشروطهم، راضيا بدونية موقعه ومكانه الذين يضعونه فيه. ويمكنا أن نلاحظ أن تقسيم الأدوار بينهم يتم بشكل واضح ما بين حركة الميليشيات وهجوم الدعاة وكتائب القانونيين والمحامين المستعدين لرفع الدعاوى، إضافة إلى التهديدات بالقتل والخطف والحرق ومحاصرة المحاكم والاستوديوهات، التى لها أيضا ناسها ومجاهديها.

الأكيد أن رد فعل الناس كان مفاجئاً لهم، ومربكاً فى بعض الأحيان، لكن هذا لم يثن القيادة المتشددة عن الاستمرار فى الدفع بالأمور إلى حافة الهاوية وحدود الانفجار، وهم عندما يدعون أنهم يتراجعون فإنهم فى الحقيقة يناورون، وتكون حركتهم أشبه بالانسحاب التكتيكى استعداداً للانقضاض مرة أخرى، وهذا يبدو واضحا فى الإعلان الدستورى الأخير، الذى خرج بعد مفاوضات «جورج الخامس» مع «جورج الخامس» يوم السبت الماضى، التى حضرها شخصيات أظن أن بعضهم سوف يجد صعوبة فى تفسير موقفه بالحضور لأبنائه وأحفاده الذين سوف يدفعون ثمن هذا التواطؤ وتسهيل تسليم الوطن لجماعة تريد إقصاء الجميع. الإعلان الجديد ما هو إلا خطوة تكتيكية نتيجتها ببساطة التالى: تقديم موعد إلغاء الإعلان الاستبدادى السابق لمدة سبعة أيام، ومحاولة شق صف القضاء بتقديم تنازلات وهمية، كل ذلك من أجل تمرير الاستفتاء على الدستور الطائفى الإقصائى الاستبدادى، الذى يؤسس لدولة الجماعة القادمة، التى إن أتت وتمكنت فهى جاثمة على أنفاس هذا الوطن لقرون. قالوا قديماً «إن العند يولد الكفر»، واليوم يمكن أن نقول إن العند والإصرار على الاستبداد قد ولد بالفعل الكفر بدولة الجماعة.

قبل أن أختم هذا المقال فقط أريد أن أصحح مفهوماً، فإن الذين يقفون اليوم فى وجه الاتجاه بالدولة نحو الاستبداد لا ينبغى أن نطلق عليهم معارضين، فالمعارضة تكون فى إطار دولة مستقرة واضحة الملامح والطريق، ولكن الأصح والأدق أن يوصفوا بأنهم حراس الدولة المدنية والمدافعين عن خلق دولة كل المواطنين لا دولة جماعة تتحكم فى كل المواطنين.

الإعلانات

القوى المدنية والإصرار على الخطأ

بقلم عبداللطيف المناوى
لم يكن بإمكان جماعة «الإخوان المسلمون» أن تصل إلى السلطة إلا بمساعدة القوى المدنية، لا أقصد مساعدتها المباشرة، والتصويت لها فقط، كما فعلت بعض القوى، وإنما أيضا حالة التفرق والتشرذم، حتى فى حالة الاتفاق على أخطاء الجماعة، فإن حالة التشرذم مستمرة.

لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد، فالقوى المدنية أهدرت الفرصة التى منحها المجلس العسكرى للأطراف المتصارعة لإدارة البلاد، عندما أعلن رغبته فى الخروج من اللعبة السياسية إبان الفترة الانتقالية، وفرطت فى الجيش، الذى دخل الساحة السياسية مرغما، عندما انحاز للشرعية الشعبية، وأعلن رفضه إطلاق الرصاص على المتظاهرين حتى لو دخلوا قصر الرئاسة، وكان يبحث عمن يقف إلى جانبه، ويمكن أن نصفه بأنه كان يعانى من «رومانسية سياسية»، وكان يتوقع أن كل القوى المدنية ستلتف حوله،

لكنه فوجئ بعشرات الأحزاب، وأكثر من ٣٠٠ ائتلاف شبابى، كل منها يبحث عن الزعامة، ويقول إن الثورة تخصه وحده، ولا يريد أن يستمع إلى الآخر، وفى ظل هذا التفتت والتشرذم والاقتتال، كان الإخوان ببراجماتيتهم جاهزين للقفز، وركوب الثورة، وإقناع المجلس العسكرى بأنهم سيدعمونه إذا احتاج إلى دعم شعبى أو مظاهرات مؤيدة، وأنهم الأكثر تنظيما والأجدر بإدارة البلاد.

القوى المدنية التى تجمعت فى ميدان التحرير من بعد يوم ٢٨ يناير، استمرت حتى يوم ١١ فبراير ٢٠١١، دون أن تتفق على قائد واحد، واعتبروا أن هذا شىء جيد حتى لا يخطف أحد انتفاضة الشعب، لكن الأيام كشفت أن الإخوان كانوا جاهزين بالتنظيم وبكوادرهم، وهو ما حدث بالفعل.

خطأ القوى المدنية فى عدم التوحد خلف فصيل واحد أو قائد واحد، أضر بالمكتسبات التى خرجت بها هذه القوى بعد ١١ فبراير، فحتى الثورات التى تحولت إلى دموية، مثل الثورة الفرنسية، انطلقت من مبادئ واضحة وأهداف تسعى إلى تحقيقها، وتوحدت خلف قادة محددين، كما أنها سبقتها حركة تنوير كبيرة، أما فى مصر فكانت هناك رغبة فى التغيير، دون صياغة ذلك بشكل واضح، وكنت قد كتبت عن ذلك عقب الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠، وتحدثت عن ضرورة التغيير، وقلت إن التغيير هو فعل إما أن تقوده أو يقودك، هو كالحصان الجامح إما أن يجرك أو تروضه،

وإن قيادة الواقع مرتبطة بطرح مفهوم التغيير على أرض الواقع، وبالتالى استمرار الاستقرار فى المجتمعات الكبيرة، الاستقرار بمفهومه الأشمل، ونبهت إلى أن «استمرار التقدم إلى الأمام هو أن نقود نحن التغيير، ونروض هذا المفهوم بدلا من أن نجد أنفسنا مجرورين خلف مفهوم التغيير الذى إذا تحسسنا منه فإنه سيكون هو من يقود وليس نحن من يقوده».

لكن المشكلة الحقيقية أن من توقف عن السمع هذه المرة ليس الجماعة الحاكمة فحسب، بل القوى المدنية، التى يمكن أن نطلق عليها القوى المعارضة، فهى ما زالت تصر على نفس الخطأ الذى ارتكبته يوم ١١ فبراير ٢٠١١، والخطأ الذى ارتكبته فيما بعد فى الانتخابات البرلمانية التى جرت أواخر عام ٢٠١١، ثم الخطأ الأكبر الذى ارتكبته فى الانتخابات الرئاسية التى جرت منتصف العام الجارى، حيث تفتتت وتشرذمت وتفرقت، ويبدو أنها ما زالت مصرة على هذا التفتت والتشرذم والتفرق، دون أن تتعلم الدرس، ودون أن تعى أن ذلك يعطى الفرصة الأكبر للجماعة الحاكمة لتثبيت أقدامها أكثر فى حكم البلاد.

مصر مقبلة على حدث كبير، إذا أصر الإخوان والسلفيون على تمرير الدستور بشكله الحالى المعادى للحريات، والمنحاز لدولة دينية على حساب المدنية، فإن الاستفتاء القادم هو التحدى الحقيقى أمام القوى المدنية فى حشد كل طاقاتها وتوحيد صفوفها من أجل رفض هذا الدستور، ورفض تمريره.

النقاش المجتمعى، ومحاولات عقد لقاءات مع بعض قادة الأحزاب المعارضة، ليس إلا صيغة أخرى لإقناع المواطنين بأن هناك موافقة عامة على هذا الدستور، رغم أن هذا يخالف الحقيقة، وعلى القوى المدنية إدراك أن مصير دستور مصر القادم، ليس فى يد الحزب الحاكم، بل فى يدها هى، فقط إذا توحدت.

التحرش السياسى والمستقبل المجهول

بقلم عبداللطيف المناوى
فى مقال سابق تحدثت عن الأساليب المختلفة التى تتمكن بها الأنظمة التى اتخذت من الإسلام السياسى غطاء للسيطرة والحكم، ومن بين هذه الأساليب ما يوصف بأنه خلق لمناخ أزمة مستمر، للتمكن من الاستمرار فى القبض على مقاليد الحكم، وبالتالى فإن اعتماد أسلوب التحرش السياسى كأحد الأساليب المتبعة لتغطية العجز أو الفشل فى إدارة الدولة هو أحد أكثر الأساليب اتباعا فى مثل هذه الأحوال، وللأسف يبدو أن اللجوء إلى هذا الأسلوب قد بدأ مبكرا فى حالتنا، وأقول للأسف، لأن هذا الوضع هو آخر ما كنا نحتاجه فى ظل الوضع الاقتصادى الخطير الذى تعانى منه مصر، وتبعاته الاجتماعية والسياسية.

أى نظام كان سيتولى أمور مصر الفترة الماضية كان سيواجه حقيقة كبيرة ماثلة أمام من يفهم فى السياسة وإدارة البلاد أو لا يفهم، هذه الحقيقة تتكون من شقين: الأول أزمة اقتصادية كبيرة بدت ملامحها الأولى منذ البداية وتوقعات تأزمها وتعقدها بشكل أكبر واضحة، والشق الثانى هو ما بدا واضحا من حالة الانقسام والتمزق التى يعانى منها الوطن فى أعقاب الانتخابات. العقل والحكمة والوطنية تقول إن أى نظام كان سيتولى فى ظل هذه الظروف سيلجأ فورا إلى التعامل مع هاتين المشكلتين إذا أراد أن يحقق نجاحاً يصب فى صالح الوطن، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، وللأسف – مرة أخرى – كان هذا هو المتوقع من قوى الإسلام السياسى عندما تتحكم، فهذا بالضبط ما حدث من قبل من أمثالهم فى بلاد أخرى.

بدلاً من مواجهة المشكلة الكبرى المتمثلة فى الأزمة الاقتصادية بالتعامل المباشر معها وفتح الباب أمام عقول الأمة وإمكانياتها للتعاون ومواجهة الخطر المقبل، انشغل أتباع وأعضاء القوة الحاكمة فى السعى نحو تحقيق الغنائم السريعة وخلق جماعة مصالح جديدة، وفقاً لأسلوبهم وفهمهم لمعنى الاقتصاد، وهو المعنى الذى اختصروه فى مفهوم التجارة وكيفية تحقيق الربح الشخصى السريع، ووجد هذا صدى واضحاً عند العديد من المنتفعين بأى نظام على مر العصور.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تنظيمهم السياسى استغل الأزمة لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، مستفيداً من إمكانيات الدولة، وليست أزمة أنابيب البوتاجاز بعيدة عن الذاكرة عندما اشتكت قيادات وزارة البترول من أن أعضاء الحزب الحاكم يستولون على جهد العاملين بالدولة فى حل الأزمة، كى يظهروا هم بمظهر من يحل الأزمة. وبدلاً من أن يواجه النظام الجديد، الذى تمكن من تلابيب البلاد، الأزمة بالدراسة والبحث عن طرق للحل، تصرف كما يتصرف التلميذ «الخايب» الذى يتشاغل بصغائر الأمور بدلا من مواجهة الحقيقة بأنه يواجه امتحاناً، فيبحث عن أسباب واهية لتشغله ومعارك وهمية وأسباب يعلق عليها فشله، ويفعل أى شىء إلا مواجهة الاختبار والتحدى.

وبدلاً من خلق حالة من الاستقرار والثقة فى العلاقة مع المستثمرين المصريين والعرب والأجانب، بدأوا حرباً تخويفية لا تصب إلا فى مصلحة أتباعهم الذين أشرت إليهم فى البداية من أولئك الذين يستغلون الوضع القلق والمتوتر، لاصطياد وقنص الممكن من الأعمال والاستثمارات التى يسعى أصحابها إلى التخلص منها، فى ظل تلك الأجواء المتوترة.

وبدلا من خلق حالة ثقة مع دول الجوار والمجتمع الدولى دخلنا فى مناطق من عدم الثقة والتوتر، مما دفع تلك الدول إلى التحفظ فى القيام بأى دور يدفع الاقتصاد المنهار. وفى أسلوب وخطوة غير مفهومة وغير منطقية يخرج رئيس النظام ليتحدث عن فتح حساب «التطهر»، وهذه الفكرة رغم ما تحمله من ملامح كوميدية إلا أنها تحمل فى طياتها بذور الكراهية والصدام الاجتماعى بين أبناء الوطن دون أسباب حقيقية، وكأنه يرجع سبب الفشل الكبير فى إدارة الشأن الاقتصادى إلى من يطالبهم بالتطهر دون أن يضع ملامح واضحة لحل أزمة العلاقة بين كل الأطراف المتورطة برغبتها أو دون رغبتها فى هذه العملية «التطهرية».

أما الشق الآخر، الشق السياسى، فقد دخل النظام الجديد على أمة منقسمة، وبدلاً من أن يعمل على سد الفجوة، استغل الوضع لتأكيد حالة الانقسام، لينفرد بالسلطة ورأسها مقصياً ومعادياً كل الجماعات السياسية.

هذه الأجواء هى أجواء أزمة قد تساعد التيار الحاكم على الاستمرار فى مقاليد الحكم، حيث إن خلق الأزمات هو إكسير الحياة والاستمرار لمثل هذه الأنظمة، لكن الأكيد أن الوطن – كل الوطن – يتجه بهذه الإدارة الفاشلة إلى مستقبل مجهول.

تناقضات الفعل والأقوال

بقلم عبداللطيف المناوى

نعيش حالة واضحة من التناقض بين ممارسات الواقع ولغة الخطاب الرسمى، ويبدو أحيانا – أو فى كثير من الأحيان – أن هذا التناقض مقصود، وليفهم من عليه أن يفهم الرسالة الواضحة لهذا التناقض الحاد بين مستوى القول ومستوى الفعل، وكما اختصر أجدادنا هذه الحالة فى المثل الشعبى العبقرى الذى يقول «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب» يبدو أن الاستعجاب بات نصيبنا.

هذا التناقض الذى أتحدث عنه هو تناقض يغذى حالة الخوف على المستقبل.

الخطاب الرسمى فى مصر يرفض التفرقة بين المصريين ويدّعى هذا الخطاب أنه نظام كل المصريين، وعندما ننظر إلى واقع الممارسات التى لا تكذب نجد أن التفرقة بين المصريين على أسس الهوية والعقيدة الدينية والسياسية وصلت الآن إلى مدى الارتباط بالجماعة والولاء لها. لا أظن أن الكثير منا يجد أن الخطاب الرسمى يشكل واقعا حقيقيا على الأرض.

يتحدث الخطاب الرسمى عن إدانة التجاوز فى حقوق المصريين، لكن فى ذات الوقت نشهد حجما واضحا لممارسة هذه التجاوزات. ينفى الخطاب الرسمى وجود أى اتجاه للمساس بالحريات الشخصية، ولكن نجد قدرا كبيرا من السلوك المناقض. ومع وجود جماعات الأمر بالمعروف فى عديد من المدن، وتمتعها بغطاء من غض الطرف من الحكام الجدد – لم نجد موقفا حادا «خشنا» واضحا يدفع هؤلاء المنضمين لهذه الجماعات للتفكير مائة مرة قبل أن ينطلقوا فى الشوارع يفرضون ما يعتقدون هم أنه صحيح الدين الذى على الآخرين اتباعه، بأساليب ضد القانون، بل يُنتزع القانون من السلطة المختصة بل من الدولة.

يتحدث سادة الجماعة عن أنه لا تفرقة بين المصريين ويؤكد رئيسهم أنه لكل المصريين، ولكن على الأرض كان مفهوم الأهل والعشيرة هو السائد والحاسم فى شكل العلاقة مع المصريين. لذلك وجدنا هذا القدر من «التطهير» السياسى والإقصاء، وبات من هو قريب أو حليف أو خادم أو عضو فى الجماعة هو من له الحق فى كعكة الوطن.

من بين دلائل هذا التناقض الرئيسى بين القول والفعل تلك التأكيدات على حماية الدولة لمواطنيها، كل مواطنيها، بينما تترك بعضاً ممن يفترض أنهم من مواطنيها يقف فى مواجهة التطرف الأعمى، وهنا أشير إلى ما تعرض له بعض العائلات من تهجير من منازلهم رأته دولة الجماعة ليس تهجيرا بل هو تحقيق لمبدأ الحرية، لأن هذه الأسر اختارت أن تترك منازلها بمحض إرادتها.

صحيح أنه تحت الهجوم الإعلامى خرجت تصريحات ترفض هذا السلوك وتؤكد حق العائلات فى العودة إلى منازلهم ولكن الضرر كان قد وقع.

شاركت الأيام الماضية فى لقاءات فى نيويورك حول مفهوم الدولة المدنية والدولة الدينية، لن أتطرق هنا إلى ما دار من نقاش، ولكنى سأتوقف أمام جملة مهمة ذكرها منظم وراعى اللقاء ماجد رياض، المحامى المصرى المعروف هناك، هذه الجملة تلخص الأسلوب الأمثل لحل هذه المتناقضات التى يمارسها حكامنا الجدد، وذلك فى إطار رده على شيخ شارك بكلمة فى اللقاء تحدث فيها عن أن المسلمين فى ظل الدولة المسلمة سوف يحمون الأقباط، وكانت الجملة مفتاح الرد «نحن لا نريد دولة يحمينا فيها المسلمون، نحن نريد دولة يحمينا فيها الدستور والقانون».

أنا أظن أن هذا المفهوم لو ساد فسوف يكون فيه حل هذا التناقض نسبيا. نحن نريد دولة قانون ودستور لا دولة جماعة وأتباعها. دستور وقانون ينظمان العلاقات بين أصحاب الوطن – كل المواطنين – لا قواعد الإجارة بين القبائل، هذه دولة عمرها آلاف السنين، ولو علم من يحكمونها ذلك لاختلف السلوك المتناقض الذى نعيشه ونعانى منه.

مخططات الإشغال بعد ركل السلم الخشبى

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى المقولات السائدة أن تيار الإسلام السياسى يستخدم الديمقراطية وأساليبها كالسلم الخشبى المتحرك، يستخدمه ليصعد به إلى السلطة والسطوة، وما إن يصل إلى هدفه يركل السلم الخشبى بقدمه، فلا هو نزل عن السلطة ولا غيره صعد إليها. وحتى الآن، التجارب التى رأيناها ونراها حولنا تؤكد هذا المفهوم، ومقدمات ما نراه حتى الآن لدينا تؤكد أيضا هذا التخوف.

إحدى الدول التى سيطرت عليها القوى الدينية، وهى إيران، تنصل قادتها الدينيون من التزاماتهم بعدم التدخل فى السياسة أو ممارسة أى دور سياسى فى أقل من أسبوعين بعد سقوط الشاه، وانتهى الأمر بإيران إلى ما نراه اليوم، ولكن هناك فارقاً رئيسياً فى النموذج الإيرانى، لأنها دولة غنية وتمتلك قاعدة اقتصادية قوية من أيام حكم الشاه، إضافة إلى وزنها فى سوق البترول العالمية.. هذا الوضع الاقتصادى القوى ريعيا ساعد النظام فى السيطرة على الأمور، ومكّنه من تجاوز الآثار السلبية لركله السلم الخشبى بتلك الإمكانيات الاقتصادية، فالحاجة الأولى للشعوب هى إمكانية العيش الآمن اقتصاديا، والقدرة على تجاوز أى ضغوط اقتصادية يمكن أن تمارس دوليا، وشراء حلفاء وعملاء محليين ودوليين، وضع إيران الاقتصادى هو ما مكّن نظام الملالى فى إيران من الاستمرار أكثر من ثلاثين سنة حتى الآن.

الأسلوب الثانى للاستمرار فى السيطرة على مقاليد البلاد إذا ما كان هذا البلد يعانى اقتصاديا ـ وهناك نموذج جار لنا ـ هو حل المشكلات كلاميا، واختلاق الأزمات الداخلية والخارجية التى تشغل الرأى العام أو تخلق داخله حالة من الإحساس بالخطر أو المساس بالكرامة الوطنية التى يختزلها أفيال النظام السياسى الحاكم، فيعطى لنفسه مبرر البقاء والتشبث بالسلطة إلى الأبد أيا كان الثمن، ويتماثل النموذجان الغنى والفقير فى اتجاههما بأساليب مختلفة نحو السيطرة الكاملة والاستحواذ والتمكين من كل مفاصل الدولة، مع استبعاد الآخرين المختلفين والمعارضين وتضييق مساحات التعبير والتأثير فى الرأى العام.

إكسير الحياة لمثل تلك الأنظمة هو اختلاق المشكلات والأزمات التى تمكّنه من استمرار السيطرة والإقصاء للآخر، ولا بأس هنا من خلق أزمة حقيقية مع جزء من نسيج الوطن لخلاف دينى أو عرقى، ولتشتعل أزمة أو حربا ثمنها انفصال واقتطاع جزء من الوطن، وهذا حدث بالفعل وضاع جزء من الدولة ولكن بقى النظام. تتعرض مثل هذه الأنظمة لضغوط ومخاطر خارجية، بل تسعى حتى إلى افتعال الأزمات لخلق هذه الضغوط الخارجية التى تدفع المواطنين إلى تجاوز أزماتهم الداخلية والالتفاف حول النظام القائم حتى لو كان فاشيا ديكتاتوريا، لأنه يتعرض لخطر خارجى والالتفاف حوله ودعمه هو التزام وطنى، لأن الكرامة الوطنية تم المساس بها، ونجح النظام فى خلق الإحساس بالخطر.

مثل هذه الأنظمة التى تسعى بالأساس إلى السيطرة والاستمرار فى الحكم أيا كان الثمن تسلك كل الطرق لتحقيق هذا الهدف، هدف الركل بالسلم الخشبى أيا كان اسمه، ديمقراطية أو ثورة أو انتفاضة، لينفرد التيار بالجلوس وحده، فلا غيره صعد ولا هو نزل.

هناك من سيبادر بمناقشة هذا الرأى بأن النموذج التركى يختلف، وهذا حديث آخر يطول فى وقت آخر، ولكن ما يمكن طرحه الآن هو أن النظام التركى ليس نظاما يسيطر عليه تيار الإسلام السياسى، بل إن تركيا – كما قال قادتها – هى دولة مدنية علمانية، يحكمها حزب سياسى مدنى ذو ملامح دينية، أساس عقيدته الحفاظ على مدنية وعلمانية الدولة.

الوطن ما بين استهانة الجماعة الحاكمة وتخلى النخبة

  بقلم   عبداللطيف المناوى Image

أثار المقال الأخير ردود فعل متعددة بين العديد من القراء والأصدقاء، سواء عبر موقع الجريدة أو وسائل الاتصال الاجتماعى، أو الاتصال المباشر. استغربت فى البداية من حجم رد الفعل، خاصة أننى أعتقد أن الكثير مما كتبت من قبل كان يحمل نفس التوجه والآراء، لكن عندما عدت وراجعت ما كتبت اكتشفت أن أكثر ما قد يكون سببا فى توقف العديد من القراء أمامه هو المواجهة الواضحة بلا قفازات لحقيقة الخطر الذى تتعرض له مصر، ليس بغرض خلق حالة من التخويف، لكن بغرض الحوار الوطنى الحقيقى، الذى لا يستثنى أحدا من أبناء هذا الوطن من الحق فى الحوار والاختلاف.

وقد يكون من أكثر ما استوقفنى تقديرا هو ذلك التعقيب الذى كتبه قارئ للمقال على مدونتى، أذكر اسمه الأول، لأننى لم أستأذن فى نشر اسمه كاملا، وهو يبدو مما كتب أنه مؤيد للرئيس وداعم له، اسم القارئ «على» وقد علق قائلا: مع اختلافى الشديد مع مظاهرات ٢٤ أغسطس إلا أنه كان يجب أن يكون التعامل معها بما يدل على أن هناك ثورة قد قامت وليس تغييراً حكومياً جاء بأغلبية برلمانية أو معبرا عنها، ومع اتفاقى الشديد مع الدكتور مرسى إلا أنى أختلف مع من يحركه من تحت الستار (الجماعة)، وأرجو أن تسير الأمور فى مصر فى طريق مدنية الدولة مع حكم مرسى لأربع سنوات، نستطيع أن نختار بعدها من بدائل أفضل مما كان، ومع اختلافى معك يا أستاذ عبداللطيف فى التوجه السياسى إلا أن كل ما ذكرته يستحق الاحترام والتقدير والنظر إليه على أنه دفاع عن الحرية والمدنية، وفى النهاية نحن ندافع عن القيم نفسها، مع اختلاف التوجهات وليس الأيديولوجيات.

انتهت وجهة نظر القارئ الكريم، وما أقدره هنا هو التقاطه الفكرة الرئيسية التى دائما ما أنادى بها، دون أن تجد أذناً صاغية لدى الجماعة الحاكمة، وهى قبول الطرف الآخر، وإقامة حوار حقيقى يهدف إلى الوصول إلى مناطق اتفاق، ولا يدعم التناحر والاختلاف، بل الاقتتال فى كثير من الأحيان. ما نراه الآن على الساحة السياسية هو قدر ملحوظ من الاستهانة بالآخر، وما لم يقرأه هؤلاء ـ الذين يستهينون ـ أن هذه الصفة كانت من الصفات الرئيسية التى كانت سببا فى انهيار النظام السابق.

ولا يمكن حل هذه الإشكالية بإجراءات شكلية مضحكة بالإعلان عن فريق من المساعدين يتلوهم فريق من المستشارين، استغربت لقليل من الأسماء وردت بينهم كيف وافقت أن تكون تجميلا لواقع مازال يبدو بعيدا جدا عما يؤمنون هم أنفسهم به، وهذا الفريق ـ أو الفريقان ـ لم يتوقف أحد، ليناقش عدم مطابقته مع ما التزم به مرشح الجماعة للرئاسة أثناء الانتخابات، وما تلى من تصريحات فى الأيام الأولى بأنه سيكون هناك نواب للرئيس يمثلون أطياف الشعب، فانتهى الأمر إلى مجموعتين من الأشخاص بعضهم «يمثل» دور المساعد، والآخر «يشخص» دور المستشار، أما منصب النائب فقد كان محجوزا لمن هو من الجماعة تنظيما أو انتماء، لتثبت الجماعة مرة أخرى ما لم يعد يحتاج إلى إثبات، وهو عدم الالتزام بما يعدون.

لا ألوم فقط القائمين على شؤون الجماعة، وبالتالى شؤون البلاد التى سيطروا عليها، لكنى ألوم تلك المجموعة التى احتلت قسرا موقع النخبة، أولئك الليبراليين والمقيدين فى كشوف الليبراليين، الذين تخلوا عن الذين يفترض أنهم يقودونهم، طمعا فى تحقيق مكاسب قصيرة النظر شديدة الشخصية، أو خوفا من الصدام مع من باتوا يملكون القدرة على جعل حياتهم أكثر صعوبة أو أكثر يسرا. المتابعة لما تسود به صفحات الصحف الآن ويشغل ساعات الفضاء تكشف بوضوح كيف بات التحول سلوكا طبيعيا، حتى إن الناس ما عادوا يستغربون هذا التحول. هؤلاء يتحملون بالقدر نفسه مسؤولية ضياع الوطن الذى كنا ننشده، وطنا مدنيا لا دينياً ولا عسكرياً، بل بلد يكون مفهوم المواطنة هو فيه الأساس، وليس خانة الجنس أو الديانة فى بطاقة الهوية هى المعيار.

الدفاع عن الحرية والمدنية لن يكون متيسرا، إذا ما ظل غياب النخبة أو تغييبها، وإذا ما استمرت حالة النفى والاحتكار والاستحواذ هى سلوك الجماعة الحاكمة، والخاسر هو الوطن الذى لن يكون كما حلمنا به لنا ولأبنائنا

لا أظن أن الدرس قد انتهى بعد

بقلم عبداللطيف المناوى

الأسلوب الذى أدارت به الجماعة المعركة مع من امتلك بقية من شجاعة المواجهة وخرج يوم ٢٤ هذا الشهر، يدل على أن الجماعة قد استفادت كثيراً مما اعتبرته نقاط ضعف النظام السابق. هذا يبدو واضحاً على عدة مستويات، أهمها عندما قررت الإجهاض المبكر لدعوة الخروج إلى الشارع للتظاهر، فكانت الخطوة الأهم هى الانقضاض على قيادات المجلس العسكرى السابقة والإطاحة بهم دون مقاومة وباستسلام محير إلى درجة الريبة.

ليس هذا فقط، بل بدأت معركة حقيقية -لكنها من طرف واحد- وبالتالى يمكن تسميتها بالهجمة بدلاً من المعركة تجاه وسائل الإعلام، وحدث ذلك على عدة مستويات، الإطاحة بكل رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية والإتيان بمن هم منهم أو معهم دون قيد أو شرط بلا اعتبار لرأى الجماعة الصحفية. أما الإعلام الخاص فإن تقديم بعض الأضحية كفيل بخلق حالة من الردع الذى يصل إلى حد الخوف والبحث عن الأمان فى مرحلة من المراحل، وهكذا كانت البلاغات والاتهامات وأوامر الضبط والإحضار ورفع سيف السجن والاعتداء على الإعلاميين أو التهديد بذلك وإذاقة طعم السجن لأحدهم أو بعضهم وإغلاق قنوات أو مصادرة صحف أو التهديد بذلك، كل هذه الأساليب كفيلة بخلق حالة من الخوف داخل نفوس أصحاب الرأى.

أما على الأرض، فإن استخدام أسلوب الحشد للتخويف أثبت أنه يأتى بنتيجة، والانتخابات ليست بعيدة، فخرجت الدعوات لحشد الميليشيات على الأرض، والتهديد بالمواجهة، وتوازى مع ذلك بعض الفتاوى بقتل أولئك الفجرة الكفرة الذين يجرؤون على مخالفة ظل الله فى الأرض، بل يدعو البعض لتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، جزاء المفسدين فى الأرض. ولم نسمع صوتاً حاداً جاداً خشناً يدين مثل هذه الفتاوى، بل كان كل ما حصلنا عليه من أولى الأمر تجاه أصحاب هذه الدعاوى من حلفائهم هو رفض أقرب إلى الموافقة، أو هو كان كرفض الحبيب أو ضربه.

وهكذا بدأت الدعوة لمظاهرات التعبير عن الرأى الرافض لما تشهده البلاد من خطوات راسخة نحو السيطرة والاستحواذ والعزل للجميع عدا أعضاء الجماعة وحلفاءها، بدأت فى أجواء غير مواتية بل رادعة، حتى من اتفقوا فى الموقف والشعار السياسى الذى رفعه الداعون لهذه التظاهرات اكتفوا بإعلان اتفاقهم مع الحرص على التأكيد أنهم لن يشاركوا.

وعندما بدأ المتظاهرون فى النزول إلى الشارع فى تلك الأجواء وجدوا أساليب جديدة للأمن بمختلف أنواعه، استفاد فيها من تجارب الماضى عندما كان حكام اليوم هم متظاهرى الأمس، فأجادوا الحصار وإجهاض التحرك، ساهمت فى ذلك ميليشيات الشارع المنظمة من الجماعة، التى مارست قدراً ملموساً من الترويع والتخويف. كل هذا مجتمعاً تسبب فى أن تخرج التظاهرات بالشكل الذى خرجت عليه، شارك فيها رغم كل التضييق من تمكن من المرور عبر كل العوائق، شارك فيها بعض ممن لم يشارك فى حياته فى مظاهرة ولكن دفعهم إحساسهم بالخطر لتحدى تلك التحديات.

أعلم أن محمد أبوحامد أحد الدعاة الرئيسيين لهذه التظاهرات، تختلف حوله الآراء ولكنى أقدر له استمراره على موقفه رغم الهجوم الحاد الذى تعرض له، لم يفعل كما فعل بعض شيوخ السياسة الذين قرروا أن يستمروا فى دورهم الذى برعوا فيه على مر تاريخهم بالتملق للسلطة، بحثاً عن وضع، وإذا لم يحصلوا على مطمعهم عارضوها، بعضهم من مدعى الليبرالية مارسوا ضغوطاً على بعض الفاعلين بصدق لدعم مدنية الدولة، ليتوقفوا عن دعم من يناضل من أجل مدنية الدولة بناء على طلب «الناس اللى فوق»، على حد تعبيرهم، قاصدين الحكام الجدد.

أما تغطية الإعلام للتظاهرات فهذا موضوع طويل ومحبط، لم أفهم لماذا كان الإصرار على صورة التحرير رغم عدم وجود مظاهرات فيه، أما التليفزيون الذى كان يحاول أن يكون تليفزيون دولة فقد تقزم ليكون تليفزيون جماعة يسخر من الآخرين المختلفين من أبناء الوطن.

تحية إلى القلة القابضة على جمر الدفاع عن مدنية الدولة، واعلموا أن من يسخر منهم يعبث بالمستقبل.

بأى حال عدت يا عيد

بقلم   عبداللطيف المناوى  

هذا هو العيد الأول الذى تعيشه مصر تحت حكم النظام الجديد الذى مكن من بسط نفوذه على مناحى الحياة فى مصر، لذا أصبح حقا للجميع أن يحاسب من صار بيده الأمور دون أن يخشى إحالة إلى نيابة أو أن تحاصره ميليشيا، الجميع يعلم من هم إلا الجماعة التى تحكم، فتنكر معرفتها بهم أو أى علاقة لهم بها. من حق المصريين جميعا أن يحاسبوا وأن ينتقدوا وأن يتوقعوا ممن ادعوا أنهم أتوا لخير مصر مظاهر هذا الخير كما يدعون. يأتى العيد ونحن نعيش أجواء تعود بنا إلى مزيج من أيام بعضها عايشناه وبعضها قرأنا عنه، وكل الأيام من التاريخ، ولا نستطيع أن نلمح مظهراً عن المستقبل. حتى بعض المظاهر بدأت تفقد ألوانها الحقيقية فيصيبها البهتان.

رغم كل ذلك يظل العيد هو المناسبة التى نحاول أن نجد فيها بعض الأمل فى القادم حتى ولو من باب الأمنيات، وهنا أستغل هذه الفرصة لأهنئ كل المصريين بلا استثناء، لا أخص منهم أهلا أو عشيرة، بل إلى الجميع جماعات حاكمة وبشراً محكومين، لكنى هنا سوف أخص بالذكر أهالينا، أهالى شهداء رفح، الذين دفعوا ثمنا لأمور لا يعلمونها، ولكنهم نالوا شرف الشهادة وهم يقومون بأقدس مهمة وهى حماية حدود الوطن، وطن الجميع، لتغتالهم يد الغدر والأطماع، لأهالى الشهداء الذين بدأ ذكرهم يتراجع وسط زحام معارك التمكين، تقدير خاص، وذكرى أبنائهم سوف تظل فى نفوس كل مصرى يعلم معنى الوطن، كذلك أهالى المصريين الذين سقطوا على يد الإرهاب طوال العقود الماضية على أيدى البعض ممن سقط فى براثن الفكر المتطرف، لهؤلاء الذين يستحضرون من فقدوا رغم مرور الأعوام بعدما شهدوا من قتلهم وهو يخرج بعفو رئاسى حتى لو كان محكوماً عليه بالإعدام، بل ويبحثون إصدار قانون يعيد إلى من أدين فى هذه الجرائم اعتبارهم بعد العفو عنهم. إلى هؤلاء أقول: أبناؤكم دفعوا ثمن بقاء الوطن، ولن يضيع هذا هباء حتى وإن بدت الأمور مختلفة فى بعض الأوقات.

تتعدد رسائل التهنئة فى العيد، إلا إننى تلقيت رسالة هذا العيد، لها دلالات وتركت فى نفسى إحساساً عميقاً بالقلق والانقباض، هذه الرسالة من صديق عزيز، هو وأنا شركاء فيما اسميه مرض الاهتمام بالشأن العام حتى النخاع، أحتفظ باسمه رغم أنه معروف ومؤثر، وإن كنت شعرت أن هذه التهنئة بمرارتها موجهة إلينا جميعا لذلك أنشرها.

«عزيزى ..

على الرغم من أنك تعرف الكثير مما يحدث هنا، إلا أن لدى بعض الانطباعات من الزيارة التى قمت بها مؤخراً لمصر، فيما يلى بعض مما يحدث فى مصر مؤخراً مما لن تجده كله فى الإعلام:

الإخوان باتوا يحتكرون كل شىء. السلطة التنفيذية والتشريعية، لجنة إصلاح الدستور، والآن القوات المسلحة.

ميليشيات الإخوان حاصرت اثنين من الاستوديوهات لقناتين تليفزيونيتين السبت الماضى، لأن المذيعين كانوا ينتقدون الرئيس.

قامت ميليشيات الإخوان بمهاجمة والتعدى بالضرب على مجموعة من المتظاهرين الليبراليين والداعين لمدنية الدولة والذين كانوا يتظاهرون أمام القصر الجمهورى. قامت تلك الميليشيات بضربهم ومطاردتهم.

تم القبض على ثلاثة رجال وامرأة وحبسهم لمدة ١٥ يوماً بتهمة إهانة الرئيس.

حوالى خمسة وعشرين ألف مواطن مصرى تم منعهم من السفر بدون حكم محكمة.

الاقتصاد فقط على قيد الحياة ليس أكثر. ويبقى عالم المال والأعمال منقسماً بشدة.

أعفى وأفرج عن عدد كبير من السجناء من أعضاء الإخوان والجهاد والجماعات الإسلامية، وكان أحدهم محكوماً عليه حكماً نهائياً مؤبداً لقتله ضابط شرطة.

فى أغسطس قامت السلطات المصرية، تحت حكم الرئيس «مرسى»، بمنع السيدة عفاف عز من السفر، والتى تبلغ من العمر ٢٥ عاماً، و تخرجت فى جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وتعمل فى مرجان ستانلى، وهى الآن لا تستطيع مغادرة مصر. «عفاف» هى ابنة رجل الأعمال المحبوس أحمد عز.

انقطاع الكهرباء اليومى بالقاهرة يذّكر الجميع بأجواء فترة حرب١٩٧٣. لا يوجد نقص فى الموارد الغذائية ومن المتوقع أن يكون هناك عجز كبير فى ميزانية الدولة.

تبقى مصر فى حالة من عدم اليقين، و أجواء مظلمة جداً حيث يشعر الليبراليون والداعون لمدنية الدولة والمسلمون الوسطيون والأقباط بأنهم هزموا فى مناورة قام بها الإخوان المسلمين.

عيد سعيد»

انتهت تهنئة صديقى لنا بالعيد.

كل عام وأنتم ومصر بخير.

حين يخاف الإعلاميون

بقلم   عبداللطيف المناوى

فى مقالى الأخير الذى حمل سؤالا فى عنوانه «مصر رايحة على فين؟»، يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بدأت تتضح ملامحها تدريجيا، فى ظل وجود سيناريوهين مطروحين فى المشهد السياسى.

السيناريو الأول يتبدى فى استمرار مسلسل التمكين على قدم وساق فى جميع المؤسسات، والسيناريو الثانى يتمثل فى محاولة إحداث قدر من التوازن من القوى السياسية، للمحافظة على مدنية الدولة، لكن فيما يبدو فإن السيناريو الأول قد كسب أرضا واسعة بإطاحته بالقوة الوحيدة، التى كنا نعتقد أنها قادرة على الحفاظ على البقية الباقية من مدنية الدولة، وأصبحت الجماعة تحمل مسؤولية البلاد كلها.

فى المقال السابق أيضا أشرت وحذرت أيضا من الإجراءات التى قد تتخذ تجاه وسائل الإعلام، فى إطار حملة تخويف وإسكات تستخدم فيها وسائل قانونية وميليشيات قاعدية لإحداث حالة الترهيب، وهو ما يبدو أنه قد بدأ أيضا يتحقق على أرض الواقع.

ويحضرنى هنا ما ذكره أحد كبار أصحاب الرأى فى مصر مؤخرا، عندما أسر لى قائلا: «أنا بدأت أخاف»، وأذكر أننى عندما اعترضت على وقف بث قناة قلت إن هذا تعبير عن موقف ثابت التزمته فى كل الأحوال، وفى كل الأوقات انتقدته عندما كان يمارس ضمن النظام السابق الذى كان يتمتع، رغم كل ما يوجه إليه من انتقادات، بمساحة أوسع كثيرا من سعة الصدر.

ما يحدث يخلق حالة من القلق الحقيقى على مستقبل حرية التعبير فى مصر، ويؤكد جدية المخاوف التى ثارت طوال الفترة الماضية على مفاهيم الحرية العامة وحرية التعبير، فى ظل ما يحدث الآن من إجراءات تكبل هذه الحريات، حتى لو خرجت تصريحات فى مرحلة تالية تؤكد مدى التزام الجماعة بحرية التعبير ومدى جديتها فى إعطاء مساحات للتعبير عن الرأى والأفكار، وقد يكون من المناسب هنا الإشارة إلى تقرير مهم صدر عن ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان يرفض مجموعة التجاوزات والانتهاكات التى وقعت مؤخرا، وخالفت جميع المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، وانتقصت كثيرا من قيمة حرية الصحافة والإعلام، باعتبارها مقياس الديمقراطية فى الأنظمة السياسية، فضلا عن كونها مؤشرا يؤكد جدية المخاوف من الانقضاض على الحريات العامة، نتيجة وصول الإسلاميين لمقاعد السلطة فى مصر.

التقرير رصد أهم الانتهاكات التى حدثت، وكلها ذات دلالة، حيث قامت بمصادرة صحيفة ومنع كاتبين من نشر مقالاتهما وغلق قناة فضائية، كما تم الاعتداء على أحد أعضاء الجماعة الصحفية، حيث قامت الأجهزة الرقابية بوزارة الداخلية بالتوجه إلى مطابع جريدة «الجمهورية»، وطلبت أصل صفحات جريدة الدستور «الزنكات»، بعد طباعتها بساعات قليلة، بعدما وردت إليها معلومات عن قيام الجريدة بنشر مواد صحفية تمس شخص رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسى، وتتناوله بقدر من الإساءة والإهانة، كما قامت صحيفة «الأهرام» بمنع مقال للكاتب والمحامى ثروت الخرباوى عن الدولة المدنية فى الإسلام من النشر تحت عنوان «ليت الذين يحكموننا يفهمون»، وذلك دون إبداء أى أسباب، كما تم اقتحام مكتب رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابقة عبلة الروينى، ومنع مقالها فى جريدة الأخبار، بسبب اعتراضها على حذف كلمة «أخونة الصحافة» من مقالها، فى إشارة منها إلى حركة التغييرات الصحفية التى أجراها مجلس الشورى، وكان من نتائجها إبعادها عن رئاسة تحرير جريدة «أخبار الأدب» وهو المنصب الذى تتولاه منذ ما يقرب من عام ونصف العام، كما تم أيضا إغلاق قناة «الفراعين» لمدة ٦ أسابيع، وإنذارها بعدم الاستمرار على نفس الممارسات السابقة، كما تم الاعتداء على الكاتب الصحفى خالد صلاح، أمام البوابة الرابعة بمدينة الإنتاج الإعلامى، حيث فوجئ بتجمهر كبير من شباب يدعون أنهم شباب الإخوان، ويهتفون ضد من يصفونهم بـ«الإعلاميين المتحولين»، حيث قاموا بمنعه من الدخول، وتحطيم سيارته تماما.

ما سبق هو رصد بسيط لما حدث خلال الأسبوعين الماضيين، وهو يدعو بشكل جدى للخوف من تقييد الحريات. فى كل الأحوال وكل الأوقات كانت دعوتنا دائما وإيماننا الراسخ هما العمل على إرساء قواعد دولة مدنية حقيقية، وكان الأمل أن تكون التغييرات التى شهدتها مصر تسرع وتعجل بوضع أسس هذه الدولة التى كانت هناك محاولات سابقة فيها تفشل أحيانا، لكنها تستمر فى محاولة للنجاح، لكن حتى الآن يبدو أن الريح لم تأت بما تشتهيه سفن الإبحار إلى أفق دولة مدنية حقيقية حتى الآن، فالريح معاكسة.

مصر رايحة على فين؟

بقلم عبداللطيف المناوي
هذا هو السؤال الذى يطاردنا جميعا فى صحونا ومنامنا، حتى أبناؤنا الذين كنا نراهم أطفالا – وكنا نود لو ظلوا يعيشون عمرهم وطفولتهم – هذا السؤال أيضا بات أحد أسباب مخاوفهم وقلقهم المبكر. أحد الآثار الجانبية لما تعيشه مصر مؤخرا هو ذلك الاغتيال المبكر للطفولة بأساليب متعددة. ويظل السؤال الذى يطاردنا: مصر رايحة على فين؟.

للإجابة عن هذا السؤال قد يكون من المناسب استعراض مشروعات مصر. فى مصر مشروعان، مشروع وجود دولة قوية تنفذ ما حلموا به يوما فرفعوه شعارا ليقترب أن يكون تاريخاً وهو «عيش حرية عدالة اجتماعية» مقومات هذا المشروع دولة مدنية حقيقية تضع فى اعتبارها مصلحة المواطن اولا، تفاصيل حياته الأساسية من عيش كريم وحياة لائقة وكهرباء لا تنقطع وماء نظيف ومواصلات آدمية ومساواة أمام القانون وحرية تعبير حقيقية، عدم استبعاد أو عزل، مشاركة حقيقية فى إدارة شؤون حياتهم، باختصار أن تكون الدولة دولتهم دولة الجميع وأن يكون الوطن وطن الجميع. هذه الدولة الحلم كى تكون حقيقية تكون فى حاجة إلى نوايا صادقة من النظام الذى يقود الدولة لأن يقودها لمفهوم المواطنة لا بمفهوم العشيرة وبمفهوم الدولة لا بمفهوم الأهل ونظام يسمح بحرية التعبير، نظام يؤمن بأن «ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع» فلا يُظلم حياة مواطنيه ليضىء حياة الآخرين أياً كان هؤلاء الآخرون. نظام ولاؤه لوطنه ولمواطنيه. دولة تسقط من خانة تعريف المواطن ديانته أو انتماءه السياسى، دولة للجميع .

نظام يتخذ خطوات جادة وحقيقية من أجل دفع عجلة الإنتاج بحق مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف، لا العبث بحقوق أطراف من أجل مصالح خاصة أو من أجل هدف إثارى أو سياسى. دولة يقوم النظام الحاكم فيها باتخاذ خطوات جادة نحو اعطاء الامان لكل الاستثمارات المصرية والعربية والدولية بانهم ليسوا متهمين مدانين حتى تثبت براءتهم – إن ثبُتت – وأنهم ليسوا تحت مقصلة النفاق السياسى أو الرشوة السياسية لجزء من الرأى العام. باختصار نظام يؤمن بحق أن المصلحة العامة لكل الوطن والمواطنين أغلى وأهم من مصلحة جماعة أو تيار عقيدى، وأن تحالف أبناء الوطن باختلاف انتماءاتهم أبقى من أى تحالفات عقائدية أو تحالفات تتخطى حدود الوطن والمواطن. هذا المشروع هو المشروع الحلم والذى يبدوا سرابا حتى الآن، أما المشروع الآخر فهو المشروع الحادث على أرض الواقع وهو مشروع التمكين الذى تتبناه الجماعة الحاكمة وأدواتها فى حزب حاكم وحلفاء ومتسلقين ومنافقين. هو مشروع قصير النظر يدمر مفهوم الوطن ويدفع بمفهوم المواطنة إلى خانة النسيان. ملامحه الرئيسية التمكين بأى ثمن والاستحواذ على مفاصل الدولة، والمبدأ الرئيسى فيه هو الاعتماد على أهل الثقة، فلا ثقة إلا فى أبناء الجماعة ومن يأتى من خارجها الآن هو حضور وقتى للحاجة وبتوفر عنصر الجماعة فالمكان مكانه.

ما يحدث الآن أن المشروع الثانى هو الذى يتأكد كل يوم ويكسب أرضا جديدة وللأسف لا يجد من يحاول إيقافه أو الحد منه. تمت السيطرة على الإعلام بالكامل ولم تترك الجماعة فرصة إلا واستغلتها فبينما دماء شهداء رفح لم تجف بعد، فاجأنا مجلس الشورى – المطعون عليه – باتخاذ قرار بتغيير رؤساء الصحف جميعا فى حين أن القرار كان مؤجلاً إلى بعد العيد لما يلقاه من معارضة. لكن بينما الرأى العام مهموم بشهداء الوطن فلابأس من استغلال الفرصة فيضربون ضربتهم لتمكين سطوتهم. ويغلقون قناة لأنها تهاجمهم ويصمت كل الليبراليين والمسجلين فى كشوف الليبراليين على حادث الإغلاق ويجمعون أعضاءهم فى مظاهرات ترويعية لكل من يجرؤ ويخالفهم فى الإعلام ويهددون بالاقتحام ولا بأس بعد اتخاذ كل تلك الإجراءات من أن تخرج قيادتهم لتتحدث عن احترامهم لحرية التعبير. ويستغلون الموقف ليروضوا كل المؤسسات كما يستغلون الحوادث المختلفة لتأكيد سطوتهم وسلطتهم واستبعاد من يعارضهم وآخرها حادث إلقاء الأحذية أثناء جنازة الشهداء ونسوا أنهم كانوا السباقين فى معارك الأحذية وفى استخدامها وسيلة تعبير يفخرون بها وعندما رُفعت فى وجوههم اتخذوها ذريعة لكسب أرض جديدة.

ويبقى السؤال: مصر رايحة على فين؟