الانفلات الأمنى

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

نكسة ٦٧ كانت إحدى العقبات المهمة فى تاريخ مصر، كانت أحد التحديات التى واجهها الجيش والشعب، التحدى الأكبر لم يكن من الهزيمة التى مُنى بها الجنود المصريون فى حرب لم يقاتلوا فيها بحق، وإنما كان الخطر الأكبر هو التخوف من تلك الموجة العامة من السخرية والانتقاص من الجندى المصرى والجيش المصرى. من المعروف أن تلك المرحلة قد شهدت موجة عالية من التهكم على القوات المسلحة التى هُزمت وأُجبرت على الانسحاب، وكان الإدراك السياسى فى تلك المرحلة عندما انطلقت الدعوة للشعب المصرى، للتوقف عن السخرية من الجيش وامتهان الجندى المصرى.

لولا قدرة المصريين فى تلك الفترة على ضبط أنفسهم ووعيهم بخطورة تحطيم معنويات قواتهم المسلحة لما تمكن المصريون جيشاً وشعباً من إعادة بناء القوات المسلحة، التى تمكنت من تحقيق الانتصار المهم الوحيد فى تاريخ المصريين والعرب فى العصر الحديث. إعادة البناء فى تلك المرحلة اعتمدت على فهم الأخطاء لتجنبها، والتركيز على مناطق القوة لتدعيمها، ووضع هدف استراتيجى واضح.

لا حديث، بل لا تخوف بين المصريين اليوم أكثر من تلك الحالة التى اصطلح على تسميتها «الانفلات الأمنى»، الذى تعددت مظاهره خلال الفترة الماضية ما بين عمليات خطف وسرقة «وتثبيت» وسرقة قطارات وجرائم سطو مسلح وأمور أخرى مختلفة كانت جديدة علينا، لكنها أصبحت من بين أخبار الصباح المعتادة، ولعل أكثر الجرائم تلك الجريمة التى وقعت نهاراً وراح ضحيتها أم دفعت ابنتها ثمنا غالياً لهذا الانفلات الأمنى، وهذا مجرد نموذج بسيط لحالات أصبحت كثيرة ومتعددة.

والسؤال الآن: ما العلاقة بين حديثى عن الجيش فى ٦٧ وحالة الانفلات الأمنى إجابتى هى أن الجيش المصرى تمكن من استرداد كرامة الأمة عندما حافظ الشعب على كرامة جيشه، وصحح من أخطائه، ولو لم يحدث هذا لما شاهدنا النصر، وهكذا الحال مع الجهاز الأمنى، فحالة الامتهان المستمرة والمطاردة والتهكم لا تفعل إلا ضياعاً للهيبة والقوة، أقول الهيبة ولا أقول التسلط، ودون هذه الهيبة ودون هذه القوة لا أمل فى استعادة الأمن، وأعود لأذكر بأن مخطط تركيع الدول يعتمد على أربعة عناصر أساسية: إسقاط الأمن الداخلى، وتدمير الثقة فى القضاء، والدفع لأزمة اقتصادية خانقة، ثم حل الجيش وتفريقه. ينبغى ألا ننسى ذلك أبداً.

الرابط الأصلي في المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328491

لم يعد هناك «ساموراى»

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

اعتادت مجموعة من قطاع الطرق الصعاليك، يمكن أن نقول بلطجية، التهجم على القرى النائية وسلب أهلها، أراد القرويون أن يضعوا حدا للهجمات فأرسلوا بعضاً منهم للبحث عن رجال «ساموراى» للدفاع عن القرية، وعادوا ومعهم سبعة من الساموراى ليدافعوا عن القرية ويدربوا أهلها. بالطبع هذه قصة فيلم «الساموراى السبعة» للمخرج اليابانى الأشهر أكيرا كوروساوا الذى أخرجه عام ١٩٥٤.

القرويون المكسيكيون الذين تعرضوا للاستغلال من زعيم عصابة اسمه «كالبيرا» يذهبون لطلب المساعدة من «كاوبويز» أمريكيين، والنتيجة هى فيلم «العظماء السبعة» أحد أهم أفلام الغرب الأمريكى لمخرجه جون سترجز عام ١٩٦٠، وبالطبع هو مأخوذ عن الساموراى السبعة.

أثناء الحرب العالمية الثانية، أى وقت الفوضى، تتعرض واحة نائية بالصحراء لهجوم مجموعة من المسلحين بقيادة المارشال برعى، يسافر شيخ القبيلة للقاهرة لشراء الأسلحة اللازمة، يستعين بشخص يدعى الزناتى، الذى يستعين بدوره بمجموعة من أصدقائه، يدخلون المعركة ضد برعى، وهذا بالطبع فيلم «شمس الزناتى» الذى أخرجه سمير سيف عام ١٩٩١ وبطولة عادل إمام، وهو بالطبع مقتبس من الفيلمين الأولين.. كل هذه الأفلام انتهت كما نعلم جميعا بالقضاء على العصابة وانتصار القرويين بمساعدة المحترفين.

الملاحظ على هذه القصص التى تعاملنا معها دوما على أنها غير حقيقية أنها حدثت فى مناطق نائية، فى ظل سيادة الفوضى، وغياب كامل للأمن أو القانون أو الدولة.

الوقت: فجراً، صوت ميكروفونات مسجد القرية يهز أركان القرية الصغيرة طالباً من رجال القرية وشبابها الخروج دفاعا عن شرفهم وعرضهم، يخرج كل منهم شاهرا سلاحه، سكين مطبخ أو عصا غليظة، يصلون إلى المسجد ليعلموا أن مهمتهم هى مطاردة البلطجية الذين حولوا حياتهم إلى جحيم، سرقوا وقتلوا واغتصبوا، هؤلاء البلطجية يتزعمهم «سنكافولا» وهو مسجل خطر كان ذكر اسمه كفيلا بزرع الرعب فى القلوب، وينطلق أهل القرية فى الحقول لمطاردة البلطجية بزعامة «سنكافولا»، بلغ عدد المشاركين فى المطاردة حوالى ٣ آلاف رجل وشاب، حتى تم الإمساك بالبلطجية، تم ربطهم فى أعمدة الإنارة بالقرية، وقام عدد كبير من أهل القرية بالاعتداء بالضرب عليهم، حتى لفظوا أنفاسهم الأخيرة، أحد شهود العيان قال: بعدما تمكنا من الإمساك بالبلطجية اتصلنا بالشرطة العسكرية، لكنها حضرت بعدما لفظ اللصوص أنفاسهم الأخيرة.

ما فات ليس قصة فيلم قديم ولا مشروع فيلم جديد أى مخرج بصدد إخراجه، أيضا ليس اقتباساً من أى من الأفلام السابقة لكنه قصة حقيقية أظنكم على علم بها، حادثة حقيقية وقعت فى قرية «بقيرة» التى تقع على بعد ٧ كيلومترات من مدينة بنها منذ يومين. ومع الأسف الشديد هى قصة باتت متكررة بأشكال مختلفة فى مناطق متعددة من قرى وأحياء ومدن مصر، فى قلب المدن وفى كبد الوطن وليس على أطرافه، وغير بعيد عن الذاكرة ما حدث فى إحدى المدن التى طالب بعض كبارها بجمع التبرعات من أجل شراء سلاح للدفاع عن المدينة.

القصص السينمائية التى ذكرتها فى البداية، والتى كنا نتفاعل معها داخل قاعات السينما، كان مؤلفوها يفترضون حدوثها فى الأماكن البعيدة عن السلطة ومركز الدولة وفى سيادة الفوضى، وأخشى أن ما نراه الآن من مثل هذه الحوادث فى مراكز الدولة هو دليل على سيادة الفوضى، وغياب الأمن، وغياب القانون.

لا أتمنى أن أجد من يبادر الآن إلى كيل الاتهامات إلى الشرطة والجيش والنظام السابق والوزارة السابقة وإلى أى طرف آخر ليحمله المسؤولية، أخشى أننا قد وصلنا إلى مرحلة الخطر، مرحلة تفكك الدولة فى ظل غياب الأمن وتغييب القانون، أخشى أن كل ما نحاول خلقه أو تخيله من إنشاء نظام جديد ما هو إلا بناء بلا أساس فى ظل هذا الخلل الواضح الكبير، فى ظل غياب عصب مركزى يلم أطراف هذه الدولة التى يتم الدفع لتفكيكها.

لن أمل من القول والتأكيد: دون دولة القانون لن تكون هناك دولة.

وأعتذر عن المصارحة بالحقيقة التى تقول إنه لم يعد هناك «ساموراى»، وإن العظماء السبعة وشمس الزناتى لم يعودوا هناك.

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=319795