اللجان وحدها لا تكفي لتنمية سيناء

بقلم   عبداللطيف المناوى

مرة ثانية أقول أن المشاكل لا تحل بعقد اللجان الحكومية ، ولا بالاجتماعات وحدها ، و الحديث عن تنمية سيناء يجب أن يتجاوز مرحلة اللجان إلى مرحلة البدء الفعلي في التنفيذ والتنمية ، فهذا حق أبناء مصر في سيناء وحق هذا الجزء من أرض الوطن علينا .

هناك رغبة حقيقية لدى الدولة في تنمية هذا الجزء الغالي من أرض الوطن ، وقرار رئيس مجلس الوزراء أحمد نظيف أول أمس ـ خلال الاجتماع الوزاري الذي عقده الدكتور أحمد نظيف اليوم لتنمية وتطوير سيناء ـ يؤكد هذا ، وهو القرار بإنشاء جهاز وطني لتنمية شبه جزيرة سيناء يضم جميع الوزارات والجهات المعنية تكون مهمتها وضع وتنفيذ الخطة الشاملة لتنمية سيناء باعتبارها البوابة الشرقية لمصر، واستغلال الثروات الطبيعية التى تذخر بها، وتطوير أسلوب معيشة بدو سيناء وتحسين الخدمات المقدمة لهم بما يساعدهم على الاستقرار في بيئتهم ، هذا القرار يجب أن يتبعه تنفيذ فعلي ، ويجب أن نتجاوز مرحلة اللجان التي تجتمع لتصدر قرارات ، تجتمع بعدها لجان أخرى لتبت في هذه القرارات ، ثم تحال إلى لجنة أخرى وهكذا .

تطوير حياة أبناء سيناء وتوفير كافة الوسائل التنموية والمعيشية لهم سواء على مستوى الزراعة أو الصناعة أو التعدين، وتوفير مصادر المياه اللازمة للمعيشة والري والأنشطة المختلفة ، يجب أن يتجاوز مرحلة الورق و اللجان إلى تنفيذ فوري ، والمطلوب الآن هو اتخاذ قرارات حاسمة ، وقرارات عاجلة ، ولا ننتظر لجان تجتمع لتصدر قرارات ، لسنا في حاجة إلى هذه اللجان ، بل نحن في حاجة إلى تدخل مباشر وإجراءات مباشرة وبدء التنمية على الفور .

مرة أخرى فإن سيناء هذا الجزء الغالي والأصيل من مصر ، وأهلها من المصريين الذين قدموا الكثير لهذا الوطن ، يمكن أن تتحول هذه المنطقة بسبب  إهمالنا مرة ، و بطئنا  وكثرة لجاننا مرة أخرى إلى جزء من مشكلة ما لم ننتبه ونقوم بتنمية حقيقية وفعالة وسريعة .

 

الإعلانات

حالة تربص

بقلم   عبداللطيف المناوى

ازدادت حالة الحساسية التي نعاني منها في مجتمعنا ، سواء المصري  أو العربي ، ولست أدري دلالة هذه الحساسية الزائدة ، هل هي مرض من أمراض العصر ، أم هي حالة من حالات التعبير عن الضغط الذي نتعرض له جميعا ، أم هي حالة تربص عامة سكنت كل الأطراف ، بات رد الفعل الأقرب للناس جميعا الآن الاستنفار ، في مواجهة الآخر ، إذا ما أحس ـ ولو عن خطأ ـ أنه مستهدف ، رد الفعل المغالى في الحساسية هو سلوك بين أطياف الأمة الواحدة الآن ، ورد فعلنا على هذه الحساسية يجذر ويعمق هذا الإحساس .

أشهر وأكثر أنواع الحساسية المفرطة الآن في مجتمعنا هي تلك الحساسية بين المسلمين و المسيحيين ، وتحدثنا في الموضوع مرارا، فقد أصبحت هناك حالة من التربص المتبادل ، إذا ما بدأت مشادة بين راكب تاكسي وسائق  فإنها تنتهي بأزمة فتنة طائفية إذا ما كان أحدهما مسلم والآخر مسيحي ، إذا ما تغيب شاب أو فتاة لفترة تبدو طويلة لذويهم فإن رد الفعل المباشر هو البحث عن الأصدقاء و المعارف من الدين الآخر شكا في أنهم تعرضوا للخطف ، وكأن البلد تنقسم إلى قسمين ، وهذا خطر ينبغي أن نتوقف أمامه ونتعامل معه بجدية واجبة .

أشكال الحساسية الأخرى نجدها أيضا في ردود فعل أصحاب المهن ، وكأنه لا يجوز أن يكون في أي مهنة فاسد ، وموسم المسلسلات التليفزيونية خاصة في رمضان هو موسم هذه الحساسية إذا ما ظهرت إحدى الفتيات في مسلسل وكانت تعمل صحفية مثلا ، ودورها أن تكون صحفية فاسدة ، فإن أهل المهنة يغضبون ، وإذا ما تزوجت زهرة خمسة رجال وكانت مهنتها ممرضة فإن نقابة الممرضات تثور وتطالب بالويل والثبور لكل من شارك في العمل التليفزيوني ، وهكذا الحال في كل المهن الأخرى مدرسين أو محامين .

هذه الحالة المستشرية في المجتمع في حاجة إلى وقفة لفهمها ومحاولة حصارها لأنها تعبير عن نفاد صبر ، وسيادة حالة تربص .

 

 

 

توقفوا عن إشعال الفتنة

بقلم   عبداللطيف المناوى

مرة أخرى أقول : لا تحرقوا البلد ،  أقول هذا بعد أن طالعت في موقع اليوم السابع التابع لجريدة اليوم السابع خبر إسلام  من أطلق عليها فتاة الإسماعيلية  ماريان زكي ، ولم تكتف الجريدة بهذا بل ونشرت وثيقة إسلام الفتاة لتشتعل ما تشبه الفتنة كما لاحظت في التعليقات على الخبر من قراء أقباط ومسلمين ، و يبدو أن جريدة اليوم السابع تهتم بنشر وتقصي مثل هذه الموضوعات ، والترويج لها ، ربما من باب السبق الصحفي أو البحث عن زيادة التوزيع ، وفي نفس الموضوع  نشر موقع الدستور التابع لجريدة الدستور أمس رابط فيديو لمن أطلق عليها فتاة الإسماعيلية  ماريان زكي ، وهي تحكي عن قصة دخولها الإسلام ، وجريدة الدستور اشتراها مؤخرا  الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد ، وهو الحزب الذي يؤمن بمدنية الدولة وأن الدين لله و الوطن للجميع ، و بالتالي أوجه نداء إلى هؤلاء الزملاء في جريدتي اليوم السابع والدستور بالحرص في التعامل مع مثل هذه الموضوعات لأن تناولها بهذا الشكل يشبه النفخ في النار التي إذا شبت قد تحرق البلد .

طالبت من قبل بإعمال القانون ومنع المظاهرات الذي تقوم على أساس طائفي وترفع لافتات طائفية في الكنائس والمساجد ، لكن لا أطالب بهذا في الصحف ، أطالب فقط بالالتزام بالمعايير المهنية وإعمال الحس الوطني قبل نشر مثل هذه الأخبار .

مرة أخرى  أقول إن الإسلام لن يزيده شيء دخول أحد إليه ولن ينقص منه شيء خروج أحد منه ، وبالمثل فالمسيحية لن تنقص شيئا إذا خرج منها أحد ولن تزيد شيئا إذا دخل إليها أحد ، وكذلك لا أظن أن مثل هذه الصحف سيزيدها شيء إذا ارتفع توزيعها ثلاثة أيام أو زادت التعليقات على أخبارها ، فالنتيجة البعيدة هي أن هذا يؤدي إلى نتيجة واحدة هي حرق البلد .

أطالب نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة بالتدخل ، وإعمال المعايير المهنية والحس الوطني ، ومرة أخرى .. توقفوا عن إشعال الفتنة .. لا تحرقوا البلد ؟

حق التظاهر وحق الوطن

بقلم   عبداللطيف المناوى

رغم أن حق التظاهر حق مسموح به وفق القواعد والقوانين المنظمة ، ورغم أن ممارستنا له في الفترة الأخيرة لم تكن ملتزمة بالقواعد المنظمة أو القانون ، حيث لم يكن هناك من يأخذ تصريحا قبل التظاهر ، أو من يحدد موعد ومكان المظاهرة حسبما يتطلب القانون ، إلا أن هناك ما يمكن تسميته غض الطرف عن التصريح بهذا ، وكان سلوكا محمودا ، حيث أن ثقافة التظاهر في مصر ثقافة جديدة وما زالت في حاجة إلى تنظيمها .

إلا أن هناك نوع من التظاهر أعتقد أنه ينبغي العمل على وضع ضوابط لها ، بل ومنعها لأنها شكل من أشكال إشعال الفتنة في البلاد ، وأعني بذلك ما حدث بالأمس في جامعي النور بالعباسية والفتح في رمسيس ، و تظاهر البعض أمام مسجد الفتح تنديدا بما أسموه احتجاز كاميليا بعد تردد شائعات عن إسلامها .

ليست هذه المظاهرات فقط هي التي أطالب بمنعها ، ولكن المظاهرات الأخرى من الطرف الآخر ، عندما تسري شائعة أن هناك فتاة أسلمت أو رجلا أسلم ، فإذا لم يتم تنظيم مثل هذه الأشكال بالقواعد والقوانين المنظمة و في كل أشكال التظاهرات الأخرى ، فإنني هنا أطالب بإعمال القانون ليس فقط في تنظيم هذه المظاهرات ، بل و منعها ، فليسلم من يسلم ،وليتنصر من يتنصر ، ولكن مرة أخرى ، وكما سبق أن ذكرت لا تسمحوا بإحراق هذا البلد لأن الكل سيصبح مسئولا ، من تظاهر ومن دعا للتظاهر ، ومن غض الطرف عن التظاهر ، ومن امتنع عن اتخاذ الإجراءات لحماية هذا البلد من مثل هذه الأشكال القبيحة من التعصب .

أكرر مرة أخرى لن يزيد إسلام كاميليا الإسلام والمسلمين شيئا ، ولن ينقص من المسيحية والمسيحيين شيئا ، و لن يزيد تنصر أحد المسلمين المسيحية شيئا ، ولن ينقص من الإسلام شيئا ، ولكن ردود الفعل المتشنجة هذه من كل الأطراف هي التي سوف تنقص الكثير من هذا الوطن .

 

 

لا تحرقوا البلد

بقلم   عبداللطيف المناوى

سواء أسلمت كامليا شحاتة أو لم تسلم ما الفارق ؟ تنصر محمد وأصبح جورج أو لم يتنصر أيضاً ما الفارق ؟ ما هذا الذي نفعله بأنفسنا ، لماذا نحرق وطننا بأيدينا ، لماذا نطلق الرصاص على أقدامنا ؟

تخرج علينا الصحف التى لا أريد أن أشكك فى نواياها ، ولكنها تهم فى إشعال الفتنة فى البلاد ، تخرج هذه الصحف لتتحدث عن اختطاف زوجة كاهن ، لإجبارها على الإسلام ، تخرج المظاهرات الغاضبة التى تندد بالإضطهاد وتطالب الدولة بالتدخل لإنقاذها زوجة الكاهن . وفجأة تعود زوجة الكاهن وتتحدث ذات الصحف عن تحرير زوجة الكاهن من خاطفيها ، والمؤامرة على المسيحية . وعلى الطرف الآخر تخرج صحف أخرى فى اتجاه آخر ولكنها ليست أقل إضراراً من الصحف التى ذكرتها أولاً ، تتحدث عن الوثائق الأمنية التى تؤكد إسلام زوجة الكاهن ، وتشير الى تورط الأجهزة الأمنية فى جريمة اختطاف زوجة الكاهن ” المسلمة ” من مخبأها وأعادتها إلى الكنيسة ، ويخرج علينا أحد الأشخاص يطلق على نفسه صفة ” الشيخ ” ليبشرنا بأنها أسلمت على يديه ، وانها أخفت إسلامها منذ أكثر من عام ، ويخرج علينا كاتب لبنانى قائلاً ” الله معك يا كامليا ،  فلا تحزنى ” وتبدو الساحة وكأنها ساحة قتال بين أبناء الوطن مسيحيين ومسلمين ، معركة كبيرة ، جنازة كبيرة ، على ماذا ؟

فليسلم من يريد وليتنصر من يريد . ماذا يضير الإسلام أن يتنصر منه عشرات ـ حسب معظم الاحصائيات العاقلة سنوياً ـ لأسباب مختلفة ما بين مصلحة ومادة وعقيدة ، فليس هذا انحسار للإسلام ولا حرب عليه ، وليس دليلاً على أى شئ .

وإذا أشهر عدة مئات من المسيحين إسلامهم ـ حسب الإحصائيات العاقلة أيضاً سنوياً ـ لأسباب مرتبطة بأسباب عاطفية أو مادية أو عقائدية فلن يؤثر ذلك فى المسيحية وقوتها ، ماذا  يضير الإسلام أو المسيحية انضمام نفر من هنا إلى هناك أو العكس ، لكن الأكيد أن استخدام مثل هذه الحالات لاشعالها فتنة لا يتفق لا مع الإسلام ولا مع المسيحية .

فلتصبح جورجيت فاطمة ، أو يغير محمد اسمه الى جورج ، هم أحرار ولكن لا تحرقوا البلد بسببهم .

 

 

بيات رمضاني

بقلم   عبداللطيف المناوى

بدأت اليوم الأول من شهر رمضان بملاحظة لم تكن بريئة تماما من السائق عندما بادرني بقوله بعد ” كل سنة وأنت طيب ” بأنه لم يجد مكانا ليركن فيه السيارة حيث أن جميع من في الشارع  لم تتحرك سياراتهم هذا الصباح لأنه أول رمضان ، فهمت ما لم يقله السائق : فلماذا نزلت أنت ؟ لم يكن الوقت مبكرا في الصباح ، وعلى الرغم من ذلك بدا الشارع الذي أسكن فيه وكأنه بداية صباح مبكر جدا .

تحركت بالسيارة وبدت شوارع القاهرة على عكس ما كانت عليه تماما بالأمس ، بدت القاهرة وكأنها في يوم جمعة ، بأنها في وقت عيد ، في وقت صيف حار فكانت خالية إلا ممن اضطر للسير فيها .

أطالع صحف الصباح فإذا على صفحاتها الأولى بأن الداخلين إلى القاهرة بالأمس قضوا على مداخلها ما يقرب من أربع ساعات  ليدخلوها قادمين من المصايف ، عندما أقارن ما قرأت عن الأمس بما شاهدت اليوم كدت أظن بأنهم قد عادوا إلى بيات رمضاني لا أتمنى أن يكون إلا بياتا ليوم واحد وليس لشهر كامل .

أعرف بعض من قاوم حالة الاستسلام للبيات الرمضاني ( بيات من العمل فقط ) فقرر أن يقاوم ويذهب إلى عمله ، ولكن في ظل عدة شروط  أن تكون السيارة واقفة في الظل فلا تكون حارة والجو ساخن فيها ، وأن تكون الشوارع خالية وأن يوجد مكان أمام مدخل عمله مباشرة ، أن يبتسم في وجهه البواب ، ألا يكون المصعد متعطلا ، وأن يكون التكييف في المكتب سليما ، وألا يجد غائبا عن العمل ، هذه  هي الشروط التي وضعت لكي يقاوم حالة البيات وكلما مر بشرط دعا الله في هذا الشهر المبارك ألا يتحقق الشرط التالي ، وما أعلمه أن الله حقق دعوته ، فعاد إلى بياته .

تعلمت من سنين مما تعلمت أن رمضان ينبغي أن يكون شهر عبادة ، وتعلمت أن من بيان أشكال العبادة العمل ، ولم نتعلم أن شهر رمضان هو شهر إضراب عن العمل ولكن فيما يبدو فإنه ليس كل ما تعلمناه صحيح في كل الأحوال .

هذا ليس انتقادا ولكنها صورة تحمل في ملامحها بعض الصحة أردت أن أشير إليها في إطار تسالي الصيام ، وكل عام وأنتم بخير

حالة من التربص المتبادل

بقلم   عبداللطيف المناوى

منتصف ليلة الأربعاء الماضي هاتفني أحد الأصدقاء الصحفيين ليبلغني أن أزمة زوجة القسيس قد انتهت ، وأن المتظاهرين في الكاتدرائية قد انفضوا يغمرهم الإحساس بالراحة لوضع هذه النهاية لهذه الأزمة التي كانت مرشحة للتطور مكررة ما عرف بأزمة وفاء قسطنطين ، وسألت الصديق الصحفي وهو قبطي : كيف انتهت ؟ وما هو الوضع الذي كان حادثا فرد بإيجاز ” كانت مختطفة وانتهت الحكاية ” ، فسألته ” كيف كانت مختطفة ؟ ” ، فأجاب ” كانت هناك خلافات مع زوجها ، وتركت المنزل إلى أصدقاء مسلمين لها “، فقلت له : ” هذا لا يعني أنها كانت مختطفة ” فأجاب حاسما وقاطعا الحوار : ” المهم أنها عادت وانتهت الحكاية ” .

انتهت الحكاية ولكن بدأت معها علامات الدهشة و الاستغراب لدي ، لماذا هذه الحالة من التربص ، وهنا عندما أتحدث عن التربص أقصد به من كلا الطرفين ، وإذا كانت هذه هي الحالة عند هذا المستوى الثقافي من الأقباط ـ والوضع لا يختلف على الجهة الأخرى لدى المسلمين ـ فكيف تكون الحالة لدى من هم أقل ثقافة ؟ أكثر استعدادا للإثارة ، ولماذا في هذه الحالة نلوم أولئك الشباب المندفع أو الرجال ذوي الإدراك الأقل عندما يندفعون في أحكامهم ومواقفهم .

الحالة كما بدا وتأكد ـ وكما توقعت منذ البداية ـ لم تكن أكثر من حالة خلاف عائلي يمكن أن يحدث في أي بيت ، وأي مستوى ، و أي دين ، ولكن عدم الإدراك الكافي ، وتلك الحالة من التربص المتبادل ، وعدم المعالجة الصحيحة لتلك الحالة التي بتنا نعيشها لسنوات طويلة بما يؤثر في شكل العلاقة بين المسيحيين و المسلمين ، كل هذه الأمور ترسخ لأن نصل إلى تلك الحالة من التربص ووضع ” الحك على الأنف ”  كما يقول القول الدارج .

لكن ما فاجأني وأدهشني وزرع داخلي قلقا مضافا  أن يكون موقف من نطلب منهم ومن نتوقع منهم أن يكونوا هم العقلاء مثل موقف الصديق الصحفي الذي رفض أن يتنازل أو أن يتراجع عن حالة التربص التي سكنته و سكنها ، وهي حالة للأسف منتشرة على الجانبين .

 

إثيوبيا محاولة للفهم

بقلم   عبداللطيف المناوى

ذهبت إلى أثيوبيا في محاولة للفهم ، فالمشكلة لدينا هي التصورات المسبقة دائما عن الأشياء والأشخاص و التي تجعلنا أحيانا نصل إلى نتيجة خاطئة ، ومحاولة الفهم كانت محاولة لفهم ما يحدث الآن في ملف حوض النيل ، حول سبب الموقف الإثيوبي ، في محاولة لفهم أين نقف نحن الآن من هذه القضية .

إثيوبيا واحدة من الدول القديمة ، وهي صاحية أطول تاريخ من الإستقلال ـ وإن كان ليس بشكل مستمرـ بين دول القارة الأفريقية، حافظت إثيوبيا على إستقلالها خلال فترة إستعمار أفريقيا . وظلت كذلك حتى 1936 حيث إجتاح الجيش الإيطالي إثيوبيا  ، هزمت القوات البريطانية والإثيوبية القوات الإيطالية عام 1941 ، ولكن إثيوبيا لم تستعد السيادة حتى توقيع الإتفاق الأنجلو-إثيوبي في ديسمبر 1944.

ويربطنا بها تاريخ إسلامي واحد ، حيث كانت الحبشة هو المكان الأول الذي ضم واحتضن المسلمين الأوائل عند هجرتهم الأولى وهربهم بدينهم عند الملك النجاشي وفرارهم من كفار مكة  .

أما أنهار إثيوبيا فتتجه جميعها نحو الغرب وتنتهي في حوض وادي النيل باستثناء نهر أومو الذي يجري في الجنوب ويتجه إلى بحيرة ويجري في الشمال نهر تكيزة أو كما يسمى محلياً «الرهيب» مع روافده هابطاً من جبال ألاسكا. ولكن أكبر أنهار إثيوبية هو نهر آباي، أو النيل الأزرق، الذي يتغذى من بحيرة تانا ومن نهر آباي الصغير أو النيل الزرق الصغير الذي يهبط من جبال شوك ويصب في بحيرة تانا المذكورة.

تبلغ مساحة أثيوبيا 1.127.127 كم2  ، ويبلغ سكانها حوالي ال80 مليون ، وقد تسبب الجفاف المتكرر الذي تعرضت له أثيوبيا في العقد الأخير إلى خسائر بالغة بشرية وبيئية ،  وتتعدد اللغات والعروق البشرية  في إثيوبيا و يرافق ذلك  تعدد في الانتماءات الدينية ، وأصول السكان في إثيوبيا متنوعة جداً. ويؤلف الأمهريون الأكثرية الساحقة منهم ويقدرون بنحو ثلث السكان، ثم يليهم شعوب الغالا ويؤلفون نحو خمسي السكان. ويلي ذلك مجموعات بشرية متعددة الانتماء العرقي والقومي منهم: قبائل التغرة التي تعيش في الشمال، والجماعات النيلية التي تقيم في الجنوب والغرب من البلاد، والعرب الذين يتوزعون على أقاليم أوغادين وصحراء الدناقيل، وغيرهم مثل الصوماليين والدناقيل والسودانيين.

ذهبت إلى إثيوبيا كما قلت في محاولة للفهم ، والحقيقة أننا كلنا في حاجة للاقترال وفهم هذا التنوع الثقافي و التاريخي ، و العلاقات التي كانت موجودة ، والتي نتمنى أن تعود أفضل مما كانت

الجزء الآخر من الصورة

بقلم   عبداللطيف المناوى

يبدأ الخطأ عندما لا أري سوى ما أقتنع به ، ويتضاعف الأثر السلبي عندما أصر على ما أراه ، ولا أحاول أن أجهد نفسي بأن أنظر من زاوية مختلفة من زاوية الآخر ، هذا ينطبق إلى حد كبير على أسلوبنا في التعامل مع دول حوض النيل ، لقد اكتفينا بالتأكيد على ما هو غير قابل للنقاش أو التنازل وهو عدم التنازل عن حق مصر في الحصول على نصيبها وما يكفيها من مياه نهر النيل ، واكتفينا لسنوات طويلة بالتأكيد على هذا المعنى و التقليل من أي رؤية مخالفة لبقية دول الحوض ، ولم نحاول أن نذهب إلى زاويتهم لنرى من خلالها ، ليس لتبني ما يرون ، ولكن لكي نصل إلى رؤية مكتملة ، إلى صورة أكثر اكتمالا تساعدنا على فهم المشكلة من زواياها المختلفة لتمكنا من اتخاذ القرار الصحيح و الخطوات الصائبة نحو حل تلك الأزمة بما يضمن لنا مصالحنا ، وتدفق حقنا من المياه ، ولكن في ذات الوقت دون خسارة أي من العناصر الأخرى من علاقات و استقرار مع دول ليس لنا جميعا خيار سوى أن نتواجد معا إلى الأبد .

جزء من الخطأ في فعلنا في الماضي أننا وقفنا مكاننا نؤكد على ما هو حق لنا في مياه النيل ، نلوح بالاتفاقيات و المعاهدات الدولية التي تنص على حقوق مصر في هذه المياه ، ولم نشغل أنفسنا كثيرا في أن نعرف ماذا يريد الآخرون ، لماذا غضب الآخرون ، هل مواقفهم هذه نابعة عن جهل منهم بهذه الاتفاقيات ، أم رفض لها ، أم تعبير عن غضب من سلوك غائب منا ، أو سياسة في التعامل غاب عنا فيها الإحساس بالطرف الآخر ، واحتياجاته السياسية و الاقتصادية والنفسية ، المشكلة أننا تعاملنا أيضا بأسلوب الضامن لما في يديه إلى الأبد ، والقادر دائما على التحرك الناجح في الوقت الذي يراه مناسبا .

انشغلنا بأمور أخرى كثيرة ، وفي غمرة انشغالنا لم نلحظ بأن ما كنا نعتقده من الثوابت في بعض المناطق لم يعد من الثوابت ، ولم ندرك أن هناك تطورات سياسية واقتصادية ، ونفسية قد حدثت في مناطق اعتدنا أن نتعامل معها تعامل الواثق القادر دون أن يطور من أساليبه أو يجدد من وسائل تواصله ورؤيته لهذه المناطق التي اختلفت رؤيتها لما حولها وعلاقاتها ومصالحها و تحالفاتها وحتى لنفسها .

الاتفاقيات الدولية مهمة ، ولكنها لن تكون الحل لموضوع مياه النيل ، والإصرار على الموقف والحق في الحياة ينبغي أن يكون مستمرا ، ولكن وحده ـ أي الإصرار ـ لن يكون كافيا لتحقيق ذلك .

بعد أيام قليلة قضيتها في إثيوبيا ، ما يمكنني قوله أننا نحتاج أن نقف من زوايا مختلفة ننظر إلى الصورة  بتحرر من أساليب عفى عليها الزمن ، ونمسك بحقوق لن نتمكن من الحفاظ عليها ، لو لم ندرك ذلك .

خُط الصعيد وخُط سيناء

بقلم   عبداللطيف المناوى

لم تتعامل الدولة ولا المجتمع مع صعيد مصر في النصف الأول من القرن الماضي باعتباره منطقة محرمة خارجة عن القانون ، ولم يتم اعتبار الصعايدة جميعهم وقتها خارجون عن القانون ، لأنه كان من بينهم خط الصعيد ـ بضم الخاء ـ وتم التعامل مع الخارج عن القانون هو ومجموعته التابعة ، و في ذلك الوقت  ـ وقت مواجهات الأمن مع الخط لم نسمع أو نقرأ عن أن هذه المواجهات كانت تدور بين الصعايدة و الأمن ، بل كانت في حدودها : مواجهات بين الأمن والخارجين عن القانون ، وهذا هو الوضع الذي يجب أن نتعامل به هذه الأيام مع ما يحدث في سيناء ، فمن الخطأ ، بل من الجرم تجاه هذا الوطن أن يتحول الحديث عن مواجهات بين رجال الامن وبعض الخارجين عن القانون من أهل سيناء بأن يتم تناولها بأنها مواجهة بين بدو سيناء والأمن المصري ، ما أرجوه من زملائنا الصحفيين و المحللين ، ومن يتطوع للحديث بالكتابة أو إبدء الرأي أن يحرصوا على التأكيد على ذلك الفارق الجوهري و الحيوي ، ما يحدث في سيناء ليس مواجهة بين بدو سيناء والأمن .

التعامل مع هذا الموضوع بهذه الزاوية الخطأ سيخلق شعورا متزايدا بالتوتر لدى أهالينا في سيناء ، وليس من المقبول أن تتم معالجة هذه القضية في ظل ذلك التصنيف المتعسف ، وأن يخرج علينا بعض الزملاء للحديث عن البدو الذين يشهرون مطالبهم السبعة في وجه الداخلية ، وأن يكون المطلوب الأول لدى الأمن أحد المصادر المهمة في التعامل الإعلامي ، وأن تفتح الساحة الإعلامية أمام هاربين من وجه العدالة لكي يضعوا شروطهم والأخطر أن يتم تقديمها باعتبارها مطالب للبدو .

الأكثر من ذلك أن يقوم هؤلاء الخارجون عن القانون بعقد مؤتمر صحفي وصفه أحد الزملاء تحت عنوان ” قبائل سيناء تعرض مطالبها اليوم في مؤتمر صحفي عالمي ” ، ويكون ذلك  المؤتمر ” العالمي ” الذي عقد بالأمس هو عبارة عن اثنين من المطلوبين للعدالة و الهاربين من أهالي سيناء أمام عدد قليل من الصحفيين ، يقف فيه أحد هذين الخارجين على القانون يحمل في يده سيجارة ملفوفة بالحشيش في تحد واضح أمام قليل من الصحفيين ليضع ما أسماه مطالب البدو ، وأسأل جميع الزملاء هنا : هل من العدل و الأمانة تجاه هذا الوطن ، وتجاه أهلنا في سيناء أن نسمي هؤلاء بدو سيناء ونتعامل معهم باعتبارهم يمثلون أهلنا في سيناء ، لا أملك إلا أن أقول حرام علينا جميعا إن نفخنا في النار بهذا الأسلوب حتى لو كنا لا ندري .

الصعايدة لم يكونوا خارجين على القانون عندما كان بينهم الخط ـ بضم الخاء ـ وأهلنا في سيناء ليسوا خارجين على القانون لأن بينهم خط جديد .

تحدثت بالأمس عن خط الصعيد ، وكيف لم يقع المصريون في ذلك الوقت في خطأ الخلط بين خط الصعيد و الصعايدة ، وكنا في ذلك الوقت أكثر حكمة عندما فصلنا بين الاثنين ، وهذه الحكمة هي الغائبة عنا هذه الأيام في التعامل مع ما يحدث في سيناء إذ نخلط بين بعض الخارجين عن القانون وبين أهلنا في سيناء .

وقد يكون مناسبا التذكير بحكاية خط الصعيد ثم نعود بعد ذلك إلى خط سيناء ، الخط ليس اسم شخص ولكنه لقب أطلق على بعض الأشخاص المجرمين الذين ارتكبوا العديد من الجرائم وبثوا الرعب فى نفوس المواطنين وظلوا طليقين تتعقبهم يد العدالة لفترة طويلة من الزمن وتناثرت حولهم العديد من الحكايات .

صاحب لقب الخط الأصلي هو محمد منصور ، بدأت اسطورته بمشاجرة بسيطة مع رجل يدعى طوسون من عائلة اسمها حميد ونتج عنها مقتل احد افراد عائلة حميد وهكذا بدأت قصة محمد منصور مع الإجرام ، بدايته كانت من درنكة مسقط رأسه وكان الرد سريعا من عائلة حميد فبدءوا فى البحث عنه لكهنم لم يجدوه لانه وجد طريقه الى الجبل للمحافظة على نفسه وكان القصاص من نصيب اثنين من أشقائه.

بعد صعوده الى الجبل فى عام 1914 اجتمع حوله المطاريد والخارجيين على القانون وبدءوا فى فرض سطوتهم وسرقوا وقتلوا وتاجروا فى المخدرات والسلاح وأشاع محمد منصور الرعب فى قلوب الناس فى المنطقة وحتى المناطق المجاورة وبالقوة التى حصل عليها محمد منصور ـ الخط ـ أصبح متعطشا للدماء حتى  انه ارتكب أكثر من 15 جريمة قتل وشروع فى قتل .

فى عام 1947 كانت النهاية لهذا السفاح حيث قام فى هذا الوقت بخطف احد الاطفال وطلب من اسرته فدية مقابل اطلاق سراحه فابلغ العمدة الشرطة ، وطلبت منه الشرطة ان يسايره حتى يتم الايقاع به وهذا هو ما حدث بالضبط واعدت الشرطة كمينا فى المكان المحدد للتسليم وتمكن شيخ الغفر فى هذه الاثناء من الإمساك بالمتهم وتقييده ودارت معركة بالرصاص سقط فيها الخط قتيلا لتنتهى بذلك قصة خط الصعيد.

كان من الغريب جدا أن أجد صورة سالم أبو لافي ـ الذي يصلح أن نطلق عليه لقب خط سيناء ـ  وهو على الصفحات الأولى للصحف حاملا في يده اليمنى سيجارة ملفوفة بالحشيش ، ويرفع يده الأخرى بعلامة النصر متحديا النظام  و السلطة و العرف  وما تعلمناه من أصول مهنية وصحفية ، و يصح في هذه الحالة التساؤل الذي تساءله أحد الأصدقاء : هل  يحدث هذا في مصر أم أنه يحدث في كولومبيا ، هل يمكن أن يحدث هذا في دولة بها قدر من العقل والمنطق ، وأن يفسح  المجال  من أجل خارج على القانون ليجري مؤتمرا صحفيا ، تتصدر صوره الصفحات الأولى للصحف ، وتتسابق شاشات الفضائيات من أجل تصويره وعرضه ، لا يمكن أن يحدث هذا إلا في دولة تسيطر عليها عصابات المخدرات ، ولا وجود فيها لأي نظام .

أعود إلى سالم أبو لافي الذي يتم التعامل معه على أنه كان الممثل الأصيل والوحيد للبدو في سيناء ، وهذا هو الخطأ الكبير الذي يقع فيه العديد من الزملاء الإعلاميين والصحفيين ، فأبو لافي  ومن معه  ليسوا  سوى مجموعة من الخارجين على القانون ، من منطقة سيناء ، ولا يصح أن يتم التعامل معهم بأنهم ” بدو سيناء ”  جميعهم ، وأن مطالبهم هي مطالب أهل سيناء ،  وليس من المناسب التعامل مع خارج على القانون على أنه ممثل أهل سيناء، ومن الجرم في حق الوطن أن نقع في هذا اللبس الخطير

ولمن لا يعرف سالم أبو لافى، تم احتجازه عام 2008 على إثر تصاعد احتجاجات أهالى سيناء عند الحدود مع إسرائيل بسبب مقتل 4 من أبناء قبيلة الترابين والرياشات برصاص الشرطة، وهو  أحد الذين توسطوا لتحرير العميد حسن كامل أحد قيادات قطاع الأمن المركزى برفح وبرفقته 51 جندياً من قوات الأمن المركزى ، والهارب من سيارة الترحيلات بسيناء فى 3 فبراير الماضى، و المتهم  فى قتل النقيب أحمد أسامة معاون مباحث بئر العبد والشرطى سيد غريب إسماعيل .

ويظل التساؤل مطروحا : هل يتم التعامل مع الخارج على القانون ، والمتهم في مواجهة الدولة ، على اعتبار أنه ممثل سيناء في وسائل الإعلام  التي تنادي بسيادة القانون وتنتقد الخروج عليه ، ما يحدث يحتاج إلى وقفة عاقلة من كل الأطراف في العمل السياسي والإعلامي ، ومن مسئولي الدولة ، فلا يمكن أن نعمل على هدم هيبة الدولة ، ولا ينبغي أن نصم أهل سيناء بما ليس فيهم ، ولا أن نعتبر خارج على القانون هو ممثل لمنطقة كاملة من الوطن .

وأعود وأذكر مرة أخرى أنه في أوائل القرن الماضي حين كانت هناك مواجهة بين خط الصعيد و قوات الأمن لم يحدث أن قال أحد أن هناك مواجهة بين الصعايدة والدولة ، ولم أقرأ أو أسمع أن صحيفة من الصحف في تلك الفترة أفردت له صفحات عن بطولاته كبطل مغوار.

تلك الصورة ، وذلك الأسلوب في التعامل مع هذه القضية والخلط بين الخارجين على القانون وأهالي سيناء ، ما هي إلا خناجر في جسد هذا الوطن حتى لو لم يقصد الضاربون أن تكون النتيجة هي طعناتهم  .