كابوس الدستور الذى «كبس» على أنفاسنا

بقلم عبداللطيف المناوى56334_660_Untitled-328

هناك لحظات لا يدرك فيها الإنسان إن كان حقاً يعيش هذه اللحظات أم هى كابوس، مثل هذه الحالة مررت بها منذ عدة أيام وكان الوقت قد تجاوز الثانية صباحا، ولم أدرك وقتها إن كنت نائما أو مستيقظا، عندما تسمرت أمام شاشة التليفزيون وهى تنقل الاجتماع الأخير للجنة التى تسمى «لجنة صياغة الدستور»، بدا الأمر كأنه كابوس، شخصياته كتلك التى تظهر فى أفلام الرعب الكوميدية، لا تعلم هل تخاف منها أم تضحك عليها.

على المنصة جلس «الرجل الكبير» يدير، لم يكن طبيعيا، بدا كأن خلفه من هو أكبر منه من وراء ستار، نشعر به ولا نراه، يدفعه لأن ينتهى من «العملية» بسرعة، فموعد التسليم – تسليم «الدستور» طبعا- قد صدر قرار بتبكيره حتى لا يستطيع الآخرون -أعداء «الكبير» و«الأكبر» منه والحاضرون – أن يقاسموهم «دستورهم». استمرت الجلسة الكابوس فى «سلق» ٢٣٤ مادة فى أسلوب تفوقوا فيه مئات المرات على برلمانات مصر جميعا فيما سبق، عندما كانت تناقش قوانين فى نهاية الدورات البرلمانية.

لا أظن أن ما حدث فى ذلك الكابوس سبق أن حدث فى أى مكان فى العالم، وهذا إنجاز يحسب لمن شارك فيه وينبغى أن يسجل كرقم قياسى جديد فى موسوعة «جينيس». دستور وطن ومستقبله فى ٢٣٤ مادة يتم تمريره فى تسع عشرة ساعة. وأرجو أن يراجع «كبير القعدة»، التى مررت الدستور، تصريحاته التى جاء فيها أن كل مادة استغرقت ٣٠٠ ساعة مناقشات، لأنه لو كان هذا قد حدث بالفعل، وكانت النتيجة ما رأيناهم يناقشونه من صياغة ركيكة فى العديد من المواد، ومناقشات سفسطائية وتعديلات كانت تجرى للمواد بأسلوب لا يمكن وصفه إلا بأنه أسلوب مهين لعقول ورغبات أبناء هذا الوطن.

ولم يخل الأمر من مشاهد كوميدية كان أعلاها عندما أعطى دور تمثيل المصريين المسيحيين الذين انسحبوا من اللجنة إلى «نيافة الأنبا محمد» فى شكل من أشكال التعبير الكوميدى السوداوى عن مفهوم الوحدة الوطنية كما يراها هؤلاء الذين قال كبيرهم إنه لم يعتبر المسيحيين منسحبين «لأننا جميعا نمثلهم». أما نقيب الصحفيين، الذى خالف قرارات الجمعية العمومية لنقابته وقدم التزامه التنظيمى للجماعة الحاكمة التى ينتمى إليها وقدمت له الكثير على التزامه المهنى والنقابى، فحضر منذ بداية «القعدة» ليكمل العدد المطلوب،

وكانت جماعته فيما يبدو قد وعدته بأنه لن يخرج بيده خاوية فسوف يحصل على نص فى الدستور لوضعه فى أعين أعضاء نقابته بأنه حقق لهم ما لم يكن ممكنا تحقيقه، لكن للأسف بعد أن أرجئ طلبه للنهاية، وبعد أن استنفد الغرض من حضوره رفضت اللجنة وكبيرها أى طلبات له، بل عايره كبيرهم بأن لديه هو شخصيا مشاكل مع نقابته.

ظل «الكبير» يفاخر بأن هذا الدستور هو الأعظم فى تاريخ الدساتير، فى حين أن القارئ بعناية له سوف يكتشف أنه يؤسس لدولة دينية ويبدأ الخطوات الأولى نحو وجود ولاية الفقيه من خلال مرجعية الأزهر، وسوف أشير إلى جزء صغير من انتقاد منظمة العفو الدولية للدستور «المسلوق»، قالت المنظمة إن «مسودة الدستور التى وافقت عليها الجمعية التأسيسية تقصر جدا فى حماية حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص، فى تجاهلها لحقوق المرأة، وتقيد حرية التعبير باسم حماية الدين، وتسمح بالمحاكمة العسكرية للمدنيين». وأشارت المنظمة إلى أن «هذه المسودة، والطريقة التى اعتمدت عليها، تأتى بمثابة خيبة أمل كبيرة لكثير من المصريين».

أجواء الكابوس الدستورى بدا من خلالها داخل اللجنة توافق و«تربيطات» مسبقة بين أبناء الفصيل الواحد والعشيرة التى حاولت أن تتماسك فى مواجهة كل الوطن، وبدا أن هناك حرصاً على عدم اختلاف الحلفاء، وبالتالى تمرير ما يريدون من خلال صياغات ملتوية تحقق أهدافهم.

فهمى المتواضع للدستور أنه لجميع الوطن لا لشقه، وأن أساسه التوافق الوطنى لا الاختطاف الذى شاهدناه ونشاهده. وأظن أيضاً أن الجماعة ورئيسها أرادوا أن ينتقلوا بصراعهم مع بقية أطياف الوطن إلى منطقة متقدمة تتجاوز إعلانهم الديكتاتورى إلى دستورهم الذى يمكنهم من ضمان الإمساك بتلابيب السلطة.

استمر الكابوس الدستورى حتى الصباح، وظللت حتى اللحظة الأخيرة متمنيا أن يكون كابوسا بحق ينتهى بأن أستيقظ، لكن للأسف ثبت لى أن الواقع الذى نعيشه قد تجاوز الكابوس كثيرا، ولا أدرى هل سنستيقظ منه قريبا أم ليس بعد؟

Advertisements

التحرش السياسى والمستقبل المجهول

بقلم عبداللطيف المناوى
فى مقال سابق تحدثت عن الأساليب المختلفة التى تتمكن بها الأنظمة التى اتخذت من الإسلام السياسى غطاء للسيطرة والحكم، ومن بين هذه الأساليب ما يوصف بأنه خلق لمناخ أزمة مستمر، للتمكن من الاستمرار فى القبض على مقاليد الحكم، وبالتالى فإن اعتماد أسلوب التحرش السياسى كأحد الأساليب المتبعة لتغطية العجز أو الفشل فى إدارة الدولة هو أحد أكثر الأساليب اتباعا فى مثل هذه الأحوال، وللأسف يبدو أن اللجوء إلى هذا الأسلوب قد بدأ مبكرا فى حالتنا، وأقول للأسف، لأن هذا الوضع هو آخر ما كنا نحتاجه فى ظل الوضع الاقتصادى الخطير الذى تعانى منه مصر، وتبعاته الاجتماعية والسياسية.

أى نظام كان سيتولى أمور مصر الفترة الماضية كان سيواجه حقيقة كبيرة ماثلة أمام من يفهم فى السياسة وإدارة البلاد أو لا يفهم، هذه الحقيقة تتكون من شقين: الأول أزمة اقتصادية كبيرة بدت ملامحها الأولى منذ البداية وتوقعات تأزمها وتعقدها بشكل أكبر واضحة، والشق الثانى هو ما بدا واضحا من حالة الانقسام والتمزق التى يعانى منها الوطن فى أعقاب الانتخابات. العقل والحكمة والوطنية تقول إن أى نظام كان سيتولى فى ظل هذه الظروف سيلجأ فورا إلى التعامل مع هاتين المشكلتين إذا أراد أن يحقق نجاحاً يصب فى صالح الوطن، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، وللأسف – مرة أخرى – كان هذا هو المتوقع من قوى الإسلام السياسى عندما تتحكم، فهذا بالضبط ما حدث من قبل من أمثالهم فى بلاد أخرى.

بدلاً من مواجهة المشكلة الكبرى المتمثلة فى الأزمة الاقتصادية بالتعامل المباشر معها وفتح الباب أمام عقول الأمة وإمكانياتها للتعاون ومواجهة الخطر المقبل، انشغل أتباع وأعضاء القوة الحاكمة فى السعى نحو تحقيق الغنائم السريعة وخلق جماعة مصالح جديدة، وفقاً لأسلوبهم وفهمهم لمعنى الاقتصاد، وهو المعنى الذى اختصروه فى مفهوم التجارة وكيفية تحقيق الربح الشخصى السريع، ووجد هذا صدى واضحاً عند العديد من المنتفعين بأى نظام على مر العصور.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تنظيمهم السياسى استغل الأزمة لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، مستفيداً من إمكانيات الدولة، وليست أزمة أنابيب البوتاجاز بعيدة عن الذاكرة عندما اشتكت قيادات وزارة البترول من أن أعضاء الحزب الحاكم يستولون على جهد العاملين بالدولة فى حل الأزمة، كى يظهروا هم بمظهر من يحل الأزمة. وبدلاً من أن يواجه النظام الجديد، الذى تمكن من تلابيب البلاد، الأزمة بالدراسة والبحث عن طرق للحل، تصرف كما يتصرف التلميذ «الخايب» الذى يتشاغل بصغائر الأمور بدلا من مواجهة الحقيقة بأنه يواجه امتحاناً، فيبحث عن أسباب واهية لتشغله ومعارك وهمية وأسباب يعلق عليها فشله، ويفعل أى شىء إلا مواجهة الاختبار والتحدى.

وبدلاً من خلق حالة من الاستقرار والثقة فى العلاقة مع المستثمرين المصريين والعرب والأجانب، بدأوا حرباً تخويفية لا تصب إلا فى مصلحة أتباعهم الذين أشرت إليهم فى البداية من أولئك الذين يستغلون الوضع القلق والمتوتر، لاصطياد وقنص الممكن من الأعمال والاستثمارات التى يسعى أصحابها إلى التخلص منها، فى ظل تلك الأجواء المتوترة.

وبدلا من خلق حالة ثقة مع دول الجوار والمجتمع الدولى دخلنا فى مناطق من عدم الثقة والتوتر، مما دفع تلك الدول إلى التحفظ فى القيام بأى دور يدفع الاقتصاد المنهار. وفى أسلوب وخطوة غير مفهومة وغير منطقية يخرج رئيس النظام ليتحدث عن فتح حساب «التطهر»، وهذه الفكرة رغم ما تحمله من ملامح كوميدية إلا أنها تحمل فى طياتها بذور الكراهية والصدام الاجتماعى بين أبناء الوطن دون أسباب حقيقية، وكأنه يرجع سبب الفشل الكبير فى إدارة الشأن الاقتصادى إلى من يطالبهم بالتطهر دون أن يضع ملامح واضحة لحل أزمة العلاقة بين كل الأطراف المتورطة برغبتها أو دون رغبتها فى هذه العملية «التطهرية».

أما الشق الآخر، الشق السياسى، فقد دخل النظام الجديد على أمة منقسمة، وبدلاً من أن يعمل على سد الفجوة، استغل الوضع لتأكيد حالة الانقسام، لينفرد بالسلطة ورأسها مقصياً ومعادياً كل الجماعات السياسية.

هذه الأجواء هى أجواء أزمة قد تساعد التيار الحاكم على الاستمرار فى مقاليد الحكم، حيث إن خلق الأزمات هو إكسير الحياة والاستمرار لمثل هذه الأنظمة، لكن الأكيد أن الوطن – كل الوطن – يتجه بهذه الإدارة الفاشلة إلى مستقبل مجهول.

مخططات الإشغال بعد ركل السلم الخشبى

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى المقولات السائدة أن تيار الإسلام السياسى يستخدم الديمقراطية وأساليبها كالسلم الخشبى المتحرك، يستخدمه ليصعد به إلى السلطة والسطوة، وما إن يصل إلى هدفه يركل السلم الخشبى بقدمه، فلا هو نزل عن السلطة ولا غيره صعد إليها. وحتى الآن، التجارب التى رأيناها ونراها حولنا تؤكد هذا المفهوم، ومقدمات ما نراه حتى الآن لدينا تؤكد أيضا هذا التخوف.

إحدى الدول التى سيطرت عليها القوى الدينية، وهى إيران، تنصل قادتها الدينيون من التزاماتهم بعدم التدخل فى السياسة أو ممارسة أى دور سياسى فى أقل من أسبوعين بعد سقوط الشاه، وانتهى الأمر بإيران إلى ما نراه اليوم، ولكن هناك فارقاً رئيسياً فى النموذج الإيرانى، لأنها دولة غنية وتمتلك قاعدة اقتصادية قوية من أيام حكم الشاه، إضافة إلى وزنها فى سوق البترول العالمية.. هذا الوضع الاقتصادى القوى ريعيا ساعد النظام فى السيطرة على الأمور، ومكّنه من تجاوز الآثار السلبية لركله السلم الخشبى بتلك الإمكانيات الاقتصادية، فالحاجة الأولى للشعوب هى إمكانية العيش الآمن اقتصاديا، والقدرة على تجاوز أى ضغوط اقتصادية يمكن أن تمارس دوليا، وشراء حلفاء وعملاء محليين ودوليين، وضع إيران الاقتصادى هو ما مكّن نظام الملالى فى إيران من الاستمرار أكثر من ثلاثين سنة حتى الآن.

الأسلوب الثانى للاستمرار فى السيطرة على مقاليد البلاد إذا ما كان هذا البلد يعانى اقتصاديا ـ وهناك نموذج جار لنا ـ هو حل المشكلات كلاميا، واختلاق الأزمات الداخلية والخارجية التى تشغل الرأى العام أو تخلق داخله حالة من الإحساس بالخطر أو المساس بالكرامة الوطنية التى يختزلها أفيال النظام السياسى الحاكم، فيعطى لنفسه مبرر البقاء والتشبث بالسلطة إلى الأبد أيا كان الثمن، ويتماثل النموذجان الغنى والفقير فى اتجاههما بأساليب مختلفة نحو السيطرة الكاملة والاستحواذ والتمكين من كل مفاصل الدولة، مع استبعاد الآخرين المختلفين والمعارضين وتضييق مساحات التعبير والتأثير فى الرأى العام.

إكسير الحياة لمثل تلك الأنظمة هو اختلاق المشكلات والأزمات التى تمكّنه من استمرار السيطرة والإقصاء للآخر، ولا بأس هنا من خلق أزمة حقيقية مع جزء من نسيج الوطن لخلاف دينى أو عرقى، ولتشتعل أزمة أو حربا ثمنها انفصال واقتطاع جزء من الوطن، وهذا حدث بالفعل وضاع جزء من الدولة ولكن بقى النظام. تتعرض مثل هذه الأنظمة لضغوط ومخاطر خارجية، بل تسعى حتى إلى افتعال الأزمات لخلق هذه الضغوط الخارجية التى تدفع المواطنين إلى تجاوز أزماتهم الداخلية والالتفاف حول النظام القائم حتى لو كان فاشيا ديكتاتوريا، لأنه يتعرض لخطر خارجى والالتفاف حوله ودعمه هو التزام وطنى، لأن الكرامة الوطنية تم المساس بها، ونجح النظام فى خلق الإحساس بالخطر.

مثل هذه الأنظمة التى تسعى بالأساس إلى السيطرة والاستمرار فى الحكم أيا كان الثمن تسلك كل الطرق لتحقيق هذا الهدف، هدف الركل بالسلم الخشبى أيا كان اسمه، ديمقراطية أو ثورة أو انتفاضة، لينفرد التيار بالجلوس وحده، فلا غيره صعد ولا هو نزل.

هناك من سيبادر بمناقشة هذا الرأى بأن النموذج التركى يختلف، وهذا حديث آخر يطول فى وقت آخر، ولكن ما يمكن طرحه الآن هو أن النظام التركى ليس نظاما يسيطر عليه تيار الإسلام السياسى، بل إن تركيا – كما قال قادتها – هى دولة مدنية علمانية، يحكمها حزب سياسى مدنى ذو ملامح دينية، أساس عقيدته الحفاظ على مدنية وعلمانية الدولة.

الوطن ما بين استهانة الجماعة الحاكمة وتخلى النخبة

  بقلم   عبداللطيف المناوى Image

أثار المقال الأخير ردود فعل متعددة بين العديد من القراء والأصدقاء، سواء عبر موقع الجريدة أو وسائل الاتصال الاجتماعى، أو الاتصال المباشر. استغربت فى البداية من حجم رد الفعل، خاصة أننى أعتقد أن الكثير مما كتبت من قبل كان يحمل نفس التوجه والآراء، لكن عندما عدت وراجعت ما كتبت اكتشفت أن أكثر ما قد يكون سببا فى توقف العديد من القراء أمامه هو المواجهة الواضحة بلا قفازات لحقيقة الخطر الذى تتعرض له مصر، ليس بغرض خلق حالة من التخويف، لكن بغرض الحوار الوطنى الحقيقى، الذى لا يستثنى أحدا من أبناء هذا الوطن من الحق فى الحوار والاختلاف.

وقد يكون من أكثر ما استوقفنى تقديرا هو ذلك التعقيب الذى كتبه قارئ للمقال على مدونتى، أذكر اسمه الأول، لأننى لم أستأذن فى نشر اسمه كاملا، وهو يبدو مما كتب أنه مؤيد للرئيس وداعم له، اسم القارئ «على» وقد علق قائلا: مع اختلافى الشديد مع مظاهرات ٢٤ أغسطس إلا أنه كان يجب أن يكون التعامل معها بما يدل على أن هناك ثورة قد قامت وليس تغييراً حكومياً جاء بأغلبية برلمانية أو معبرا عنها، ومع اتفاقى الشديد مع الدكتور مرسى إلا أنى أختلف مع من يحركه من تحت الستار (الجماعة)، وأرجو أن تسير الأمور فى مصر فى طريق مدنية الدولة مع حكم مرسى لأربع سنوات، نستطيع أن نختار بعدها من بدائل أفضل مما كان، ومع اختلافى معك يا أستاذ عبداللطيف فى التوجه السياسى إلا أن كل ما ذكرته يستحق الاحترام والتقدير والنظر إليه على أنه دفاع عن الحرية والمدنية، وفى النهاية نحن ندافع عن القيم نفسها، مع اختلاف التوجهات وليس الأيديولوجيات.

انتهت وجهة نظر القارئ الكريم، وما أقدره هنا هو التقاطه الفكرة الرئيسية التى دائما ما أنادى بها، دون أن تجد أذناً صاغية لدى الجماعة الحاكمة، وهى قبول الطرف الآخر، وإقامة حوار حقيقى يهدف إلى الوصول إلى مناطق اتفاق، ولا يدعم التناحر والاختلاف، بل الاقتتال فى كثير من الأحيان. ما نراه الآن على الساحة السياسية هو قدر ملحوظ من الاستهانة بالآخر، وما لم يقرأه هؤلاء ـ الذين يستهينون ـ أن هذه الصفة كانت من الصفات الرئيسية التى كانت سببا فى انهيار النظام السابق.

ولا يمكن حل هذه الإشكالية بإجراءات شكلية مضحكة بالإعلان عن فريق من المساعدين يتلوهم فريق من المستشارين، استغربت لقليل من الأسماء وردت بينهم كيف وافقت أن تكون تجميلا لواقع مازال يبدو بعيدا جدا عما يؤمنون هم أنفسهم به، وهذا الفريق ـ أو الفريقان ـ لم يتوقف أحد، ليناقش عدم مطابقته مع ما التزم به مرشح الجماعة للرئاسة أثناء الانتخابات، وما تلى من تصريحات فى الأيام الأولى بأنه سيكون هناك نواب للرئيس يمثلون أطياف الشعب، فانتهى الأمر إلى مجموعتين من الأشخاص بعضهم «يمثل» دور المساعد، والآخر «يشخص» دور المستشار، أما منصب النائب فقد كان محجوزا لمن هو من الجماعة تنظيما أو انتماء، لتثبت الجماعة مرة أخرى ما لم يعد يحتاج إلى إثبات، وهو عدم الالتزام بما يعدون.

لا ألوم فقط القائمين على شؤون الجماعة، وبالتالى شؤون البلاد التى سيطروا عليها، لكنى ألوم تلك المجموعة التى احتلت قسرا موقع النخبة، أولئك الليبراليين والمقيدين فى كشوف الليبراليين، الذين تخلوا عن الذين يفترض أنهم يقودونهم، طمعا فى تحقيق مكاسب قصيرة النظر شديدة الشخصية، أو خوفا من الصدام مع من باتوا يملكون القدرة على جعل حياتهم أكثر صعوبة أو أكثر يسرا. المتابعة لما تسود به صفحات الصحف الآن ويشغل ساعات الفضاء تكشف بوضوح كيف بات التحول سلوكا طبيعيا، حتى إن الناس ما عادوا يستغربون هذا التحول. هؤلاء يتحملون بالقدر نفسه مسؤولية ضياع الوطن الذى كنا ننشده، وطنا مدنيا لا دينياً ولا عسكرياً، بل بلد يكون مفهوم المواطنة هو فيه الأساس، وليس خانة الجنس أو الديانة فى بطاقة الهوية هى المعيار.

الدفاع عن الحرية والمدنية لن يكون متيسرا، إذا ما ظل غياب النخبة أو تغييبها، وإذا ما استمرت حالة النفى والاحتكار والاستحواذ هى سلوك الجماعة الحاكمة، والخاسر هو الوطن الذى لن يكون كما حلمنا به لنا ولأبنائنا

لا أظن أن الدرس قد انتهى بعد

بقلم عبداللطيف المناوى

الأسلوب الذى أدارت به الجماعة المعركة مع من امتلك بقية من شجاعة المواجهة وخرج يوم ٢٤ هذا الشهر، يدل على أن الجماعة قد استفادت كثيراً مما اعتبرته نقاط ضعف النظام السابق. هذا يبدو واضحاً على عدة مستويات، أهمها عندما قررت الإجهاض المبكر لدعوة الخروج إلى الشارع للتظاهر، فكانت الخطوة الأهم هى الانقضاض على قيادات المجلس العسكرى السابقة والإطاحة بهم دون مقاومة وباستسلام محير إلى درجة الريبة.

ليس هذا فقط، بل بدأت معركة حقيقية -لكنها من طرف واحد- وبالتالى يمكن تسميتها بالهجمة بدلاً من المعركة تجاه وسائل الإعلام، وحدث ذلك على عدة مستويات، الإطاحة بكل رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية والإتيان بمن هم منهم أو معهم دون قيد أو شرط بلا اعتبار لرأى الجماعة الصحفية. أما الإعلام الخاص فإن تقديم بعض الأضحية كفيل بخلق حالة من الردع الذى يصل إلى حد الخوف والبحث عن الأمان فى مرحلة من المراحل، وهكذا كانت البلاغات والاتهامات وأوامر الضبط والإحضار ورفع سيف السجن والاعتداء على الإعلاميين أو التهديد بذلك وإذاقة طعم السجن لأحدهم أو بعضهم وإغلاق قنوات أو مصادرة صحف أو التهديد بذلك، كل هذه الأساليب كفيلة بخلق حالة من الخوف داخل نفوس أصحاب الرأى.

أما على الأرض، فإن استخدام أسلوب الحشد للتخويف أثبت أنه يأتى بنتيجة، والانتخابات ليست بعيدة، فخرجت الدعوات لحشد الميليشيات على الأرض، والتهديد بالمواجهة، وتوازى مع ذلك بعض الفتاوى بقتل أولئك الفجرة الكفرة الذين يجرؤون على مخالفة ظل الله فى الأرض، بل يدعو البعض لتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، جزاء المفسدين فى الأرض. ولم نسمع صوتاً حاداً جاداً خشناً يدين مثل هذه الفتاوى، بل كان كل ما حصلنا عليه من أولى الأمر تجاه أصحاب هذه الدعاوى من حلفائهم هو رفض أقرب إلى الموافقة، أو هو كان كرفض الحبيب أو ضربه.

وهكذا بدأت الدعوة لمظاهرات التعبير عن الرأى الرافض لما تشهده البلاد من خطوات راسخة نحو السيطرة والاستحواذ والعزل للجميع عدا أعضاء الجماعة وحلفاءها، بدأت فى أجواء غير مواتية بل رادعة، حتى من اتفقوا فى الموقف والشعار السياسى الذى رفعه الداعون لهذه التظاهرات اكتفوا بإعلان اتفاقهم مع الحرص على التأكيد أنهم لن يشاركوا.

وعندما بدأ المتظاهرون فى النزول إلى الشارع فى تلك الأجواء وجدوا أساليب جديدة للأمن بمختلف أنواعه، استفاد فيها من تجارب الماضى عندما كان حكام اليوم هم متظاهرى الأمس، فأجادوا الحصار وإجهاض التحرك، ساهمت فى ذلك ميليشيات الشارع المنظمة من الجماعة، التى مارست قدراً ملموساً من الترويع والتخويف. كل هذا مجتمعاً تسبب فى أن تخرج التظاهرات بالشكل الذى خرجت عليه، شارك فيها رغم كل التضييق من تمكن من المرور عبر كل العوائق، شارك فيها بعض ممن لم يشارك فى حياته فى مظاهرة ولكن دفعهم إحساسهم بالخطر لتحدى تلك التحديات.

أعلم أن محمد أبوحامد أحد الدعاة الرئيسيين لهذه التظاهرات، تختلف حوله الآراء ولكنى أقدر له استمراره على موقفه رغم الهجوم الحاد الذى تعرض له، لم يفعل كما فعل بعض شيوخ السياسة الذين قرروا أن يستمروا فى دورهم الذى برعوا فيه على مر تاريخهم بالتملق للسلطة، بحثاً عن وضع، وإذا لم يحصلوا على مطمعهم عارضوها، بعضهم من مدعى الليبرالية مارسوا ضغوطاً على بعض الفاعلين بصدق لدعم مدنية الدولة، ليتوقفوا عن دعم من يناضل من أجل مدنية الدولة بناء على طلب «الناس اللى فوق»، على حد تعبيرهم، قاصدين الحكام الجدد.

أما تغطية الإعلام للتظاهرات فهذا موضوع طويل ومحبط، لم أفهم لماذا كان الإصرار على صورة التحرير رغم عدم وجود مظاهرات فيه، أما التليفزيون الذى كان يحاول أن يكون تليفزيون دولة فقد تقزم ليكون تليفزيون جماعة يسخر من الآخرين المختلفين من أبناء الوطن.

تحية إلى القلة القابضة على جمر الدفاع عن مدنية الدولة، واعلموا أن من يسخر منهم يعبث بالمستقبل.

بأى حال عدت يا عيد

بقلم   عبداللطيف المناوى  

هذا هو العيد الأول الذى تعيشه مصر تحت حكم النظام الجديد الذى مكن من بسط نفوذه على مناحى الحياة فى مصر، لذا أصبح حقا للجميع أن يحاسب من صار بيده الأمور دون أن يخشى إحالة إلى نيابة أو أن تحاصره ميليشيا، الجميع يعلم من هم إلا الجماعة التى تحكم، فتنكر معرفتها بهم أو أى علاقة لهم بها. من حق المصريين جميعا أن يحاسبوا وأن ينتقدوا وأن يتوقعوا ممن ادعوا أنهم أتوا لخير مصر مظاهر هذا الخير كما يدعون. يأتى العيد ونحن نعيش أجواء تعود بنا إلى مزيج من أيام بعضها عايشناه وبعضها قرأنا عنه، وكل الأيام من التاريخ، ولا نستطيع أن نلمح مظهراً عن المستقبل. حتى بعض المظاهر بدأت تفقد ألوانها الحقيقية فيصيبها البهتان.

رغم كل ذلك يظل العيد هو المناسبة التى نحاول أن نجد فيها بعض الأمل فى القادم حتى ولو من باب الأمنيات، وهنا أستغل هذه الفرصة لأهنئ كل المصريين بلا استثناء، لا أخص منهم أهلا أو عشيرة، بل إلى الجميع جماعات حاكمة وبشراً محكومين، لكنى هنا سوف أخص بالذكر أهالينا، أهالى شهداء رفح، الذين دفعوا ثمنا لأمور لا يعلمونها، ولكنهم نالوا شرف الشهادة وهم يقومون بأقدس مهمة وهى حماية حدود الوطن، وطن الجميع، لتغتالهم يد الغدر والأطماع، لأهالى الشهداء الذين بدأ ذكرهم يتراجع وسط زحام معارك التمكين، تقدير خاص، وذكرى أبنائهم سوف تظل فى نفوس كل مصرى يعلم معنى الوطن، كذلك أهالى المصريين الذين سقطوا على يد الإرهاب طوال العقود الماضية على أيدى البعض ممن سقط فى براثن الفكر المتطرف، لهؤلاء الذين يستحضرون من فقدوا رغم مرور الأعوام بعدما شهدوا من قتلهم وهو يخرج بعفو رئاسى حتى لو كان محكوماً عليه بالإعدام، بل ويبحثون إصدار قانون يعيد إلى من أدين فى هذه الجرائم اعتبارهم بعد العفو عنهم. إلى هؤلاء أقول: أبناؤكم دفعوا ثمن بقاء الوطن، ولن يضيع هذا هباء حتى وإن بدت الأمور مختلفة فى بعض الأوقات.

تتعدد رسائل التهنئة فى العيد، إلا إننى تلقيت رسالة هذا العيد، لها دلالات وتركت فى نفسى إحساساً عميقاً بالقلق والانقباض، هذه الرسالة من صديق عزيز، هو وأنا شركاء فيما اسميه مرض الاهتمام بالشأن العام حتى النخاع، أحتفظ باسمه رغم أنه معروف ومؤثر، وإن كنت شعرت أن هذه التهنئة بمرارتها موجهة إلينا جميعا لذلك أنشرها.

«عزيزى ..

على الرغم من أنك تعرف الكثير مما يحدث هنا، إلا أن لدى بعض الانطباعات من الزيارة التى قمت بها مؤخراً لمصر، فيما يلى بعض مما يحدث فى مصر مؤخراً مما لن تجده كله فى الإعلام:

الإخوان باتوا يحتكرون كل شىء. السلطة التنفيذية والتشريعية، لجنة إصلاح الدستور، والآن القوات المسلحة.

ميليشيات الإخوان حاصرت اثنين من الاستوديوهات لقناتين تليفزيونيتين السبت الماضى، لأن المذيعين كانوا ينتقدون الرئيس.

قامت ميليشيات الإخوان بمهاجمة والتعدى بالضرب على مجموعة من المتظاهرين الليبراليين والداعين لمدنية الدولة والذين كانوا يتظاهرون أمام القصر الجمهورى. قامت تلك الميليشيات بضربهم ومطاردتهم.

تم القبض على ثلاثة رجال وامرأة وحبسهم لمدة ١٥ يوماً بتهمة إهانة الرئيس.

حوالى خمسة وعشرين ألف مواطن مصرى تم منعهم من السفر بدون حكم محكمة.

الاقتصاد فقط على قيد الحياة ليس أكثر. ويبقى عالم المال والأعمال منقسماً بشدة.

أعفى وأفرج عن عدد كبير من السجناء من أعضاء الإخوان والجهاد والجماعات الإسلامية، وكان أحدهم محكوماً عليه حكماً نهائياً مؤبداً لقتله ضابط شرطة.

فى أغسطس قامت السلطات المصرية، تحت حكم الرئيس «مرسى»، بمنع السيدة عفاف عز من السفر، والتى تبلغ من العمر ٢٥ عاماً، و تخرجت فى جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وتعمل فى مرجان ستانلى، وهى الآن لا تستطيع مغادرة مصر. «عفاف» هى ابنة رجل الأعمال المحبوس أحمد عز.

انقطاع الكهرباء اليومى بالقاهرة يذّكر الجميع بأجواء فترة حرب١٩٧٣. لا يوجد نقص فى الموارد الغذائية ومن المتوقع أن يكون هناك عجز كبير فى ميزانية الدولة.

تبقى مصر فى حالة من عدم اليقين، و أجواء مظلمة جداً حيث يشعر الليبراليون والداعون لمدنية الدولة والمسلمون الوسطيون والأقباط بأنهم هزموا فى مناورة قام بها الإخوان المسلمين.

عيد سعيد»

انتهت تهنئة صديقى لنا بالعيد.

كل عام وأنتم ومصر بخير.

حين يخاف الإعلاميون

بقلم   عبداللطيف المناوى

فى مقالى الأخير الذى حمل سؤالا فى عنوانه «مصر رايحة على فين؟»، يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بدأت تتضح ملامحها تدريجيا، فى ظل وجود سيناريوهين مطروحين فى المشهد السياسى.

السيناريو الأول يتبدى فى استمرار مسلسل التمكين على قدم وساق فى جميع المؤسسات، والسيناريو الثانى يتمثل فى محاولة إحداث قدر من التوازن من القوى السياسية، للمحافظة على مدنية الدولة، لكن فيما يبدو فإن السيناريو الأول قد كسب أرضا واسعة بإطاحته بالقوة الوحيدة، التى كنا نعتقد أنها قادرة على الحفاظ على البقية الباقية من مدنية الدولة، وأصبحت الجماعة تحمل مسؤولية البلاد كلها.

فى المقال السابق أيضا أشرت وحذرت أيضا من الإجراءات التى قد تتخذ تجاه وسائل الإعلام، فى إطار حملة تخويف وإسكات تستخدم فيها وسائل قانونية وميليشيات قاعدية لإحداث حالة الترهيب، وهو ما يبدو أنه قد بدأ أيضا يتحقق على أرض الواقع.

ويحضرنى هنا ما ذكره أحد كبار أصحاب الرأى فى مصر مؤخرا، عندما أسر لى قائلا: «أنا بدأت أخاف»، وأذكر أننى عندما اعترضت على وقف بث قناة قلت إن هذا تعبير عن موقف ثابت التزمته فى كل الأحوال، وفى كل الأوقات انتقدته عندما كان يمارس ضمن النظام السابق الذى كان يتمتع، رغم كل ما يوجه إليه من انتقادات، بمساحة أوسع كثيرا من سعة الصدر.

ما يحدث يخلق حالة من القلق الحقيقى على مستقبل حرية التعبير فى مصر، ويؤكد جدية المخاوف التى ثارت طوال الفترة الماضية على مفاهيم الحرية العامة وحرية التعبير، فى ظل ما يحدث الآن من إجراءات تكبل هذه الحريات، حتى لو خرجت تصريحات فى مرحلة تالية تؤكد مدى التزام الجماعة بحرية التعبير ومدى جديتها فى إعطاء مساحات للتعبير عن الرأى والأفكار، وقد يكون من المناسب هنا الإشارة إلى تقرير مهم صدر عن ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان يرفض مجموعة التجاوزات والانتهاكات التى وقعت مؤخرا، وخالفت جميع المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، وانتقصت كثيرا من قيمة حرية الصحافة والإعلام، باعتبارها مقياس الديمقراطية فى الأنظمة السياسية، فضلا عن كونها مؤشرا يؤكد جدية المخاوف من الانقضاض على الحريات العامة، نتيجة وصول الإسلاميين لمقاعد السلطة فى مصر.

التقرير رصد أهم الانتهاكات التى حدثت، وكلها ذات دلالة، حيث قامت بمصادرة صحيفة ومنع كاتبين من نشر مقالاتهما وغلق قناة فضائية، كما تم الاعتداء على أحد أعضاء الجماعة الصحفية، حيث قامت الأجهزة الرقابية بوزارة الداخلية بالتوجه إلى مطابع جريدة «الجمهورية»، وطلبت أصل صفحات جريدة الدستور «الزنكات»، بعد طباعتها بساعات قليلة، بعدما وردت إليها معلومات عن قيام الجريدة بنشر مواد صحفية تمس شخص رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسى، وتتناوله بقدر من الإساءة والإهانة، كما قامت صحيفة «الأهرام» بمنع مقال للكاتب والمحامى ثروت الخرباوى عن الدولة المدنية فى الإسلام من النشر تحت عنوان «ليت الذين يحكموننا يفهمون»، وذلك دون إبداء أى أسباب، كما تم اقتحام مكتب رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» السابقة عبلة الروينى، ومنع مقالها فى جريدة الأخبار، بسبب اعتراضها على حذف كلمة «أخونة الصحافة» من مقالها، فى إشارة منها إلى حركة التغييرات الصحفية التى أجراها مجلس الشورى، وكان من نتائجها إبعادها عن رئاسة تحرير جريدة «أخبار الأدب» وهو المنصب الذى تتولاه منذ ما يقرب من عام ونصف العام، كما تم أيضا إغلاق قناة «الفراعين» لمدة ٦ أسابيع، وإنذارها بعدم الاستمرار على نفس الممارسات السابقة، كما تم الاعتداء على الكاتب الصحفى خالد صلاح، أمام البوابة الرابعة بمدينة الإنتاج الإعلامى، حيث فوجئ بتجمهر كبير من شباب يدعون أنهم شباب الإخوان، ويهتفون ضد من يصفونهم بـ«الإعلاميين المتحولين»، حيث قاموا بمنعه من الدخول، وتحطيم سيارته تماما.

ما سبق هو رصد بسيط لما حدث خلال الأسبوعين الماضيين، وهو يدعو بشكل جدى للخوف من تقييد الحريات. فى كل الأحوال وكل الأوقات كانت دعوتنا دائما وإيماننا الراسخ هما العمل على إرساء قواعد دولة مدنية حقيقية، وكان الأمل أن تكون التغييرات التى شهدتها مصر تسرع وتعجل بوضع أسس هذه الدولة التى كانت هناك محاولات سابقة فيها تفشل أحيانا، لكنها تستمر فى محاولة للنجاح، لكن حتى الآن يبدو أن الريح لم تأت بما تشتهيه سفن الإبحار إلى أفق دولة مدنية حقيقية حتى الآن، فالريح معاكسة.

مصر رايحة على فين؟

بقلم عبداللطيف المناوي
هذا هو السؤال الذى يطاردنا جميعا فى صحونا ومنامنا، حتى أبناؤنا الذين كنا نراهم أطفالا – وكنا نود لو ظلوا يعيشون عمرهم وطفولتهم – هذا السؤال أيضا بات أحد أسباب مخاوفهم وقلقهم المبكر. أحد الآثار الجانبية لما تعيشه مصر مؤخرا هو ذلك الاغتيال المبكر للطفولة بأساليب متعددة. ويظل السؤال الذى يطاردنا: مصر رايحة على فين؟.

للإجابة عن هذا السؤال قد يكون من المناسب استعراض مشروعات مصر. فى مصر مشروعان، مشروع وجود دولة قوية تنفذ ما حلموا به يوما فرفعوه شعارا ليقترب أن يكون تاريخاً وهو «عيش حرية عدالة اجتماعية» مقومات هذا المشروع دولة مدنية حقيقية تضع فى اعتبارها مصلحة المواطن اولا، تفاصيل حياته الأساسية من عيش كريم وحياة لائقة وكهرباء لا تنقطع وماء نظيف ومواصلات آدمية ومساواة أمام القانون وحرية تعبير حقيقية، عدم استبعاد أو عزل، مشاركة حقيقية فى إدارة شؤون حياتهم، باختصار أن تكون الدولة دولتهم دولة الجميع وأن يكون الوطن وطن الجميع. هذه الدولة الحلم كى تكون حقيقية تكون فى حاجة إلى نوايا صادقة من النظام الذى يقود الدولة لأن يقودها لمفهوم المواطنة لا بمفهوم العشيرة وبمفهوم الدولة لا بمفهوم الأهل ونظام يسمح بحرية التعبير، نظام يؤمن بأن «ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع» فلا يُظلم حياة مواطنيه ليضىء حياة الآخرين أياً كان هؤلاء الآخرون. نظام ولاؤه لوطنه ولمواطنيه. دولة تسقط من خانة تعريف المواطن ديانته أو انتماءه السياسى، دولة للجميع .

نظام يتخذ خطوات جادة وحقيقية من أجل دفع عجلة الإنتاج بحق مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف، لا العبث بحقوق أطراف من أجل مصالح خاصة أو من أجل هدف إثارى أو سياسى. دولة يقوم النظام الحاكم فيها باتخاذ خطوات جادة نحو اعطاء الامان لكل الاستثمارات المصرية والعربية والدولية بانهم ليسوا متهمين مدانين حتى تثبت براءتهم – إن ثبُتت – وأنهم ليسوا تحت مقصلة النفاق السياسى أو الرشوة السياسية لجزء من الرأى العام. باختصار نظام يؤمن بحق أن المصلحة العامة لكل الوطن والمواطنين أغلى وأهم من مصلحة جماعة أو تيار عقيدى، وأن تحالف أبناء الوطن باختلاف انتماءاتهم أبقى من أى تحالفات عقائدية أو تحالفات تتخطى حدود الوطن والمواطن. هذا المشروع هو المشروع الحلم والذى يبدوا سرابا حتى الآن، أما المشروع الآخر فهو المشروع الحادث على أرض الواقع وهو مشروع التمكين الذى تتبناه الجماعة الحاكمة وأدواتها فى حزب حاكم وحلفاء ومتسلقين ومنافقين. هو مشروع قصير النظر يدمر مفهوم الوطن ويدفع بمفهوم المواطنة إلى خانة النسيان. ملامحه الرئيسية التمكين بأى ثمن والاستحواذ على مفاصل الدولة، والمبدأ الرئيسى فيه هو الاعتماد على أهل الثقة، فلا ثقة إلا فى أبناء الجماعة ومن يأتى من خارجها الآن هو حضور وقتى للحاجة وبتوفر عنصر الجماعة فالمكان مكانه.

ما يحدث الآن أن المشروع الثانى هو الذى يتأكد كل يوم ويكسب أرضا جديدة وللأسف لا يجد من يحاول إيقافه أو الحد منه. تمت السيطرة على الإعلام بالكامل ولم تترك الجماعة فرصة إلا واستغلتها فبينما دماء شهداء رفح لم تجف بعد، فاجأنا مجلس الشورى – المطعون عليه – باتخاذ قرار بتغيير رؤساء الصحف جميعا فى حين أن القرار كان مؤجلاً إلى بعد العيد لما يلقاه من معارضة. لكن بينما الرأى العام مهموم بشهداء الوطن فلابأس من استغلال الفرصة فيضربون ضربتهم لتمكين سطوتهم. ويغلقون قناة لأنها تهاجمهم ويصمت كل الليبراليين والمسجلين فى كشوف الليبراليين على حادث الإغلاق ويجمعون أعضاءهم فى مظاهرات ترويعية لكل من يجرؤ ويخالفهم فى الإعلام ويهددون بالاقتحام ولا بأس بعد اتخاذ كل تلك الإجراءات من أن تخرج قيادتهم لتتحدث عن احترامهم لحرية التعبير. ويستغلون الموقف ليروضوا كل المؤسسات كما يستغلون الحوادث المختلفة لتأكيد سطوتهم وسلطتهم واستبعاد من يعارضهم وآخرها حادث إلقاء الأحذية أثناء جنازة الشهداء ونسوا أنهم كانوا السباقين فى معارك الأحذية وفى استخدامها وسيلة تعبير يفخرون بها وعندما رُفعت فى وجوههم اتخذوها ذريعة لكسب أرض جديدة.

ويبقى السؤال: مصر رايحة على فين؟

السلطة المركزية يسيطر عليها كهنة فرعون حتى اليوم

 

أحد الشعارات التى رفعت لسنوات شعار اللامركزية، وكنت دائماً من غير المقتنعين بتطبيق هذا المفهوم على الأرض فى مصر، تلك الدولة التى خلقت مركزية وعاشت مركزية السلطة طوال آلاف السنين، وعبر عشرات الأنظمة السياسية ومئات الحكام. ظل المركز هو قلب الأحداث وهو هدف كل الباحثين عن التأثير. لذلك لم أشك لحظة أن الحزب الوطنى الذى كان حاكما ما هو إلا امتداد لحزب مصر، الذى كان أيضاً حاكماً، وكلاهما امتداد طبيعى للتنظيم السياسى الواحد باختلاف أسمائه، سواء الاتحاد الاشتراكى أو الاتحاد القومى أو هيئة التحرير، ظلت هذه التنظيمات جميعها تعبيراً عن السلطة المركزية الجديدة التى باتت تدير الدولة. هذه السلطة المركزية الجديدة لم تكن إلا امتداداً للسلطة المركزية التى كانت فى بلاط الملوك السابقين ووزاراتهم أو نظاراتهم، وهى أيضاً البلاط الذى كان يحكم مصر حول الحاكم أياً من كان عبر التاريخ سواء كان الحاكم مندوباً سامياً أو أميراً أو سلطاناً أو ملكاً، ويعود بنا الأمر حتى عمق التاريخ إلى بلاط الفرعون وكهنته الذين كانوا يمثلون هذه السلطة المركزية، أى ببساطة فإن السلطة المركزية القائمة اليوم ما هى إلا امتداد لسابقاتها من السلطات المركزية بأشكالها المختلفة حتى تعود إلى كهنة فرعون.

السلطة المركزية القائمة اليوم والتى تسيطر عليها الجماعة بشكل احتكارى يتأكد كل يوم ليست سوى تعبير عن مركزية شخصية الدولة المصرية، لذلك لم أستغرب أننى لمست نفس الروح والنفس اللتين سادتا أوساط الدولة فى مصر عبر تاريخها، كذلك لم يكن غريباً أن ينبت حزب الجماعة الجديد نماذج مكررة من شخصيات سادت من قبل مثل عز أو عزمى أو غيرهما حتى من نماذج رجال الأعمال، ما اختلف فقط هو اللحية والتوجه الدينى، لكن المضمون هو ذاته. أيضاً لا أستغرب تلك الحركات البهلوانية التى قام بها سياسيون وإعلاميون ورجال أعمال بالانتقال بتميز ملحوظ فى القدرات البهلوانية من اتجاه إلى آخر، كل ذلك كان متوقعا، قد تكون درجة التحول وسرعة الهرولة أكثر من استيعابها ولكن فى النهاية يظل – للأسف – سلوكاً متوقعاً.

قد يفسر هذا أيضاً إذا ما نظرنا عبر تاريخ العلاقة بين المصرى والسلطة، التى كانت إحدى صفاتها لدى العديد من المصريين أنها «غاشمة»، رغم ذلك فإن طبيعة العلاقة بين المصرى والسلطة هى ثنائية الحب والكره، يكره المصرى السلطة من نشأتها لتنظيم مياه الرى وتحصيل الضرائب، لكنه يظل دائماً حريصاً على التقرب منها والتحالف معها واحتوائها إن أمكن ولا بأس من أن يناسبها، وإذا ما عدنا إلى أمثالنا الشعبية فسنجد العديد منها التى تتحدث عن كراهية السلطة والتقرب منها فى ذات الوقت. لذلك لست من المراهنين على أن التغيير – أى تغيير – سوف يأتى من داخل جموع الناس، فالأغلب أن حالة التكيف مع السلطة المركزية أياً كانت سوف تكون هى سيدة الموقف.

أسمع من يقول إن الشعب هو الذى غير وأسقط النظام السابق، ولى هنا تعليقان، الأول أن ما حدث العام الماضى هو ما يمكن تسميته بالعاصفة المثالية التى من الصعب أن تتكرر ذات العناصر التى تجمعت لتؤدى إلى الإطاحة بمن كان يحكم فى النظام السابق. النقطة الثانية أن كل ما حدث هو أن النظام القديم على ما هو عليه من عناصر، فقط تم تغيير مواقع هذه العناصر فى المعادلة. تلك المعادلة التى ظلت تتكون من سلطة مركزية وجماعة معارضة. ما تم هو تبادل للمواقع داخل ذات المعادلة، أصبحت الجماعة الدينية هى من يمسك بتلابيب السلطة المركزية، وأصبح من كان يمسك بهذه السلطة من قبل فى موقع المعارضة. لكن النتيجة استمرار المعادلة كما هى.

ما أطرحه ليس تيئيسا ولكنه تفكير بصوت مرتفع، ويظل السؤال هل يمكن لمصر أن تخرج من أسر استمرار ورثة كهنة فرعون على مر آلاف السنين حتى الآن فى السيطرة على السلطة المركزية؟ هذا يتطلب حديثاً طويلا عن تغيير نمط علاقات الإنتاج، وقبله الحديث عن البقية الباقية من المؤمنين بمدنية الدولة، أين هم وماذا يفعلون، وهذا حديث آخر.

 

التطهير العرقى السياسى يتقدم بثبات

 بقلم   عبداللطيف المناوى

قسم أسامة بن لادن العالم إلى فسطاطين، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، وذلك عندما قال فى بيانه المسجل والذى أذيع عبر قناته التليفزيونية المختارة فى ذلك الوقت فى السابع من أكتوبر عام ٢٠٠١ «أقول إنّ هذه الأحداث قد قسمت العالم بأسره إلى فسطاطين!: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه!، وفسطاط كُفْرٍ- أعاذنا الله وإيّاكم منه -، فينبغى على كلّ مسلم، أنْ يهبّ لنصرة دينه، وقد هبّت رياح الإيمان، وهبّت رياح التّغيير لإزالة الباطل!» هكذا وضع اللبنة الأولى لذلك الأسلوب الذى بات متبعا بشكل واع أو غير واع لدى معظم حركات الإسلام السياسى فى تعاملها مع الآخر. ولم يقف الكثير أمام هذا الأسلوب فى الفصل والعزل الذى يقترب من العزل العنصرى عندما كانت هذه الحركات فى موقع المعارضة الشرعية أو غير الشرعية، لكن الأمر اختلف الآن عندما تمكنت بعض هذه الحركات من السيطرة على مقاليد الحكم بطريقة أو بأخرى، فما كان يمكن غض الطرف عنه فيما مضى لا يجوز غض الطرف عنه الآن وهم يمسكون بتلابيب الحكم وتلابيبنا بالتبعية.

أقول هذا فى هذا الوقت لما أراه من سلوك على الأرض من قبل من يحكمون أو يتحكمون الآن فى مصائرنا، فكل الدلائل تشير إلى أن هناك ما يشبه التطهير العرقى لمؤسسات المجتمع ومراكز ثقله الرئيسية، ويمكن أن نلحظ هذا واضحا مثلا فى موقف الجماعة الأخير من ترشيحات رؤساء تحرير الصحف القومية، فقد استخدمت الجماعة إحدى أدواتها المتمثلة فى مجلس الشورى المطعون على دستوريته والمعرض للحل، وذلك من خلال الأغلبية والأقارب داخل المجلس لتضع لجنة اختيار واختبار كتلك اللجان التى تستخدم فى مكاتب التوظيف التى تورد عمالا إلى دول الخليج، وتنكشف الحقيقة جلية عندما يصحح الأستاذ صلاح منتصر من موقفه ويعلن استقالته من لجنة التوظيف التى تورط فى عضويتها ويكشف لنا عن أسرار إدارتها من الداخل وكيف تتجه النية المسبقة إلى «تمكين» قوى الجماعة الضاربة داخل الوسط الإعلامى من السيطرة على جميع الوسائل، أو بحد أدنى المتعاطفين بشكل كلى أو المتحالفين مقدمى الخدمات دون شرط أو قيد. إن ما يحدث أو سيحدث فى مؤسسات الصحافة القومية ومن بعده المؤسسات التى تتعامل مع الرأى العام هو شكل من أشكال التطهير العرقى لتلك الوسائل، وتأكيد لمفهوم الفسطاطين، فسطاط الجماعة والفسطاط الآخر.

ليس هذا هو ما يحدث فقط فى مؤسسات الإعلام، ولكن علمنا بها لأن أصحابها هم أصحاب منابر الرأى، وبالتالى صوتهم أكثر علوا ووضوحا، ولكن ما يحدث فى مؤسسات الدولة الأخرى يمكن لكل واحد فى مجاله أن يلحظ تلك الحركة الدؤوبة لتمكين عناصر بعينها من المناصب الإدارية الوسطى والعليا، وهنا أذكر ما ذكره أحد أعضاء الجماعة الحاكمة تعليقا على ذلك فى أحد البرامج التليفزيونية من أن الرئيس أوباما عندما تولى عين ثلاثين ألف موظف لتنفيذ سياسته، وبالتالى فإن من حق الرئيس المصرى الجديد أن يعين هو الآخر ثلاثين أو أربعين ألف موظف جاهزين ومعدين بالفعل لتنفيذ سياسته، انتهى مضمون تصريح قيادى الجماعة، وهو تصريح مغلوط بعيد عن الدقة يبرر فقط للحقيقة التى نشهدها على الأرض من قيامهم بتمكين عناصرهم فى كل مكان من السيطرة على مفاصل الدولة الرئيسية، هذا الأسلوب من التحكم والسيطرة سوف يضمن لهم المستقبل فى السلطة أو الضغط والتهديد فيما لو اهتزت هذه السلطة من تحت أقدامهم.

والنظر إلى التشكيل الوزارى بدءا من اختيار رئيس وزراء لا يوجد خلاف على هويته، كما لا يوجد شك فى درجة ولائه للجماعة حتى لو كان غير مقيد فى كشوفها «العلنية» المعلومة على الأقل، كذلك تشكيلة الوزراء المختارين سوف تدلل لنا على ذلك الأسلوب الذى يعتمد أهل الثقة وليس أهل الخبرة، وبات واضحا أنه بات هناك لبس واضح فى عنوان قصر الرئاسة، أظن أن أى مواطن بسيط لماح سوف يحتار إذا ماوجه رسالة إلى مؤسسة الرئاسة فأى عنوان سوف يختار: مقر الرئاسة الشكلى فى مصر الجديدة أم مقرها الفعلى أعلى جبل المقطم؟.