الكفر بدولة الجماعة

عبد اللطيف المناويبقلم عبداللطيف المناوى
«أمسكونى وجرونى على الأرض، ثم قيدونى وأتى شخص منهم يطلب منى أن أعترف بأننى أتلقى أموالاً من شخصيات سياسية معينة لأهاجم وأضرب الإخوان، ظلوا يعتدون على بالضرب والصفع على الوجه، ثم ألقوا بى فوق عدد آخر ممن كانوا مقيدين إلى جوار قصر الاتحادية».. هذا ما قاله واحد من بين العشرات الذين قامت أفراد ميليشيات الجماعة بالقبض عليهم وتقييدهم والتحقيق معهم فى ظل الضرب والإهانة لإجبارهم على الاعتراف بالمؤامرة الوهمية التى تبناها «رئيسهم المنتخب»، مؤكدا أن الضالعين فى المؤامرة اعترفوا بينما تحقيقات النيابة لم تكن قد بدأت بعد، بل الأنكى من ذلك أن من ألقى القبض عليهم فى محيط الاتحادية قد أفرج عنهم، وهذا يعنى، ببساطة، أن السيد مرسى قد اعتمد على تحقيقات ميليشيات الجماعة، التى قامت بالقبض والضرب والتحقيق، فى الوصول إلى نتائج يصدم بها المواطنون على شاشة تليفزيون الدولة، التى كانوا يظنون أنها دولتهم، لكنه نجح هو وقيادته الجماعة فى أن يثبت لهم خطأهم، فهى لم تعد دولتهم، ولكنها باتت دولة الجماعة ومن معهم ينافقهم ويخدمهم. وبات واضحا أن سلوك الجماعة كشف عن وجههم الحقيقى، وهو وجه يكشف حقيقتهم كجماعة ذات فكر إقصائى متسلط يرفض الآخر ويصر على الانفراد بـ«الغنيمة»، وهم فى الواقع لا يهمهم كثيراً انكشاف ذلك الوجه، فهدفهم الآن هو السيطرة والانطلاق إلى الأمام بأى ثمن إلى نقطة التمكن التام من مفاصل الدولة، وحدهم لا شريك لهم، كل ذلك تحت اسم الدين الذى يستغلونه ويوظفونه من أجل تحقيق أهدافهم الدنيوية فى السلطة.

كل ممارسات الجماعة وقياداتها التى ينفذها ممثلهم فى الرئاسة لا تصب إلا فى صالح شق الوطن إلى «فسطاطين»، كما قال من قبل أسامة بن لادن، الجماعة وحلفاؤها فى فسطاط وبقية الأشقياء من أبناء الوطن فى فسطاط آخر، وبدا سلوكهم من خلال ممثلهم فى الرئاسة كملك فرنسا لويس الرابع عشر، الذى حكم فرنسا ٥٤ عاما «١٦٦١-١٧١٥»، وارتكزت قاعدة العمل السياسى لديه على الطاعة، حتى صارت هذه المقولة مثالا للاستبداد السياسى، الذى كان يقول «أنا الدولة والدولة أنا»، أما هم فى الجماعة فيضيفون إلى تلك المقولة الشهيرة، من خلال ألسنة دعاتهم وبعض حلفائهم التى تقطر غطرسة وكراهية «واللى مش عاجبه يخرج منها».

لكن الأكيد أنهم سيصلون يوماً إلى ما وصل إليه لويس الرابع عشر كما يقال وهو يحتضر، كما سوف يحتضرون، حيث نسب إليه قوله «أنا سأذهب أما الدولة باقية»، ولكن ما نخشاه أن يكون ذلك بعد أن يكونوا قد هزوا، إن لم يكن دمروا، أسس تلك الدولة ودعائمها.

هم يسيرون فى اتجاه واحد كالقطار فاقد الفرامل، هدفهم السلطة بكل تفصيلاتها وأدواتها، لا يريدون أحداً معهم يشاركهم غير بعض من حلفائهم وخدامهم، الذين سوف يلقون لهم ببعض من الغنيمة، هم يرون أنفسهم الأحق والأنسب والأصلح لهذا الدور، ومن أراد أن يبقى فليبق معهم بشروطهم، راضيا بدونية موقعه ومكانه الذين يضعونه فيه. ويمكنا أن نلاحظ أن تقسيم الأدوار بينهم يتم بشكل واضح ما بين حركة الميليشيات وهجوم الدعاة وكتائب القانونيين والمحامين المستعدين لرفع الدعاوى، إضافة إلى التهديدات بالقتل والخطف والحرق ومحاصرة المحاكم والاستوديوهات، التى لها أيضا ناسها ومجاهديها.

الأكيد أن رد فعل الناس كان مفاجئاً لهم، ومربكاً فى بعض الأحيان، لكن هذا لم يثن القيادة المتشددة عن الاستمرار فى الدفع بالأمور إلى حافة الهاوية وحدود الانفجار، وهم عندما يدعون أنهم يتراجعون فإنهم فى الحقيقة يناورون، وتكون حركتهم أشبه بالانسحاب التكتيكى استعداداً للانقضاض مرة أخرى، وهذا يبدو واضحا فى الإعلان الدستورى الأخير، الذى خرج بعد مفاوضات «جورج الخامس» مع «جورج الخامس» يوم السبت الماضى، التى حضرها شخصيات أظن أن بعضهم سوف يجد صعوبة فى تفسير موقفه بالحضور لأبنائه وأحفاده الذين سوف يدفعون ثمن هذا التواطؤ وتسهيل تسليم الوطن لجماعة تريد إقصاء الجميع. الإعلان الجديد ما هو إلا خطوة تكتيكية نتيجتها ببساطة التالى: تقديم موعد إلغاء الإعلان الاستبدادى السابق لمدة سبعة أيام، ومحاولة شق صف القضاء بتقديم تنازلات وهمية، كل ذلك من أجل تمرير الاستفتاء على الدستور الطائفى الإقصائى الاستبدادى، الذى يؤسس لدولة الجماعة القادمة، التى إن أتت وتمكنت فهى جاثمة على أنفاس هذا الوطن لقرون. قالوا قديماً «إن العند يولد الكفر»، واليوم يمكن أن نقول إن العند والإصرار على الاستبداد قد ولد بالفعل الكفر بدولة الجماعة.

قبل أن أختم هذا المقال فقط أريد أن أصحح مفهوماً، فإن الذين يقفون اليوم فى وجه الاتجاه بالدولة نحو الاستبداد لا ينبغى أن نطلق عليهم معارضين، فالمعارضة تكون فى إطار دولة مستقرة واضحة الملامح والطريق، ولكن الأصح والأدق أن يوصفوا بأنهم حراس الدولة المدنية والمدافعين عن خلق دولة كل المواطنين لا دولة جماعة تتحكم فى كل المواطنين.

حكاية من التاريخ الذى يعيد نفسه أحياناً

بقلم عبداللطيف المناوى
hitler

بينما أراجع بعض المواقف فى التاريخ، الذى يعتقد العديد من الناس أنه يعيد نفسه أحيانا لكن بأشكال مختلفة تتواءم مع الزمن، توقفت أمام جملة مهمة جداً منسوبة إلى الزعيم النازى الأشهر أدولف هتلر يقول فيها: «إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم بأنهم معرضون للخطر وحذرهم أن أمنهم مهدد، ثم شكك فى وطنية معارضيك».. هذه الجملة بدت لى كأنها «دستور» من يريد أن يقود الناس كقطيع من الخرفان لا تعلم مصيرها بل يقودهم هتلر ومن ورائه جماعته.

عُدت لقراءة جزء من تاريخ هذا «الزعيم» الملهم وجماعته، وكيف قفز إلى قمة السلطة ثم احتلها كلها – أى السلطة – ليدمر بعدها العالم ومعها بلده ألمانيا.

كان هتلر خطيبًا مفوهًا استولى على قلوب الكثيرين بضربات يده على المنصة التى كان يقف خلفها، وإشارات أصبعه التى كان يشير بها متهماً كل معارضيه، محذراً ومتوعداً وهو يلقى خطاباته، وبصوته الهادر وخطبه الحماسية. وكان يصقل مهاراته بإلقاء الخطب على الجنود خلال عامى ١٩١٩ و١٩٢٠، وأصبح ماهرًا فى التحدث إلى الناس بما يريدون أن يسمعوه منه.

كانت الاجتماعات السنوية الحاشدة يتم ترتيبها وشحن قطعان المتظاهرين إليها.

وكان هتلر يلقى بالخطبة نفسها (ويصقلها بلسانه المعسول لدرجة أكبر فى كل مرة) مئات المرات، فيلقيها أولاً أمام الجنود ثم يقوم بإلقائها فى النوادى المنتشرة فى كل أنحاء ألمانيا، والتى كان يرتادها الشعب الألمانى.

بوصول هتلر إلى زعامة الحزب النازى وصل إلى قمة الهرم السياسى فى ألمانيا، وقد وجد الدعم المباشر من أجهزة الإعلام التى أخذت على عاتقها مهمة الترويج للحزب، وذلك من أجل أن يحصد التأييد الشعبى لسياسته، فتم التعامل معه كمنقذ لألمانيا من الكساد الاقتصادى الذى تعرضت له بعد الحرب العالمية الأولى.

وصل هتلر إلى قمة السلطة بالوسائل والأدوات الديمقراطية، كانت نقطة التحول السياسى فى حياة هتلر هى فترة الكساد العظيم الذى أصيبت به (ألمانيا) فى عام ١٩٣٠. تسببت حالة الارتباك السياسى والتناحر بين الأحزاب والقوى السياسية فى هذه الفترة – وهى تفاصيل أنصح بقراءتها – إلى الدعوة لانتخابات مبكرة فى سبتمبر من عام ١٩٣٠. وفقدت الأحزاب الجمهورية المتناحرة مقاعدها فى البرلمان بينما قفز الحزب النازى من مركزه السابق كتاسع أصغر حزب فى المجلس إلى ثانى أكبر الأحزاب فيه بنسبة ١٨.٣% من الأصوات، وبعدد مائة وسبعة من مقاعد البرلمان.

تمكن هتلر بشكل أو بآخر من إحكام قبضته على مقاليد الحكم فى البلاد، وكان يعمل على فرض سياسته حتى وإن لاقى معارضة، فكانت سياسته تعتمد على قدر كبير من العنف والقوة من خلال الجستابو، وسياسة التهجير ومعسكرات الإبادة.

وافق مجلس الوزراء الذى يرأسه هتلر على قانون يهمل سلطة رئيس الدولة بعد وفاة الرئيس الألمانى وقتها، ويضعها فى يد هتلر باعتباره «فوهرر» ومستشاراً للرايخ، وبصفته رئيسًا للدولة، أصبح هتلر الآن القائد الأعلى للقوات المسلحة. وعندما حان الوقت الذى يؤدى فيه أعضاء القوات البرية والبحرية يمين الولاء التقليدية، تم تغيير اليمين التقليدية لتصبح يمينًا بالولاء الشخصى لهتلر نفسه. وفى استفتاء عام تم إجراؤه وقتها، حظيت التصرفات التى قام بها هتلر بموافقة نسبة ٨٤.٦% من الناخبين، وانتهكت هذه التصرفات عمليًا كلاً من القانون والدستور لكن لم يجرؤ أى شخص على الاعتراض على ما يحدث. وبهذه التصرفات تخلص هتلر من آخر الوسائل الشرعية التى يمكن عن طريقها استبعاده من السلطة قانونيًا، وتخلص معها من أى شكل من أشكال الرقابة أو التوازن التى يمكن فرضها على سلطته.

التفاصيل كثيرة وحياة «الزعيم» جديرة بأكثر من المساحة المتاحة، لكن أظن أنها جديرة بالقراءة لعلنا نتعظ من نهايته.

كابوس الدستور الذى «كبس» على أنفاسنا

بقلم عبداللطيف المناوى56334_660_Untitled-328

هناك لحظات لا يدرك فيها الإنسان إن كان حقاً يعيش هذه اللحظات أم هى كابوس، مثل هذه الحالة مررت بها منذ عدة أيام وكان الوقت قد تجاوز الثانية صباحا، ولم أدرك وقتها إن كنت نائما أو مستيقظا، عندما تسمرت أمام شاشة التليفزيون وهى تنقل الاجتماع الأخير للجنة التى تسمى «لجنة صياغة الدستور»، بدا الأمر كأنه كابوس، شخصياته كتلك التى تظهر فى أفلام الرعب الكوميدية، لا تعلم هل تخاف منها أم تضحك عليها.

على المنصة جلس «الرجل الكبير» يدير، لم يكن طبيعيا، بدا كأن خلفه من هو أكبر منه من وراء ستار، نشعر به ولا نراه، يدفعه لأن ينتهى من «العملية» بسرعة، فموعد التسليم – تسليم «الدستور» طبعا- قد صدر قرار بتبكيره حتى لا يستطيع الآخرون -أعداء «الكبير» و«الأكبر» منه والحاضرون – أن يقاسموهم «دستورهم». استمرت الجلسة الكابوس فى «سلق» ٢٣٤ مادة فى أسلوب تفوقوا فيه مئات المرات على برلمانات مصر جميعا فيما سبق، عندما كانت تناقش قوانين فى نهاية الدورات البرلمانية.

لا أظن أن ما حدث فى ذلك الكابوس سبق أن حدث فى أى مكان فى العالم، وهذا إنجاز يحسب لمن شارك فيه وينبغى أن يسجل كرقم قياسى جديد فى موسوعة «جينيس». دستور وطن ومستقبله فى ٢٣٤ مادة يتم تمريره فى تسع عشرة ساعة. وأرجو أن يراجع «كبير القعدة»، التى مررت الدستور، تصريحاته التى جاء فيها أن كل مادة استغرقت ٣٠٠ ساعة مناقشات، لأنه لو كان هذا قد حدث بالفعل، وكانت النتيجة ما رأيناهم يناقشونه من صياغة ركيكة فى العديد من المواد، ومناقشات سفسطائية وتعديلات كانت تجرى للمواد بأسلوب لا يمكن وصفه إلا بأنه أسلوب مهين لعقول ورغبات أبناء هذا الوطن.

ولم يخل الأمر من مشاهد كوميدية كان أعلاها عندما أعطى دور تمثيل المصريين المسيحيين الذين انسحبوا من اللجنة إلى «نيافة الأنبا محمد» فى شكل من أشكال التعبير الكوميدى السوداوى عن مفهوم الوحدة الوطنية كما يراها هؤلاء الذين قال كبيرهم إنه لم يعتبر المسيحيين منسحبين «لأننا جميعا نمثلهم». أما نقيب الصحفيين، الذى خالف قرارات الجمعية العمومية لنقابته وقدم التزامه التنظيمى للجماعة الحاكمة التى ينتمى إليها وقدمت له الكثير على التزامه المهنى والنقابى، فحضر منذ بداية «القعدة» ليكمل العدد المطلوب،

وكانت جماعته فيما يبدو قد وعدته بأنه لن يخرج بيده خاوية فسوف يحصل على نص فى الدستور لوضعه فى أعين أعضاء نقابته بأنه حقق لهم ما لم يكن ممكنا تحقيقه، لكن للأسف بعد أن أرجئ طلبه للنهاية، وبعد أن استنفد الغرض من حضوره رفضت اللجنة وكبيرها أى طلبات له، بل عايره كبيرهم بأن لديه هو شخصيا مشاكل مع نقابته.

ظل «الكبير» يفاخر بأن هذا الدستور هو الأعظم فى تاريخ الدساتير، فى حين أن القارئ بعناية له سوف يكتشف أنه يؤسس لدولة دينية ويبدأ الخطوات الأولى نحو وجود ولاية الفقيه من خلال مرجعية الأزهر، وسوف أشير إلى جزء صغير من انتقاد منظمة العفو الدولية للدستور «المسلوق»، قالت المنظمة إن «مسودة الدستور التى وافقت عليها الجمعية التأسيسية تقصر جدا فى حماية حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص، فى تجاهلها لحقوق المرأة، وتقيد حرية التعبير باسم حماية الدين، وتسمح بالمحاكمة العسكرية للمدنيين». وأشارت المنظمة إلى أن «هذه المسودة، والطريقة التى اعتمدت عليها، تأتى بمثابة خيبة أمل كبيرة لكثير من المصريين».

أجواء الكابوس الدستورى بدا من خلالها داخل اللجنة توافق و«تربيطات» مسبقة بين أبناء الفصيل الواحد والعشيرة التى حاولت أن تتماسك فى مواجهة كل الوطن، وبدا أن هناك حرصاً على عدم اختلاف الحلفاء، وبالتالى تمرير ما يريدون من خلال صياغات ملتوية تحقق أهدافهم.

فهمى المتواضع للدستور أنه لجميع الوطن لا لشقه، وأن أساسه التوافق الوطنى لا الاختطاف الذى شاهدناه ونشاهده. وأظن أيضاً أن الجماعة ورئيسها أرادوا أن ينتقلوا بصراعهم مع بقية أطياف الوطن إلى منطقة متقدمة تتجاوز إعلانهم الديكتاتورى إلى دستورهم الذى يمكنهم من ضمان الإمساك بتلابيب السلطة.

استمر الكابوس الدستورى حتى الصباح، وظللت حتى اللحظة الأخيرة متمنيا أن يكون كابوسا بحق ينتهى بأن أستيقظ، لكن للأسف ثبت لى أن الواقع الذى نعيشه قد تجاوز الكابوس كثيرا، ولا أدرى هل سنستيقظ منه قريبا أم ليس بعد؟

القوى المدنية والإصرار على الخطأ

بقلم عبداللطيف المناوى
لم يكن بإمكان جماعة «الإخوان المسلمون» أن تصل إلى السلطة إلا بمساعدة القوى المدنية، لا أقصد مساعدتها المباشرة، والتصويت لها فقط، كما فعلت بعض القوى، وإنما أيضا حالة التفرق والتشرذم، حتى فى حالة الاتفاق على أخطاء الجماعة، فإن حالة التشرذم مستمرة.

لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد، فالقوى المدنية أهدرت الفرصة التى منحها المجلس العسكرى للأطراف المتصارعة لإدارة البلاد، عندما أعلن رغبته فى الخروج من اللعبة السياسية إبان الفترة الانتقالية، وفرطت فى الجيش، الذى دخل الساحة السياسية مرغما، عندما انحاز للشرعية الشعبية، وأعلن رفضه إطلاق الرصاص على المتظاهرين حتى لو دخلوا قصر الرئاسة، وكان يبحث عمن يقف إلى جانبه، ويمكن أن نصفه بأنه كان يعانى من «رومانسية سياسية»، وكان يتوقع أن كل القوى المدنية ستلتف حوله،

لكنه فوجئ بعشرات الأحزاب، وأكثر من ٣٠٠ ائتلاف شبابى، كل منها يبحث عن الزعامة، ويقول إن الثورة تخصه وحده، ولا يريد أن يستمع إلى الآخر، وفى ظل هذا التفتت والتشرذم والاقتتال، كان الإخوان ببراجماتيتهم جاهزين للقفز، وركوب الثورة، وإقناع المجلس العسكرى بأنهم سيدعمونه إذا احتاج إلى دعم شعبى أو مظاهرات مؤيدة، وأنهم الأكثر تنظيما والأجدر بإدارة البلاد.

القوى المدنية التى تجمعت فى ميدان التحرير من بعد يوم ٢٨ يناير، استمرت حتى يوم ١١ فبراير ٢٠١١، دون أن تتفق على قائد واحد، واعتبروا أن هذا شىء جيد حتى لا يخطف أحد انتفاضة الشعب، لكن الأيام كشفت أن الإخوان كانوا جاهزين بالتنظيم وبكوادرهم، وهو ما حدث بالفعل.

خطأ القوى المدنية فى عدم التوحد خلف فصيل واحد أو قائد واحد، أضر بالمكتسبات التى خرجت بها هذه القوى بعد ١١ فبراير، فحتى الثورات التى تحولت إلى دموية، مثل الثورة الفرنسية، انطلقت من مبادئ واضحة وأهداف تسعى إلى تحقيقها، وتوحدت خلف قادة محددين، كما أنها سبقتها حركة تنوير كبيرة، أما فى مصر فكانت هناك رغبة فى التغيير، دون صياغة ذلك بشكل واضح، وكنت قد كتبت عن ذلك عقب الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠، وتحدثت عن ضرورة التغيير، وقلت إن التغيير هو فعل إما أن تقوده أو يقودك، هو كالحصان الجامح إما أن يجرك أو تروضه،

وإن قيادة الواقع مرتبطة بطرح مفهوم التغيير على أرض الواقع، وبالتالى استمرار الاستقرار فى المجتمعات الكبيرة، الاستقرار بمفهومه الأشمل، ونبهت إلى أن «استمرار التقدم إلى الأمام هو أن نقود نحن التغيير، ونروض هذا المفهوم بدلا من أن نجد أنفسنا مجرورين خلف مفهوم التغيير الذى إذا تحسسنا منه فإنه سيكون هو من يقود وليس نحن من يقوده».

لكن المشكلة الحقيقية أن من توقف عن السمع هذه المرة ليس الجماعة الحاكمة فحسب، بل القوى المدنية، التى يمكن أن نطلق عليها القوى المعارضة، فهى ما زالت تصر على نفس الخطأ الذى ارتكبته يوم ١١ فبراير ٢٠١١، والخطأ الذى ارتكبته فيما بعد فى الانتخابات البرلمانية التى جرت أواخر عام ٢٠١١، ثم الخطأ الأكبر الذى ارتكبته فى الانتخابات الرئاسية التى جرت منتصف العام الجارى، حيث تفتتت وتشرذمت وتفرقت، ويبدو أنها ما زالت مصرة على هذا التفتت والتشرذم والتفرق، دون أن تتعلم الدرس، ودون أن تعى أن ذلك يعطى الفرصة الأكبر للجماعة الحاكمة لتثبيت أقدامها أكثر فى حكم البلاد.

مصر مقبلة على حدث كبير، إذا أصر الإخوان والسلفيون على تمرير الدستور بشكله الحالى المعادى للحريات، والمنحاز لدولة دينية على حساب المدنية، فإن الاستفتاء القادم هو التحدى الحقيقى أمام القوى المدنية فى حشد كل طاقاتها وتوحيد صفوفها من أجل رفض هذا الدستور، ورفض تمريره.

النقاش المجتمعى، ومحاولات عقد لقاءات مع بعض قادة الأحزاب المعارضة، ليس إلا صيغة أخرى لإقناع المواطنين بأن هناك موافقة عامة على هذا الدستور، رغم أن هذا يخالف الحقيقة، وعلى القوى المدنية إدراك أن مصير دستور مصر القادم، ليس فى يد الحزب الحاكم، بل فى يدها هى، فقط إذا توحدت.

التحرش السياسى والمستقبل المجهول

بقلم عبداللطيف المناوى
فى مقال سابق تحدثت عن الأساليب المختلفة التى تتمكن بها الأنظمة التى اتخذت من الإسلام السياسى غطاء للسيطرة والحكم، ومن بين هذه الأساليب ما يوصف بأنه خلق لمناخ أزمة مستمر، للتمكن من الاستمرار فى القبض على مقاليد الحكم، وبالتالى فإن اعتماد أسلوب التحرش السياسى كأحد الأساليب المتبعة لتغطية العجز أو الفشل فى إدارة الدولة هو أحد أكثر الأساليب اتباعا فى مثل هذه الأحوال، وللأسف يبدو أن اللجوء إلى هذا الأسلوب قد بدأ مبكرا فى حالتنا، وأقول للأسف، لأن هذا الوضع هو آخر ما كنا نحتاجه فى ظل الوضع الاقتصادى الخطير الذى تعانى منه مصر، وتبعاته الاجتماعية والسياسية.

أى نظام كان سيتولى أمور مصر الفترة الماضية كان سيواجه حقيقة كبيرة ماثلة أمام من يفهم فى السياسة وإدارة البلاد أو لا يفهم، هذه الحقيقة تتكون من شقين: الأول أزمة اقتصادية كبيرة بدت ملامحها الأولى منذ البداية وتوقعات تأزمها وتعقدها بشكل أكبر واضحة، والشق الثانى هو ما بدا واضحا من حالة الانقسام والتمزق التى يعانى منها الوطن فى أعقاب الانتخابات. العقل والحكمة والوطنية تقول إن أى نظام كان سيتولى فى ظل هذه الظروف سيلجأ فورا إلى التعامل مع هاتين المشكلتين إذا أراد أن يحقق نجاحاً يصب فى صالح الوطن، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، وللأسف – مرة أخرى – كان هذا هو المتوقع من قوى الإسلام السياسى عندما تتحكم، فهذا بالضبط ما حدث من قبل من أمثالهم فى بلاد أخرى.

بدلاً من مواجهة المشكلة الكبرى المتمثلة فى الأزمة الاقتصادية بالتعامل المباشر معها وفتح الباب أمام عقول الأمة وإمكانياتها للتعاون ومواجهة الخطر المقبل، انشغل أتباع وأعضاء القوة الحاكمة فى السعى نحو تحقيق الغنائم السريعة وخلق جماعة مصالح جديدة، وفقاً لأسلوبهم وفهمهم لمعنى الاقتصاد، وهو المعنى الذى اختصروه فى مفهوم التجارة وكيفية تحقيق الربح الشخصى السريع، ووجد هذا صدى واضحاً عند العديد من المنتفعين بأى نظام على مر العصور.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تنظيمهم السياسى استغل الأزمة لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، مستفيداً من إمكانيات الدولة، وليست أزمة أنابيب البوتاجاز بعيدة عن الذاكرة عندما اشتكت قيادات وزارة البترول من أن أعضاء الحزب الحاكم يستولون على جهد العاملين بالدولة فى حل الأزمة، كى يظهروا هم بمظهر من يحل الأزمة. وبدلاً من أن يواجه النظام الجديد، الذى تمكن من تلابيب البلاد، الأزمة بالدراسة والبحث عن طرق للحل، تصرف كما يتصرف التلميذ «الخايب» الذى يتشاغل بصغائر الأمور بدلا من مواجهة الحقيقة بأنه يواجه امتحاناً، فيبحث عن أسباب واهية لتشغله ومعارك وهمية وأسباب يعلق عليها فشله، ويفعل أى شىء إلا مواجهة الاختبار والتحدى.

وبدلاً من خلق حالة من الاستقرار والثقة فى العلاقة مع المستثمرين المصريين والعرب والأجانب، بدأوا حرباً تخويفية لا تصب إلا فى مصلحة أتباعهم الذين أشرت إليهم فى البداية من أولئك الذين يستغلون الوضع القلق والمتوتر، لاصطياد وقنص الممكن من الأعمال والاستثمارات التى يسعى أصحابها إلى التخلص منها، فى ظل تلك الأجواء المتوترة.

وبدلا من خلق حالة ثقة مع دول الجوار والمجتمع الدولى دخلنا فى مناطق من عدم الثقة والتوتر، مما دفع تلك الدول إلى التحفظ فى القيام بأى دور يدفع الاقتصاد المنهار. وفى أسلوب وخطوة غير مفهومة وغير منطقية يخرج رئيس النظام ليتحدث عن فتح حساب «التطهر»، وهذه الفكرة رغم ما تحمله من ملامح كوميدية إلا أنها تحمل فى طياتها بذور الكراهية والصدام الاجتماعى بين أبناء الوطن دون أسباب حقيقية، وكأنه يرجع سبب الفشل الكبير فى إدارة الشأن الاقتصادى إلى من يطالبهم بالتطهر دون أن يضع ملامح واضحة لحل أزمة العلاقة بين كل الأطراف المتورطة برغبتها أو دون رغبتها فى هذه العملية «التطهرية».

أما الشق الآخر، الشق السياسى، فقد دخل النظام الجديد على أمة منقسمة، وبدلاً من أن يعمل على سد الفجوة، استغل الوضع لتأكيد حالة الانقسام، لينفرد بالسلطة ورأسها مقصياً ومعادياً كل الجماعات السياسية.

هذه الأجواء هى أجواء أزمة قد تساعد التيار الحاكم على الاستمرار فى مقاليد الحكم، حيث إن خلق الأزمات هو إكسير الحياة والاستمرار لمثل هذه الأنظمة، لكن الأكيد أن الوطن – كل الوطن – يتجه بهذه الإدارة الفاشلة إلى مستقبل مجهول.

تناقضات الفعل والأقوال

بقلم عبداللطيف المناوى

نعيش حالة واضحة من التناقض بين ممارسات الواقع ولغة الخطاب الرسمى، ويبدو أحيانا – أو فى كثير من الأحيان – أن هذا التناقض مقصود، وليفهم من عليه أن يفهم الرسالة الواضحة لهذا التناقض الحاد بين مستوى القول ومستوى الفعل، وكما اختصر أجدادنا هذه الحالة فى المثل الشعبى العبقرى الذى يقول «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب» يبدو أن الاستعجاب بات نصيبنا.

هذا التناقض الذى أتحدث عنه هو تناقض يغذى حالة الخوف على المستقبل.

الخطاب الرسمى فى مصر يرفض التفرقة بين المصريين ويدّعى هذا الخطاب أنه نظام كل المصريين، وعندما ننظر إلى واقع الممارسات التى لا تكذب نجد أن التفرقة بين المصريين على أسس الهوية والعقيدة الدينية والسياسية وصلت الآن إلى مدى الارتباط بالجماعة والولاء لها. لا أظن أن الكثير منا يجد أن الخطاب الرسمى يشكل واقعا حقيقيا على الأرض.

يتحدث الخطاب الرسمى عن إدانة التجاوز فى حقوق المصريين، لكن فى ذات الوقت نشهد حجما واضحا لممارسة هذه التجاوزات. ينفى الخطاب الرسمى وجود أى اتجاه للمساس بالحريات الشخصية، ولكن نجد قدرا كبيرا من السلوك المناقض. ومع وجود جماعات الأمر بالمعروف فى عديد من المدن، وتمتعها بغطاء من غض الطرف من الحكام الجدد – لم نجد موقفا حادا «خشنا» واضحا يدفع هؤلاء المنضمين لهذه الجماعات للتفكير مائة مرة قبل أن ينطلقوا فى الشوارع يفرضون ما يعتقدون هم أنه صحيح الدين الذى على الآخرين اتباعه، بأساليب ضد القانون، بل يُنتزع القانون من السلطة المختصة بل من الدولة.

يتحدث سادة الجماعة عن أنه لا تفرقة بين المصريين ويؤكد رئيسهم أنه لكل المصريين، ولكن على الأرض كان مفهوم الأهل والعشيرة هو السائد والحاسم فى شكل العلاقة مع المصريين. لذلك وجدنا هذا القدر من «التطهير» السياسى والإقصاء، وبات من هو قريب أو حليف أو خادم أو عضو فى الجماعة هو من له الحق فى كعكة الوطن.

من بين دلائل هذا التناقض الرئيسى بين القول والفعل تلك التأكيدات على حماية الدولة لمواطنيها، كل مواطنيها، بينما تترك بعضاً ممن يفترض أنهم من مواطنيها يقف فى مواجهة التطرف الأعمى، وهنا أشير إلى ما تعرض له بعض العائلات من تهجير من منازلهم رأته دولة الجماعة ليس تهجيرا بل هو تحقيق لمبدأ الحرية، لأن هذه الأسر اختارت أن تترك منازلها بمحض إرادتها.

صحيح أنه تحت الهجوم الإعلامى خرجت تصريحات ترفض هذا السلوك وتؤكد حق العائلات فى العودة إلى منازلهم ولكن الضرر كان قد وقع.

شاركت الأيام الماضية فى لقاءات فى نيويورك حول مفهوم الدولة المدنية والدولة الدينية، لن أتطرق هنا إلى ما دار من نقاش، ولكنى سأتوقف أمام جملة مهمة ذكرها منظم وراعى اللقاء ماجد رياض، المحامى المصرى المعروف هناك، هذه الجملة تلخص الأسلوب الأمثل لحل هذه المتناقضات التى يمارسها حكامنا الجدد، وذلك فى إطار رده على شيخ شارك بكلمة فى اللقاء تحدث فيها عن أن المسلمين فى ظل الدولة المسلمة سوف يحمون الأقباط، وكانت الجملة مفتاح الرد «نحن لا نريد دولة يحمينا فيها المسلمون، نحن نريد دولة يحمينا فيها الدستور والقانون».

أنا أظن أن هذا المفهوم لو ساد فسوف يكون فيه حل هذا التناقض نسبيا. نحن نريد دولة قانون ودستور لا دولة جماعة وأتباعها. دستور وقانون ينظمان العلاقات بين أصحاب الوطن – كل المواطنين – لا قواعد الإجارة بين القبائل، هذه دولة عمرها آلاف السنين، ولو علم من يحكمونها ذلك لاختلف السلوك المتناقض الذى نعيشه ونعانى منه.

نقيصة «الإنكار».. تهجير الأقباط نموذجاً

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى أهم المشكلات التى تعانى منها المجتمعات وتحول دونها ودون التقدم هى ما يطلق عليه «الإنكار»، والمقصود بهذا التعبير هنا هو رفض الاعتراف بالواقع أو المشكلة والبحث عن مسميات أخرى لها تكون أخف وقعاً، أو المكابرة بعدم وجود الأزمة أو المشكلة من الأساس. وللأسف فإن هذه العادة متأصلة فى مسؤولينا منذ فترة طويلة، ولكن الملاحظ أنها أكثر حضورا منذ تولت الجماعة مقاليد الحكم وفازت بالغنيمة.

ويمكننى الغوص طويلا فى هذا المرض المتأصل بإنكار الواقع والبحث عن «شماعات» أخرى تخصص المسؤولون الحاليون فيها، ولكننى سوف أتوقف فقط عند ذلك الحادث المخيف بحق الذى تمثل فى عملية تهجير قسرى لعائلات مصرية من بيوتها لا لشىء إلا لأنهم أقباط، ولم يأخذ هذا التصرف الخطير حقه باتخاذ إجراءات واضحة من مسؤولى الحكم الجدد، بل إن ما حدث هو ممارسة لداء الإنكار، وها هو الدليل فى تصريح الدكتور هشام قنديل، رئيس مجلس الوزراء، الذى نفى فيه وجود أى ترحيل للأقباط فى رفح.

والقصة الحقيقية أن تسع أسر قبطية غادرت المدينة بعد تلقيها تهديدات بمنشورات تهاجم الأقباط. وتلقت بعض الأسر تهديدات بالقتل، وقيل لهم «ارحلوا أيها الأقباط.. وإلا فسوف تندمون»، ولا أظن أننا نحتاج لأن نقول من الذى وجه هذا الإنذار.

الغريب أن مثل هذا الموقف حدث من قبل فى العامرية وبعض قرى الصعيد وخرجت تصريحات وقتها تفيد بأن خروج الأقباط لم يكن عنوة بل هم الذين اختاروا الخروج، وهنا لا أدرى ما المفهوم الذى يرضى به المسؤولون الجدد لمفهوم العنوة، أليس الترهيب والتخويف هو أحد أهم أساليب الطرد؟! أليس التهديد بالقتل إرهاباً يدفع للفرار، وهنا يسمى طرداً ومطاردة وليس فقط مجرد تهجير؟ وتكتمل الكارثة عندما يجد مسؤول القدرة بل الجرأة على الالتفاف والإنكار ليسمى الأشياء بغير أسمائها وينكر ما لا تخطئه العين أو ينكره العقل.

وهنا سوف أستعير ما جاء منسوباً للمجلس القومى لحقوق الإنسان تعليقاً على جريمة التهجير من أن «تبريرات بعض أجهزة الدولة حول أن رحيلهم جاء بناء على طلبهم، ليست مقبولة، لأن أبسط مسؤوليات الدولة هى أن توفِّر الحماية لمواطنيها، وأن تضمن لهم حق السكن الآمن، والحماية من أى مخاطر تهددهم، وأن تخلى الدولة عن هذه المسؤولية سوف يشكل سابقة خطيرة فى مصر، ويعود بنا إلى عصر الغاب بدلاً من دولة القانون».

نعم أيها السادة، العودة إلى عصر الغاب هى النتيجة الطبيعية التى يمكن أن تحدث عندما يغض النظام – أى نظام – الطرف عن الإساءة للمواطنين على أساس دينى أو عرقى، نعود لعصر الغاب عندما يهادن النظام – أى نظام – الإرهابيين والمتطرفين ليتحالف معهم ويغض الطرف عما يفعلون، وفى أقصى الأحوال يسمى جرائمهم الإرهابية «تجاوزات إجرامية».

إحدى المخاطر الكبيرة التى نعانى منها هذه المرحلة هى ذلك التراجع المخيف لمفهوم المواطنة، وعملية التشويه المستمرة والمتعمدة أحيانا لهذا المفهوم. إذا كان الحكام الجدد يتحدثون عن الديمقراطية فإن أول شروطها هو المساواة بين المواطنين، كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين، وهنا أتحدث عن مواطنى هذا الوطن وليس الطامعين فيه، وترهيب المصريين فى سيناء الذى بدأ على خلفية دينية ليس بعيداً عن مخاطر تفجير الوضع فى سيناء.

حتى لا نشهد سيناء «وزيرستان» أخرى

بقلم عبداللطيف المناوى

مازال الخطر يحوم حول سيناء، فى المقال الماضى تناولت قضية تبادل الأراضى مع إسرائيل، واليوم أتناول قضية أخرى غاية فى الأهمية، وكما أقول دائما إن سيناء يمكن أن تكون الرصيد المهم للوطن، ويمكن أن تكون قنبلة موقوتة، والفيصل هو أسلوب التعامل.

اهتمت وكالة «الأناضول» التركية للأنباء بإجراء حوار مع قيادى سلفى، وصفته بأنه وثيق الصلة بالتنظيمات الإسلامية المسلحة فى سيناء ويدعى «حازم المصرى»، لم يزعجنى تلويحه باستهداف الجيش المصرى، ولا اعتبارهم أن اشتباكاتهم – كما أطلق عليها – مع الجيش أو الشرطة هى «دفاع شرعى عن النفس» لا يقومون به إلا للضرورة، محذراً الجيش من التمادى فى الخوض فى المستنقع السيناوى والاشتباك مع الجهاديين، لكن ما أزعجنى هو تلويحه بأن تتكرر تجربة «وزيرستان»، فى إشارة إلى المنطقة القبلية على الحدود الأفغانية الباكستانية.

حسب ما أعلم فإن الجيش فى تعامله مع الجماعات الإرهابية هناك يحاول قدر المستطاع عدم استهداف الأرواح بقدر الرغبة فى محاصرة هذه الجماعات وإجبارها على تسليم أنفسهم ليسلمهم إلى سلطات النظام الحاكم فى مصر حاليا، غير أن الاقتصار فى التعامل مع هذا الملف الشائك فى سيناء على الجانب العسكرى هو تكرار للخطأ التاريخى الذى وقع فيه النظام السابق فى الاقتصار على التعامل الأمنى، الخشية هنا من خلق حالة ثأر بين بعض أهل سيناء والقوات المسلحة، وهذا الثأر سوف يعنى حالة من نزيف الدماء لسنين طويلة، وسوف تساعد على ذلك الطبيعة الجغرافية الصعبة للعديد من مناطق سيناء، إضافة إلى الحالة التى تعيشها مصر فى هذه المرحلة من فتح أبواب السجون والحدود لكل أطياف الإسلاميين والمحسوبين عليهم من العقلاء والإرهابيين، وأيضا ذلك التدفق للأسلحة والجماعات عبر الأنفاق والحدود بطريقة تثير الريبة، واستقبال أشخاص عرف عنهم ارتباطهم بتمويل الحركات الإسلامية الجهادية وعملياتهم بمختلف مستوياتها – استقبالا مثيرا للاهتمام فى العاصمة المصرية، عندما يكون هذا هو الحال وعندما يفلت جزء من أرض مصر من السيطرة المصرية الخالصة – إذا لم يكن هذا قد حدث جزئيا بالفعل – عند كل هذا فإننا يجب أن نتوقف بقلق حقيقى أمام المخاوف من ضياع سيناء وتحولها إلى «وزيرستان» أخرى.

«وزيرستان» الأصلية منطقة جبلية فى شمال غرب باكستان على حدودها مع أفغانستان، وهى ذات طبيعة جبلية وعرة. استقلال المنطقة ذاتيا مع ضعف السيطرة الحكومية عليها، لم يكن وليد اللحظة الحالية ولم يأت نتيجة انقلاب أو ثورة على نظام معين، بل إنه طبيعة للمنطقة منذ الأزل.

التركيب السكانى والقبلى لوزيرستان متشابك ومعقد جدا، فسكان المنطقة مكونون من ثلاث قبائل رئيسية، هى: «محسود، ووزير، وبهتانى»، إضافة إلى بعض القبائل الصغيرة.

سيطرت حركة طالبان على أفغانستان بعد هزيمة السوفيت وبدأ ظهور تنظيم القاعدة. تأثرت منطقة وزيرستان، وتعاطف الكثير من أبناء القبائل بشكل خاص مع حركة طالبان، ومع ضعف السيطرة الحكومية أو انعدامها أصلا، تكونت بيئة صالحة لتخريج متطرفين مستقبلا. مع انهيار نظام حركة طالبان فى أفغانستان فى أكتوبر ٢٠٠١، على يد قوات التحالف بقيادة أمريكا، كانت كهوف وجبال وزيرستان الأماكن الأكثر أمانا لبقايا حركة طالبان وتنظيم القاعدة.

شهدت المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان هجمات ضارية من جانب الجيش الباكستانى تدعمه القوات الأمريكية فى الفترة ما بين مارس ٢٠٠٤ وسبتمبر ٢٠٠٦، فى محاولة للسيطرة على المنطقة واستئصال الحركات المتطرفة منها، إلا أن معظم هذه الهجمات المتعاقبة فشلت فى تحقيق أهدافها.

هذه البؤرة لم تعد مجرد ملاذ آمن لمتطرفى حركة طالبان وتنظيم القاعدة، بل تحولت إلى «مركز تدريبى دولى» معتمد لدى الجماعات الإرهابية تنطلق منه إلى أهدافها، لا نريد مركزا آخر فى مصر يكون المتسبب فيه تكرار أخطاء الماضى، ووضع مصلحة «التنظيم» فوق مصلحة الوطن.

مخططات الإشغال بعد ركل السلم الخشبى

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى المقولات السائدة أن تيار الإسلام السياسى يستخدم الديمقراطية وأساليبها كالسلم الخشبى المتحرك، يستخدمه ليصعد به إلى السلطة والسطوة، وما إن يصل إلى هدفه يركل السلم الخشبى بقدمه، فلا هو نزل عن السلطة ولا غيره صعد إليها. وحتى الآن، التجارب التى رأيناها ونراها حولنا تؤكد هذا المفهوم، ومقدمات ما نراه حتى الآن لدينا تؤكد أيضا هذا التخوف.

إحدى الدول التى سيطرت عليها القوى الدينية، وهى إيران، تنصل قادتها الدينيون من التزاماتهم بعدم التدخل فى السياسة أو ممارسة أى دور سياسى فى أقل من أسبوعين بعد سقوط الشاه، وانتهى الأمر بإيران إلى ما نراه اليوم، ولكن هناك فارقاً رئيسياً فى النموذج الإيرانى، لأنها دولة غنية وتمتلك قاعدة اقتصادية قوية من أيام حكم الشاه، إضافة إلى وزنها فى سوق البترول العالمية.. هذا الوضع الاقتصادى القوى ريعيا ساعد النظام فى السيطرة على الأمور، ومكّنه من تجاوز الآثار السلبية لركله السلم الخشبى بتلك الإمكانيات الاقتصادية، فالحاجة الأولى للشعوب هى إمكانية العيش الآمن اقتصاديا، والقدرة على تجاوز أى ضغوط اقتصادية يمكن أن تمارس دوليا، وشراء حلفاء وعملاء محليين ودوليين، وضع إيران الاقتصادى هو ما مكّن نظام الملالى فى إيران من الاستمرار أكثر من ثلاثين سنة حتى الآن.

الأسلوب الثانى للاستمرار فى السيطرة على مقاليد البلاد إذا ما كان هذا البلد يعانى اقتصاديا ـ وهناك نموذج جار لنا ـ هو حل المشكلات كلاميا، واختلاق الأزمات الداخلية والخارجية التى تشغل الرأى العام أو تخلق داخله حالة من الإحساس بالخطر أو المساس بالكرامة الوطنية التى يختزلها أفيال النظام السياسى الحاكم، فيعطى لنفسه مبرر البقاء والتشبث بالسلطة إلى الأبد أيا كان الثمن، ويتماثل النموذجان الغنى والفقير فى اتجاههما بأساليب مختلفة نحو السيطرة الكاملة والاستحواذ والتمكين من كل مفاصل الدولة، مع استبعاد الآخرين المختلفين والمعارضين وتضييق مساحات التعبير والتأثير فى الرأى العام.

إكسير الحياة لمثل تلك الأنظمة هو اختلاق المشكلات والأزمات التى تمكّنه من استمرار السيطرة والإقصاء للآخر، ولا بأس هنا من خلق أزمة حقيقية مع جزء من نسيج الوطن لخلاف دينى أو عرقى، ولتشتعل أزمة أو حربا ثمنها انفصال واقتطاع جزء من الوطن، وهذا حدث بالفعل وضاع جزء من الدولة ولكن بقى النظام. تتعرض مثل هذه الأنظمة لضغوط ومخاطر خارجية، بل تسعى حتى إلى افتعال الأزمات لخلق هذه الضغوط الخارجية التى تدفع المواطنين إلى تجاوز أزماتهم الداخلية والالتفاف حول النظام القائم حتى لو كان فاشيا ديكتاتوريا، لأنه يتعرض لخطر خارجى والالتفاف حوله ودعمه هو التزام وطنى، لأن الكرامة الوطنية تم المساس بها، ونجح النظام فى خلق الإحساس بالخطر.

مثل هذه الأنظمة التى تسعى بالأساس إلى السيطرة والاستمرار فى الحكم أيا كان الثمن تسلك كل الطرق لتحقيق هذا الهدف، هدف الركل بالسلم الخشبى أيا كان اسمه، ديمقراطية أو ثورة أو انتفاضة، لينفرد التيار بالجلوس وحده، فلا غيره صعد ولا هو نزل.

هناك من سيبادر بمناقشة هذا الرأى بأن النموذج التركى يختلف، وهذا حديث آخر يطول فى وقت آخر، ولكن ما يمكن طرحه الآن هو أن النظام التركى ليس نظاما يسيطر عليه تيار الإسلام السياسى، بل إن تركيا – كما قال قادتها – هى دولة مدنية علمانية، يحكمها حزب سياسى مدنى ذو ملامح دينية، أساس عقيدته الحفاظ على مدنية وعلمانية الدولة.

الوطن ما بين استهانة الجماعة الحاكمة وتخلى النخبة

  بقلم   عبداللطيف المناوى Image

أثار المقال الأخير ردود فعل متعددة بين العديد من القراء والأصدقاء، سواء عبر موقع الجريدة أو وسائل الاتصال الاجتماعى، أو الاتصال المباشر. استغربت فى البداية من حجم رد الفعل، خاصة أننى أعتقد أن الكثير مما كتبت من قبل كان يحمل نفس التوجه والآراء، لكن عندما عدت وراجعت ما كتبت اكتشفت أن أكثر ما قد يكون سببا فى توقف العديد من القراء أمامه هو المواجهة الواضحة بلا قفازات لحقيقة الخطر الذى تتعرض له مصر، ليس بغرض خلق حالة من التخويف، لكن بغرض الحوار الوطنى الحقيقى، الذى لا يستثنى أحدا من أبناء هذا الوطن من الحق فى الحوار والاختلاف.

وقد يكون من أكثر ما استوقفنى تقديرا هو ذلك التعقيب الذى كتبه قارئ للمقال على مدونتى، أذكر اسمه الأول، لأننى لم أستأذن فى نشر اسمه كاملا، وهو يبدو مما كتب أنه مؤيد للرئيس وداعم له، اسم القارئ «على» وقد علق قائلا: مع اختلافى الشديد مع مظاهرات ٢٤ أغسطس إلا أنه كان يجب أن يكون التعامل معها بما يدل على أن هناك ثورة قد قامت وليس تغييراً حكومياً جاء بأغلبية برلمانية أو معبرا عنها، ومع اتفاقى الشديد مع الدكتور مرسى إلا أنى أختلف مع من يحركه من تحت الستار (الجماعة)، وأرجو أن تسير الأمور فى مصر فى طريق مدنية الدولة مع حكم مرسى لأربع سنوات، نستطيع أن نختار بعدها من بدائل أفضل مما كان، ومع اختلافى معك يا أستاذ عبداللطيف فى التوجه السياسى إلا أن كل ما ذكرته يستحق الاحترام والتقدير والنظر إليه على أنه دفاع عن الحرية والمدنية، وفى النهاية نحن ندافع عن القيم نفسها، مع اختلاف التوجهات وليس الأيديولوجيات.

انتهت وجهة نظر القارئ الكريم، وما أقدره هنا هو التقاطه الفكرة الرئيسية التى دائما ما أنادى بها، دون أن تجد أذناً صاغية لدى الجماعة الحاكمة، وهى قبول الطرف الآخر، وإقامة حوار حقيقى يهدف إلى الوصول إلى مناطق اتفاق، ولا يدعم التناحر والاختلاف، بل الاقتتال فى كثير من الأحيان. ما نراه الآن على الساحة السياسية هو قدر ملحوظ من الاستهانة بالآخر، وما لم يقرأه هؤلاء ـ الذين يستهينون ـ أن هذه الصفة كانت من الصفات الرئيسية التى كانت سببا فى انهيار النظام السابق.

ولا يمكن حل هذه الإشكالية بإجراءات شكلية مضحكة بالإعلان عن فريق من المساعدين يتلوهم فريق من المستشارين، استغربت لقليل من الأسماء وردت بينهم كيف وافقت أن تكون تجميلا لواقع مازال يبدو بعيدا جدا عما يؤمنون هم أنفسهم به، وهذا الفريق ـ أو الفريقان ـ لم يتوقف أحد، ليناقش عدم مطابقته مع ما التزم به مرشح الجماعة للرئاسة أثناء الانتخابات، وما تلى من تصريحات فى الأيام الأولى بأنه سيكون هناك نواب للرئيس يمثلون أطياف الشعب، فانتهى الأمر إلى مجموعتين من الأشخاص بعضهم «يمثل» دور المساعد، والآخر «يشخص» دور المستشار، أما منصب النائب فقد كان محجوزا لمن هو من الجماعة تنظيما أو انتماء، لتثبت الجماعة مرة أخرى ما لم يعد يحتاج إلى إثبات، وهو عدم الالتزام بما يعدون.

لا ألوم فقط القائمين على شؤون الجماعة، وبالتالى شؤون البلاد التى سيطروا عليها، لكنى ألوم تلك المجموعة التى احتلت قسرا موقع النخبة، أولئك الليبراليين والمقيدين فى كشوف الليبراليين، الذين تخلوا عن الذين يفترض أنهم يقودونهم، طمعا فى تحقيق مكاسب قصيرة النظر شديدة الشخصية، أو خوفا من الصدام مع من باتوا يملكون القدرة على جعل حياتهم أكثر صعوبة أو أكثر يسرا. المتابعة لما تسود به صفحات الصحف الآن ويشغل ساعات الفضاء تكشف بوضوح كيف بات التحول سلوكا طبيعيا، حتى إن الناس ما عادوا يستغربون هذا التحول. هؤلاء يتحملون بالقدر نفسه مسؤولية ضياع الوطن الذى كنا ننشده، وطنا مدنيا لا دينياً ولا عسكرياً، بل بلد يكون مفهوم المواطنة هو فيه الأساس، وليس خانة الجنس أو الديانة فى بطاقة الهوية هى المعيار.

الدفاع عن الحرية والمدنية لن يكون متيسرا، إذا ما ظل غياب النخبة أو تغييبها، وإذا ما استمرت حالة النفى والاحتكار والاستحواذ هى سلوك الجماعة الحاكمة، والخاسر هو الوطن الذى لن يكون كما حلمنا به لنا ولأبنائنا