وهم التعددية الحزبية «٢»

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قبل الاستدراك فى الحديث عن دلالة نتائج الانتخابات الأخيرة التى شهدتها مصر والحكم من خلالها على مدى قوة مفهوم النظام الحزبى، وقبل الإجابة عن السؤال ما إذا كانت مصر تمتلك بالفعل أحزاباً بمفهومها العلمى الصحيح.. قبل كل ذلك فإنه من المفيد مرة أخرى التوقف عند بعض الموضوعات الرئيسية التى يمكن أن تساهم فى تفسير ما يحدث، واليوم سوف أتوقف عند مفهوم حزب الأغلبية، أو التنظيم السياسى الواحد، أو الحزب الحاكم.

المجتمع المصرى تحكمه حقيقة طبيعية تقول إن هذا المجتمع هو مجتمع نهرى، نشأ منذ بدايته على أساس وجود سلطة صاحبة سطوة، تحولت فيما بعد إلى سلطة مركزية لواحدة من أوائل الدول المركزية فى تاريخ البشرية المعروف. وتفسير هذا ببساطة يعود إلى تسليم من عاشوا على النهر منذ البداية بأهمية وجود سلطة أعلى تنظم توزيع المياه على من يعيش حول النهر، وبالتالى تمتلك هذه السلطة قوة التنظيم والحفاظ على انتظام وأمن مصدر الحياة الجارى فى النهر، وبالتالى تبدأ جباية الضرائب، وتتكون السلطة المركزية، التى يبدأ كل من يعيش حول النهر ويستفيد من مائه فى أن يحتفظ بعلاقة طيبة معها، ولا بأس من نفاقها والتقرب منها، وقد يكون الأفضل محاولة التسلل إلى داخل نسيجها ليكون جزءاً منها.

ما فات ليس مقدمة فلسفية لا معنى لها، لكنه محاولة لشرح طبيعة العلاقة التاريخية الحاكمة بين المواطن والدولة فى المجتمعات النهرية كمصر، ولماذا كانت هذه العلاقة فى معظمها هى علاقة ود من طرف واحد فى معظم الأوقات. هذه العلاقة هى التى أفرزت مفهوم وواقع الدولة المركزية، وظل الحال دائماً يتمثل فى وجود تلك القوة المركزية المتواجدة عادة فى عاصمة البلاد أو عواصم الأقاليم، وكانت هذه العلاقة أشبه بمغناطيس قوى يمثل المركز الذى تدور فى مجاله بقية أطراف المجتمع، ليبدو المشهد وكأنه تنظيم لمجرة تتوسطها تلك القوة المغناطيسية الجاذبة الهائلة، التى هى فى نموذجنا قوة الدولة المركزية.

مع تطور نظام الدولة وبالتالى النظام السياسى أصبحت هناك ترجمة مختلفة لآليات هذه العلاقة، وسوف أقفز على هذا التطور لأصل إلى ما أريد الحديث عنه اليوم، وهو «الحزب المسيطر»، سواء كان تنظيماً سياسياً واحداً أو حزباً حاكماً، وفى حالتنا فقد مررنا بكلا الشكلين، وكلاهما أدى لنتيجة واحدة، فقد عشنا مرحلة التنظيم السياسى الواحد الذى بدأ بعد الحركة المباركة التى أصبحت ثورة يوليو، فتأسست «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣ وتم إلغاؤها، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤، وعبرت هذه التنظيمات كلها عن مفهوم وقوة الدولة المركزية، لذلك كانت القطب الذى جمع حوله معظم شرائح المجتمع، ليس عن اقتناع بالطرح السياسى، ولكن كترجمة مباشرة لمفهوم التقرب إلى السلطة المركزية الحاكمة.

ولم يستطع تغيير النظام السياسى إلى مفهوم التعددية الحزبية أن يغير طبيعة هذه العلاقة، وهذا يفسر لماذا ولد حزب مصر العربى الاشتراكى حزباً حاكماً، وكان امتداداً للتنظيم السياسى السابق له، ولم يكن من الغريب تلك الهجرة الجماعية التى حدثت من حزب مصر إلى الحزب الوطنى الذى أنشأه السادات، بل كان الغريب هو أن نستغرب تلك الهرولة إلى الحزب الجديد، إنه يعد سلوكاً طبيعياً إذا ما وضعناه فى إطار التفسير والفهم لطبيعة العلاقة الحاكمة بين المواطن والقوة المركزية الحاكمة، فما حدث هو انتقال طبيعى، أو «هرولة» طبيعية وراء القوة المركزية الحاكمة.

فى إطار هذا التفسير أيضاً أختلف مع من يتعامل مع الحزب الوطنى الذى كان حاكماً كما يتعامل مع أحزاب أخرى عقائدية فى المنطقة كحزب البعث مثلاً، فالأخير هو حزب يحمل عقيدة سياسية واضحة، ومن ينتم إليه فإنه يتبنى تلك العقيدة، أما الحزب الوطنى فقد كان هو ممثل القوة المركزية فى البلاد، بمعنى آخر هو الحكومة، وبالتالى فإن العلاقة التى تربط الحزب بالآخرين هى علاقة تزاوج المصلحة، الحزب يبحث عن أصحاب العزوة والمال والحظوة فى مجتمعاتهم المحلية ليضمهم إليه، وهؤلاء جميعاً مثلهم مثل آبائهم وأجدادهم، سعوا إلى بناء العلاقة مع السلطة المركزية أو من مثلها فى تلك الفترة وهو الحزب الحاكم.. حتى فى حركة التصويت التى كانت تحدث أياً ما كانت نسبتها، فقد كانت تتجه بحكم طبيعة العلاقة إلى القوة المركزية الحاكمة، ولو أننا توقفنا للتفكير بإنصاف فى هذه النقطة لاكتشفنا أنها حقيقية، هذا لا ينفى تفاصيل أخرى فى طبيعة إدارة العملية السياسية، لكن هنا نحن نتحدث عن طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة. ولا أغالى لو قلت هنا إن أحزاب الحكم، سواء كانت تنظيماً واحداً أو أحزاباً حاكمة، هى امتداد بشكل أو بآخر لسلطة كهنة الفرعون أو بلاط السلاطين أو الملوك أو نظار الحكم فى الفترات التالية.

الوضع الذى شهدته مصر خلال المرحلة الماضية كان انفراطاً لمفهوم القوة المركزية، وهو الأمر الذى يعنى أن تلك القوة المغناطيسية الجاذبة لم تعد هناك، فحدثت تلك الحالة النادرة فى تاريخنا أن غابت القوة المركزية، فتحركت القوى التصويتية فى نسق غير منتظم، وهذا يصلح كتفسير جزئى للنتيجة التى وصلنا إليها، لكن قبل ذلك علينا أن نتوقف لحظة أمام مفهوم أحزاب المعارضة.

إلى القوى الإسلامية الصاعدة سياسياً: لا تمزقوا الوطن

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما أشارت الساعة إلى منتصف الليلة الأخيرة من عام ٢٠١١، تذكرت ذات اللحظات منذ عام مضى، وكان العام الجديد قد بدأ منذ نصف ساعة عندما تلقيت اتصالا بأن انفجارا كبيرا وقع فى الإسكندرية أمام إحدى الكنائس منذ عشر دقائق، وأن المعلومات المتاحة حتى اللحظة أن الانفجار كبير.. تركت منزلى إلى مكتبى فورا لمتابعة الحدث، وكان ليل القاهرة يحتفل بميلاد العام الجديد، ولم يكن قد عكرته الأنباء الدامية بعد. كان هذا هو حادث كنيسة القديسين الذى راح ضحيته أكثر من عشرين مصرياً ومصرية وأصيب حوالى ثمانين مصرياً ومصرية، كانوا يحتفلون بقدوم العام الجديد بالتدين المصرى المعتاد، فاختاروا أن يصلوا فى الكنيسة استقبالا لعام جديد، فأنهت حياتهم أياد مجرمة.

هذا الحادث طرح نقدا حادا لأسلوب الدولة فى ذلك الوقت فى التعامل مع المسألة المصرية المتعلقة بتمكين مفهوم المواطنة، وأكد فى الوقت ذاته أهمية العمل السريع من أجل تأكيد هذا المفهوم قولا وفعلا، وأكدت شخصيا من خلال ما كنت أكتب وقتها أو من خلال اللقاءات، وأثناء حوارى مع البابا شنودة بعد الحادث بأيام قليلة، أن الطريق الوحيد لاستمرار هذا الوطن قويا معافى هو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية التى يقف القانون فيها سيدا على مسافة متساوية من كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللون، وطنا واحدا لكل المصريين. كان هذا الحادث مقدمة لأحداث كبيرة وعظيمة زلزلت مصر وغيرت صورتها، وفرضت على أبنائها مسؤولية رسم طريق المستقبل.

كان الأمل أن يقودنا ما حدث فى مصر إلى منطقة قادرة على ضمان وحدة الوطن، والتأكيد على أن مصدر قوة هذا الوطن تكمن فى تعدده، ولكن هذا يعتمد بالأساس على قدرتنا نحن على أن نجعل هذا التعدد مصدر قوة، أو أن يكون قاعدة تمزيق وتفتيت. مع الأسف الشديد، فإن الحوار الدائر فى مصر الآن لا يدفع إلا إلى منطقة التفكيك، تفكيك أوصال الوطن وإضعافه، وذلك لأسباب متعددة، ليس هذا مجال الحديث عنها الآن، ولكن النتيجة النهائية أننا بتنا نسمع، بل نشارك دون أن ندرى فى طرح أسئلة كنا نظن أنها دفنت تاريخيا، لكننا اليوم نكتشف أنها وجدت من ينفض عنها غبار السنين ويفرضها على أجندة الوطن.. بدأنا نسمع أسئلة وآراء عن الجزية وولاية غير المسلم وحرمانية أن يحمل المسلم للمسيحى مشاعر الحب، أو أن يهنئه بالعيد..

بدأنا نسمع عن دولة المسلمين فى مصر ودولة الأقباط القادمة.. بدأ من كانوا يتوارون وهم يطالبون بتدخل دولى يظهرون على الساحة أكثر جرأةً، لأنهم يمتلكون الآن ما يدفع المصريين الأقباط لأن يشعروا بالخوف، يضاف إلى ذلك أن أولئك الذين كانوا يحملون لواء الدفاع عن المواطنة كحق أصيل بدأوا يتوارون أو يخفتون أصواتهم إن لم يسكتوها تماما وذلك نفاقا للقوى الدينية الإسلامية الصاعدة، التى احتلت واجهة العمل السياسى، ولأنهم لا يريدون صداما معهم بحثا عن دور أو عدم تربص بهم، فاختفى الكثير ممن احتلوا موقع النخبة – كما اعتادوا دوما – عندما احتاجهم الوطن لمواجهة التراجع فى مفهوم المواطنة.

لست فى موقع النصح، ولكنى من موقع المواطن الذى له الحق فى أن يطلب من كل الفاعلين على الساحة السياسية أن يعملوا من أجل هذا الوطن.. من هذا الموقع أوجه كلمتى هذه إلى القوى الدينية الإسلامية التى احتلت موقعا متميزا فى المشهد السياسى، بأن يدركوا أن العمل السياسى ينبغى ألا يكون عملا دعويا، وأن السياسة تعنى العمل على تقوية الدولة وليس دق أسافين التمزق فى أوصالها، وإذا كان قد قدر لكم أن تلعبوا هذا الدور السياسى المتميز فى هذا المستقبل القريب فلتكن نظرتكم أكثر شمولا من أجل وحدة هذا الوطن، لذلك أدعوكم إلى التوقف الفورى عن طرح موضوعات الانشقاق، وأن توجهوا قواعدكم إلى التوقف التام عن اللعب بنار الفتنة وأنتم قادرون على ذلك، وأن يصدر عنكم ما يؤكد التزامكم بمفهوم المواطنة، ويرتبط بذلك من السلوك والإجراءات ما يؤكد صدقكم فى تبنى هذا المفهوم.

دائما أقول: إن مصر دولة خلقت لتبقى، ولا أتمنى أن يكون بعض أبنائها سببا فى تمزيقها أو حرقها.

كل عام وأنتم بخير

استفتاء كل أصحاب الوطن

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

مازال الشعب المصرى يسكن أرض مصر، وبالتالى يظل أفراد هذا الشعب هم الأكثر قدرة على التعبير عن أهدافهم، آرائهم، رغباتهم، قراراتهم، وبالتالى لا يملك فرد أو مؤسسة أو جماعة مصادرة هذا الحق، وليس لأىٍ من كان أن يحتكر التعبير عن هؤلاء الذين اختاروا أو دُفعوا (بضم الدال) لأن يكونوا هم الأغلبية الصامتة. مصر تمر هذه المرحلة بنقطة محورية فى تاريخها،

وبالتالى فإن هناك بعض الأسئلة الصعبة المطروحة على الساحة فيما يتعلق بمستقبل هذا الوطن وأسلوب قيادته فى هذه المرحلة، والواضح جلياً أن الآراء قد تجاوزت حدود الاختلاف إلى مستوى الانقسام بين أولئك الذين يمتلكون أصواتاً عالية أو حضوراً فى الشارع، أو حسابات على مواقع التواصل الاجتماعى على الإنترنت، أو من يمتلكون القدرة على حشد الآلاف ليقودوهم فى الميادين، هذه الأسئلة الفاصلة لا تخص فقط هؤلاء، إنما تخص كل المصريين بمن فيهم أولئك الذين اختاروا أن يقفوا تحت تلك المظلة الكبيرة التى هى مظلة الأغلبية الصامتة، وبالتالى فإن الإجابة عن هذه الأسئلة واتخاذ القرار هما الحق الأصيل لكل هؤلاء، من يمتلكون أصواتا عالية وأولئك الذين صمتوا.

وقبل أن يجرنى أحد القراء للنقاش حول الأسباب التى دفعت هؤلاء للصمت أبادر وأقول: ليس هذا وقت النقاش فى الأسباب، لكن لا يحق لأحد كان أن يعاقب هؤلاء الصامتين بحرمانهم من تقرير مصيرهم، وليس لزاعق فضل على صامت فى وطنه إلا بوطنيته، لذلك أربأ بأى مصرى «زاعق» أن يسخر أو يتعالى أو يحقر من دور أو أهمية أى مصرى صامت، لذلك لا أحب ذلك التعبير السائد «حزب الكنبة»، فهؤلاء دخلوا ما يسمى «دوامة الصمت»، الصمت عما يحدث خوفا من النبذ والتهجم والشذوذ عن الجماعة صاحبة الصوت الأعلى، لكن هذه اللحظة وفى هذا التوقيت الحاسم فى تاريخ وطنهم هم مدعوون – بل أصحاب حق والتزام – لكى يقرروا مستقبل هذا الوطن. لذلك أدعو إلى طرح الأسئلة الرئيسية المطروحة على الساحة فى مصر الآن والمختلف عليها بين القوى صاحبة الصوت لاستفتاء وطنى يتم من خلاله حسم ملامح المستقبل الذى هو مستقبل كل المصريين.

إن عدم الاعتراف بوجود الأغلبية الصامتة أو عدم احترام حقهم فى تقرير مصيرهم هو جريمة لا ينبغى السماح بها تحت أى مسمى، وليس هناك من يملك أن يدعى أنه صاحب الحق المطلق فى أن يرسم مستقبل هذا الوطن نيابة عن المصريين لأنه يرى أن دوره فى إحداث التغيير يعطيه حق الوصاية.

من الملاحظ بين البعض مؤخرا أنهم قد بدأوا يرون أنفسهم فى مكانة أرقى وأذكى وأقدر من بقية أبناء الوطن بما يعطيهم الحق فى احتكار تحديد مصير الوطن، والنظر بفوقية إلى أولئك «الجهلة» الذين لا يملكون حساباً على «فيس بوك» أو «تويتر» ولم يخلقوا لهم مكانا بجوارهم فى الفضاء الإلكترونى، وجلسوا على «الكنبة» يراقبون ما يحدث لوطنهم ولم ينزلوا إلى الشوارع والميادين كما فعلوا، وهذا خطأ وخطر كبير على الجميع. لا يمكن بأى حال من الأحوال تجاهل أو تغييب الأغلبية الصامتة فى تحديد مستقبل وطنهم الذى لا يمكن منازعتهم فيه.

لا يمكن بأى حال من الأحوال تجاهل رأى الكتلة الصامتة فى إدارة شؤون بلادهم التى يعيشون فيها، هؤلاء الصامتون ليسوا بالضرورة أصحاب موقف سياسى ثابت أو حتى واضح، لكنهم يملكون الرغبة والحلم فى مستقبل أفضل لهم ولأولادهم تحت السماء وفى الفضاء الحقيقى لهذا الوطن، هم مواطنون كاملو الأهلية لا ينبغى لفرد كان أو جماعة كانت أن تنزع عنهم حقهم فى أن يقولوا كلمتهم وأن يتخذوا قرارهم.

أعلم أن الاستفتاء هو عملية معقدة، لكن تعقيدها سوف يكون أقل إزعاجا وخطورة بكثير من مخاطر خطف مستقبل الوطن وكل أبناء هذا الوطن. مرة أخرى فلنطرح الأسئلة الصعبة والمهمة والمحورية التى اختلفت حولها الجماعات والأحزاب والقوى المختلفة، ولنرجع إلى أصحاب الحق، إلى كل المصريين ليختاروا ماذا يريدون، كل أصحاب الوطن هم أصحاب القرار.

الرابط على موقع المصري اليوم : http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=318503

بعد هدوء العاصفة

بقلم   عبداللطيف المناوى

بعد العاصفة التي مرت بها مصر خلال الأسابيع الأخيرة وهددت بالعصف بشدة بالعلاقة الأزلية بين أهل الوطن الواحد من المصريين أقباطا ومسلمين  ، فأنني هنا انتهز هذه الفرصة للدعوة إلى بدء الحوار حول كل القضايا التي أثارت هذه العلاقة ،  فلا ينبغي أن ينسينا ذلك الهدوء الحادث الآن أننا لم نتعامل مع أصول المشكلة .

عندما دعونا في مراحل متعددة إلى أهمية نزع فتيل الأزمة فان ذلك كان انطلاقا من الإحساس بمسئولية كل مواطن عن الحفاظ عل امن وسلامة هذا الوطن ، واستجاب كل العقلاء لهذه الدعوة حتى لو كانت هذه الاستجابة مثلت عبئا نفسيا أو سياسيا على أي طرف من الأطراف ،  و لكن مرة أخرى أشير إلى أن ما كان هو نزع فتيل الأزمة  دون التعامل مع أصول هذه الأزمة .

عادتنا المصرية الأصيلة مع التعامل مع أي أزمة تمر بنا هو التعامل معها والتعاطي معها في لحظة وقوعها ، ونتعامل معها وكأننا لن نتركها إلا بعد حلها ولكن تنتهي ذروة الأزمة فننسى أو نتجاهل العودة للتعامل مع أصل الأزمة ، ما أتمناه هذه المرة أن نغير عادتنا وان نتعامل ونتناقش مع كل ما كان السبب في المشكلات خلال الفترة الماضية .

أدعو إلى استحضار كل الدراسات والوثائق المتعلقة بهذه الإشكالية وعلى رأسها تقرير جمال الدين العطيفي الذي أعده عام 1972 ، وغيرها من النقاشات والحوارات المختلفة ، كما أدعو كل الزملاء الإعلاميين الذين ساهموا في يوم من الأيام عن قصد أو دون قصد بتزكية الاختلاف بين أبناء الوطن بتحويل  منابرهم حول حل تلك  المشكلات ، وبناء الوطن الواحد ، كما أدعو الحكومة إلى طرح كافة الموضوعات والقضايا  المعلقة ووضعها على مائدة البحث وتشريع ما  ينبغي من تشريعات وتأكيد مفهوم المواطنة  وعدم التمييز أن يكون الحاكم في كل ذلك دائما هو سيادة القانون الذي تحدثنا عنه كثيرا ولم ننفذه ، وكل ذلك سيصب في تنفيذ تلك الدعوة المهمة والفارقة بوضع المؤسسات الدينية في مكانها الصحيح في المجتمع ، فتلك المؤسسات أماكن  دعوة وأماكن  عبادة وينبغي ان ينتهي  ذلك الدور المتضخم لها والناتج عن حالة الغياب القصدي او الاختياري او الناتج  عن عدم قدرة او عدم فهم العديد من مؤسسات الدولة  ، على الدولة أن تملأ هذه الفراغات التي تركتها و وسمحت للكيانات الدينية أن تملأها بدلا منها .

 

 

قناعة العيش الآمن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حادث مساء أمس  الذي راح ضحيته مصري وأصيب خمسة آخرون    حتى الآن  في قطار بالمنيا ينبغي أن نعمل وبسرعة على ألا  يكون طريقا للتصعيد مرة أخرى ، وصلنا معا إلى القناعة بأهمية العيش الآمن بين كل المصريين ، فلا ينبغي  أن نسمح لمهووس أو متعصب أو غاضب أو متخلف بأن يمس هذه الحالة  من التوحد ، ما حدث بالأمس و الذي لم تتوفر بعد كل المعلومات عنه  ،  إنما يدلل على أنها حالة تتسم بمزيج من التعصب والهوس وعدم الاستقرار ، إذن هي حالة فردية ، حتى لو ترجمت أو ترجم الفعل في شكل الإصابات الجماعية التي حدثت  ، لا نريد ولا ينبغي أن نسمح لمثل هذه الحالة ، ومثل ذلك السلوك الشاذ  بأن يدفع مرة أخرى إلى استحضار حالة الاحتقان التي عانينا منها وما زلنا ، ولا ينبغي أن نسمح بأن يتحول ذلك الحادث إلى إشعال فتيل جديد لقنبلة التعصب وحرائق الفتنة  ، بل ينبغي أن  نكون نحن جميعا من يطفئ هذه الحرائق ، وعندما أتحدث عن ( نحن ) فإنني أقصد كل أبناء هذا الوطن من العقلاء  الذين لم نعد نملك غير الاعتماد عليهم في هذا الدور، وأتمنى ألا يبدأ مشعلو الحرائق مرة أخرى في النفخ في نار صغيرة من أجل مجد شخصي أو نصر إعلامي ضيق الأفق حتى لو بدا كبيرا في لحظتها ،  وأيضا من بين الخطوات الأولى هي الإعلان الواضح والأمين الواضح لكافة  أبعاد هذا الحادث بكل ما فيه وأيا ما كانت أبعاده .

 

حتى لا تكون محاصصة

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا نريد لرد فعلنا أن يدفع بالمجتمع تجاه مفهوم المحاصصة ، فالحال السائد في هذه المرحلة بعد حادثة الاسكندرية ، والملابسات التي حدثت بعده سيطر عليها إحساسات متناقضان ، الأول إحساس بالذنب و التقصير يدفع  بتقديم كل ما يثبت حسن النية والرغبة في التعويض عما يعتقد أنه حق ضائع على مر الأعوام للمصريين الأقباط ، الثاني تيار يعتقد أو يتهم بأن ما يحدث هو شكل من أشكال لي الذراع حتى لو أدى إلى المطالبة بحقوق أو ما يعتقد الآخرون أنها حقوق ، وفي هذه الأجواء تخرج بعض الأصوات التي تنادي بتخصيص أوقات معينة في الإعلان أو تخصيص مناصب معينة في مؤسسات الدولة أو تخصيص عدد معين من المسئولين ، الفريق الأول يريدها تعويضا والفريق الثاني يريدها تحجيما .

وأيا ما كان الوضع في الحالتين  فهو خطأ كبير سوف ينزلق إليه الوطن في حال ما لو اتبع أحد الاتجاهين ، الخطأ الكبير هو التعامل مع هذه الموضوعات بنفس الحل الذي اصطلح على تسميته في البلاد التي تعاني من حالات التفتت الشديد بين طوائفها أو جماعاتها الوطنية أو الدينية أو السياسية، تعرف باسم المحاصصة أي ان يكون لطل حصة وفقا لحضوره ، ومرة أخرى هذا هو الخطأ الكبير ، فمصر لم تعرف هذا المصطلح يوما ، ومحاولة إعماله هو خطأ كبير والقبول به كما ذكرت هو بداية الانزلاق إلى هاوية لا يريدها أي محب لبلده أن تقع فيه .

الحل يكمن كما قلت وقال كثيرون من قبل وأعيد التأكيد في الدولة المدنية ، والدولة المدنية هي دولة القانون التي لا تعرف فرقا بين مسلم أو مسيحي ، وتقف مؤسسات هذه الدولة على مسافات متساوية من كل أطرافها ، والقاعدة الرئيسية فيها هي قاعدة المساواة ، ودولة القانون هذه هي التي تصل بنا إلى إعمال مفهوم المواطنة ، ذلك المفهوم الذي وضعناه في الدستور ولم نعمله  في حياتنا حتى الآن بعد ، والأساس في هذا هو عدم التمييز بين المواطنين المصريين ،واتمنى لو أن هذا المفهوم تتم صياغته في شكل قانون واضح الملامح يطبق بحق ويكون قانون يختص بعدم التمييز بين المصريين على أي اسس عرقية أو دينية أو إثنية أو جنسية ، لكنه مواطن مصري ككل المصريين الآخرين ، هذا هو الطريق الذي لا اظن أن له بديلا .

 

 

 

تكلم البابا

بقلم   عبداللطيف المناوى

بالأمس طالبت بأن الوقت بات ملحا لأن يخرج البابا شنودة إلى المصريين ويتحدث إليهم ، وذلك حتى يقوم بجوره المسئول و المتوقع منه من أجل حماية هذا الوطن من مغبة الانسياق إلى طريق الفتنة  بما يهدد مسئوليته الوطنية فقط ، وبالفعل حدث ما تمنيته  وتكلم البابا ، وكان حظي أن يكون خطابه إلى المصريين من خلال حواره معي على التليفزيون المصري ، تليفزيون الدولة ، جاء الحديث صريحا واضحا ، علت فيه الحكمة والالتزام الوطني وتحمل المسئولية وهو أمر ليس غريبا على تاريخ البابا شنودة حتى لو لم تأت الرياح في بعض الأحيان بما تشتهي السفن .

أبرز ما لاحظته إضافة إلى حكمة البابا في تناول الوضع الساخن بل الملتهب حاليا هو تلك الشمولية في رؤية المشكلات التي تواجه مصر ، وأن ما يشكو منه الأقباط ليس أمرا منفصلا عن حالة عامة ، وأن حل هذه المشكلات إن وجدت لا يمكن حلها إلا من خلال رؤية شاملة وتحرك شامل من أجل الحل .

مرة أخرى حالة التوحد التي عاشها  المصريون عقب مجزرة الإسكندرية هي حالة ينبغي أن نبني عليها ونؤكد تلك الحقيقة التاريخية التي تؤكد أن مصر هي دوما لكل المصريين ، وكلام البابا شنودة بالأمس هو أحد الأسس التي ينبغي أن نضعها في الاعتبار ونحن نتحرك في هذا الاتجاه .

اذكر مرة أخرى ما ذكرته بالأمس في لقائي بالبابا شنودة بأن تقريرا بريطانيا في النصف الأول من القرن الماضي  ينسب للورد كرومر كان يصف المصريين ” جئنا إلى مصر نبحث عن مسلمين ومسيحيين فلم نجد سوى مصريين بعضهم يذهب إلى المسجد ، وبعضهم يذهب إلى الكنيسة “

حتى المنبر سرقوه

بقلم   عبداللطيف المناوى

من منا لا يذكر حكاية الونش الذي سرق في وسط القاهرة ، اليوم نتحدث عن سرقة منبر مسجد قاني باي الرماح ، والغريب هنا أن المسجد يقع وسط القاهرة الفاطمية ، فلا تعرف كيف خرج به اللصوص ، وكيف سرقوه وأين المسئولون عنه  ، ومسجد قاني باي الرماح لمن لا يعرفه توجد صورته علي أكبر فئة من العملة المصرية، وهي فئة المائتي جنيه، اختفي منبره المسجل كأثر برقم 136، و هو يعود إلي العصر المملوكي، وهو مصنوع من الخشب الهندي، وتم تشييده علي طراز المدارس المملوكية، حيث يتألف من صحن أوسط مكشوف تحيط به 4 إيوانات، أهمها وأكبرها إيوان القبلة ومحراب القبلة، والتي تعد من أجمل نماذج المحاريب المملوكية، الحافلة بالزخارف الرخامية والمذهبة ، و المنبر الخشبي،  المسروق ، يتكون من حشوات خشبية من الخشب الهندي، ومجمعة علي شكل الأطباق النجمية، وقد طعمت هذه الحشوات بالسن .

المشكلة أنه بعد سرقة المنبر وبعد أن بدأ البحث عن المسئول ضاعت القضية بين وزارتي الأوقاف ، والثقافة ، كل يتبرأ من الضحية ، حيث تم  إحالة قضية سرقة المنبر إلي النيابة الإدارية   حتي تقرر من المسئول عن الحادث ‘الآثار أم الأوقاف’

المجلس الأعلى للآثار نفى أن يكون لديه محضر استلام أو تسلم لمسجد “قاني باي” الرماح، حيث أنه عندما تقوم الآثار بعمل ترميم لأي مسجد تتسلمه الآثار بمحضر رسمي من وزارة الأوقاف، ويصبح بعدها مسئولا من الآثار، وتظل مسئولة عنه أثناء عملية الترميم، وبعد الانتهاء منها تقوم الآثار بتسليمه بمحضر رسمي أيضا إلي الأوقاف ، بينما قالت الأوقاف، إن المسجد يتبع المجلس الأعلي للآثار، ويخضع له تماما، ولم تتم فيه أية شعائر دينية منذ عامين، حيث إن مفتاح المسجد في حوزة مشرف الآثار، كما أن المنبر المسروق  كان داخل أحد المخازن التابعة للمجلس الأعلي للآثار بمجموعة السلطان حسن.

ودعا وزير الثقافة، زميله وزير الأوقاف، إلي عقد اجتماع مشترك بين مسؤولي وزارتي الثقافة والأوقاف، لبحث وضع حد لسرقة المساجد الأثرية، وبحث إمكانية الاستعانة بشركة أمن متخصصة لحراسة المساجد الأثرية، والمواقع الأثرية المشتركة بين الأوقاف والآثار، خاصة وأن هناك أعدادا ضخمة من تلك المواقع التابعة للأوقاف، والتي تتولي الآثار ترميمها وصيانتها، منها 517 موقعا في القاهرة فقط.

ما أخشاه أن نظل نعقد اجتماعات لنعرف من المسئول عن المسجد ، وفي النهاية ننسى القضية الرئيسية : أين ذهب منبر مسجد قاني باي؟

قليلا من اللغة العربية

بقلم   عبداللطيف المناوى

اللغة هي هوية ، والحفاظ على اللغة العربية هو جزء من الحفاظ على الهوية ، ومحاولة الالتزام بالحد المناسب من اللغة الأصلية لا يعني تقعيرا ولا يعني محاولة للتعامل بتعال أو بعلياء مع الآخر ، ولا يعني أيضا إعطاء الإحساس للآخرين بالجهل ، والأكيد أنه لا ينبغي أن يكون عائقا عن التواصل أو خالقا لفجوة في العلاقة أو الفهم .

أقول هذا بمناسبة ذلك الانتشار الغير محمود لتجاوز أو لنقل لانتهاك اللغة العربية ، بل أساسيات اللغة العربية ، في العديد من التعاملات والمكاتبات ووسائل الإعلام ، بل وامتدت الأمور حتى لشعارات الأحزاب ، آخر هذه الانتهاكات عندما قرر الحزب الوطني أن يكون شعاره في مؤتمره السابع ” عشان تطمن على مستقبل ولادك ” ، لا أظن أن في الأمر جفوة أو انعزال أو تعالي أو عدم قدرة على التواصل لو قلناها بشكل آخر ” لتطمئن على مستقبل أولادك ” أو ” لكي تطمئن على مستقبل أولادك ” ، أيضا عندما اختار التليفزيون المصري أن يضع إعلاناته بعنوان ” حصري عالتليفزيون المصري ” ، ولا أظن أبدا أن استخدام حرف ” على ” بدلا من العين ، سوف يسيء إلى المعنى أو يحدث جفوة بين المشاهد المستهدف والتليفزيون .

بدأ هذا التوجه نحو الاستخدام المفرط للغة العامية الأكثر من دارجة في صحافتنا المطبوعة منذ عدة سنوات ، وظن البعض بعد ذلك أن هذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى القارئ ، وانساق وراء ذلك العديد من الكتاب والصحفيين ، بل وبعض الصحف التي كان من واجباتها والتزاماتها أن تحافظ على اللغة العربية ، وأزيد بالقول أنه في بعض الأحيان كان استخدام اللغة العربية البسيطة يحدث أثرا كبيرا في نفس المتلقي حتى لو كان هو نفسه بسيط المعرفة .

لا أطالب بالتقعر في استخدام اللغة ، فاللغة العامية البسيطة تقترب كثيرا إن لم تكن تتطابق في معظم الأحيان مع اللغة العربية البسيطة ، هي دعوة سبقني إليها كثيرون قبلي للحفاظ على هوية أمة اللغة هي مكون رئيسي لها .

زحف الدولة الدينية

بقلم   عبداللطيف المناوى

على الرغم من أن الدستور المصري ينص في مادته الأولى على أن المواطنة هي الأساس في التعامل وحق لكل مواطن، و على الرغم من الدعوة المستمرة لمدنية الدولة ، ولوجود الدولة المدنية القائمة على التعدد واحترام الآخر، واعتماد الوسطية والاعتدال في كل معاملاتنا ، وعلى الرغم من أن الدستور ينص في عدد من مواده وخاصة في المادة 40 على الحقوق المتساوية لكل المصريين ، على  الرغم من كل هذا إلا أن الملامح العامة والمقدمات لما يحدث حولنا تعطينا الانطباع إلى أننا نزحف باتجاه الدولة الدينية  .

هذا الزحف غير المنظم أو غير المقصود أو غير الواعي يدل على أننا ندفع باتجاه هذا المفهوم ـ مفهوم الدولة الدينية ـ بوعي  أو بغير وعي ، وليس أدل على ذلك من حالة التدين السطحي الحادث والمستشري في الشارع في المتجمع ، أو الدفع باتجاه حالة التديين ، أيضا هذا الكم الكبير من القنوات الدينية التي لا تقدم صحيح الدين أو تدفع باتجاه الوسطية بقدر ما تدفع في اتجاه التطرف و الطائفية وتؤثر في شرائح مختلفة تستمع لمن يرفع صوته باسم الدين، أيضا هناك حالة التقييم والتفسير لما يحدث ـ حتى لو كان لظاهرة علمية ـ على أساس ديني في كل المناطق و الأماكن  ، أيضا لغة الخطاب التي نستخدمها التي تغلب مصطلح الساجدين على  أي مصطلح آخر ، وإشهار الدين في وجه  من يتحدث بأي  كلام مخالف حتى يصمت ، واستغلال الدين للتأثير على المواطنين البسطاء .

من يراقب ما يحدث في المجتمع سيلاحظ هذا ، سيلاحظ انتشار الغيبيات على حساب الحقائق القائمة على العلم ، و هو الأمر الذي يؤدي إلى تغيب الوعي وبالتالي إلى تدين شكلي غير حقيقي   أدعو هنا إلى وقفة  ضد ما يحدث ، ضد هذا التطرف في استخدام الدين ، وتفسير الأمور الحياتية على أساس ديني ،وهو الأمر الذي لا يمكن الخروج منه إلا بالتأكيد على فكرة الدولة المدنية القائمة على تعدد فكري وحزبي ، الدولة القائمة على المواطنة واحترام الآخر .