لا أحد يحتكر الحقيقة

بقلم: عبد اللطيف المناوى

غلاف كتاب الأيام الأخيرة لنظام مبارك

لا أحد يمتلك الحقيقة كلها، لكنها – أى الحقيقة – تتكون من أجزاء متعددة، تمتلكها أطراف مختلفة، بجمعها معا تكتمل الصورة.

إحدى القصص الكلاسيكية المعروفة هى قصة مجموعة العميان الذين طلب منهم وصف الفيل ووضعوهم حوله، ووصف كل منهم جسد الفيل كما لمسه من زاويته، أحدهم وصفه كشجرة ضخمة، والآخر وصفه كخرطوم كبير، والثالث كمروحة كبيرة. جميعهم وصفوا وصفا صحيحا الحقيقة كما بدت من زاوية كل منهم، وجميعهم لم يدركوا الحقيقة كلها، جميعهم مصيبون ومخطئون بشكل جزئى.. وهكذا رواية التاريخ وتوثيقه.

كنت من أولئك الذين امتلكوا زاوية من زوايا الحدث الأهم الذى شهدته مصر فى الخامس والعشرين من يناير، لا أدعى امتلاك الحقيقة ولكنى أمتلكها من الجزء الذى رأيت، من الزاوية التى كنت فيها، وأظنها كانت زاوية مهمة. الجزء الذى أمتلك يحتاج أن يتكامل مع الزوايا الأخرى لنمتلك ساعتها الحقيقة التى لا يحتكرها طرف، ولا ينبغى على طرف أن يمتنع عن تقديم ما لديه من شهادة لتكتمل الصورة. ما يأتى هو إشارة لهذا المعنى من شهادتى التى وضعتها بين دفتى كتاب كجزء من وصفى لحقيقة ما حدث.

خطوات ضابط الحرس الجمهورى بحذائه الثقيل الذى كان وقعُها يدوّى على أرضية المكتب – رغم ضجيج المظاهرات فى الخارج – لم تحمل حسمًا أو نهاية، بل كانت حلقة فى سلسلة من التطورات الحادة المفاجئة والمفهومة فيما بعد، التى شهدتها مصر منذ٢٥ يناير- التاريخ الرسمى لبدء ثورة المصريين – إلى ١١ فبراير؛ ذلك عندما أعلن الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك تنحيّه عن السلطة، وبه كان سقوطُ النظام.

شاهدتُ مقدماتِ هذه الثورة، الإعداد لها، المعلومات التى توفرتْ لأجهزة الدولة عنها، وشاهدتُ كيف أدارت الدولة المصرية أكبر أزمة فى تاريخها، وكيف تعامل مديرو الأزمة فى القيادة المصرية مع الدولة بالتهوين من شأن ما يجرى، سواء أكان ذلك من مظاهرات ٢٥ يناير، أم من المشاركين فيها، وكيف أثرتْ الثقةُ الزائدة فى قوة النظام ورسوخه فى التعامل مع الأزمة.. كيف أدارتْ مؤسسةُ الرئاسة الأزمةَ بقيادة جمال مبارك – نجل الرئيس – هو ومجموعة صغيرة حوله؟ كنتُ على اتصال دائم بهم؛ أقول: هو والذين معه فشلوا جميعًا فى اتخاذ القرارات الصحيحة فى الوقت المناسب من عمر الأزمة. ورأيت كيف تعامل الجيش ـ الذى كنت على اتصال دائم معه – مع هذه الأزمة منذ اللحظة الأولى.

الإعلام الحكومىّ الذى كنت أجاهد لكى يكونَ إعلامَ دولة بمفهوم الملكية العامة، كان هدفًا لكل القوى الفاعلة فى الأزمة. الجميعُ كان يعمل من أجل السيطرة عليه. هذا الأمر جعلنى قادرًا على رؤية ما يحدث فى تلك الفترة المهمة؛ فقد كنت كمنْ سكن مركز جسد تتنازع أجزاؤه السيطرة عليه فى لُعبة أو معركة، فقُدِّر لى أن أرى جزءًا مهمًا من تفاصيل هذه اللعبة، أو تلك المعركة.

كاد مبارك ينجو من الإطاحة به بعد خطابه فى أول فبراير، وله ما كسب من تعاطف الناس بشكلٍ فاجأ به بعض القوى داخل النظام، وفى اليوم التالى، سُفكتْ دماء على أرض التحرير بسبب المعركة بين أنصار الرئيس والمعتصمين فى التحرير.. كانت هذه المعركة التى اصطُلحَ على تسميتها إعلاميًا بـ«معركة الجمل»، هى الإعلان الحقيقى عن نهاية حكم مبارك، حتى لو تأخر تسعة أيام بعد ذلك، هذه المعركة بدأ التخطيط لها بعد ساعات من الخطاب، وحاول الجميع استخدام التليفزيون الوطنى فيها، وكانت هذه معركة أخرى.

منذ اللحظة الأولى للأحداث، كنتُ نقطة الاتصال الرئيسية فى الإعلام، وكان علىَّ فى أوقات عدة اتخاذُ قرارات حاسمة فى إدارة الصراع وقتها، من بينها رغبةُ معسكر الرئاسة فى الأيام الأولى فى دعم وزير الداخلية حبيب العادلى، ليستمر فى منصبه، وهو الأمر الذى كان يمكن أن يزيد الأمور تعقيدا، ورأيت – بصفتى- إعاقة هذا الأمر، وكذلك عدم السماح لمعسكر الرئاسة بحجب إذاعة بيانات الجيش، وهو الأمر الذى لو كان قد حدث لدفع بصدام لا يعرف أحد مداه.

لا أستطيع القول إننى أمتلك كل الحقيقة، لكن المُؤكّد أنَّ لدىّ من تفاصيل الصورة الكثير، مما لم يُتحْ لغيرى أن يراه أو يعلمه.

وجدت نفسى وسط أكبر عملية تغيير تشهدها مصر على هذا المستوى منذ أكثر من٤٥ قرنا، وجدتُ نفسى – مع ما أملكه من اتصالات مع الأطراف المختلفة ـ مشاركًا، ولو بقدر، فى إدارة الأمور.

طوال ١٨ يوما (ثمانية عشر يوما) بدءًا من ٢٥ يناير إلى ١١ فبراير، مكثتُ فى مكتبى فى التليفزيون، تحت حصارٍ مستمر، أقود مجموعة من الزملاء، آمنوا بما يفعلون، وقد خلقَ ذلك بيننا عَلاقةً ذات طابع خاص.

هذا الكتاب هو محاولة للإجابة عن كثير من الأسئلة، تمكنتُ من معرفة الإجابة عنها من خلال وجودى فى هذا المكان، ومن خلال اتصالاتى، ومن خلال مشاركتى فى الأحداث.

هذا الكتاب يحتوى على العديد من الأسرار التى يمكن القول عنها: إنها تنشر لأول مرة، بل يمكن القول: إن مستوى الدقة فى هذه المعلومات سيكون عالياً، مما يمكِّنُ من الاعتماد عليه، أو الرجوع إليه فى أى مرحلة؛ لـتأريخ ما حدث فى مصر فى هذه الفترة.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=326481

Advertisements

لم يعد هناك «ساموراى»

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

اعتادت مجموعة من قطاع الطرق الصعاليك، يمكن أن نقول بلطجية، التهجم على القرى النائية وسلب أهلها، أراد القرويون أن يضعوا حدا للهجمات فأرسلوا بعضاً منهم للبحث عن رجال «ساموراى» للدفاع عن القرية، وعادوا ومعهم سبعة من الساموراى ليدافعوا عن القرية ويدربوا أهلها. بالطبع هذه قصة فيلم «الساموراى السبعة» للمخرج اليابانى الأشهر أكيرا كوروساوا الذى أخرجه عام ١٩٥٤.

القرويون المكسيكيون الذين تعرضوا للاستغلال من زعيم عصابة اسمه «كالبيرا» يذهبون لطلب المساعدة من «كاوبويز» أمريكيين، والنتيجة هى فيلم «العظماء السبعة» أحد أهم أفلام الغرب الأمريكى لمخرجه جون سترجز عام ١٩٦٠، وبالطبع هو مأخوذ عن الساموراى السبعة.

أثناء الحرب العالمية الثانية، أى وقت الفوضى، تتعرض واحة نائية بالصحراء لهجوم مجموعة من المسلحين بقيادة المارشال برعى، يسافر شيخ القبيلة للقاهرة لشراء الأسلحة اللازمة، يستعين بشخص يدعى الزناتى، الذى يستعين بدوره بمجموعة من أصدقائه، يدخلون المعركة ضد برعى، وهذا بالطبع فيلم «شمس الزناتى» الذى أخرجه سمير سيف عام ١٩٩١ وبطولة عادل إمام، وهو بالطبع مقتبس من الفيلمين الأولين.. كل هذه الأفلام انتهت كما نعلم جميعا بالقضاء على العصابة وانتصار القرويين بمساعدة المحترفين.

الملاحظ على هذه القصص التى تعاملنا معها دوما على أنها غير حقيقية أنها حدثت فى مناطق نائية، فى ظل سيادة الفوضى، وغياب كامل للأمن أو القانون أو الدولة.

الوقت: فجراً، صوت ميكروفونات مسجد القرية يهز أركان القرية الصغيرة طالباً من رجال القرية وشبابها الخروج دفاعا عن شرفهم وعرضهم، يخرج كل منهم شاهرا سلاحه، سكين مطبخ أو عصا غليظة، يصلون إلى المسجد ليعلموا أن مهمتهم هى مطاردة البلطجية الذين حولوا حياتهم إلى جحيم، سرقوا وقتلوا واغتصبوا، هؤلاء البلطجية يتزعمهم «سنكافولا» وهو مسجل خطر كان ذكر اسمه كفيلا بزرع الرعب فى القلوب، وينطلق أهل القرية فى الحقول لمطاردة البلطجية بزعامة «سنكافولا»، بلغ عدد المشاركين فى المطاردة حوالى ٣ آلاف رجل وشاب، حتى تم الإمساك بالبلطجية، تم ربطهم فى أعمدة الإنارة بالقرية، وقام عدد كبير من أهل القرية بالاعتداء بالضرب عليهم، حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة، أحد شهود العيان قال: بعدما تمكنا من الإمساك بالبلطجية اتصلنا بالشرطة العسكرية، لكنها حضرت بعدما لفظ اللصوص أنفاسهم الأخيرة.

ما فات ليس قصة فيلم قديم ولا مشروع فيلم جديد أى مخرج بصدد إخراجه، أيضا ليس اقتباساً من أى من الأفلام السابقة لكنه قصة حقيقية أظنكم على علم بها، حادثة حقيقية وقعت فى قرية «بقيرة» التى تقع على بعد ٧ كيلومترات من مدينة بنها منذ يومين. ومع الأسف الشديد هى قصة باتت متكررة بأشكال مختلفة فى مناطق متعددة من قرى وأحياء ومدن مصر، فى قلب المدن وفى كبد الوطن وليس على أطرافه، وغير بعيد عن الذاكرة ما حدث فى إحدى المدن التى طالب بعض كبارها بجمع التبرعات من أجل شراء سلاح للدفاع عن المدينة.

القصص السينمائية التى ذكرتها فى البداية، والتى كنا نتفاعل معها داخل قاعات السينما، كان مؤلفوها يفترضون حدوثها فى الأماكن البعيدة عن السلطة ومركز الدولة وفى سيادة الفوضى، وأخشى أن ما نراه الآن من مثل هذه الحوادث فى مراكز الدولة هو دليل على سيادة الفوضى، وغياب الأمن، وغياب القانون.

لا أتمنى أن أجد من يبادر الآن إلى كيل الاتهامات إلى الشرطة والجيش والنظام السابق والوزارة السابقة وإلى أى طرف آخر ليحمله المسؤولية، أخشى أننا قد وصلنا إلى مرحلة الخطر، مرحلة تفكك الدولة فى ظل غياب الأمن وتغييب القانون، أخشى أن كل ما نحاول خلقه أو تخيله من إنشاء نظام جديد ما هو إلا بناء بلا أساس فى ظل هذا الخلل الواضح الكبير، فى ظل غياب عصب مركزى يلم أطراف هذه الدولة التى يتم الدفع لتفكيكها.

لن أمل من القول والتأكيد: دون دولة القانون لن تكون هناك دولة.

وأعتذر عن المصارحة بالحقيقة التى تقول إنه لم يعد هناك «ساموراى»، وإن العظماء السبعة وشمس الزناتى لم يعودوا هناك.

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=319795

الكفار و المتأسلمون في تونس

بقلم   عبداللطيف المناوى

رغم احتفال التوانسة بسقوط  حكم زين العابدين بن علي بعد 23 سنة , الا أن الكثيرين – وهم علي حق – يخشون من صعود الأصولية الدينية وتأثيراتها ليس فقط علي حقوق الانسان , ولكن علي كافة مناحي الحياة .

مراسل صحيفة الديلي تلجراف البريطانية في العاصمة تونس يقول تحت عنوان ” الحركة الاسلامية في قلب الاحتجاجات التونسية ” إن حزب النهضة المحظور برز بشكل لافت في قلب الاحداث التي تشهدها تونس , مصمما علي أن يكون اقوي قوة سياسية تقررها الانتخابات التي من المقرر ان تشهدها البلد.

وتواصل الصحيفة قائلة إن زعيم حزب النهضة , راشد الغنوشي , قال انه سيعود الي تونس بمجرد ان تلغي السلطات الجديدة حكم السجن الصادر في حقه , وتمضي الصحيفة قائلة ان الغنوشي يمتلك حظوظا قوية في الانتخابات القادمة بعد تفكك الحزب الحاكم اذ يحظي بدعم واسع في الجامعات التونسية علما بانه سبق له ان ضمن 17 في المائة في الانتخابات الطلابية عام 1989 .

وشاركت بعض قيادات الحزب في الاحتجاجات التي تشهدها تونس . مطالبة باستقالة كل الوزراء بمن فيهم رئيس الوزراء “محمد الغنوشي ” من الذين عملوا مع بن علي , وقال نائب رئيس النهضة ان نشطاء الحزب بدءوا في ممارسة نشاطهم الحزبي والسياسي وقال للديلي تلجراف ” الناس لم يحققوا كل شيء كانوا يريدون تحقيقه . نريد حكومة جديدة قادرة علي صنع الديموقراطية  ” وهذا يعني ان رئيس الوزراء مطالب بالرحيل . من السابق لاوانه الحديث عما يمكن ان يقع بعد الانتخابات .

كان نظام بن علي يقدم نفسه علي انه حاجز ضد الارهاب , ومن ثم قام بتطبيق قوانين صارمة ضد تيارات الاسلام السياسي . الجديد بعد سقوط بن علي هو ذلك الصعود الجديد لاصوات القوي الاسلامية السياسية التي باتت تطالب بحقها بلعب دور بارز في العملية السياسية المقبلة , ورغم ان راشد الغنوش زعيم حزب النهضة الاسلامي مازال يعيش لاجئا في لندن , فان انصاره يشاركون في المظاهرات ويطالبون بالاعتراف القانوني به .

بعض الأصوات في تونس تخشي من استبدال حكومة قمعية باخري مماثلة , وذلك عندما يسيطر الإسلاميون علي الحكم ، صلاة الجمعة أمس الأول وهي الاولي عقب خروج بن علي لوحظ خلالها ان بعض المصلين وزعوا بعد انتهاء الصلاة منشورات تحذر الناس من ” الكفار “

بعد هدوء العاصفة

بقلم   عبداللطيف المناوى

بعد العاصفة التي مرت بها مصر خلال الأسابيع الأخيرة وهددت بالعصف بشدة بالعلاقة الأزلية بين أهل الوطن الواحد من المصريين أقباطا ومسلمين  ، فأنني هنا انتهز هذه الفرصة للدعوة إلى بدء الحوار حول كل القضايا التي أثارت هذه العلاقة ،  فلا ينبغي أن ينسينا ذلك الهدوء الحادث الآن أننا لم نتعامل مع أصول المشكلة .

عندما دعونا في مراحل متعددة إلى أهمية نزع فتيل الأزمة فان ذلك كان انطلاقا من الإحساس بمسئولية كل مواطن عن الحفاظ عل امن وسلامة هذا الوطن ، واستجاب كل العقلاء لهذه الدعوة حتى لو كانت هذه الاستجابة مثلت عبئا نفسيا أو سياسيا على أي طرف من الأطراف ،  و لكن مرة أخرى أشير إلى أن ما كان هو نزع فتيل الأزمة  دون التعامل مع أصول هذه الأزمة .

عادتنا المصرية الأصيلة مع التعامل مع أي أزمة تمر بنا هو التعامل معها والتعاطي معها في لحظة وقوعها ، ونتعامل معها وكأننا لن نتركها إلا بعد حلها ولكن تنتهي ذروة الأزمة فننسى أو نتجاهل العودة للتعامل مع أصل الأزمة ، ما أتمناه هذه المرة أن نغير عادتنا وان نتعامل ونتناقش مع كل ما كان السبب في المشكلات خلال الفترة الماضية .

أدعو إلى استحضار كل الدراسات والوثائق المتعلقة بهذه الإشكالية وعلى رأسها تقرير جمال الدين العطيفي الذي أعده عام 1972 ، وغيرها من النقاشات والحوارات المختلفة ، كما أدعو كل الزملاء الإعلاميين الذين ساهموا في يوم من الأيام عن قصد أو دون قصد بتزكية الاختلاف بين أبناء الوطن بتحويل  منابرهم حول حل تلك  المشكلات ، وبناء الوطن الواحد ، كما أدعو الحكومة إلى طرح كافة الموضوعات والقضايا  المعلقة ووضعها على مائدة البحث وتشريع ما  ينبغي من تشريعات وتأكيد مفهوم المواطنة  وعدم التمييز أن يكون الحاكم في كل ذلك دائما هو سيادة القانون الذي تحدثنا عنه كثيرا ولم ننفذه ، وكل ذلك سيصب في تنفيذ تلك الدعوة المهمة والفارقة بوضع المؤسسات الدينية في مكانها الصحيح في المجتمع ، فتلك المؤسسات أماكن  دعوة وأماكن  عبادة وينبغي ان ينتهي  ذلك الدور المتضخم لها والناتج عن حالة الغياب القصدي او الاختياري او الناتج  عن عدم قدرة او عدم فهم العديد من مؤسسات الدولة  ، على الدولة أن تملأ هذه الفراغات التي تركتها و وسمحت للكيانات الدينية أن تملأها بدلا منها .

 

 

الشبح التونسي في القمة الاقتصادية

بقلم   عبداللطيف المناوى

تنعقد اليوم القمة العربية الاقتصادية التنموية  ، ويحلق في قاعة الاجتماعات شبح ما حدث في تونس ، ومرة أخرى يتم  التعامل مع ما حدث في تونس باعتباره شبحا مخيفا أو خطرا يهدد بعض الأنظمة هذا القدر من التخوف في التعامل مع النموذج التونسي إن جاز أن يحدث لدى بعض الأنظمة فلا ينبغي أن يكون كذلك مع بعض الأنظمة الأخرى .

ورد الفعل العصبي والانفعالي من قبل البعض إنما يؤدي إلى نتائج عكسية بالتأكيد ، فهرولة بعض الحكومات إلى تقديم رشاوى لشعوبها تتمثل في زيادة دعم أو توفير سلع أو إعطاء منح وعطايا  لشعوبهم إنما يؤدي إلى نتائج عكسية وليس ما يبتغونه منها ، فإعطاء هذه المنح والحقوق في هذا التوقيت إنما يعني عدة أمور أولها انه يعطي حق لشعب تحت إحساس بضغط أو تهديد سوف يقع في دائرة الرشوة ، ومن يعطي حقا بعد تخوف من التجربة التونسية إنما يعني انه مخطئ في منع هذا الحق عن الشعب ، وهو يعني أيضا انه اغتصب هذا الحق من قبل واضطر لإعطائه في هذه المرحلة وهو أمر ستتلقفه الشعوب الذكية بالفطرة كما توقع منها هؤلاء الذين القوا اليها بهذه  الرشاوى ، وهو يعني أيضا أن الإمكانية كانت موجودة دائما لحصولهم على ذلك فلماذا لم يحصلوا عليه وهنا يحق لهم ان يحاسبوهم .

ما أظنه في هذه المرحلة انه طريق حكيم للتعامل بين الشعوب وحكوماتهم هو المزيد من الوضوح والإفصاح والمشاركة وإعطاء  الفرصة لأبناء الشعب لكي يكونوا حاضرين في منطقة اتخاذ القرار ، لا أن يتخذوا هم القرار دون أن يضعوا الشعوب و ضروراتهم ورغباتهم في أولويات حساباته عند اتخاذ القرار

منذ عامين انعقدت القمة العربية وخرجت بان العالم العربي يواجه مجموعة من التحديات ودعت إلى ضرورة اتخاذ حكومات الدول العربية الإجراءات اللازمة لتيسير تنقل الأيدي العاملة العربية بين الدول الأعضاء بما يكفل خفض معدلات البطالة. و دعت الى دعم مبادرات القطاع الخاص ومؤسسات وصناديق التمويل العربية لتحقيق برامج التشغيل وخفض معدلات البطالة على المستويين الوطني والعربي. كما تنفيذ البرنامج العربي للحد من الفقر في الدول العربية كما دعت الى وضع سياسات اقتصادية واجتماعية تتيح خفض معدلات الفقر الى النصف في فترة أقصاها عام 2015.

المطلوب الآن من هذه القمة أن تخرج  الى شعوبها لتقول لهم ماذا فعلوا حتى الآن لمواجهة التحديات وهو ليس بكثير حتى اللحظة  وان يلتزموا أمام شعوبهم بجدول للتنفيذ ، اذن المصارحة  والمكاشفة والمشاركة هي الطريق الصحي وليس رد الفعل الخائف المرتبك الراشي .

نداء من المصريين في تونس إلى الأجهزة المعنية

بقلم   عبداللطيف المناوى

بمجرد أن بدأت الأحداث في تونس أعلنت بريطانيا تحركها العاجل لإجلاء رعاياها من هناك ، والرعايا البريطانيين  كان معظمهم  من السياح حيث أن تونس من المقاصد السياحية المألوفة لأوروبا ، وتحركت عدة دول بشكل مباشر بمجرد أن فتح المجال  الجوي التونسي لنقل وإخراج مواطنيها  ، وفوجئت أنا شخصيا باتصالات بالأمس من مصريين علق أبناؤهم في تونس ولم يجدوا من يخرجهم من هناك ،  وتذكرت على الفور موقف مصر للطيران بتعليق رحلاتها  للمجال التونسي بعد بدء أحداث الشغب هناك  ، ولكن ما لم افهمه هو عدم  اتخاذ الجهات المسئولة و الأجهزة المسئولة موقفا سريعا للتعامل مع المصريين هناك ، احدهم قال لي عبر الهاتف باستنكار وألم : المطار لم تتوقف الطائرات عن الهبوط فيه لإجلاء الرعايا ونحن فقط من لا يجدون من يسال عنهم

حرص القيادة السياسية  على المصريين هو أمر غير قابل للتساؤل ، واتخاذ  الرئيس مبارك شخصيا لقرارات مختلفة في إطار الحرص على كل المصريين  مسألة  لا يمكن حصرها بسهولة  ، ولكن  الأمر أيضا لا ينبغي أن يكون الانتظار لقرار من الرئيس مبارك للتحرك لإخراج المصريين من هناك  ، كنت أتصور أن يحدث قدر من التنافس بين الجهات  والأجهزة  المختلفة لرعاية هؤلاء المصريين ، لكن يبدو ـ  وهذه قد تكون معلومات او لا تكون  ـ أن كل جهة حاولت أن تلقي بالمسئولية  على جهة أخرى ،  وفي هذا خذلان للمصريين الذين يعتبرون أن الدولة هي الملاذ ، فأول مؤشرات قناعة الدولة بالممارسة الإجراءات التي تؤخذ من أجل المواطن ، و أن يشعر المواطن ان دولته حريصة عليه  في كل مكان وأي موقع  ، و أول إشارات الحرص هو الشعور بحماية دولته له حتى لو كان بعيدا عنها وقيام الدولة بنزع عنصر القلق عنه ، وإعطاؤه الإحساس وهو في مثل تلك الظروف التي يعيشها بقلق مصريون حتى لو كان هؤلاء مجرد عشرات على أصابع اليد الواحدة .

مرة أخرى كنت أتمنى كما يتمنى كل مصري  أن يكون المجال مجال التسابق بين الأجهزة  المختلفة لتقوم بذلك الدور دون انتظار لقار أعلى منها ، وأتمنى بكون هذا المقال قد تجاوز وقته بان تكون هناك في هذا الوقت طائرة مصرية لتحمل المصريين من هناك .

Game Over

 بقلم   عبداللطيف المناوى

منذ أسابيع تحدثت عن حكاية الأعمى والأطرش ، الأعمى الذي كان يحذر الأطرش من أن هناك خطرا يحدق بهما ، فلم يسمع الأطرش ، ولم يشعر الأعمى ، وهذا ما حدث بالامس في تونس ، كان نتيجة هذه العلاقة بين الأعمى والأطرش ، ، ما حدث في تونس هو أن بن على لم يسمع ونظامه كل أصوات الغضب حتى لو كانت مكتومة ، وكل مؤشرات الفوران حتى لو كانت مكتومة ، لم ير ولم يسمع ، وكذلك شعبه لم يسمع لأنه انفصل عنه منذ فترة طويلة ، أول أمس عندما استعد العالم لسماع بن على وهو يتحدث كانت قد سبقت معلومات عن أنه سوف يخرج ليعلن استقالته ، لكنه خرج ليثبت أنه ظل حتى اللحظة الاخيرة لا يرى ما حدث ، ولم يسمع ما حدث حتى لو قال للشعب التونسي أنه يسمعه

في اللحظة التي انتهى فيها بن علي من كلمته أكدت لمن حولي أنه خطاب ما قبل الاستقالة أو ما قبل الخروج وأنه لم يتمكن من القفز فوق ما تسبب به نتيجة لتلك الممارسات التي اتسمت بأنها ممارسات الحديد والنار ، وراهن دائما على طيبة الشعب التونسي وطبعه الذي يبدو مسالما ، وهذه قراءة أخرى أخطأ فيها نظام بن علي، لم أتصور أن يقبل الشعب ما قاله لهم بأنه قد استمع إليهم وتجاوب مع الضغوط الاقتصادية،وكأنه لم يكن يعلم بها، واطلق حرية الإعلام وكأنه لم يقيدها هو ، فتح المجال أمام المواقع الالكترونية المختلفة وكأنه لم يغلقها هو ، وعندما اعتقد أنه التونسيين سوف يصدقونه فهذا دليل آخر على أنه لم يفهم أو أنه لم يسمع ، الوضع في تونس كأي بلد منغلق سياسيا ، مامع للرأي الآخر ، مصادر للمعارضة ، مطار لكل من يختلف معه ، مكمم لأفواه الجميع ، مقيد لوسائل الإعلام ، حائل بين الناس و التواصل مع العالم عبر الوسائل الالكترونية المختلفة ، ليست البطالة وحدها هي السبب، ولكنه الإحساس بالظلم والأحساي بالتربص و المنع من التعبير ، كل ذلك كان كفيلا بنهاية تلك العلاقة بين الأعمى والأطرش ، ويرفع أحد المتظاهرين شعارا بالأمس قبل خروج بن على من تونس يقول فيه ” رسالة إلى بن على game over     اللعبة انتهت .

قناعة العيش الآمن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حادث مساء أمس  الذي راح ضحيته مصري وأصيب خمسة آخرون    حتى الآن  في قطار بالمنيا ينبغي أن نعمل وبسرعة على ألا  يكون طريقا للتصعيد مرة أخرى ، وصلنا معا إلى القناعة بأهمية العيش الآمن بين كل المصريين ، فلا ينبغي  أن نسمح لمهووس أو متعصب أو غاضب أو متخلف بأن يمس هذه الحالة  من التوحد ، ما حدث بالأمس و الذي لم تتوفر بعد كل المعلومات عنه  ،  إنما يدلل على أنها حالة تتسم بمزيج من التعصب والهوس وعدم الاستقرار ، إذن هي حالة فردية ، حتى لو ترجمت أو ترجم الفعل في شكل الإصابات الجماعية التي حدثت  ، لا نريد ولا ينبغي أن نسمح لمثل هذه الحالة ، ومثل ذلك السلوك الشاذ  بأن يدفع مرة أخرى إلى استحضار حالة الاحتقان التي عانينا منها وما زلنا ، ولا ينبغي أن نسمح بأن يتحول ذلك الحادث إلى إشعال فتيل جديد لقنبلة التعصب وحرائق الفتنة  ، بل ينبغي أن  نكون نحن جميعا من يطفئ هذه الحرائق ، وعندما أتحدث عن ( نحن ) فإنني أقصد كل أبناء هذا الوطن من العقلاء  الذين لم نعد نملك غير الاعتماد عليهم في هذا الدور، وأتمنى ألا يبدأ مشعلو الحرائق مرة أخرى في النفخ في نار صغيرة من أجل مجد شخصي أو نصر إعلامي ضيق الأفق حتى لو بدا كبيرا في لحظتها ،  وأيضا من بين الخطوات الأولى هي الإعلان الواضح والأمين الواضح لكافة  أبعاد هذا الحادث بكل ما فيه وأيا ما كانت أبعاده .

 

حتى لا تكون محاصصة

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا نريد لرد فعلنا أن يدفع بالمجتمع تجاه مفهوم المحاصصة ، فالحال السائد في هذه المرحلة بعد حادثة الاسكندرية ، والملابسات التي حدثت بعده سيطر عليها إحساسات متناقضان ، الأول إحساس بالذنب و التقصير يدفع  بتقديم كل ما يثبت حسن النية والرغبة في التعويض عما يعتقد أنه حق ضائع على مر الأعوام للمصريين الأقباط ، الثاني تيار يعتقد أو يتهم بأن ما يحدث هو شكل من أشكال لي الذراع حتى لو أدى إلى المطالبة بحقوق أو ما يعتقد الآخرون أنها حقوق ، وفي هذه الأجواء تخرج بعض الأصوات التي تنادي بتخصيص أوقات معينة في الإعلان أو تخصيص مناصب معينة في مؤسسات الدولة أو تخصيص عدد معين من المسئولين ، الفريق الأول يريدها تعويضا والفريق الثاني يريدها تحجيما .

وأيا ما كان الوضع في الحالتين  فهو خطأ كبير سوف ينزلق إليه الوطن في حال ما لو اتبع أحد الاتجاهين ، الخطأ الكبير هو التعامل مع هذه الموضوعات بنفس الحل الذي اصطلح على تسميته في البلاد التي تعاني من حالات التفتت الشديد بين طوائفها أو جماعاتها الوطنية أو الدينية أو السياسية، تعرف باسم المحاصصة أي ان يكون لطل حصة وفقا لحضوره ، ومرة أخرى هذا هو الخطأ الكبير ، فمصر لم تعرف هذا المصطلح يوما ، ومحاولة إعماله هو خطأ كبير والقبول به كما ذكرت هو بداية الانزلاق إلى هاوية لا يريدها أي محب لبلده أن تقع فيه .

الحل يكمن كما قلت وقال كثيرون من قبل وأعيد التأكيد في الدولة المدنية ، والدولة المدنية هي دولة القانون التي لا تعرف فرقا بين مسلم أو مسيحي ، وتقف مؤسسات هذه الدولة على مسافات متساوية من كل أطرافها ، والقاعدة الرئيسية فيها هي قاعدة المساواة ، ودولة القانون هذه هي التي تصل بنا إلى إعمال مفهوم المواطنة ، ذلك المفهوم الذي وضعناه في الدستور ولم نعمله  في حياتنا حتى الآن بعد ، والأساس في هذا هو عدم التمييز بين المواطنين المصريين ،واتمنى لو أن هذا المفهوم تتم صياغته في شكل قانون واضح الملامح يطبق بحق ويكون قانون يختص بعدم التمييز بين المصريين على أي اسس عرقية أو دينية أو إثنية أو جنسية ، لكنه مواطن مصري ككل المصريين الآخرين ، هذا هو الطريق الذي لا اظن أن له بديلا .

 

 

 

تكلم البابا

بقلم   عبداللطيف المناوى

بالأمس طالبت بأن الوقت بات ملحا لأن يخرج البابا شنودة إلى المصريين ويتحدث إليهم ، وذلك حتى يقوم بجوره المسئول و المتوقع منه من أجل حماية هذا الوطن من مغبة الانسياق إلى طريق الفتنة  بما يهدد مسئوليته الوطنية فقط ، وبالفعل حدث ما تمنيته  وتكلم البابا ، وكان حظي أن يكون خطابه إلى المصريين من خلال حواره معي على التليفزيون المصري ، تليفزيون الدولة ، جاء الحديث صريحا واضحا ، علت فيه الحكمة والالتزام الوطني وتحمل المسئولية وهو أمر ليس غريبا على تاريخ البابا شنودة حتى لو لم تأت الرياح في بعض الأحيان بما تشتهي السفن .

أبرز ما لاحظته إضافة إلى حكمة البابا في تناول الوضع الساخن بل الملتهب حاليا هو تلك الشمولية في رؤية المشكلات التي تواجه مصر ، وأن ما يشكو منه الأقباط ليس أمرا منفصلا عن حالة عامة ، وأن حل هذه المشكلات إن وجدت لا يمكن حلها إلا من خلال رؤية شاملة وتحرك شامل من أجل الحل .

مرة أخرى حالة التوحد التي عاشها  المصريون عقب مجزرة الإسكندرية هي حالة ينبغي أن نبني عليها ونؤكد تلك الحقيقة التاريخية التي تؤكد أن مصر هي دوما لكل المصريين ، وكلام البابا شنودة بالأمس هو أحد الأسس التي ينبغي أن نضعها في الاعتبار ونحن نتحرك في هذا الاتجاه .

اذكر مرة أخرى ما ذكرته بالأمس في لقائي بالبابا شنودة بأن تقريرا بريطانيا في النصف الأول من القرن الماضي  ينسب للورد كرومر كان يصف المصريين ” جئنا إلى مصر نبحث عن مسلمين ومسيحيين فلم نجد سوى مصريين بعضهم يذهب إلى المسجد ، وبعضهم يذهب إلى الكنيسة “