حكاية فيديو كواليس التنحى

بقلم: عبداللطيف المناوى

كواليس فيديو التنحي

شهدت الأيام الماضية جدلا وحوارا واسعين حول الفيديو الذى تم تسريبه إلى بعض المواقع الإلكترونية، وبالتالى إلى العديد من المحطات التليفزيونية المصرية والعربية، حمل هذا الفيديو عنوانين، أولهما «بكاء أبناء مبارك» والثانى «كواليس تنحى الرئيس مبارك»، الأول حمل تحريضاً مبطناً على كل من ظهر فى الفيديو المذاع، والثانى حمل حقيقة مجردة حول مضمونه، ولأننى جزء رئيسى من هذا الفيديو المذاع أو المسرب، ولأنه ثار جدل متعدد الاتجاهات حوله، فـإننى وجدت لزاما على أن أوضح بعضاً مما أحاط هذا اليوم من نقاط قد تكون مفيدة.

بعد هذه المقدمة التى أظنها مهمة أعود إلى حكاية الفيديو الذى لا أعلم حتى الآن كيف تسرب من التليفزيون أو من قام بتسريبه، وقد تظل إمكانية الإجابة عن هذا السؤال صعبة، ولا أرى فى هذه الجزئية ما يستدعى الاهتمام العام.

ولكن ما قصة هذا الفيديو؟ شاء لى موقعى واتصالاتى فى هذه الفترة أن أكون على دراية ببعض مما يحدث ساعة حدوثه أو بعدها بقليل، وهكذا فقد علمت مبكرا بمغادرة الرئيس السابق إلى شرم الشيخ فى اللحظة التى غادر فيها، كذلك علمت بقرار تسليم السلطة إلى القوات المسلحة بعدها بقليل، وتم إبلاغى عقب الانتهاء من تسجيل البيان بأن الشريط الذى تم تسجيله، ويحتوى على البيان، سوف يتم إرساله على الفور، وكان الرأى لدى القيادة أن يقوم بذلك اللواء إسماعيل عتمان، مدير الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة لضمان تأمين وصوله وعدم حدوث ما يعوقه لأى سبب من الأسباب

وبالفعل عندما وصل اللواء عتمان كانت التعليمات لديه بالانتظار حتى إبلاغه بالتوقيت المناسب لإذاعته، وذلك بسبب ترتيبات خاصة تتعلق بمغادرة عائلة الرئيس السابق وما صاحب ذلك من ملابسات تسببت فى تأخير إذاعته حتى قبل السادسة بقليل، وظللنا فى مكتبى فى انتظار الوقت المحدد من قبل المجلس العسكرى، واستمر هذا الانتظار لفترة طويلة من الوقت، وطلبت من الزملاء فى التنفيذ فى ذلك الوقت أن يعدوا ما اعتقدت أنه مناسب للموقف، وكان الاختيار لأغنية «مصر»، وأبلغت عدداً محدوداً من الزملاء بالموقف منذ وصول الشريط وأعطيت تعليماتى بإعداد الاستوديو.

كنت أنا من اتخذ القرار بالإعداد لتصوير اللحظات الخاصة بإذاعة البيان منذ لحظة الخروج من المكتب حتى الانتهاء من إذاعته، وقد طلبت ذلك لاقتناعى بأن اللحظة مهمة وفارقة فى تاريخ مصر، وبالتالى من المهم توثيقها، وذلك يتفق مع قناعتى الدائمة بأهمية التوثيق لكل الأحداث كلما أمكن ذلك.

التسجيل الذى تم هو تسجيل لكل الدقائق التى بدأت منذ الخروج من مكتبى وقتها حتى العودة إليه مرة أخرى متضمنة إذاعة البيان الذى ألقاه السيد عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت الذى استغرق ٣٧ ثانية، وأعطيت تعليماتى بإعادته عدة مرات، وما تسرب هو جزء مما تم تسجيله.

هناك من تحدث عن حالة ارتباك أثناء إذاعة البيان، وهو الأمر الذى لم ألحظه وقتها أو الآن، فقد تصرف جميع الزملاء على أكبر قدر من المسؤولية والحرفية والوطنية، وكانت الأجواء المحيطة متوافقة تماما مع مثل هذا الحدث الكبير، فلم يكن الحدث تسجيل برنامج أو سهرة على الهواء، بل كان تاريخاً يتغير.

أما الحديث عن تعبيرات الوجوه فأود هنا فقط الإشارة إلى أن هناك من قضى خمسة عشر يوما داخل المبنى تحت كل الظروف والضغوط، تحمل خلالها من الجهد البدنى والضغط النفسى أكثر مما يوصف، لذلك كان طبيعيا عندما تأتى لحظة مثل تلك اللحظة الفارقة بعد كل الضغوط الهائلة أن تنطلق المشاعر الإنسانية الطبيعية لتعبر عن نفسها، كل وفقا لموقفه، ابتداء من الإحساس بالراحة، حتى الإحساس بالحزن لسقوط النظام حتى لو كان هذا هو الحل للموقف المعقد وقتها، أو الإحساس بالقلق الشديد على مستقبل الوطن.

لقد كان ما التزمت به وزملائى الذين صمدوا معى هو العمل من أجل سلامة وأمن هذا الوطن. قلت لزملائى منذ اللحظة الأولى نحن هنا نعمل من أجل وطن وليس لأى هدف آخر، لهذا بقوا معى ودافعهم هو الاقتناع بتلك الحقيقة.

لم تتح لى الفرصة أن أشكر كل الزملاء الذين شاركونى إيمانى بأهمية دورنا فى تلك المرحلة، هؤلاء الزملاء الأصدقاء لم يبخلوا بجهد، قاموا بدورهم بأقصى مهنية ممكنة فى ظل الواقع الذى كنا فيه.

الرابط الاصلي من موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=320244

الكفار و المتأسلمون في تونس

بقلم   عبداللطيف المناوى

رغم احتفال التوانسة بسقوط  حكم زين العابدين بن علي بعد 23 سنة , الا أن الكثيرين – وهم علي حق – يخشون من صعود الأصولية الدينية وتأثيراتها ليس فقط علي حقوق الانسان , ولكن علي كافة مناحي الحياة .

مراسل صحيفة الديلي تلجراف البريطانية في العاصمة تونس يقول تحت عنوان ” الحركة الاسلامية في قلب الاحتجاجات التونسية ” إن حزب النهضة المحظور برز بشكل لافت في قلب الاحداث التي تشهدها تونس , مصمما علي أن يكون اقوي قوة سياسية تقررها الانتخابات التي من المقرر ان تشهدها البلد.

وتواصل الصحيفة قائلة إن زعيم حزب النهضة , راشد الغنوشي , قال انه سيعود الي تونس بمجرد ان تلغي السلطات الجديدة حكم السجن الصادر في حقه , وتمضي الصحيفة قائلة ان الغنوشي يمتلك حظوظا قوية في الانتخابات القادمة بعد تفكك الحزب الحاكم اذ يحظي بدعم واسع في الجامعات التونسية علما بانه سبق له ان ضمن 17 في المائة في الانتخابات الطلابية عام 1989 .

وشاركت بعض قيادات الحزب في الاحتجاجات التي تشهدها تونس . مطالبة باستقالة كل الوزراء بمن فيهم رئيس الوزراء “محمد الغنوشي ” من الذين عملوا مع بن علي , وقال نائب رئيس النهضة ان نشطاء الحزب بدءوا في ممارسة نشاطهم الحزبي والسياسي وقال للديلي تلجراف ” الناس لم يحققوا كل شيء كانوا يريدون تحقيقه . نريد حكومة جديدة قادرة علي صنع الديموقراطية  ” وهذا يعني ان رئيس الوزراء مطالب بالرحيل . من السابق لاوانه الحديث عما يمكن ان يقع بعد الانتخابات .

كان نظام بن علي يقدم نفسه علي انه حاجز ضد الارهاب , ومن ثم قام بتطبيق قوانين صارمة ضد تيارات الاسلام السياسي . الجديد بعد سقوط بن علي هو ذلك الصعود الجديد لاصوات القوي الاسلامية السياسية التي باتت تطالب بحقها بلعب دور بارز في العملية السياسية المقبلة , ورغم ان راشد الغنوش زعيم حزب النهضة الاسلامي مازال يعيش لاجئا في لندن , فان انصاره يشاركون في المظاهرات ويطالبون بالاعتراف القانوني به .

بعض الأصوات في تونس تخشي من استبدال حكومة قمعية باخري مماثلة , وذلك عندما يسيطر الإسلاميون علي الحكم ، صلاة الجمعة أمس الأول وهي الاولي عقب خروج بن علي لوحظ خلالها ان بعض المصلين وزعوا بعد انتهاء الصلاة منشورات تحذر الناس من ” الكفار “

بعد هدوء العاصفة

بقلم   عبداللطيف المناوى

بعد العاصفة التي مرت بها مصر خلال الأسابيع الأخيرة وهددت بالعصف بشدة بالعلاقة الأزلية بين أهل الوطن الواحد من المصريين أقباطا ومسلمين  ، فأنني هنا انتهز هذه الفرصة للدعوة إلى بدء الحوار حول كل القضايا التي أثارت هذه العلاقة ،  فلا ينبغي أن ينسينا ذلك الهدوء الحادث الآن أننا لم نتعامل مع أصول المشكلة .

عندما دعونا في مراحل متعددة إلى أهمية نزع فتيل الأزمة فان ذلك كان انطلاقا من الإحساس بمسئولية كل مواطن عن الحفاظ عل امن وسلامة هذا الوطن ، واستجاب كل العقلاء لهذه الدعوة حتى لو كانت هذه الاستجابة مثلت عبئا نفسيا أو سياسيا على أي طرف من الأطراف ،  و لكن مرة أخرى أشير إلى أن ما كان هو نزع فتيل الأزمة  دون التعامل مع أصول هذه الأزمة .

عادتنا المصرية الأصيلة مع التعامل مع أي أزمة تمر بنا هو التعامل معها والتعاطي معها في لحظة وقوعها ، ونتعامل معها وكأننا لن نتركها إلا بعد حلها ولكن تنتهي ذروة الأزمة فننسى أو نتجاهل العودة للتعامل مع أصل الأزمة ، ما أتمناه هذه المرة أن نغير عادتنا وان نتعامل ونتناقش مع كل ما كان السبب في المشكلات خلال الفترة الماضية .

أدعو إلى استحضار كل الدراسات والوثائق المتعلقة بهذه الإشكالية وعلى رأسها تقرير جمال الدين العطيفي الذي أعده عام 1972 ، وغيرها من النقاشات والحوارات المختلفة ، كما أدعو كل الزملاء الإعلاميين الذين ساهموا في يوم من الأيام عن قصد أو دون قصد بتزكية الاختلاف بين أبناء الوطن بتحويل  منابرهم حول حل تلك  المشكلات ، وبناء الوطن الواحد ، كما أدعو الحكومة إلى طرح كافة الموضوعات والقضايا  المعلقة ووضعها على مائدة البحث وتشريع ما  ينبغي من تشريعات وتأكيد مفهوم المواطنة  وعدم التمييز أن يكون الحاكم في كل ذلك دائما هو سيادة القانون الذي تحدثنا عنه كثيرا ولم ننفذه ، وكل ذلك سيصب في تنفيذ تلك الدعوة المهمة والفارقة بوضع المؤسسات الدينية في مكانها الصحيح في المجتمع ، فتلك المؤسسات أماكن  دعوة وأماكن  عبادة وينبغي ان ينتهي  ذلك الدور المتضخم لها والناتج عن حالة الغياب القصدي او الاختياري او الناتج  عن عدم قدرة او عدم فهم العديد من مؤسسات الدولة  ، على الدولة أن تملأ هذه الفراغات التي تركتها و وسمحت للكيانات الدينية أن تملأها بدلا منها .

 

 

الشبح التونسي في القمة الاقتصادية

بقلم   عبداللطيف المناوى

تنعقد اليوم القمة العربية الاقتصادية التنموية  ، ويحلق في قاعة الاجتماعات شبح ما حدث في تونس ، ومرة أخرى يتم  التعامل مع ما حدث في تونس باعتباره شبحا مخيفا أو خطرا يهدد بعض الأنظمة هذا القدر من التخوف في التعامل مع النموذج التونسي إن جاز أن يحدث لدى بعض الأنظمة فلا ينبغي أن يكون كذلك مع بعض الأنظمة الأخرى .

ورد الفعل العصبي والانفعالي من قبل البعض إنما يؤدي إلى نتائج عكسية بالتأكيد ، فهرولة بعض الحكومات إلى تقديم رشاوى لشعوبها تتمثل في زيادة دعم أو توفير سلع أو إعطاء منح وعطايا  لشعوبهم إنما يؤدي إلى نتائج عكسية وليس ما يبتغونه منها ، فإعطاء هذه المنح والحقوق في هذا التوقيت إنما يعني عدة أمور أولها انه يعطي حق لشعب تحت إحساس بضغط أو تهديد سوف يقع في دائرة الرشوة ، ومن يعطي حقا بعد تخوف من التجربة التونسية إنما يعني انه مخطئ في منع هذا الحق عن الشعب ، وهو يعني أيضا انه اغتصب هذا الحق من قبل واضطر لإعطائه في هذه المرحلة وهو أمر ستتلقفه الشعوب الذكية بالفطرة كما توقع منها هؤلاء الذين القوا اليها بهذه  الرشاوى ، وهو يعني أيضا أن الإمكانية كانت موجودة دائما لحصولهم على ذلك فلماذا لم يحصلوا عليه وهنا يحق لهم ان يحاسبوهم .

ما أظنه في هذه المرحلة انه طريق حكيم للتعامل بين الشعوب وحكوماتهم هو المزيد من الوضوح والإفصاح والمشاركة وإعطاء  الفرصة لأبناء الشعب لكي يكونوا حاضرين في منطقة اتخاذ القرار ، لا أن يتخذوا هم القرار دون أن يضعوا الشعوب و ضروراتهم ورغباتهم في أولويات حساباته عند اتخاذ القرار

منذ عامين انعقدت القمة العربية وخرجت بان العالم العربي يواجه مجموعة من التحديات ودعت إلى ضرورة اتخاذ حكومات الدول العربية الإجراءات اللازمة لتيسير تنقل الأيدي العاملة العربية بين الدول الأعضاء بما يكفل خفض معدلات البطالة. و دعت الى دعم مبادرات القطاع الخاص ومؤسسات وصناديق التمويل العربية لتحقيق برامج التشغيل وخفض معدلات البطالة على المستويين الوطني والعربي. كما تنفيذ البرنامج العربي للحد من الفقر في الدول العربية كما دعت الى وضع سياسات اقتصادية واجتماعية تتيح خفض معدلات الفقر الى النصف في فترة أقصاها عام 2015.

المطلوب الآن من هذه القمة أن تخرج  الى شعوبها لتقول لهم ماذا فعلوا حتى الآن لمواجهة التحديات وهو ليس بكثير حتى اللحظة  وان يلتزموا أمام شعوبهم بجدول للتنفيذ ، اذن المصارحة  والمكاشفة والمشاركة هي الطريق الصحي وليس رد الفعل الخائف المرتبك الراشي .

نداء من المصريين في تونس إلى الأجهزة المعنية

بقلم   عبداللطيف المناوى

بمجرد أن بدأت الأحداث في تونس أعلنت بريطانيا تحركها العاجل لإجلاء رعاياها من هناك ، والرعايا البريطانيين  كان معظمهم  من السياح حيث أن تونس من المقاصد السياحية المألوفة لأوروبا ، وتحركت عدة دول بشكل مباشر بمجرد أن فتح المجال  الجوي التونسي لنقل وإخراج مواطنيها  ، وفوجئت أنا شخصيا باتصالات بالأمس من مصريين علق أبناؤهم في تونس ولم يجدوا من يخرجهم من هناك ،  وتذكرت على الفور موقف مصر للطيران بتعليق رحلاتها  للمجال التونسي بعد بدء أحداث الشغب هناك  ، ولكن ما لم افهمه هو عدم  اتخاذ الجهات المسئولة و الأجهزة المسئولة موقفا سريعا للتعامل مع المصريين هناك ، احدهم قال لي عبر الهاتف باستنكار وألم : المطار لم تتوقف الطائرات عن الهبوط فيه لإجلاء الرعايا ونحن فقط من لا يجدون من يسال عنهم

حرص القيادة السياسية  على المصريين هو أمر غير قابل للتساؤل ، واتخاذ  الرئيس مبارك شخصيا لقرارات مختلفة في إطار الحرص على كل المصريين  مسألة  لا يمكن حصرها بسهولة  ، ولكن  الأمر أيضا لا ينبغي أن يكون الانتظار لقرار من الرئيس مبارك للتحرك لإخراج المصريين من هناك  ، كنت أتصور أن يحدث قدر من التنافس بين الجهات  والأجهزة  المختلفة لرعاية هؤلاء المصريين ، لكن يبدو ـ  وهذه قد تكون معلومات او لا تكون  ـ أن كل جهة حاولت أن تلقي بالمسئولية  على جهة أخرى ،  وفي هذا خذلان للمصريين الذين يعتبرون أن الدولة هي الملاذ ، فأول مؤشرات قناعة الدولة بالممارسة الإجراءات التي تؤخذ من أجل المواطن ، و أن يشعر المواطن ان دولته حريصة عليه  في كل مكان وأي موقع  ، و أول إشارات الحرص هو الشعور بحماية دولته له حتى لو كان بعيدا عنها وقيام الدولة بنزع عنصر القلق عنه ، وإعطاؤه الإحساس وهو في مثل تلك الظروف التي يعيشها بقلق مصريون حتى لو كان هؤلاء مجرد عشرات على أصابع اليد الواحدة .

مرة أخرى كنت أتمنى كما يتمنى كل مصري  أن يكون المجال مجال التسابق بين الأجهزة  المختلفة لتقوم بذلك الدور دون انتظار لقار أعلى منها ، وأتمنى بكون هذا المقال قد تجاوز وقته بان تكون هناك في هذا الوقت طائرة مصرية لتحمل المصريين من هناك .

Game Over

 بقلم   عبداللطيف المناوى

منذ أسابيع تحدثت عن حكاية الأعمى والأطرش ، الأعمى الذي كان يحذر الأطرش من أن هناك خطرا يحدق بهما ، فلم يسمع الأطرش ، ولم يشعر الأعمى ، وهذا ما حدث بالامس في تونس ، كان نتيجة هذه العلاقة بين الأعمى والأطرش ، ، ما حدث في تونس هو أن بن على لم يسمع ونظامه كل أصوات الغضب حتى لو كانت مكتومة ، وكل مؤشرات الفوران حتى لو كانت مكتومة ، لم ير ولم يسمع ، وكذلك شعبه لم يسمع لأنه انفصل عنه منذ فترة طويلة ، أول أمس عندما استعد العالم لسماع بن على وهو يتحدث كانت قد سبقت معلومات عن أنه سوف يخرج ليعلن استقالته ، لكنه خرج ليثبت أنه ظل حتى اللحظة الاخيرة لا يرى ما حدث ، ولم يسمع ما حدث حتى لو قال للشعب التونسي أنه يسمعه

في اللحظة التي انتهى فيها بن علي من كلمته أكدت لمن حولي أنه خطاب ما قبل الاستقالة أو ما قبل الخروج وأنه لم يتمكن من القفز فوق ما تسبب به نتيجة لتلك الممارسات التي اتسمت بأنها ممارسات الحديد والنار ، وراهن دائما على طيبة الشعب التونسي وطبعه الذي يبدو مسالما ، وهذه قراءة أخرى أخطأ فيها نظام بن علي، لم أتصور أن يقبل الشعب ما قاله لهم بأنه قد استمع إليهم وتجاوب مع الضغوط الاقتصادية،وكأنه لم يكن يعلم بها، واطلق حرية الإعلام وكأنه لم يقيدها هو ، فتح المجال أمام المواقع الالكترونية المختلفة وكأنه لم يغلقها هو ، وعندما اعتقد أنه التونسيين سوف يصدقونه فهذا دليل آخر على أنه لم يفهم أو أنه لم يسمع ، الوضع في تونس كأي بلد منغلق سياسيا ، مامع للرأي الآخر ، مصادر للمعارضة ، مطار لكل من يختلف معه ، مكمم لأفواه الجميع ، مقيد لوسائل الإعلام ، حائل بين الناس و التواصل مع العالم عبر الوسائل الالكترونية المختلفة ، ليست البطالة وحدها هي السبب، ولكنه الإحساس بالظلم والأحساي بالتربص و المنع من التعبير ، كل ذلك كان كفيلا بنهاية تلك العلاقة بين الأعمى والأطرش ، ويرفع أحد المتظاهرين شعارا بالأمس قبل خروج بن على من تونس يقول فيه ” رسالة إلى بن على game over     اللعبة انتهت .

قناعة العيش الآمن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حادث مساء أمس  الذي راح ضحيته مصري وأصيب خمسة آخرون    حتى الآن  في قطار بالمنيا ينبغي أن نعمل وبسرعة على ألا  يكون طريقا للتصعيد مرة أخرى ، وصلنا معا إلى القناعة بأهمية العيش الآمن بين كل المصريين ، فلا ينبغي  أن نسمح لمهووس أو متعصب أو غاضب أو متخلف بأن يمس هذه الحالة  من التوحد ، ما حدث بالأمس و الذي لم تتوفر بعد كل المعلومات عنه  ،  إنما يدلل على أنها حالة تتسم بمزيج من التعصب والهوس وعدم الاستقرار ، إذن هي حالة فردية ، حتى لو ترجمت أو ترجم الفعل في شكل الإصابات الجماعية التي حدثت  ، لا نريد ولا ينبغي أن نسمح لمثل هذه الحالة ، ومثل ذلك السلوك الشاذ  بأن يدفع مرة أخرى إلى استحضار حالة الاحتقان التي عانينا منها وما زلنا ، ولا ينبغي أن نسمح بأن يتحول ذلك الحادث إلى إشعال فتيل جديد لقنبلة التعصب وحرائق الفتنة  ، بل ينبغي أن  نكون نحن جميعا من يطفئ هذه الحرائق ، وعندما أتحدث عن ( نحن ) فإنني أقصد كل أبناء هذا الوطن من العقلاء  الذين لم نعد نملك غير الاعتماد عليهم في هذا الدور، وأتمنى ألا يبدأ مشعلو الحرائق مرة أخرى في النفخ في نار صغيرة من أجل مجد شخصي أو نصر إعلامي ضيق الأفق حتى لو بدا كبيرا في لحظتها ،  وأيضا من بين الخطوات الأولى هي الإعلان الواضح والأمين الواضح لكافة  أبعاد هذا الحادث بكل ما فيه وأيا ما كانت أبعاده .

 

حتى لا تكون محاصصة

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا نريد لرد فعلنا أن يدفع بالمجتمع تجاه مفهوم المحاصصة ، فالحال السائد في هذه المرحلة بعد حادثة الاسكندرية ، والملابسات التي حدثت بعده سيطر عليها إحساسات متناقضان ، الأول إحساس بالذنب و التقصير يدفع  بتقديم كل ما يثبت حسن النية والرغبة في التعويض عما يعتقد أنه حق ضائع على مر الأعوام للمصريين الأقباط ، الثاني تيار يعتقد أو يتهم بأن ما يحدث هو شكل من أشكال لي الذراع حتى لو أدى إلى المطالبة بحقوق أو ما يعتقد الآخرون أنها حقوق ، وفي هذه الأجواء تخرج بعض الأصوات التي تنادي بتخصيص أوقات معينة في الإعلان أو تخصيص مناصب معينة في مؤسسات الدولة أو تخصيص عدد معين من المسئولين ، الفريق الأول يريدها تعويضا والفريق الثاني يريدها تحجيما .

وأيا ما كان الوضع في الحالتين  فهو خطأ كبير سوف ينزلق إليه الوطن في حال ما لو اتبع أحد الاتجاهين ، الخطأ الكبير هو التعامل مع هذه الموضوعات بنفس الحل الذي اصطلح على تسميته في البلاد التي تعاني من حالات التفتت الشديد بين طوائفها أو جماعاتها الوطنية أو الدينية أو السياسية، تعرف باسم المحاصصة أي ان يكون لطل حصة وفقا لحضوره ، ومرة أخرى هذا هو الخطأ الكبير ، فمصر لم تعرف هذا المصطلح يوما ، ومحاولة إعماله هو خطأ كبير والقبول به كما ذكرت هو بداية الانزلاق إلى هاوية لا يريدها أي محب لبلده أن تقع فيه .

الحل يكمن كما قلت وقال كثيرون من قبل وأعيد التأكيد في الدولة المدنية ، والدولة المدنية هي دولة القانون التي لا تعرف فرقا بين مسلم أو مسيحي ، وتقف مؤسسات هذه الدولة على مسافات متساوية من كل أطرافها ، والقاعدة الرئيسية فيها هي قاعدة المساواة ، ودولة القانون هذه هي التي تصل بنا إلى إعمال مفهوم المواطنة ، ذلك المفهوم الذي وضعناه في الدستور ولم نعمله  في حياتنا حتى الآن بعد ، والأساس في هذا هو عدم التمييز بين المواطنين المصريين ،واتمنى لو أن هذا المفهوم تتم صياغته في شكل قانون واضح الملامح يطبق بحق ويكون قانون يختص بعدم التمييز بين المصريين على أي اسس عرقية أو دينية أو إثنية أو جنسية ، لكنه مواطن مصري ككل المصريين الآخرين ، هذا هو الطريق الذي لا اظن أن له بديلا .

 

 

 

تكلم البابا

بقلم   عبداللطيف المناوى

بالأمس طالبت بأن الوقت بات ملحا لأن يخرج البابا شنودة إلى المصريين ويتحدث إليهم ، وذلك حتى يقوم بجوره المسئول و المتوقع منه من أجل حماية هذا الوطن من مغبة الانسياق إلى طريق الفتنة  بما يهدد مسئوليته الوطنية فقط ، وبالفعل حدث ما تمنيته  وتكلم البابا ، وكان حظي أن يكون خطابه إلى المصريين من خلال حواره معي على التليفزيون المصري ، تليفزيون الدولة ، جاء الحديث صريحا واضحا ، علت فيه الحكمة والالتزام الوطني وتحمل المسئولية وهو أمر ليس غريبا على تاريخ البابا شنودة حتى لو لم تأت الرياح في بعض الأحيان بما تشتهي السفن .

أبرز ما لاحظته إضافة إلى حكمة البابا في تناول الوضع الساخن بل الملتهب حاليا هو تلك الشمولية في رؤية المشكلات التي تواجه مصر ، وأن ما يشكو منه الأقباط ليس أمرا منفصلا عن حالة عامة ، وأن حل هذه المشكلات إن وجدت لا يمكن حلها إلا من خلال رؤية شاملة وتحرك شامل من أجل الحل .

مرة أخرى حالة التوحد التي عاشها  المصريون عقب مجزرة الإسكندرية هي حالة ينبغي أن نبني عليها ونؤكد تلك الحقيقة التاريخية التي تؤكد أن مصر هي دوما لكل المصريين ، وكلام البابا شنودة بالأمس هو أحد الأسس التي ينبغي أن نضعها في الاعتبار ونحن نتحرك في هذا الاتجاه .

اذكر مرة أخرى ما ذكرته بالأمس في لقائي بالبابا شنودة بأن تقريرا بريطانيا في النصف الأول من القرن الماضي  ينسب للورد كرومر كان يصف المصريين ” جئنا إلى مصر نبحث عن مسلمين ومسيحيين فلم نجد سوى مصريين بعضهم يذهب إلى المسجد ، وبعضهم يذهب إلى الكنيسة “

أمنيات لعام جديد

بقلم   عبداللطيف المناوى

اليوم 1 يناير ، بداية عام جديد ، انتهى العام الماضي بما له وما عليه ، واليوم ليس يوم الحديث عما فات ، فهذا يمكن  أن يتم في أيام أخرى ولكن اليوم حديث عن أمنيات علها تتحقق خلال العام الجديد .

أتمنى أن يقتنع  القائمون على إدارة الأمر  بأن التغيير هو أحد أسس استقرار الأنظمة والمجتمعات وأن التغيير لا يعني الإطاحة بأي من ثوابت المجتمع وأن القادة في الماضي و الحاضر بدءوا بتغيير وقادوا إثناء استمراريتهم في القيادة عملية التغيير .

أتمنى أن تتجه كل قوى المعارضة في طريق دعم عملية الحوار في المجتمع ، ولا يعيقها استمرارها في المطالبة بحقها ـ عن حق أو باطل ـ في  التواجد في البرلمان ، وألا يعيقها هذا عن الانخراط في حوار وطني جاد حول قضايا الناس وقضايا الشعب وآمال الأمة .

أتمنى أن يسمع قادة الحزب الوطني بكل مستوياته بأن قوتهم لن تتأتى إلا من خلال دولة مدنية قوية ، والدولة المدنية القوية لن تخلق إلا في إطار تعدد حقيقي في الآراء ، وتعبير حقيقي لقوى المجتمع المختلفة عن نفسها وعن مصلحتها وأن يبدأ الحزب وقادته حوارا حقيقيا جادا مع الأحزاب و القوى السياسية  الشرعية  الجادةمن أجل مستقبل هذا الوطن .

اتمنى أن يقتنع الزملاء الإعلاميون بأن استمرارهم أقوياء قادرين إنما ينبني على مهنية مطلقة وعلى الحفاظ على  مصالح الوطن ، وأن عملية الارتفاع والعلو على أنقاض وطن تعني في النهاية خسارة لكل الأطراف ، ومكسب سريع على حساب الأوطان ومصالحها هو مكسب غير وطني ، وأن ننظر جميعا إلى الصورة الكلية ، لا تسويد الحياة ولا تغييب عن الواقع إنما إعلام وطني متوازن  يسعى إلى مصلحة الناس في بلادنا.

اتمنى أن تجد الصحافة القومية موقفها الصحيح بالقيام  بدورها الصحيح باعتبارها تعبر عن دولة بمفهوم الدولة بكل طوائفها وأن تستخدم إمكانياتها الجبارة لسد الفراغ الحادث في الساحة الصحفية ، وأتمنى للصحافة الخاصة أن تصل إلى الهدف الواضح وألا يكون منطلقها منطلق المصلحة الضيقة أو الربح السريع وإنما أن تكون لأرضية الانطلاق هي أرضية مصلحة الوطن  ، وأتمنى على إعلام الدولة أن يتحول بحق إلى ترجمة مفهوم الدولة

 وأتمنى أن تفك الحكومة كلمة السر أو لغز لغة الخطاب مع الناس لتعلم ما يريدونه ، ولتعبر عنهم بلغة يصدقونها

وبلغة يشعرون بها  وبأن هذه الحكومة تفهمهم وأنها تتحدث خطابهم وتعمل من أجلهم .

وأتمنى أن تتحول لغة الخطاب لهذا الشعب باعتباره الشعب العظيم الذي صاغ حضارة عمرها آلاف السنوات ، في وطن خلق ليبقى ، وأن نتوقف عن جلد الذات ، ونبحث في داخلنا عن عناصر العظمة الكامنة التي صاغت تلك الحضارة عن مر السنين