قليلا من اللغة العربية

بقلم   عبداللطيف المناوى

اللغة هي هوية ، والحفاظ على اللغة العربية هو جزء من الحفاظ على الهوية ، ومحاولة الالتزام بالحد المناسب من اللغة الأصلية لا يعني تقعيرا ولا يعني محاولة للتعامل بتعال أو بعلياء مع الآخر ، ولا يعني أيضا إعطاء الإحساس للآخرين بالجهل ، والأكيد أنه لا ينبغي أن يكون عائقا عن التواصل أو خالقا لفجوة في العلاقة أو الفهم .

أقول هذا بمناسبة ذلك الانتشار الغير محمود لتجاوز أو لنقل لانتهاك اللغة العربية ، بل أساسيات اللغة العربية ، في العديد من التعاملات والمكاتبات ووسائل الإعلام ، بل وامتدت الأمور حتى لشعارات الأحزاب ، آخر هذه الانتهاكات عندما قرر الحزب الوطني أن يكون شعاره في مؤتمره السابع ” عشان تطمن على مستقبل ولادك ” ، لا أظن أن في الأمر جفوة أو انعزال أو تعالي أو عدم قدرة على التواصل لو قلناها بشكل آخر ” لتطمئن على مستقبل أولادك ” أو ” لكي تطمئن على مستقبل أولادك ” ، أيضا عندما اختار التليفزيون المصري أن يضع إعلاناته بعنوان ” حصري عالتليفزيون المصري ” ، ولا أظن أبدا أن استخدام حرف ” على ” بدلا من العين ، سوف يسيء إلى المعنى أو يحدث جفوة بين المشاهد المستهدف والتليفزيون .

بدأ هذا التوجه نحو الاستخدام المفرط للغة العامية الأكثر من دارجة في صحافتنا المطبوعة منذ عدة سنوات ، وظن البعض بعد ذلك أن هذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى القارئ ، وانساق وراء ذلك العديد من الكتاب والصحفيين ، بل وبعض الصحف التي كان من واجباتها والتزاماتها أن تحافظ على اللغة العربية ، وأزيد بالقول أنه في بعض الأحيان كان استخدام اللغة العربية البسيطة يحدث أثرا كبيرا في نفس المتلقي حتى لو كان هو نفسه بسيط المعرفة .

لا أطالب بالتقعر في استخدام اللغة ، فاللغة العامية البسيطة تقترب كثيرا إن لم تكن تتطابق في معظم الأحيان مع اللغة العربية البسيطة ، هي دعوة سبقني إليها كثيرون قبلي للحفاظ على هوية أمة اللغة هي مكون رئيسي لها .

زحف الدولة الدينية

بقلم   عبداللطيف المناوى

على الرغم من أن الدستور المصري ينص في مادته الأولى على أن المواطنة هي الأساس في التعامل وحق لكل مواطن، و على الرغم من الدعوة المستمرة لمدنية الدولة ، ولوجود الدولة المدنية القائمة على التعدد واحترام الآخر، واعتماد الوسطية والاعتدال في كل معاملاتنا ، وعلى الرغم من أن الدستور ينص في عدد من مواده وخاصة في المادة 40 على الحقوق المتساوية لكل المصريين ، على  الرغم من كل هذا إلا أن الملامح العامة والمقدمات لما يحدث حولنا تعطينا الانطباع إلى أننا نزحف باتجاه الدولة الدينية  .

هذا الزحف غير المنظم أو غير المقصود أو غير الواعي يدل على أننا ندفع باتجاه هذا المفهوم ـ مفهوم الدولة الدينية ـ بوعي  أو بغير وعي ، وليس أدل على ذلك من حالة التدين السطحي الحادث والمستشري في الشارع في المتجمع ، أو الدفع باتجاه حالة التديين ، أيضا هذا الكم الكبير من القنوات الدينية التي لا تقدم صحيح الدين أو تدفع باتجاه الوسطية بقدر ما تدفع في اتجاه التطرف و الطائفية وتؤثر في شرائح مختلفة تستمع لمن يرفع صوته باسم الدين، أيضا هناك حالة التقييم والتفسير لما يحدث ـ حتى لو كان لظاهرة علمية ـ على أساس ديني في كل المناطق و الأماكن  ، أيضا لغة الخطاب التي نستخدمها التي تغلب مصطلح الساجدين على  أي مصطلح آخر ، وإشهار الدين في وجه  من يتحدث بأي  كلام مخالف حتى يصمت ، واستغلال الدين للتأثير على المواطنين البسطاء .

من يراقب ما يحدث في المجتمع سيلاحظ هذا ، سيلاحظ انتشار الغيبيات على حساب الحقائق القائمة على العلم ، و هو الأمر الذي يؤدي إلى تغيب الوعي وبالتالي إلى تدين شكلي غير حقيقي   أدعو هنا إلى وقفة  ضد ما يحدث ، ضد هذا التطرف في استخدام الدين ، وتفسير الأمور الحياتية على أساس ديني ،وهو الأمر الذي لا يمكن الخروج منه إلا بالتأكيد على فكرة الدولة المدنية القائمة على تعدد فكري وحزبي ، الدولة القائمة على المواطنة واحترام الآخر .

قيمة العمل

بقلم   عبداللطيف المناوى

ما نعانيه في مجتمعنا اليوم هو نتيجة لغياب اللوائح ومفهوم تلك الثقافة ، بات بذل الجهد قرين لعدم فهم قواعد اللعبة وغياب الحداقة وغياب الفهلوة والشطارة ، بدأت مصر تشهد وجود عمالة أجنبية في مصانعها بعضهم يحصل على تصريح دخول رسمي ومعظمهم يدخلون بطرق ملتوية ، وهنا عندما أتحدث عن عمالة اجنبية في بلد سكانه يتجاوز ال 80 مليونا ، ونسبة البطالة فيه تتراوح حول نسبة العشرة في المائة ، ومن يعيشون فيه تحت خط الفقر يقتربون من 20 في المائة ، عندما يكون المجتمع بتلك المواصفات وبهذا الشكل ويلجأ لعمالة أجنبية فهذا مؤشر جدا خطير ، عندما أتحدث مع أصحاب المصانع والشركات عن سبب  استقدامهم لعمالة أجنبية ويكون المتوقع الحديث عن رخص الأيدي العاملة الأجنبية تكون المفاجأة في الإجابة   أن المسألة لا ترتبط برخص الأيدي العاملة ولكن بجودة وكفاءة العمالة الأجنبي وأكثر من ذلك الالتزام بما يمكن أن نطلق عليه ثقافة العمل المتبع ، فضلا عن أن عددا كبيرا من المصريين يرفضون تلك الأعمال التي تتطلب كفاءة خاصة خاصة  ، أولا لأن العدد المدرب غير كافي ، ثانيا أن الرغبة الأساسية التي تحكم من يرغبون في العمل ويبحثون عن العمل البسيط الغير مجهد الذي لا يستهلك وقتا كبيرا حتى يتمكن من إيجاد عمل آخر أو عملين بجواره ، إذن المشكلة الرئيسية في هذا النطاق تتعلق بمسألة الكفاءة والتدريب ، والنقطة الثانية هي ثقافة العمل .

إن أسلوب الدولة في هذه المرحلة في التعامل مع الفقراء كما يبدو واضحا في التعامل مع هذه القضية لا يرتكز على مفهوم الدعم للفقراء المتمثل في إعانات مالية أو دعم مباشر أو غير مباشر وإنما يتمثل في دعم الفقراء للخروج من دائرة الفقر وهذا لن يتأتي إلا من خلال تدريب على العمل وهذا الذي على الدولة أن توفره .

النقطة الثانية هي تأصيل ثقافة العمل وأهمية العمل وجدواه والقناعة أنه هذا هو الطريق ـ ليس فقط للخروج من دائرة الفقر ـ وإنما لتطور المجتمع

المواطنة أمينة شفيق

بقلم   عبداللطيف المناوى

جاء قرار الرئيس مبارك  بتعيين الأعضاء العشرة الذين له حق تعيينهم وفقا للدستور بمجلس الشعب ضابطا ولو جزئيا لبعض الخلل الناتج عن الانتخابات ، ولكني شخصيا أعتقد أن أحد أهم الشخصيات التي فرحت بوجودها بين المعينين هي الأستاذة أمينة شفيق ، وعندما أقول الأستاذة فإنني أعني ذلك بحق ، التقيت بالكثيرين خلال عملي أو اهتماماتي بالقضايا العامة ، كان من أكثر من وجدتهم رسوخا على مبدأ، وعملا من أجل الآخرين بقناعة كانت الأستاذة أمينة شفيق ، ورغم أن الوصف السياسي لها هو أنها  يسارية الاتجاه إلا أنني أظن أنها تجاوزت منذ عدة سنوات ذلك التوصيف السياسي الضيق ، وخرجت من اليسار أو اليمين إلى مساحة الإنسانية والوطنية .

يصفها من يعرفها بأنها يسارية لم تحد أو تقايض على يساريتها وتعلن انحيازها للفقراء ، ويرى الكثيرون أنها من أكثر الفئات الهامشية  ومن أكثر الصحفيين الذين اهتموا بالعمل الأهلي ، ولم تخلط  في يوم من الأيام  بين موقفها السياسي أو انتمائها الحزبي وخدمة من تلتزم ناحيتهم ، كانت تحصل على أعلى الأصوات من كل الاتجاهات في أي انتخابات نقابية ، فالجميع يحترمها ويقدرها ومن يختلف معها لا يمتد اختلافه في أي لحظة من اللحظات إلى ذلك الاحترام والتقدير .

آخر مواقفها التي تعبر عنها وتتسق مع شخصيتها عندما أعلنت منذ فترة طويلة عن رغبتها في خوض الانتخابات ، واتخذت خطوات بالفعل ولكن ما إن أعلن الحزب الوطني الديمقراطي الذي ليست هي عضويته عن ترشيح الدكتورة مديحة خطاب زميلتها في المجلس القومي للمرأة على نفس المقعد ، حتى قررت أمينة شفيق الانسحاب  من المنافسة على مقعد جنوب القاهرة لأنها لا تحتمل مشهد تتنافس فيه امرأتان تعملان من أجل المرأة على نفس المقعد ، فآثرت الانسحاب احتراما لقيم التعاون والتضامن من أجل المرأة لأنها كما ترى أن في ذلك خدمة لقضايا المرأة .

أظن أن امينة شفيق هي أكثر الصحفيين وأكثر العاملين في مجالات العمل العام ـ وقد تعاونت معها في هذا المجال ـ  الذين جابوا قرى مصر ، سارت على قدميها ، وتحدثت مع أهلها وخبرتهم عن قرب دون حواجز أو حراسات ، لم ألتق من بين المهتمين بشأن المواطن المصري مثل أمينة شفيق .

تقول أمينة شفيق عن نفسها ” أنا من مواليد القاهرة .. أهتم بالمرأة الريفية و المهمشة والعشوائيات، ليس لي علاقة بالشياكة ولا أعرف الصالونات، ولكنى أعرف أنني أعمل وعندما أتعب أنام، فأنا امرأة مكافحة تعمل بجد ـ مش هانم ـ  أنا موطنة مصرية بسيطة، بنت بلد جدعة أعرف في الأصول جيدا ” ومن وجهة نظرها أن المبادئ  تساوي الضمير .

مرة أخرى أظن أن الأستاذة أمينة شفيق إحدى النقاط المضيئة القليلة في تجربة البرلمان الجديدة .

شارع الدكتور أحمد نظيف .. عرش الآلهة سابقا

بقلم   عبداللطيف المناوى

الآلهة المصرية عاشت في الأقصر منذ آلاف السنين ، ويمكن القول باطمئنان بأن طيبة هي أرض هؤلاء الآلهة تمتلكها منذ آلاف السنين ، واكتسبت الأقصر تاريخها وحضارتها من هذه الآلهة التي عاشت بها  ، لهذا فإن أي اعتداء على حقوق هذه الآلهة يعد اعتداء على تاريخ طويل عاشت فيه هذه الآلهة في الأقصر .

منذ أكثر من 3 آلاف سنة كما تقول الرواية فإن طريقا ظل يعرف باسم ” عرش الآلهة ” خلف معبد الكرنك وكان يتبع حرم المعبد أيام الفراعنة  ، هذا الطريق كان يمر فيه موكب الفرعون لحضور الاحتفالات الدينية لآلهة المصريين القدماء في تلك الفترة رع ، وآمون ، وحابي وغيرهم واكتسب الطريق اسمه منهم وسمي شارع عرش الآلهة .

وبات من المعروف أن الأقصر هي إحدى المدن المفضلة إلى الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء خاصة عندما اختارها مكانا لإقامته عقب زواجه العام الماضي ، ومنذ ذلك الحين فإن الأقصر هي إحدى المدن التي يحرص الدكتور أحمد نظيف على زيارتها كلما سنحت الظروف لمتابعة التطور الذي تشهده المدينة وحالة التي تشهدها منذ تولاها الدكتور سمير فرج وتحولت إلى محافظة ،كما أن الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء حريص  على مشاركة أهل الأقصر احتفالاتهم وافتتاح مشروعاتهم ، هذه هي علاقة الدكتور نظيف بمدينة الأقصر وهي علاقة عمرها سنوات ، وبعد آلاف السنين القادمة أظن أن المصريين في ذلك الوقت سوف يظلوا يتذكرون آلهة مصر القديمة ، وليس من الأكيد أنه في تلك الفترة سوف يتذكرون علاقة الدكتور نظيف بالأقصر .

خرجت علينا الصحف مؤخرا بخبر مفاده أنه تم تغيير اسم الطريق الذي عرف حوالي 3 آلاف سنة باسم عرش الآلهة ليكون اسمه   شارع  الدكتور أحمد نظيف ، وهذا خبر صادم وأظنه أيضا كان صادما للدكتور نظيف الذي لا أظنه اقترح هذا ، ولا أظنه عرف بهذا الأمر ، ولا أظنه وافق على هذا بعد أن عرف ، وأتمنى أن تكون معرفته دافعا لاتخاذ قرار بالتوقف عن هذا الفعل إن صدق خبر تغيير اسم الشارع كما تقول الأخبار .

المصريون ينتظرون من رجالهم وقادتهم أشياء أخرى غير ما يقدم لهم الآن ، المصريون في مرحلة  يحتاجون إلى من يتواصل معهم ويحترم مشاعرهم و (يطبطب عليهم ) ، المصريون يحتاجون إلى من يتفهم ما يمرون به سواء من إحباطات أو حتى تطلعات ، الذي لا يحتاجه المصريون في هذه المرحلة هو أي إجراء يستفزهم ، ويقع توصيفه في إطار النفاق الوظيفي الصغير لموظف يريد أن يتقرب من رئيسه حتى لو كان هو رئيس مجلس الوزراء .

مرة أخرى عمر الآلهة القديمة في الأقصر آلاف السنين ، وسوف تظل هذه العلاقة بينهما إلى الأبد ، وعلاقة الدكتور نظيف بالأقصر عمرها سنوات مرتبطة باستمراره في الحكومة واستمرار تفضيله لها كمدينة يفضلها ويقضي فيها إجازته أو يشملها بمساحة من عنايته لوضعها في مكانتها المطلوبة ، ولا أظن أن الدكتور نظيف يقبل الاستهزاء  بالمشاعر المصرية ,.

رؤية من أجل وطن للجميع

بقلم: عبداللطيف المناوى

الحزب الوطني

أكثر من يتحمل و توجه إليه الاتهامات في المرحلة الأخيرة هو الحزب الوطني ، حزب الأغلبية الأكبر الذي أصبح حزب الأغلبية الكاسحة في الانتخابات الأخيرة  ، لا ينبغي أن نقلل من جهد تم  ، ولكن هذا الجهد لا ينبغي أن يشغلنا عن مشكلة رئيسية ترتبط بمدى حضور الرؤية السياسية الأشمل .

الأكيد أن الحزب قام بجهد كبير جدا على المستوى التنظيمي ، جهد من يطلع عليه أو يطلع على جزء منه لا يمكن إلا أن يعترف بحجم هذا الجهد  ، جهد لم يقم به  أي حزب من الأحزاب الأخرى التي لا تمتلك ما يمكنها من القيام بهذا الجهد  ، ولم تمتلك تنظيميا ما امتلكه الحزب الوطني  لأسباب عديدة ليست فقط متعلقة بقدرة التنظيم في الحزب  الوطني على العمل  ، واتساع رقعة العاملين فيه  ولا للإمكانيات  الكبيرة المتاحة لهم  ، ولكن أيضا لأسباب أيضا تعود إلى الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها الحزب الوطني  مقارنة بالأحزاب الأخرى .

أحد العناصر الرئيسية في حالة الاكتساح للحزب الوطني وحالة احتكار المقاعد هو ذلك العمل التنظيمي الكبير المعقد وليس فقط كما يدعي الكثيرون  بأن ذلك يرتبط بتدخلات إدارية  أو دور أمني في تحجيم المعارضين خاصة جماعة الإخوان المسلمين الغير شرعية  ، أو ترك إدارة العملية الانتخابية لقانون البلطجة ، كل هذه العوامل لا يمكن أن تكون وحدها سببا في حالة الاكتساح ، ولكن كما ذكرت فإن الجهد التنظيمي العلمي والمتمكن و المزود بإمكانيات تقنية و لوجستية كبيرة كان عنصرا حاسما هو الآخر .

إذن هذا الانتصار الكبير والمقلق في نفس الوقت للحزب الوطني كان نتاجا لمجهود داخل الحزب الوطني استفاد من  أخطاء الماضي واستفاد من أخطاء الآخرين ، واستفاد من مجموعة العوامل المحيطة ، واستطاع أن يوظف هذه العوامل أو يستغلها للوصول إلى هذه النتيجة الساحقة .

ولكن يبقى السؤال : هل بالتنظيم وحده تعيش وتنمو الحياة السياسية ، أم أن الأمر كان يحتاج إلى رؤية فرق هذا التنظيم لتديره في إطار تلك الرؤية  ، لا أقول أنه لم تكن هناك رؤية ، ولكن أتساءل ما هي ملامح هذه الرؤية ، الرؤية التي نعتقد أنها كان ينبغي أن تكون موجودة هي رؤية أوسع من حدود الحزب ، رؤية حدودها هذا الوطن ، رؤية ترى أن الوطن يقوى وتنمو فيه الحياة السياسية بمشاركة الآخرين ، حتى لو اضطر حزب الأغلبية لأن يقدم تنازلات ، أو مساعدات أو صفقات تمكن القوى السياسية الشرعية الأخرى من أن تتواجد بشكل واضح  ومؤثر  ، تضبط الصورة وتضبط الميزان ، رؤية سياسية تجمع  الجميع ،  وترى الوطن من خلال هذا ” الجميع ” ، لا رؤية ترى مصلحة الوطن فقط من خلال حزب حتى لو كان الحزب قادرا على الاكتساح ومتمكنا من احتكار المقاعد .

لأن السياسة هي فن الممكن ، وهي فن الواقع فالمطلوب الآن هو تجاوز ما حدث ، والتعامل مع الواقع الذي استيقظنا عليه مع نهاية الانتخابات البرلمانية سواء رضينا به أم  لم نرض ، ويجب أن يكون السؤال المطروح على كافة القوى السياسية الوطنية وعلى كل أبناء هذا الوطن هو كيف نقدم رؤية للوطن ـ كل الوطن ـ يكون فيها مكان لكل أبناء الوطن في إطار من الشرعية والقانون .

المقارنة بالماضي والمستقبل

بقلم   عبداللطيف المناوى

نتائج الانتخابات البرلمانية 2010 أدت إلى مجموعة من النتائج يمكن قراءتها بمعرفة ما حصلت عليه الأحزاب المختلفة في هذه الدورة ، وفي الدورات السابقة ، حصل الحزب الوطني في انتخابات 2010 على 424 مقعدا ، وحصلت المعارضة على 14 مقعدا ، وحصل المستقلون على 66 مقعدا ، بالعودة إلى برلمان 2005  سنجد أن الحزب الوطني حصد 322 مقعدا ، و 10 مقاعد للمعارضة 112 للمستقلين ، و في برلمان 2005 حصد الحزب الوطنب 388 مقعدا ، و14 مقعدا للمعارضة ، و22 مقعدا للمستقلين ، وفي برلمان 1995 سنجد أن الحزب الوطني كان لديه 419 مقعدا ، و14 مقعدا للمعارضة و12 مقعدا للمستقلين .

ما أريد أن أقوله بمقارنة نتائج هذه الانتخابات ـ برلمان 2010 ـ بالانتخابات السابقة هو  أن المعارضة لم تتقدم ، بل إن بعض الدورات الماضية تتشابه أرقامها بأرقام هذه الدورة الحالية ، كما نجد أن المعارضة لم تحرز تقدما ملحوظا ، وحضورها ونسبتها كما هي في الانتخابات ، وهنا يجب أن نضع المعيار الرئيسي الذي يجب أن نتحدث عنه ، هل نقارن وضعنا بما كنا عليه من قبل ، أم بما نطمح أن نصل إليه ، فلا أعتقد  أن القبول بما فات في مصلحة الوطن ،  بل يجب أن يكون الحاضر نقطة ارتكاز سياسية لنتطلع من خلالها إلى المستقبل ، ولا بد أن يكون لدينا هدف سياسي لتقوية المعارضة مما يساهم في بناء وتأسيس دعائم دولة مدنية نطمح للوصول إليها ، بها حزب حاكم قوى ، وأحزاب معارضة قوية ومتواجدة  ، وأعتقد أن الهدف القادم لدينا هو تقوية المعارضة ، وتدعيم وجودها في البرلمان من خلال التشريعات التي تساعدها على ذلك وخلق المناخ السياسي للأحزاب من أجل العمل السياسي بما يخدم في النهاية منظومة العمل الوطني .

و هذا ليس دور الاحزاب وحدها ، بل هو أيضا دور الحزب الوطني الحاكم باعتباره الحزب الأكبر على الإطلاق ، لأنه ليس  مجرد حزب حاكم في مقابل أحزاب معارضة ، وإنما كعنصر رئيسي في مساعدة هذه الأحزاب على النهوض .

الفكرة الرئيسية التي يجب أن نلتفت إليها أننا لا يجب أن نقارن البرلمان الحالي بالبرلمانات السابقة ، ولا حجم المعارضة في هذه الدورة بحجم المعارضة في الدورات السابقة ،و إنما يجب أن يكون المستهدف في المستقبل أكبر ، فمثل هذه المقارنة تعني أننا سنظل كما كنا بينما العالم كله يتقدم ، وهذا ليس في الانتخابات فقط ولكن في كل مناحي الحياة .

درس البرلمان الأول

بقلم   عبداللطيف المناوى

     25 نوفمبر 1866  ، هو أحد الأيام المهمة في تاريخ الشرق الأوسط كله ، حيث تم فيه الافتتاح الرسمي لأول برلمان مصري  ، وأول برلمان في العالم العربي والشرق الأوسط ، وإفريقيا ، في ذلك اليوم  أرسل  الخديوي إسماعيل خطابا إلى نوبار باشا رئيس مجلس النظار يبلغه فيه رغبته في تشكيل مجلس شورى النواب ، وأصدر أول قانون للانتخاب وجعل حق اختيار أعضاء مجلس شورى النواب في الريف للمشايخ الحائزين على الأوصاف المعتبرة ، والمنتخبون من طرف أهالي البلد فى المدن القاهرة  و الإسكندرية ودمياط والسويس ومدن القنال يصير اختيار النواب باتفاق أعيان تلك المدن ، وبالفعل تم اختيار 75 نائباً في أول برلمان مصري ، وذهبوا إلى القلعة حيث مقر البرلمان الجديد وحضور جلسة افتتاح البرلمان لأول مره في تاريخ الحياة البرلمانية فى البلاد.

ولما دخل رئيس البرلمان  ليلقي عليهم الدرس الأول في أصول الإجراءات البرلمانية قال لهم إن  الخديوي يرغب في أن يكون هناك حزبان أحدهما يؤيد الحكومة ويجلس على يمين المنصة التي يجلس عليها رئيس مجلس شورى النواب والأخر يمثل المعارضة ويجلس على يسار المنصة طبقاً للتقاليد البرلمانية ، وقبل أن يدخل الخديوي ذهب إليهم رئيس البرلمان مرة أخرى ليلقي نظرة فوجد النواب جميعاً قد جلسوا على يمين المنصة ،  فثار عليهم ، فرد عليه النواب كيف يخطر ببالك يا باشا أن يكون بيننا معارض لأفندينا فأقنعهم أن هذه هي التقاليد البرلمانية ورغبة من أفندينا ونجح في إقناع بعضهم بالفعل أن يجلسوا على يسار المنصة في مقاعد المعارضة ، وحضر الخديوي فى موكبه الرسمي ومعه كبار الدولة ليفتتح أول برلمان مصرى ويلقى البيان الخديوى   ، وتبدأ أولى صفحات البرلمان في مصر .

مصر واحدة من أقدم الدول في العالم التي كان لديها برلمان ، بل وتقول البرديات القديمة بوجود برلمان أيام الفراعنة ، وقد شهد البرلمان المصري عبر مسيرته الممتدة العديد من التطورات التي مثل كل منها علامة فارقة على طريق إقامة الحياة النيابية السليمة التي تعبر تعبيراً حقيقياً عن مصالح وتطلعات الشعب المصري بمختلف فئاته وطوائفه عبر هذين القرنين من الزمان.

مصر بلد عريق في الديموقراطية  ، ونتمنى ـ دائما ـ أن نصل إلى ذلك اليوم الذي يكون لدينا فيه برلمان متفق ومتسق مع مصر وتاريخها .

بلطجية الانتخابات

بقلم   عبداللطيف المناوى

 لم تعد البلطجة مقصورة على معتادي الإجرام   ، كما أنها خرجت خارج حدود من يعتقد أنه يحصل على حقه بالوسيلة التي يستطيع بها الحصول عليه عندما لا يجد القانون قادرا على تحقيق ما يعتقد أنه حقه ، وباتت البلطجة حاضرة في أحياء الأغنياء والفقراء ، وتطور شكل البلطجية فأصبحوا داخل كل الأزياء ،  أصبحت جزءا من ثقافة بعض المجتمعات ، وارتفع صوت السنجة والمطواة والسيف على صوت القانون ، والجديد الذي أضافته إلينا تجربة الانتخابات البرلمانية الأخيرة ـ وربما التجارب السابقة ـ  أن البلطجية  أصبحوا أحد العناصر الأساسية  وأحد العلامات الرئيسية في العملية الانتخابية ،  لا أستثني طرفا من هذا التورط في هذا الجرم ضد المجتمع .

بات خبرا طبيعيا  إثناء متابعة الانتخابات  أن بلطجية المرشح ( أ ) اعتدوا على بلطجية المرشح ( ب ) ، لأن المرشح ( أ ) لم يتمكن من تسويد الصناديق لصالحه ، وفق المستوى الذي نجح فيه المستوى ( ب )  ، بات طبيعيا أن نسمع عن انتشار فرق البلطجية أمام لجان الانتخابات  ، واشتباكهم مع الناخبين ، ومنعهم للناخبين من الوصول إلى اللجان ، أو اعتداءهم على مندوبي مرشح آخر ، واحتل البطلجية أسطح المنازل القريبة من بعض اللجان يمارسون عمليات الترويع ، ويمارسون انتهاك القانون ، وكل هذا بدعم وبنفوذ وبنقود من يتنافسون من أجل أن يكونوا مشرعي القوانين داخل البرلمان .

العديد من النقاط الرئيسية تحتاج إلى توقف ودراسة ، وعناية منا جميعا في هذه الانتخابات ، من بينها تلك الظاهرة خرجت خارج حدود كونها ظاهرة فردية إلى تحولها إلى نمط وسلوك كاد أن يقترب من أن يكتسب شرعية  التواجد ، بعدما تم غض الطرف عن العديد من الممارسات ، نحن في حاجة إلى السلوك الصحيح والسلوك السياسي الناضج في المنافسة الصحيحة والناضجة ، وفي إتاحة المناخ والفرصة للقوى الشرعية بأن تتواجد  وأن تحضر وأن يكون  لها تأثير وهو صوتها .

ما هي الدولة المدنية ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

من الحين للآخر نحتاج إلى استعادة مفاهيم نروج لها ونتحدث عنها دائما ، فقط نتوقف لنقرأ ونراجع ما قرأناه من قبل كشكل من أشكال تنشيط الذاكرة التي تضعفها الوقائع و الأحداث و الأيام . من المتفق عليه في كتابات المثقفين العرب أن مفهوم الدولة المدنية الحديثة يعني بشكل أساسي دولة تقوم على الانتخابات “الحرة” وعلى فصل السلطات الثلاث مع تعددية سياسية وحزبية. وهو ما يعني بكلمات أخرى أبسط، وأقل زخرفة وأكثر دقة : التحول الديمقراطي . الدولة المدنية – في الأساس- هي عكس الدولة (العشائرية) القبلية ، لكن تطور المفهوم السياسي لها لتكون دولة الحقوق المتساوية لكافة مواطنيها ، عكس الدولتين العسكرية والدينية ، حيث يكون للقادة العسكريين – في الأولى – وضع خاص ، ولرجال الدين – في الثانية – مكانة عليا فوق رجال السياسة. الدولة المدنية، نشأت في أوربا ، وحاول محمد علي تطبيقها في مصر . و في تعريف آخر فإن الدولة المدنية المحايدة قد تكون الصيغة الفضلى للتوفيق بين المساحة الآمنة والمساحة المشتركة، ولصيانة التعدد، ولتثمير مساهمته في تعزيز الكل المشترك، فيخرج الفرد، وقد حماه القانون، من الخوف على الذات إلى مساحة الحرية المشتركة والالتزام المشترك في بناء المدينة . الدولة المدنية هي : دولة القانون وبالتالي فهي ليست دولة رئيس الوزراء ولا دولة رئيس الجمهورية أو الملك أو أية قوة سياسية ، ويجب هنا التأكيد على الطبيعة الموضوعية لتلك الدولة التي تؤسس على قاعدة الفصل بين السلطات الثلاث ، الفصل بمعناه الحقيقي وليس الاعتباري ، والفصل هو المُكون الرئيسي لطبيعتها المادية وثقافتها المجتمعية . الدولة المدنية يجب إن يُحترم فيها عقل الإنسان وتُحترم فيها إرادته وقراره ، والاحترام الذي نقصده متبادل من شقين وجودي وقانوني دستوري : ففي الشق الأول وجود الإنسان محترم ومُصان ولا يجوز سلب ذلك الوجود لأي سبب كان ، والشق الثاني هو حماية هذا الحق قانونياً ودستورياً ، فالدولة يجب أن تجعل القانون والدستور من أجل المواطن الفرد والمواطن المجتمع . الدولة المدنية في ظل المناخ الديمقراطي الحر ، مؤسسة إدارية سياسية كبيرة ذات صبغة مدنية ، تتعدد فيها القوى السياسية الشرعية ، يحكمها القانون والدستور، هي حزب يحكم وأحزاب معارضة مدنية حاضرة تحترم جميعها القانون والدستور .. ومفهوم الدولة المدنية .