وسطية الأزهر الهدف القادم

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما بدأ البعض بالتظاهر أمام مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، منذ أكثر من عام، خشيت أن يدفعه ذلك إلى التخلى عن المهمة التى حملها، والتى اعتقدت وقتها أن استمراره فى منصبه سوف يكون صمام أمان لحماية الدولة التى بدت ملامح انهيار العديد من مكوناتها مبكراً. كان مفهوماً أن بعض المسؤولين قرروا منذ تلك الفترة أن يسلموا مسؤوليتهم لاقتناعهم بأن المستقبل لن يمكنهم من الاستمرار فى تحمل هذه المسؤولية بالشكل الذى يحافظ على بعض أركان الدولة من الانهيار، لذا كان الأفضل أن يحاول آخرون القيام بهذه المهمة، لكن الوضع مع شيخ الأزهر كان مختلفاً من وجهة نظرى، فبما له من مميزات شخصية نادرة، وبما للأزهر المؤسسة من قوة ذاتية اكتسبتها من النشأة والتاريخ ومكانتها فى النسيج الوطنى، هذا مجتمعاً ظننت أنه عنصر جوهرى ينبغى الحفاظ عليه بملامحه وشخصيته القائمة لمواجهة المستقبل، الذى كانت مقدماته تشير إلى ما وصلنا إليه الآن، وبالفعل تحمل الإمام الأكبر الكثير، واستطاع أن يمر صلباً من أزمة إلى أزمة، ليستمر قائداً لهذا الصرح الذى هو عنصر استقرار للدولة المصرية المدنية، ما ظلت المؤسسة محافظة على كيانها المعتدل الحافظ لوسطية الإسلام بحق وليس ادعاء، ولا تسقط فى شباك محاولات اختطافها والاستحواذ عليها، كما وقع العديد من مكونات الدولة فريسة لهذه العمليات الدؤوبة من الاختطاف والاستحواذ.

من الملاحظ أنه منذ بدايات استئثار الجماعة بشؤون البلاد والعباد فإن هناك حالة غير خافية من التربص بالمؤسسة الدينية العلمية العالمية الأعرق «الأزهر الشريف»، وهذا أمر مفهوم تماماً لجماعة قررت أن تصبغ المجتمع كله على شاكلتها وأن تسيطر على عناصر المجتمع الرئيسية، ويظل الأزهر أحد أهم هذه العناصر، إضافة إلى نقطة مهمة، وهى أن العلاقة بين الأزهر كمؤسسة، وبين الجماعة منذ نشأتها على يد حسن البنا، الذى تخرج فى كلية دار العلوم، لم تكن هى العلاقة الأمثل، الخلاف بين الأزهر والإخوان رغم بقائه فى إطار أمور محددة من وقت لآخر، إلا أنه فى حقيقة الأمر يمتد إلى ما هو أكبر وأعمق من ذلك، إذ يعد الأزهر فى طليعة القوى المناوئة لهيمنة الحكم الإخوانى والسلفى، لاسيما أن العديد من قياداته – وعلى رأسهم شيخ الأزهر – يرون أن الدولة يجب أن يبقى طابعها مدنياً، وهذا ما أكدته وثيقة الأزهر للحريات، التى ينبغى أن تلعب دورًا جوهريًا فى صياغة الدستور الجديد، وحسنا فعل شيخ الأزهر عندما أشار بوضوح إلى محاولات الجماعة وحلفائها القفز فوق مبادئ الوثيقة، وأعلن بوضوح أهمية الإبقاء على المادة الثانية من الدستور كما هى.

لن تتوقف محاولات السيطرة، والمقدمات واضحة، بدأت منذ إعلان الجماعة عن عدم رضاها على تعيين الدكتور الطيب وقت تعيينه، واستمرت بعد تسلقهم مقاعد الحكم، وبدا هذا فى تصريحات رئيس مجلس الشعب المنحل عندما هاجم الإمام الأكبر، داعياً إلى ضرورة تطبيق قانون «العزل السياسى» على الدكتور الطيب، واستمرار هذا التوجه الذى بدا فى التعاطى مع مشروع القانون الخاص بتعديل أحكام القانون ١٠٣ لسنة ١٩٦١، الذى يقضى بانتخاب شيخ الأزهر عن طريق هيئة كبار العلماء بعدما كان القانون سالف الذكر يعطى رئيس الجمهورية حق تعيين شيخ الأزهر، ليفقد الأزهر استقلاليته تماما، وصولاً إلى الأزمة الأخيرة التى حدثت بجامعة القاهرة من قبل القائمين على البروتوكول الرئاسى بتجاهل شيخ الأزهر تماماً وعدم تخصيص مقعد له فى الصفوف الأمامية، رغم أنه بمثابة رئيس وزراء.

«وسطية الأزهر» التاريخية ربما كانت السبب وراء محاولات جماعة «الإخوان المسلمين» السيطرة على المؤسسة الأزهرية، خصوصاً أن شيخها الحالى يؤكد كل يوم هذه الوسطية، حتى إنه قرر إنشاء «هيئة إعلامية» تابعة للأزهر الشريف، لتوثيق ونشر وتأكيد تلك الوسطية.

وأظن أن دكتور على جمعة، مفتى الديار، هو أيضاً أحد أهداف الاستحواذ، خاصة مع مواقفه التى منها ذلك التصريح الذى رد به على الدكتور يوسف القرضاوى بأن الأمة الإسلامية ابتليت منذ فجر التاريخ بعلماء لا يمكن أن ننكر علمهم، لكن ننكر عليهم رغبتهم الجامحة فى أن يصنعوا لأنفسهم بطولات ورقية على حساب القواعد الشرعية والمصالح المرعية، والحفاظ على نظام المجتمع واستقراره، ومحاولة إقحام ثوابت الدين فى معترك السياسة الحزبية، الأمر الذى يؤدى إلى مزيد من الفرقة والتشرذم باسم الدين.

السلفيون أيضاً يدخلون النار

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد يربط القارئ بشكل مباشر بين عنوان المقال وما أصبحنا نطالعه فى الصحف وشاشات التليفزيون عن سلوك من تحصّنوا بمظهر الدين ليبثوا فى أنحاء الوطن حالة من الذعر والهلع «حادث قتل شاب السويس نموذجاً» بينما لا تحرك الجماعة الحاكمة ساكناً لإعلان موقف حاسم ضد هذه الجرائم، واكتفوا باستخدام التعبيرات التى كانت تستخدم معهم فيما سبق بأن القانون سوف يأخذ مجراه(!!) الربط صحيح بين العنوان وهذه الحوادث، رغم أننى لا أدّعى شرف ملكية هذا العنوان، فصاحبه وليد طوغان مؤلف الكتاب الذى يحمل هذا العنوان، والذى تجاوز حدود الكتابة الصحفية فى هذه المواجهة الشجاعة إلى حدود الباحث المالك لأدوات بحث قوية ومنطق قادر على الصمود فى النقاش للانتصار للدعوة لإعمال العقل، ومحاصرة المدعين احتكار الحقيقة وحاملى صكوك الغفران.

للوهلة الأولى يعتقد من يقرأ الكتاب من عنوانه، كما اعتاد معظمنا، أنه سوف يقرأ معركة صحفية صارخة تتفق والعنوان الصدامى والأجواء التى نعيشها، وأعترف بأننى بدأت القراءة وأنا لدىَّ هذا التوقع، إلا أننى ومع الغوص فى الكتاب اكتشفت أننى أمام طرح فكرى مهم يصلح بحق أن يكون بداية لنقاش جاد حول مفهوم إعمال العقل والنظر بشجاعة إلى مسلّمات تحولت إلى وثنيات بسبب الخشية من الاقتراب منها وتفنيدها. المقدمة بدأت باستعراض على عجل حول التغير الذى أصاب الشارع المصرى، وكيف أن حالة الازدواجية باتت هى المسيطرة على طبيعة الشخصية المصرية، حتى إنه يمكن القول إن المصريين امتلكوا سمات الدين دون امتلاك الدين ذاته.

من أهم ما يطرحه الكتاب تلك العلاقة الوطيدة بين المصريين والسنة النبوية التى اقتربت ـ إن لم تكن تجاوزت عند البعض من حد قداسة القرآن، ويناقش طويلاً عبر صفحاته التى تجاوزت الثلاثمائة صفحة الأدلة والبراهين على أن هناك من التراث ما تحول إلى سنن حملها السلفيون بادعائهم أنهم يتمسكون بأصول لم تكن أصولاً من الأساس، فلم تنفصل العقيدة عن الدنيا فقط، إنما انفصل الدين عن المنطق كما يقدمه هؤلاء.

الكتاب أكبر كثيراً من أن أستعرضه فى هذه المساحة، ولكن من بين الإشارات المهمة فيه تلك الإشارة إلى اختفاء الدعاة «الشيك» على حد قوله، مثل عمرو خالد وخالد الجندى، وبدء عصر الدعاة الطغاة من الذين اختاروا فقهاً أشد واحتكروا الحقيقة وقرروا العسر سبيلاً لهم وللأمة.

رغم حديث المؤلف المباشر عن التيار السلفى الإسلامى نازعاً عنهم احتكارهم بأنهم هم فقط أحباب الله، فإنه حرص على التأكيد على أن السلفية الدينية بشكل عام هى أصل المشكلات، وأن احتكار الحقيقة ومقاومة أعمال العقل هما آفة الزمان.

عندما صدرت الطبعة الأولى من كتابى «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» كان مفاجئاً لى ذلك التجاهل الذى تعامل به زملاء وأصدقاء من إعلاميين وكتاب «كبار»، فقد آثر هؤلاء السلامة فاكتفى البعض بالتهنئة والإعجاب الشفوى، والبعض الآخر تجاهل الأمر كلياً، وظل الأمر هكذا حتى بعد الطبعة الرابعة، لم يدرك الزملاء أن أهم ما ينتظره كاتب هو تقدير القراء فى المقام الأول، وهو ما لمسته، والثانى هو تقدير الزملاء وهو ما لم ألمسه. ولأننى أدرك هذا جيداً فقد كان لزاماً علىَّ أن أقدر جهد الصديق، الذى لم ألتقه حتى الآن، وليد طوغان، وتقديرى ليس فى مجرد تناول الكتاب فى مقال أو نشر خبر عنه، بل فى الأساس أن أقرأ وباهتمام وتقدير للجهد الواضح الموضوع فى هذا الكتاب الذى يعد بحق أحد الأسس المهمة التى ينبغى أن نعتمد عليها فى إطلاق حوار عقلانى حول مستقبل هذه الأمة وهذا الوطن الذى أصبح بالفعل فى مهب عاصفة قوية مغلفة بالأصولية الدينية الرافضة لمنطق الاجتهاد وإعمال العقل.

حلف اليمين نموذج للالتفاف

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الاعتذار لطلاب جامعة القاهرة من قبل الرئيس الجديد لتأجيل امتحاناتهم بسبب إلقائه إحدى خطبه المتعددة كان استمراراً فى الأسلوب الاحترافى فى محاولة اكتساب تعاطف الناس، وهو خط التزمه بدقة منذ الإعلان عن نجاحه من رجال القضاء الذى لم يستقل تماما بعد – كما قال هو نفسه فى إحدى خطبه – هذا الأسلوب بدأ منذ تسريب الأخبار عن رغبته فى الاستمرار فى العيش فى منزله، أو تنازله عن راتبه، أو عدم رغبة زوجته فى أداء دور السيدة الأولى، أو فى رغبته فى صلاة الفجر فى المسجد، أو استقباله إعلاميين وسياسيين فى مقر الرئاسة دون تعقيدات أمنية، الأمر الذى دفع إحداهن لتتباهى بسذاجة بأنها دخلت بسيارتها إلى داخل القصر.

واستمر الأمر على هذا المنوال حتى خلع فى خطابه فى ميدان التحرير «جاكته» ليؤكد للناس أنه لا يلبس واقيا من الرصاص. أظن أن من ينصحه بهذا الأسلوب يعلم كيف يستطيع أن يكسب تعاطف الناس بصورته الجديدة، وأظن أنهم ناجحون فى ذلك إلى حد ما حتى الآن، إلا أن ما يشغلنى هو الإجابة عن السؤال المهم: من الذى يحكمنا الآن: هل هو الرئيس أم القوة التى اختارت شخصاً ليمثلها فى الانتخابات ففاز؟ الشخص الذى يحاولون تقديمه الآن يمكن أن يلقى قبولاً من العديد من المصريين، حتى أولئك الذين رفضوه من البداية، إلا أن القضية الأكبر هنا هى من القوة التى تحكم؟ وإلى أى مدى أطلق لها من أطلق العنان؟ وما دور مؤسسات الدولة الأخرى التى يقع على عاتقها حماية مدنية الدولة؟

والسؤال الأكثر وضوحاً ويتطلب رداً واضحاً: أين المؤسسة العسكرية التى تسلمت هذه الدولة وبها ملامح لدولة مدنية من حماية هذه المدنية؟ أم أنه فات الأوان، خاصة مع الإشارات الواضحة والحادة، رغم تغليفها بنعومة، على لسان الرئيس الذى بدت نبرته متحدية لأحكام الدستورية وتهوينه من أى مواد فى الإعلان الدستورى تحد من استئثاره بكل سلطات الدولة، بل تحديده وتحجيمه الواضح لحضور المؤسسة العسكرية، بل توجيهه ما يشبه الأمر لها بالخروج من الساحة. أظن أن من حقنا أن نفهم إلى أين نحن ذاهبون؟ بشكل أدق إلى أين نحن مسحوبون؟ ومن يسحبنا؟

حلف اليمين هو نموذج للالتفاف نقف أمامه، فقد أصرت الجماعة على ألا يقسم مرشحها الفائز أمام المحكمة الدستورية، وارتفع الصراخ عاليا فى الميدان المحتل بأعضاء الجماعة من مختلف أنحاء مصر بأنه لا قسم أمام «الدستورية»، وهددوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، كما هى العادة التى ثبت أنها الأكثر تأثيراً. ولكن هذه المرة شرعية المنصب فى خطر، فلم تجد الجماعة أمامها إلا أن تقبل اليمين أمام «الدستورية» على أن تبحث عن أسلوب التفافى لتفريغه من مضمونه، فكان القسم فى ميدان التحرير الذى أعطى الرئيس أوامره بأن يكون على الهواء مباشرة، كخطابه الأول الذى ألقاه من استوديوهات التليفزيون فى المقطم، بحضور مدير قناة الإخوان ومراسل قناة الجزيرة (!!)، ثم قررت الجماعة فجأة أن يقام احتفال فى جامعة القاهرة ليكون المدعوون فيه بالأساس أعضاء البرلمان المنحل ليقسم أمامهم الرئيس المنتخب مرة أخرى على أن ينقل هذا الخطاب على الهواء. أما القسم أمام المحكمة الدستورية فقد صدرت التعليمات بألا يذاع على الهواء ويكتفى بتسجيله بكاميرا ليذاع فيما بعد. وكاد هذا ينجح لولا انسحاب بعض أعضاء المحكمة، احتجاجاً على ذلك، فتراجعت الجماعة.

هذا النموذج من الأداء يلقى ظلالاً كثيفة من القلق والشك والريبة حول من يحكم، ولا أظن أن حملة العلاقات العامة يمكن أن تنجح طويلاً فى التعمية عما يحدث.

عن الانتخابات والفهم والخديعة

بقلم عبداللطيف المناوى

انتخابات البرلمان المصري

هكذا حدث ما توقعته منذ نقضت الجماعة التزامها بعدم التقدم لمنصب الرئاسة، وقتها كان مرشحها رجلها القوى، ولما لم يتمكن من خوض الانتخابات اعتقد الكثيرون أن فرصة الجماعة قد انتهت، خاصة مع ما لمسه كثيرون من غياب صفات كانت موجودة فى مرشحهم الأساسى وغابت عن مرشحهم الاحتياطى. وقتها كانت رؤيتى بأن مصدر قوة مرشح الجماعة لا تأتى من الطبيعة الشخصية لهذا المرشح وإنما تأتى من أمرين أساسيين، الأول هو قدرة الجماعة على الحشد والتزام أعضائها السمع والطاعة، وقدرات مالية واقتصادية ساعدتهم دوماً على الانتشار فى مناطق فقراء مصر، فى الوقت الذى غابت فيه عن هذه المناطق دائماً كل الحكومات والأنظمة المتعاقبة والأحزاب والقوى المدنية على حد سواء. مصدر القوة الآخر هو تلك الحالة الملموسة وغير المسبوقة من ضعف وتشرذم كل القوى المدنية التى انشغلت فى الصراع والتخوين، وسيطر على معظمها حب الظهور بدلاً من البحث عن قواعد اتفاق مشتركة، بل وصل الأمر ببعض هذه القوى إلى إجراء تحالفات مع قوى أخرى من القوى غير المدنية تناقضاتها معها هى تناقضات جوهرية وتاريخية وفكرية، لذلك كان توقعى بفوز مرشح الجماعة، أياً كان اسمه.

قبل أن يطرح قارئ سؤالاً عن دور المجلس العسكرى ونتائج الانتخابات الأخيرة أبادر فأقول إن المجلس كان أيضاً هو أحد الأسباب الأساسية فى النتيجة التى استقرت عليها الانتخابات، ذلك أنه مارس السياسة دون خبرة حقيقية، واعتقد أنه يمتلك كل قدرات ومقومات إدارة العملية السياسية فى الوقت الذى أحدث فيه هذا خلطاً غير مسبوق حول مفهوم إدارة الدولة، وسيطر على أدائه مزيج من عدم القدرة على تحديد طبيعة القوى السياسية الحاضرة على الساحة أو تاريخها أو قدراتها، وظن أنه يمتلك القدرة على إدارة علاقته بهذه القوى واحتوائها أو الامتزاج معها، فانتهى الحال إلى استغلال بعض هذه القوى علاقته بالمجلس ثم تبرأ من هذه العلاقة عندما أدت الغرض منها، ورغبت هذه القوى فى الظهور بمظهر الضحية أو بمظهر الثورية. المشكلة الأخرى هى انصراف القوى المدنية عن التعاون مع الجيش، بل التفرغ للهجوم عليه وإضعاف موقفه، وفشل المجلس على الطرف الآخر فى احتواء هذه القوى.

أما نتيجة الانتخابات الأخيرة فهى تحمل التساؤلات والشكوك أكثر مما تحمل من إجابات، وهنا أقول إن نتيجة الانتخابات الأخيرة أياً ما كانت الملاحظات عليها باتت أمراً واقعاً ينبغى التعامل معه بشكل أو بآخر، ولكن مثلنا فى هذا مثل الشخص الذى عليه أن يواجه مصيره ولكن قبل ذلك لابد أن يفهم حتى يستطيع أن يستمر، وهذه هى رسالة أوجهها إلى من أدار شؤون البلاد والعباد والأحزاب والدستور والانتخابات.. من حق الجميع أن يفهم ماذا حدث، ولماذا حدث، الإجابة على كل التساؤلات المطروحة – وجميعنا يعرفها – لم تغير من نتيجة تحقيق الجماعة لحلمها، لكنها ستساعد كل الناس فى أن يستكملوا حياتهم وهم فاهمون وليسوا مخدوعين.

جبل الجليد الذى لم يذب بعد

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية قد أعلنت، وقت كتابتى هذا المقال، لكن الثوابت فى كل الأحوال لا تتغير، والمخاطر التى تواجهها مصر، وأبرزها خطر الانقسام – وهو ما ليس له علاقة باسم الرئيس القادم – لا تتغير أيضاً، بل تدعونا جميعاً إلى فتح أعيننا جيداً، والاستعداد للمواجهة.

لا أعلم حتى لحظة كتابتى هذه السطور من هو الرئيس الذى سيتكفل بمواجهة كل هذه التعقيدات السياسية التى تواجهها مصر. ليس مهماً من هو الرئيس، فمن أتى قد أتى، لكن المهم هو المشهد التالى، فكما سبق أن ذكرت من قبل، منصب الرئاسة ليس هو كل جبل الجليد، لكنه رأس الجبل، ويتبقى علينا إذابة بقية الجبل، وبالتالى فإن على الرئيس أن يستعد لأعلى مستوى من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بمعنى أننا يجب ألا نعطى قمة جبل الجليد أكبر من حجمها الحقيقى، فاسم رئيس مصر لن يكون هو الفارق الأكبر فى المرحلة المقبلة، لكن القوى السياسية الحاكمة هى التى ستحدث فرقاً وكذلك القوى السياسية الأخرى ومدى وجودها وتأثيرها فى المجتمع، فشخصية الرئيس لو جاءت مزيجاً بين كاريزمات رؤساء العالم ولم يمتلك أدوات لن يستطيع فعل أى شىء.

سبق أن ذكرت من قبل أيضاً أن الخطأ الرئيسى الذى وقع فيه الليبراليون والأقباط أنهم لم يتعاونوا وتركوا المجال مفتوحاً للإخوان حتى يتعاونوا مع المجلس العسكرى وليس مع جهة أخرى وهذا الخطأ يدفع الآن الجميع ثمنه، فما يبدو واضحاً الآن من انقسامات المشهد السياسى هو أن مصر تدفع ثمن عدم الوعى والإدراك السياسى لدى بعض الجماعات السياسية، باعتقادها أن التعاون مع القوات المسلحة هو من أشكال الخيانة الثورية، وهو ما جعل القوة الوحيدة التى استفادت من هذا الوضع هى جماعة الإخوان المسلمين، فيما خسر الليبراليون والأقباط والشباب والتيارات الثورية.

وبالتالى فإن السؤال يبدو فى ظل مطالبة قطاع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتسليم الكامل للسلطة هو كيفية الحفاظ على مدنية الدولة، بغض النظر عن اسم الرئيس القادم، فسواء كان الرئيس من التيار الإسلامى أو من خارجه، فإن هذا التيار أصبح لاعباً واضحاً فى المشهد السياسى، ولا يجب أن نتعامل معه بطريقة تدفعه إلى العودة للعمل السرى مرة أخرى، بل يجب إشراكه فى المشهد السياسى بالشكل القانونى الذى يجعل أفكاره ومصادر تمويله مطروحة للنقاش، والأخذ والرد بدلاً من الانغلاق على التنظيم، وفى الوقت الذى ندعو فيه إلى إشراك كل القوى السياسية، بما فيها القوى الإسلامية، للعمل معاً من أجل الوطن، عن طريق فتح باب النقاش، بشرط ألا يحاول أحد تغيير الهوية المصرية أو اختطافها.

مصر تسير نحو اكتمال البناء السياسى الصحيح للدولة، وهو ما ينبغى أن نعمل عليه لصالح الدولة فالقوى المدنية، مطالبة بأن تتحالف معا، وتجد اتفاقا للحفاظ على مدنية الدولة وتنوعها السياسى، والأيديولوجى والفكرى والاجتماعى والسياسى، وكما قلت سابقا حتى لا يحاول أحد اختطاف هوية الدولة.

أما المطلوب من المجلس العسكرى فى هذه المرحلة فهو تقديم خارطة طريق واضحة المعالم والتوقيتات والخطوات التى يجب أن يتم اتخاذها فى المرحلة المقبلة، وأن تكون هذه الخارطة تفصيلية الملامح يعكف عليها خبراء فى جميع المجالات ويستعين بكل من يمكن له أن يستعين به لرسم ملامح طريق يصل بهذا البلد الذى وضعناه بأيدينا فى مهب ريح عاصفة إلى بر الأمان.

عندما تنفس الناس الصعداء بعد حكم الدستورية

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد تكون الملامح الرئيسية للرئيس القادم الذى اختاره المصريون الذين ذهبوا إلى صناديق الانتخابات اليومين الماضيين قد ظهرت فى الوقت الذى ينشر فيه هذا المقال. وينبغى أن نعلم أن الخطوة الأولى الآن نحو تأسيس الدولة الجديدة هى القبول بالنتيجة التى سوف تسفر عنها هذه الانتخابات التى ارتضاها معظم المشاركين فى العملية السياسية كوسيلة من أجل إعادة بناء الدولة. ما حاول بعض الأطراف التلويح به من تهديدات إذا لم تكن نتيجة الانتخابات كما يريدون هو سلوك مرفوض، فإذا أردنا دولة ديمقراطية فإن أساس وجودها هو وجود دولة القانون، الدولة التى يكون فيها القانون هو السيد وهو الفاصل.

هذه أمنية لكن المقدمات لا تبشر بأن هذه الأمنية تلقى صدى فى الواقع، ولعل الضجة التى أثارتها القوى السياسية التى فى خندق الإسلام السياسى، خير دليل على أن ذلك المفهوم مازال غائبا، بل هو جزء من السلوك السياسى لبعض القوى. ما لم تكن نتائج الأحكام وفقا للهوى فإن الأسهل والأيسر أن تلقى بهذه الأحكام عرض الحائط، وأن تكون الوسيلة المستخدمة هى التشكيك فى القضاء وأحكامه، والتلويح بممارسات خارج حدود القانون تخويفا وإرهابا.

حكم المحكمة الدستورية الأخير لاقى موجة من التشكيك والاتهامات من قبل قوى الإسلام السياسى، واستطاعوا بشكل أو بآخر أن يصدروا فكرة أن ما تم هو انقلاب عسكرى تم استخدام المحكمة الدستورية فيه ضد رغبة الشعب، هذا التوجه نجحوا فى تمريره بالفعل إلى بعض وسائل الإعلام الأجنبية، ونسى هؤلاء أن تاريخ القضاء المصرى مع البرلمان يعود إلى عشرينيات القرن الماضى، وظل حاسما فى قضايا متعددة اختلف حولها الرأى، وظل هذا الدور غير منظم حتى تم تنظيمه فى إطار المحكمة الدستورية العليا التى تعتبر المحكمة الأعلى فى كل المجتمعات التى للقضاء دوره المحترم فيها.

سلوك الجماعات الرافضة لحكم المحكمة الدستورية القاضى بحل مجلس الشعب ورفض قانون العزل هو ما قصدته بالسلوك غير المبشر، فأولى قواعد العمل السياسى المحترم الهادف بالفعل لتأسيس الدولة الديمقراطية هو احترام القانون، لكن التلويح بأنه لو لم يتم تصحيح الوضع فى نتائج الانتخابات الرئاسية بفوز مرشحهم، الذى سوف يمتلك فى هذه الحالة القدرة على إعادة ضبط الأمور لصالحهم، فإن البديل نزولهم إلى الميادين والشوارع، وكما قال أحدهم إن الشعب المصرى الذى قدم الدماء والشهداء على استعداد لأن يقدم شهداء جدداً ودماء جديدة، وهذا التهديد بالفعل خطير ودليل على حقيقة سلوك تلك الجماعات التى حاولت أن تخفيه خلال الفترة الماضية.

رؤية هؤلاء للصواب لا تخرج عن رؤيتهم لمصلحتهم، فالصواب من وجهة نظرهم هو المرادف لمصلحتهم الخاصة وأهدافهم. والشعب الذى يتحدثون عنه لم يعطهم تفويضا ليتحدث نيابة عنهم، ومن اختاروا غيرهم من هذا الشعب ليسوا خونة كما اتهموهم، وإلا فإن معنى ذلك أن غير الخائنين من المصريين لا يتخطون عشر المصريين. ما ينبغى أن تتوقف أمامه تلك الجماعات التى تمارس الإسلام السياسى هو محاولة الإجابة ليس عن حيثيات حكم المحكمة، وليس للبحث عن أساليب الاعتراض وتحريك الشارع، ولكن يجب أن يسألوا أنفسهم لماذا استقبل هذا الحكم معظم المصريين والجماعات السياسية الأخرى بهذا القدر من الارتياح، وكأن غمة قد انزاحت عن صدورهم. أظن أن الأفضل لهؤلاء الآن أن يبحثوا فى تلك الأسباب التى جعلت من صوتوا لهم فى الانتخابات البرلمانية شعروا بالندم على تصويتهم هذا، ولماذا شعروا بأن حكم المحكمة الدستورية جاء ليخلصهم من عذاب الضمير لأنهم ساهموا فى تمكين جماعات الإسلام السياسى من التحكم فى مقدرات كل المجتمع. بدلا من التخطيط لحرق الواقع عليهم أن يدرسوا لماذا تحول البرلمان إلى أحد أهم عوامل خسارتهم بعد أن تحول إلى دليل قائم ومستمر على حقيقة نواياهم تجاه ملامح الوطن.

أظن رد فعل الشارع على حكم المحكمة أهم من حكم المحكمة لأنه دليل على طبيعة هذا الشعب الذى يرفض ما رآه من ممارسات لجماعات تريد أن تأخذ المجتمع إلى غير ما يريد، وأيا كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية، فإن الهدف المقبل ينبغى أن يكون وضع دستور مدنى حقيقى وانتخاب برلمان معبر عن طموح كل الشعب، وهذا يتطلب خارطة طريق ولهذا حديث آخر.

الصامتون والصوت العالى

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

ما يستحق التعليق والحديث عنه فى مصر كثير هذه الأيام، بحيث لا تتسع مساحات محدودة لتناوله، لذا فسوف أتناول اليوم موضوعين فى هذه المساحة المحدودة لأهمية التعليق عليهما الآن وليس بعد عدة أيام.

فليتحدث الصامتون

أشرت فى المقال الماضى إلى أنه قد آن الأوان لأن تخرج القصة الحقيقية لما حدث فى ميدان التحرير منذ الخامس والعشرين من يناير، هناك قصة لم تُرو بعد، حاولت فى كتابى الأخير قدر استطاعتى، ومع ما كان لدىَّ من معلومات، ومن الزاوية التى كنت فيها – أن أرسم بعض ملامحها، ولكن الأكيد أن هناك أطرافاً أخرى فى الدولة، ومن الأشخاص الآخرين الذين كانوا يشاركون أو يتابعون ما يحدث بحكم مواقعهم أو لقربهم من مواقع الأحداث أو مواقع المتابعة واتخاذ القرار.

أدعو – بل أطلب – من تلك الأجهزة وأولئك الأشخاص أن يقدموا ما لديهم، أنا هنا أتحدث – فيما أظن – باسم قطاع كبير من المصريين الذين بدأوا يحتارون فيما يحدث، خاصة مع ما بدأ يتسرب من معلومات تتناقض مع ما ظل الإعلام والعديد من السياسيين يقدمونه طوال العام والنصف الماضيين.

وزاد على ذلك قضايا قتل المتظاهرين التى حصل معظم المتهمين فيها على أحكام بالبراءة، وأتت قضية الرئيس السابق الأخيرة، وحصول مساعدى وزير الداخلية الستة على البراءة ليلقيا مزيداً من التساؤلات الممزوجة بالغضب لعدم معرفة ما حدث، ثم أتى بعد ذلك ما تردد عن حقيقة ما حدث يوم ما اصطلح على تسميته «موقعة الجمل»، وكنت قد أشرت أيضاً إلى هذه القصة فى كتابى الأخير، وبدأت بعض المعلومات تتسرب عما حدث فى هذا اليوم من أطراف مختلفة.

أنا هنا لا أتبنى قصة بعينها أمام قصة أخرى، لكنى فقط أطلب ما يطلبه كل العقلاء من المصريين لمعرفة ماذا حدث ومن المسؤول بالأساس عن قتل المتظاهرين والآخرين من غير المتظاهرين، ومن هم هؤلاء من غير المتظاهرين؟ وماذا كانوا يفعلون؟ طمس الحقيقة هنا ليس فى مصلحة طرف ضد طرف، لكنه مسؤولية أخلاقية مسؤول عنها من يطمس أو يصمت عن تقديم ما لديه من حقائق.

أستغل هذه المناسبة المرتبكة لأطلب من كل الصامتين الذين يعرفون ويملكون أدلة وروايات ومشاهدات أن يتحدثوا، ما يحكمنى فى هذا المطلب هو منطق الأشياء، فالأكيد أن الجهة التى تولت مسؤولية البلاد منذ مساء الثامن والعشرين من يناير، وهى القوات المسلحة، لديها الكثير من ملامح الصورة الحقيقية، سواء بطائراتها التى كانت تجول فى سماء القاهرة وقتها، أو من خلال عناصرها التى كانت تتواجد فى مناطق مصر المختلفة، والأمر ذاته لدى الأجهزة الأمنية الأخرى التى كانت تتولى حماية ومتابعة البلاد فى هذه المرحلة، والأكيد أنه مع ما تمتلكه هذه الأجهزة من إمكانيات تقنية وتصويرية وتسجيلية وانتشار بشرى لعناصرها فإنها تمتلك من ملامح الصورة الكثير الذى يساعدنا نحن المواطنين البسطاء المرتبكين فى فهم ما حدث ويحدث.

أيضا أستغل هذه المناسبة لأطلب من السيد عمر سليمان، نائب الرئيس السابق، رئيس جهاز المخابرات السابق، أن يقدم هو الآخر شهادته عما حدث ليس أمام محكمة أو جهة ولكن لكل المصريين، هذه أمانة يجب على كل من يحملها أن يؤديها. قد لا يكون الوقت مناسباً لتقديم كل ملامح الصورة المتوفرة ولكنى أتحدث هنا عن كل ما يمكن عرضه وتقديمه من حقائق.

ملاحظة مهمة حول هذه القضية: ليس معنى المعرفة بحقيقة ما حدث من تفاصيل التقليل من حجم الحدث أو تفسيراته السياسية، ولا يعنى تقديم الحقيقة إنكار أن ما حدث فى ٢٥ يناير هو تحرك شعبى مصرى حقيقى أدى إلى تغيير النظام، دفع الثمن بعض من أبناء الوطن، ومن أجل هؤلاء لنا ولهم الحق فى أن نعرف الحقيقة، لذلك، فليتحدث الصامتون.

فيها يا أخفيها

ونحن صغار كان أكثر ما يزعجنا ويضايقنا عندما نلعب كرة القدم فى الشارع، أو نلعب أى لعبة جماعية أخرى من ألعاب تلك الفترة، أن يقف بعض ممن لم نرغب أن يشاركونا اللعب فى وسط الملعب ويصرخوا بصوت عال: «فيها يا أخفيها»، أى إما أن يدخل اللعبة ويشارك فيها، وأحيانا يريد أن يكون هو القائد أو الكابتن، أو يخفى اللعبة بكاملها ويمنعنا من لعبها، ويتجاهل هذا «المستعفى» أننا رفضنا أن يشاركنا فيها لأنه غير مرغوب فيه منا، أو لأنه لا يصلح لها، لكن هذا لا يستوقفه لأن كل ما يريد أن يكون فيها أو يخفيها.

الوضع الذى نحن فيه الآن يذكرنى بهذه الصورة، التى أظن أن العديد من القراء يتذكرونها بشكل أو بآخر. فبعد أن قبلت الأطراف الاحتكام إلى صندوق الانتخابات، رغم ملاحظاتى الشخصية التى أشرت إليها أكثر من مرة، إلا أن هذا ما اتفق عليه بين الأطراف المشاركة فى اللعبة السياسية الدائرة فى مصر، والغريب أن يأتى اليوم بعض الأطراف التى قبلت بالمشاركة فى ظل القواعد المتفق عليها لتحاول أن تمارس نفس ممارسة «المستعفى» أيام الطفولة صارخا «فيها يا أخفيها». يا سادة إنها ليست لعبة كرة قدم فى الشارع لكنه أمن وطن وبشر، ولا أتمنى أن يجد ذلك الصوت العالى استجابة من أى من الأطراف المؤثرة، خاصة أصحاب الشأن الحقيقى، أقصد المواطنين الذين تعبوا من العبث بهم وبحياتهم.

الغريب أن هؤلاء ليس لديهم مانع من استغلال الضغط على القضاء، والطلب من مؤسسات عادوها فى الماضى القريب أن يتعاونوا معها من أجل تحقيق رغبتهم فى اللحاق بقطار الحكم بأى صورة، ولا مانع من استخدام جميع الوسائل، حتى التى لم يستخدمها النظام الذى سقط من قبل، من أجل تحقيق هدفهم الشخصى الأسمى تحت غطاء من قنابل الدخان الثورية

مرة أخرى: ارحموا مصر وأهلها.

مهرجان الإخوان الانتخابى

المرشد العام للإخوان المسلمين

بقلم عبداللطيف المناوى
مرة أخرى تنجح الجماعة فى التغرير بالقوى السياسية والشبابية، ومرة أخرى تثبت ثيابها على مبدأ أن الهدف دائما يبرر الوسيلة، وكما استغل الإخوان من قبل الشباب وجماعات المعارضة السياسية والقوى التقليدية والجيش وأدى كل منهم الغرض منه ثم تم التخلص منه أو التخلى عنه بعد ذلك، مع الحرص دائما على أنه عندما تكون هناك حاجة لهذا الطرف أو ذاك يعودون لاستغلالهما مرة أخرى. كما حدث هذا من قبل فإن هذا يحدث الآن فى هذه الأيام مرة أخرى بممارستهم عمليات تسخين للأجواء لخلق حالة مزاجية عامة يستطيعون من خلالها التغطية على حالة الخوف التى انتابت قطاعاً كبيراً من المصريين من سيطرتهم التامة على الحكم، واستبدال هذه الحالة بحالة جديدة من الغضب وخلق مزاج عام يكون أكثر تقبلاً لمرشحهم الرئاسى، مقابل زرع حالة نفور ضد المرشح الآخر، وفى هذا الإطار يمكن اعتبار ما حدث خلال اليومين الماضيين فى ميدان التحرير وبعض التجمعات الصغيرة فى مدن مصرية أخرى وتلك الحالة الإعلامية، كل هذا ما هو إلا مهرجانات انتخابية للترويج لمرشح الجماعة.

عقب الأحكام الصادرة بحق الرئيس السابق بالسجن المؤبد، كان الحكم أشد مما توقع معظم المصريين، لن أناقش هنا الحكم احتراماً لأحكام القضاء التى لا يريد كثيرون احترامها وإيمانا بما أدعو إليه دائماً من أهمية تأسيس دولة القانون، التى من أهم ملامحها احترام أحكام القضاء واتباع السبل القانونية للاعتراض أو المطالبة بإسقاط أو تعديل الأحكام. عندما علمت أن هناك مظاهرات رافضة لهذه الأحكام كان الظن الأول أنها مظاهرات من المتعاطفين مع الرئيس السابق، الذين وجدوا من الحكم أشد مما كانوا يتوقعون، لكن المفاجأة أن من قاد وأشعل هذه المظاهرات هم جماعات الإسلام السياسى، التى تتعرض فى هذه المرحلة لمأزق انتخابى. وهى من المرات القليلة التى دعت فيها جماعة الإخوان جميع أنصارها وتابعيها للخروج إلى الشارع والمشاركة فى المظاهرات، ويسارع الإعلام بمختلف أطيافه لنشر هذه التعليمات، ونجح الإخوان مرة أخرى فى التحرير بالقوى والجماعات التى تسمى نفسها «القوى الثورية»، ولم يسلم الأمر من بعض الأفراد الذين تلبستهم حالة الزعامة، فأغلقوا مداخل ميدان التحرير ونزلوا إلى بعض الميادين فى بعض المدن، فبدا الأمر وكأن هناك حركة شعبية جديدة هى فى الحقيقة لا تخرج عن كونها مهرجاناً انتخابياً كبيراً نجح الإخوان فى حشده مجانا أو على حساب وسائل إعلامية يستغلها بعض الإعلاميين لمصلحتهم الخاصة.

خلق هذه الأجواء هو هدف انتخابى بحت لدفع المزاج العام إلى رفض المرشح الآخر، وهى قنبلة دخان تغطى وتصرف النظر عن مخاطر سيطرتهم التى يهدفون لها.

نقطة أخيرة، تعليقاً على الأحكام وحيثياتها، أظن أنه آن الأوان لأن تخرج القصة الحقيقية والمعلومات الحقيقية عما حدث فى مصر منذ ٢٥ يناير العام الماضى وحتى تنحى مبارك. أظن أن المعلومات حاضرة لدى أطراف وجهات متعددة لم يعد مقبولا امتناعهم خوفاً أو قلقاً أو نفاقاً أو رغبة فى هدوء بالهم.. وهذا موضوع آخر له حديث آخر.

فزاعة البرلمان لمن يجرؤ

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
الاستراتيجية الواضحة الآن فى تعامل القوة السياسية الحاكمة هى استخدام جميع وسائل القوة المتاحة لديهم لترهيب أو إسكات من يجرؤ على الوقوف للمناقشة أو الاعتراض، أو وضع الأمور فى نصابها بشكل يتعارض مع مصلحة الحكام الجدد. ولم يعد هؤلاء الجدد يهتمون كثيرا بمظهرهم أمام الرأى العام، فقد أدى هؤلاء المكونون للرأى العام مهمتهم فى الانتخابات البرلمانية ومكنوهم من الإمساك بتلابيب الدولة والمجتمع بشكل لم يتخيله أحد ولن يتخلوا هم عنه. الجزء الآخر فى سيناريو التخويف والإشغال هو طرح قضايا وموضوعات خلافية تثير جدلا وفزعا بين كثيرين، ثم المسارعة بالتنصل من هذه القضايا فيما بعد عندما تكون قد حققت هدف الإشغال المطلوب عن خطوات أخرى هم فيها سائرون، وتفصيلا لما أقول أقدم بعض النماذج للتدليل على ما أقول.

جرؤ البعض على تهديد درة التاج المسماة بمنصب رئيس الجمهورية بالترشح، وهو ما يهدد حصولهم على هذا المنصب، فانتفضوا محذرين ومخوفين، ليس هذا فقط، بل مستخدمين أداتهم الرئيسية فى معاركهم والمسماة بالبرلمان ليصدروا قانونا فى ساعات، وهى قدرة تفوقوا فيها على سابقيهم الذين كان يطلق عليهم ترزية القوانين، فهم فى أدائهم هذا قدموا نموذجا صعبا تكراره، ويقف أمامه المتهمون فى العهد السابق منبهرين بالمستوى الجديد الذى لم يصلوا إليه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل نجحوا فى خداع العديدين من القوى السياسية المدنية الذين أعماهم العداء لكل ما هو مرتبط بالنظام القديم عن رؤية الخطر المقبل، فتحالفوا من أجل إجهاض أى محاولة للحفاظ على البقية الباقية من مدنية الدولة.

عندما جرؤت المحكمة الدستورية العليا على قبول دراسة القانون الذى أقره البرلمان، ليس هذا فقط، بل عندما تجاوزوا وبدا أن المحكمة الدستورية العليا بصدد الحكم فى دستورية البرلمان كان التلويح القوى بهدم معبد المحكمة الدستورية العليا على رأس من جرؤ على تهديد الإطاحة بالغنيمة الكبرى، فيتقدم أحد أعضاء حزب الجماعة بمشروع قانون بـ«تعديل أحكام القانون المنظم لعمل المحكمة الدستورية العليا»، وهى خطوة تضرب القضاء فى مقتل وتؤدى إلى عواقب وخيمة.

لم يكن القصد من مشروع القانون تمريره، ولكنه رسالة ترهيب للمحكمة الدستورية العليا بأنهم يملكون القدرة على جعل حياتهم أكثر صعوبة، وبعد أن أدت هذه الخطوة الغرض أعلن النائب الذى تقدم بالقانون سحبه حاليا، وعندما أسمع من يجادل بمفهوم الفصل بين السلطات وأن هذا السلوك يتناقض مع هذا المبدأ الراسخ لا أملك إلا أن أبتسم بمرارة.

أما قضايا الإشغال فحدث عنها ولا حرج، لكن أكثر ما استوقفنى هو تلك الهجمة على كل ما يمكن اعتباره مكتسبات للطفل والمرأة والأسرة خلال السنوات الماضية، ويحتمى القائمون بهذه الهجمة بأن هذه القوانين صدرت فى العهد الماضى الذى يجب التخلص من كل آثاره، وللأسف ينجحون فى ذلك أحيانا مع العديدين ممن كانوا أصحاب أصوات عالية فيما مضى فى الترويج لهذه الخطوات والقوانين، آخر هذه القضايا هى قضية ختان الإناث.

فقد أثار خبر تردد قافلة طبية فى المنيا تابعة لحزب الحرية والعدالة، تقوم بختان البنات هناك – ردود فعل غاضبة فى جميع الأوساط المعنية بحقوق المرأة، وكانت نائبة مثيرة للجدل قد طالبت من خلال مجلس الشعب بضرورة ختان الإناث لضمان الستر والعفة، وهذه ليست المرة الأولى التى تطالب فيها النائبة بمثل هذه المطالبات المثيرة للجدل.

فقد سبق لها أن طالبت بإلغاء قانون التحرش لأن المرأة هى المسؤولة بملابسها عن التحرش بها، ومرة أخرى طالبت بإلغاء قانون الخلع لأن المرأة ليس لها قوامة والقوامة للرجل، وأخيراً طالبت بختان البنات باعتبار أن الختان شرف وسترة للبنت.

وتقدم أحد النواب بمشروع قانون لتعديل نص المادة ٢٤٢ مكرر من قانون العقوبات، المضافة بالقانون ١٢٦ لسنة ٢٠٠٨ الخاصة بتجريم عمليات الختان، على وجه العموم، وخرج أحد المتحدثين باسم حزب النور، قائلاً إن مشروع قانون ختان الإناث الذى تقدم به أحد أعضاء الحزب يهدف إلى إلغاء كلمة تجريم الموجودة فى القانون الذى وضعه المجلس القومى للمرأة بالتعاون مع سوزان مبارك، زوجة الرئيس السابق.

لكنه أضاف أن حزبه سحب المشروع من لجنة الاقتراحات والشكاوى وقبل الدخول فى إجراءات مناقشته بسبب أن العضو قدمه إلى اللجنة قبل الرجوع لرئيس الهيئة البرلمانية للحزب مؤكدا أن هناك أدلة على ذلك تثبت جواز الختان للإناث، أيضاً هناك فتوى من مجمع البحوث الإسلامية والمستقر عليه من السنة النبوية على جواز الفعل، وأن ما يتم من ختان الإناث فى أرياف مصر ليس فيه إساءة أبداً للمرأة وليس من قبيل التعدى على أنوثتها، فلا داعى للمزايدة على الفعل وتجريمه.

إن ما يحدث له وجهان، الأول إلهاء للشعب عن قضايا رئيسية، وأسأل هنا ما أخبار اللجنة التأسيسية للدستور؟ والوجه الآخر هو الكشف عن الرؤية الحقيقية للتيار الحاكم فى أمور الفرد والأسرة والمجتمع.

رئيس بلا أجنحة

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
لا حديث فى مصر أو عن مصر هذه الأيام سوى الحديث عن الرئيس القادم، وتختلف الجلسات والأشخاص والأماكن، لكن القاسم المشترك هو سؤال واحد: من هو الرئيس القادم؟ ولمن ستعطى صوتك؟ على الرغم من مشاركتى فى النقاش الدائر دائماً حول هذا الموضوع، وإدلائى بدلوى فى التقييم الخاص بالمرشحين، والذى دائماً أستحضر فيه ما ذكره أحد الأصدقاء من أن لديه الأسباب التى تدفعه كى لا ينتخب أياً من المرشحين المطروحين، لكنه لا يجد سبباً يدفعه للتصويت لمرشح بعينه، ويستمر النقاش لتصل الأغلبية إلى قناعة بأن الاختيار ليس بالضرورة للأفضل بشكل مطلق، لكن هى مفاضلة بين الأسماء المطروحة، لكنى لا أتوقف عند هذا الحد، وأطرح سؤالا يبدو صادماً فى البداية، لكنه منطقى فيما أظن: هل نعطى لموضوع انتخاب الرئيس أكبر من حجمه؟ أو بشكل صحيح هل الأمل فى أنه بانتخاب الرئيس القادم نكون قدخرجنا من الأزمة التى نمر بها؟ أعلم أن هذا السؤال فيه خطوتان إلى الخلف وتأثير صادم ناتج عن مواجهة الحقيقة كما هى.

لا أريد أن أفسد الإيجابيات الحقيقية فى عملية الانتخاب والحماسة الكبيرة لدى عدد كبير من المصريين وحالة الترقب لمن سيفوز، لكننى أعتقد أن هذه الإيجابيات شكلية فى مواجهة الواقع الذى نتغافل عنه بقصد أو بدون. ولكى أشرح ما أقصد فإننى سوف أفترض افتراضين وأطرح مجموعة من التساؤلات.

الافتراض الأول أن يفوز أحد المرشحين الإسلاميين بالانتخابات، وفى هذه الحالة فإن علينا أن ننسى إلى أجل لا يعلم مداه إلا الله موضوع الدولة المدنية، خاصة مع حالة التشرذم والتناحر والإقصاء التى تتلبس الليبراليين والمقيدين فى كشوف الليبراليين، وبالتالى فإن هذه النتيجة سوف تكون تحصيل حاصل لواقع بدأ فرضه علينا، وذلك من خلال الأغلبية البرلمانية من ممثلى الإسلام السياسى، سواء من الجماعة أو توابعها. وهنا سوف يكون السؤال المطروح بقلق: أين سيكون موقع المؤسسة العسكرية؟ وهل ستقف موقف الدفاع عن مدنية الدولة، أم ستسلم بالأمر الواقع؟ وإذا ما تطورت الأمور بشكل تفاقمى إلى الأسوأ اقتصادياً أو سياسياً بشكل يدفع إلى الفوضى، فكيف ستكون طبيعة النزول الثانى؟ وإلى أى جانب سيكون الانحياز.

الافتراض الثانى أن يكون الرئيس المنتخب من غير الإسلاميين وهنا يبرز السؤال: ما معنى أن تكون رئيسا؟ والإجابة هى أن ذلك يكون بأدوات ممارسة السلطة. وهنا نسأل فى هذه الحالة التى يفوز فيها واحد من غير الإسلاميين: ما هى الأدوات التى يملكها؟ والإجابة أنه فعليا لا يملك شيئاً، البرلمان بأغلبيته الساحقة ليس معه، الحكومة بالتأكيد لن تكون معه، ليس له حزب يحميه، ولا قواعد شعبية منظمة تدعمه، وهذه ملحوظة مهمة أن المرشحين الأساسيين لا حزب لهم، يضاف إلى ذلك أنه لا يوجد جهاز أمن داخلى قادر على الفعل وحفظ الأمن بحق، ومن غير المعروف فى حال الحكومة القادمة كيف ستتم إدارته، كذلك فإن المؤسسة العسكرية نتيجة الأوضاع التى نعيشها سوف تجد لنفسها صيغة تحافظ فيها على استقلاليتها وعدم تأثرها بالتفاعلات السياسية، إضافة إلى ذلك لا يعرف الرئيس القادم ما هى طبيعة وظيفته بالضبط؟ وكيف ستكون علاقته بكل هؤلاء؟ باختصار فإن الرئيس القادم فى هذه الحالة سوف يكون رئيساً منزوع الصلاحيات، كطائر نزعوا ريشه، بل كسروا جناحيه. ليس هذا فقط، بل إنه قد يكون الرئيس الأول فى العالم، الذى بدأت الهتافات ضده قبل أن يأتى وقبل أن يعرف من هو عندما رفع البعض شعار «يسقط الرئيس القادم». سوف يكون أشبه بنخلة فى وسط الصحراء، يقف منفردا يواجه مصيره، فإما أن يقاوم فينكسر أو أن يطاطى ليعيش، وهذا سيقودنا مرة أخرى إلى الجزء الثانى من السيناريو الأول.

لا أريد أن أبدو كمن يفسد الفرحة، لكنى أطالب بالنظر بواقعية إلى الأمور، وقد يكون هذا طرحا متأخراً كثيراً، لكنى لا أملك إلا أن أطرحه: هل حقا هذا هو الوقت المناسب لإجراء انتخابات رئاسية؟ هل هذا هو الشكل الذى نريد أن نرى وطننا عليه؟