كابوس الدستور الذى «كبس» على أنفاسنا

بقلم عبداللطيف المناوى56334_660_Untitled-328

هناك لحظات لا يدرك فيها الإنسان إن كان حقاً يعيش هذه اللحظات أم هى كابوس، مثل هذه الحالة مررت بها منذ عدة أيام وكان الوقت قد تجاوز الثانية صباحا، ولم أدرك وقتها إن كنت نائما أو مستيقظا، عندما تسمرت أمام شاشة التليفزيون وهى تنقل الاجتماع الأخير للجنة التى تسمى «لجنة صياغة الدستور»، بدا الأمر كأنه كابوس، شخصياته كتلك التى تظهر فى أفلام الرعب الكوميدية، لا تعلم هل تخاف منها أم تضحك عليها.

على المنصة جلس «الرجل الكبير» يدير، لم يكن طبيعيا، بدا كأن خلفه من هو أكبر منه من وراء ستار، نشعر به ولا نراه، يدفعه لأن ينتهى من «العملية» بسرعة، فموعد التسليم – تسليم «الدستور» طبعا- قد صدر قرار بتبكيره حتى لا يستطيع الآخرون -أعداء «الكبير» و«الأكبر» منه والحاضرون – أن يقاسموهم «دستورهم». استمرت الجلسة الكابوس فى «سلق» ٢٣٤ مادة فى أسلوب تفوقوا فيه مئات المرات على برلمانات مصر جميعا فيما سبق، عندما كانت تناقش قوانين فى نهاية الدورات البرلمانية.

لا أظن أن ما حدث فى ذلك الكابوس سبق أن حدث فى أى مكان فى العالم، وهذا إنجاز يحسب لمن شارك فيه وينبغى أن يسجل كرقم قياسى جديد فى موسوعة «جينيس». دستور وطن ومستقبله فى ٢٣٤ مادة يتم تمريره فى تسع عشرة ساعة. وأرجو أن يراجع «كبير القعدة»، التى مررت الدستور، تصريحاته التى جاء فيها أن كل مادة استغرقت ٣٠٠ ساعة مناقشات، لأنه لو كان هذا قد حدث بالفعل، وكانت النتيجة ما رأيناهم يناقشونه من صياغة ركيكة فى العديد من المواد، ومناقشات سفسطائية وتعديلات كانت تجرى للمواد بأسلوب لا يمكن وصفه إلا بأنه أسلوب مهين لعقول ورغبات أبناء هذا الوطن.

ولم يخل الأمر من مشاهد كوميدية كان أعلاها عندما أعطى دور تمثيل المصريين المسيحيين الذين انسحبوا من اللجنة إلى «نيافة الأنبا محمد» فى شكل من أشكال التعبير الكوميدى السوداوى عن مفهوم الوحدة الوطنية كما يراها هؤلاء الذين قال كبيرهم إنه لم يعتبر المسيحيين منسحبين «لأننا جميعا نمثلهم». أما نقيب الصحفيين، الذى خالف قرارات الجمعية العمومية لنقابته وقدم التزامه التنظيمى للجماعة الحاكمة التى ينتمى إليها وقدمت له الكثير على التزامه المهنى والنقابى، فحضر منذ بداية «القعدة» ليكمل العدد المطلوب،

وكانت جماعته فيما يبدو قد وعدته بأنه لن يخرج بيده خاوية فسوف يحصل على نص فى الدستور لوضعه فى أعين أعضاء نقابته بأنه حقق لهم ما لم يكن ممكنا تحقيقه، لكن للأسف بعد أن أرجئ طلبه للنهاية، وبعد أن استنفد الغرض من حضوره رفضت اللجنة وكبيرها أى طلبات له، بل عايره كبيرهم بأن لديه هو شخصيا مشاكل مع نقابته.

ظل «الكبير» يفاخر بأن هذا الدستور هو الأعظم فى تاريخ الدساتير، فى حين أن القارئ بعناية له سوف يكتشف أنه يؤسس لدولة دينية ويبدأ الخطوات الأولى نحو وجود ولاية الفقيه من خلال مرجعية الأزهر، وسوف أشير إلى جزء صغير من انتقاد منظمة العفو الدولية للدستور «المسلوق»، قالت المنظمة إن «مسودة الدستور التى وافقت عليها الجمعية التأسيسية تقصر جدا فى حماية حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص، فى تجاهلها لحقوق المرأة، وتقيد حرية التعبير باسم حماية الدين، وتسمح بالمحاكمة العسكرية للمدنيين». وأشارت المنظمة إلى أن «هذه المسودة، والطريقة التى اعتمدت عليها، تأتى بمثابة خيبة أمل كبيرة لكثير من المصريين».

أجواء الكابوس الدستورى بدا من خلالها داخل اللجنة توافق و«تربيطات» مسبقة بين أبناء الفصيل الواحد والعشيرة التى حاولت أن تتماسك فى مواجهة كل الوطن، وبدا أن هناك حرصاً على عدم اختلاف الحلفاء، وبالتالى تمرير ما يريدون من خلال صياغات ملتوية تحقق أهدافهم.

فهمى المتواضع للدستور أنه لجميع الوطن لا لشقه، وأن أساسه التوافق الوطنى لا الاختطاف الذى شاهدناه ونشاهده. وأظن أيضاً أن الجماعة ورئيسها أرادوا أن ينتقلوا بصراعهم مع بقية أطياف الوطن إلى منطقة متقدمة تتجاوز إعلانهم الديكتاتورى إلى دستورهم الذى يمكنهم من ضمان الإمساك بتلابيب السلطة.

استمر الكابوس الدستورى حتى الصباح، وظللت حتى اللحظة الأخيرة متمنيا أن يكون كابوسا بحق ينتهى بأن أستيقظ، لكن للأسف ثبت لى أن الواقع الذى نعيشه قد تجاوز الكابوس كثيرا، ولا أدرى هل سنستيقظ منه قريبا أم ليس بعد؟

لجنة صياغة «وثيقة امتلاك مصر» المسماة الدستور

لجنة صياغة الدستور

بقلم عبداللطيف المناوى
ليس هكذا يتقرر مصير الأمم، ما حدث خلال الساعات الأخيرة من عملية اختيار اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور كان تتويجاً لمشروع استكمال خطف الوطن فى اتجاه بعينه، والخطأ الأساسى بدأ عندما تم إقرار صيغة اختيار اللجنة بالمناصفة بين أعضاء البرلمان بمجلسيه، واختيار النصف الآخر من خارج المجلسين بموافقة أعضائه. وأنا هنا أتفق مع الوصف الذى استخدم فى وصف هذا التشكيل بأنه مصاب بالعوار، وهو الأمر الذى يطعن فيه. لكن بغض النظر عن الطعن فى هذا التشكيل قانونياً أو دستورياً، فإن الطعن هنا أساساً يكمن فى أن هذه الطريقة تبتعد كثيرا عن مصلحة الوطن، فالدستور ليس صياغة لرؤية أى قوة سياسية حاكمة فى وقت صياغته، وليس وثيقة انتصار سياسى يتم إملاؤها من «المنتصرين» سياسياً على «المهزومين» سياسياً أو انتخابياً، لكنها وثيقة أمة ينبغى أن تعبر عن الأمة بكل أطيافها.

بالنظر السريع إلى الأسماء التى «احتلت» مواقعها فى لجنة صياغة «وثيقة امتلاك مصر» المسماة الدستور نكتشف أن القوة السياسية المنتصرة تشكل حوالى سبعين فى المائة من أعضائها المائة، من بينهم، حسب ما هو متاح لدىّ من معلومات وقت كتابة هذا المقال، ست سيدات، أى ستة فى المائة، وستة أسماء من المسيحيين من بينهم عضو قيادى فى حزب الإخوان المسلمين. أما من المثقفين فلم ينجح أحد ممن قدمهم اتحاد الكتاب الذى كان يتفاءل خيراً فيما يبدو، فاقترح أسماء مثل جمال الغيطانى وبهاء طاهر، ولست أدرى هل كان ذلك تفاؤلاً أم اختباراً لجدية ما يحدث.

فى ساعات قليلة اجتمع ممثلو قوى الإسلام السياسى الحاكمة ومعها بقية الممثلين لبعض القوى السياسية التى تمكنت من التقاط بعض من بقايا البرلمان ليختاروا مائة من بين ألفين وثمانمائة اسم عجّت بهم الكشوف الموزعة على أعضاء البرلمان، وصاحب هذه الكشوف «قائمة دوارة» من قيادة حزب الأغلبية بالأسماء التى على أعضائه أن يختارهم، وكانت النتيجة، كما أشرت من قبل، سبعين فى المائة من تيار الإسلام السياسى، إضافة إلى بعض الأسماء من الليبراليين أو من المسجلين فى كشوف الليبراليين، وذلك فى إجراء لذر الرماد فى العيون، أو على طريقة المحلل لتمرير الوثيقة، وهى اللعبة والدور الذى برعت فيه بعض الأسماء منذ عقود حتى الآن.

ما يحدث فى مصر الآن هو عملية متكاملة لإحكام السيطرة على هذا الوطن ووضعه فى إطار محدد هو بالتأكيد بعيد عن مفهوم وحلم الدولة المدنية الحقة، دولة القانون والمواطنة. وهذا غير بعيد عن كل تلك الظواهر التى نراها من حولنا ولا ندركها، أو ندركها لكن ندعى عدم إدراكها من محاولات السيطرة على مستويات الإدارة الوسطى والعليا فى أجهزة الدولة ومؤسساتها «كل مؤسساتها». كل هذا يحدث ويقف الليبراليون والمسجلون فى قوائم الليبراليين ليتنافسوا فى الظهور الإعلامى والهجوم الإقصائى والتخوينى، ويقف من يدير دون أن يحكم تاركاً الأمور لترسو حيثما اتفق وأينما يدفع التيار، وكلا الموقفين سيحاسبهم التاريخ عليه كما سيحاسب من سيشاركون فى صياغة «وثيقة امتلاك مصر» الجديدة المسماة الدستور إذا ما خرجت كما تشير الشواهد حتى الآن.

«لجنة الأشقياء» التى وضعت دستور ١٩٢٣ وقاطعها حزب الوفد والحزب الوطنى فى ذلك الوقت باعتبارها لجنة حكومية، عاد سعد زغلول ووافق على الدستور الذى أعدته هذه اللجنة التى سبق أن وصفها بهذا الوصف، وذلك لأنها جاءت تضم مجموعة من المفكرين وذوى الرأى ورجال القانون والعلماء ورجال الدين والسياسيين المعتدلين والأعيان والتجار ورجال المال، وكانت اللجنة تمثل كل أطياف المجتمع: الساسة ورجال الدين من المسلمين ومن المسيحيين، وأيضا من اليهود، إذ كانت فى مصر جالية يهودية كبيرة، فخرج دستور وافق عليه من اعترض على اللجنة فى البداية. إذن الأساس فى تشكيل لجنة لصياغة الدستور أن تكون معبرة بحق عن كل أطياف الأمة، وهو الأمر الذى أراه غائبا عما تم تمريره فى اللجنة سالفة الذكر.

ليسمح لى د. محمد نور فرحات باستخدام جزء مما صرح به مؤخرا عندما قال إن الدستور تمت صياغته بالفعل داخل أروقة حزبى الأغلبية ليتحول إلى وثيقة حزبية تضعها أغلبية برلمانية، ويضيف: «إن المادة الأولى الذى ستوضع فى الدستور الجديد ستكون: (مصر دولة نظامها ديمقراطى ذات مرجعية دستورية)»، مضيفاً: «ليس هناك اعتراض على المرجعية الدستورية بشرط أن تُحدد، هل جماعة العلماء التى ستشكل لبحث القرارات السياسية والإدارية لضمان عدم مخالفتها الشريعة الإسلامية مثل مجلس أوصياء الدولة الموجود بإيران ونرجع إلى ولاية الفقيه؟».

أظن هذا كلاماً مهماً يجوز أن نتبعه بسؤال: هل هناك عجلة فى صياغة الدستور حالاً أم أن الأفضل التأنى؟