حقوق الطفل وبدلة الضابط

بقلم عبداللطيف المناوى

الجيش المصري

من أكثر الموضوعات التى تشغل بال وعقول المجتمعات الواعية فى عصرنا هذا هو كيف يمكن الوصول إلى جيل صحى النمو والتفكير. ومن أكثر الموضوعات تأثيراً فى نفوس الناضجين العاقلين تلك الموضوعات الخاصة باستغلال الأطفال فى الحروب والنزاعات السياسية، لذلك ظل أحد أهم البنود الخاصة بمواثيق حقوق الإنسان المختلفة هو ذلك المتعلق بحماية الطفل وحقوقه، ومن أكثر ما لدينا منذ سنوات طويلة فى بلدنا هى جماعات حقوق الإنسان، ولم أر أياً منها ينتفض عندما بدأ استغلال الأطفال سياسياً، والأكثر وضوحاً هو ذلك الاستغلال التليفزيونى لهم لتقديمهم باعتبارهم الزعماء السياسيين وقادة الثورة المقبلة ووقود الغضب، وكان صادماً رؤية إعلاميين وهم يتناقشون مع بعض هؤلاء الأطفال حال رؤيتهم الأوضاع وتقييمهم للسياسيين وأسباب رفضهم أداء مؤسسات الدولة وتحميسهم وتحفيزهم على الاستمرار فى التظاهر،

والغريب أن هؤلاء الإعلاميين أنفسهم يعلمون أنهم يخرقون أبسط القواعد المهنية بل القوانين، وأنهم فى العديد من الدول التى عملوا بها أو عاشوا فيها لم يكونوا يجرؤون حتى على أن يفكروا فى تناول مثل هذه الموضوعات مع أطفال فى هذا العمر، لو كانوا فى مكان آخر غير مصر. الأمر الآخر هو ذلك التجاوز غير المسبوق من مسؤولى مدارس قرروا أن ينتهكوا مسؤوليتهم تجاه الأطفال لحساب عقائدهم ومواقفهم، فنظموهم فى مظاهرات ودفعوا بهم إلى الشوارع.

كل بلاد العالم تزرع فى نفوس أطفالها الانتماء والارتباط بالبلد، وكل بلاد العالم تتعامل مع جيوشها باعتبارها رمزا لقوة وفخر كل بلد، وكنا فى مصر لفترات طويلة مثل هذه المجتمعات وكم من قارئ يذكر أنه حلم فى يوم من الأيام وهو طفل بأن يلبس بدلة الضابط، ومنهم من حقق حلمه وهو طفل فى الأعياد، ومنهم من حقق حلم أطفاله أيضا فى الأعياد، وكان هذا فى الماضى ونحن اليوم أو بعضنا اليوم يربى أطفاله وهو يزرع فى داخلهم أن الأعداء الذين يجب أن يسكتوا هم أولئك الذين يلبسون الآن بدلة الضابط.

الرابط الأصلي على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328980&IssueID=2417

إخراج الجيش من المعادلة

بقلم عبداللطيف المناوى

الجيش المصري

أكثر الحوارات حضورا فى جميع مجالس المصريين هو وضع القوات المسلحة، خاصة مع التطورات الأخيرة التى شهدتها مصر مؤخرا، ليس فقط منذ أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء بل من قبل ذلك، خاصة منذ أحداث ماسبيرو، وعلى الرغم من الاتفاق على أن هذه الأحداث قد لا يكون المجلس مسؤولاً عنها مسؤولية كاملة، فإن استغلال هذه الأحداث قد تم بشكل مؤثر فى توجيه الضربات إليه، تحقيقا للهدف الساكن بعض الرؤوس والعواصم بهدم العمود الباقى من أعمدة الدولة.. وهذا هو الخطر الكبير الذى لو أدركه العقلاء لكان رد الفعل مختلفا، صحيح أن هناك أخطاءً، وقع المجلس فيها فى إدارته للأزمة أو للدولة، إلا أن هذا لا يجوز أن يكون سببا لهدم المجلس ومن معه، لأن هدمه أو دفعه ليكون ظهره للحائط لن يدفع ثمنه سوى المصريين البسطاء، أصحاب هذا الوطن الحقيقيين. البعض منا يسوقه الغضب لما يبدر عن إدارة المجلس من أخطاء أحيانا لأن يستدرج نحو المشاركة فى الصراحة بخروج الجيش. الملاحظ أن حجم الثقة فى المجلس العسكرى آخذ فى التآكل خلال الفترة الأخيرة، ومن المتوقع أن تستمر هذه الحالة ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة لكسب الشارع مرة أخرى.

الجانب المطمئن حتى الآن، أنه على الرغم من هذه الحالة، فإن القطاع الأكبر من المصريين، الذين مازالوا يحافظون على فطرتهم، مازال يميل إلى الاستقرار، والمجلس – بشكل أدق القوات المسلحة – يعبر عن معنى الاستقرار، رغم كل ما يمكن أن يتهم به عن حق أو باطل فإن ذلك ينبغى ألا يكون مبررا للمشاركة دون وعى فى مخطط هدم الجيش. وأبادر بالإشارة إلى أن الفصل بين قيادة الجيش، المتمثلة فى المجلس، وبين الجيش نفسه، هو خلط مقصود الهدف منه تسهيل مهمة التخلص من المجلس، وبالتالى من القوات المسلحة كعامل اتزان من المهم وجوده فى هذه المرحلة إلى أن تصل البلاد إلى بر الاستقرار.

لم أكن يوما من الداعين لحكم العسكر، ولن أكون من المطالبين باستمرار حكم عسكرى غير مبرر، ولكن معادلة السياسة والحكم وتوازن القوى تغيرت فى مصر منذ الحادى عشر من فبراير، وأصبح الجيش عنصرا أساسيا من عناصر المعادلة، وإخراج هذا العنصر قسرا هو إخلال بالمعادلة يهدد بانهيارها، والانهيار هنا يعنى الفوضى.

أظن أن الوصول إلى درجة التشكيك فى مشاركة الجيش فى إحداث التغيير فى مصر، وصولا إلى جدوى الجيش، هو شكل من أشكال هدم جسور الثقة بين الشعب وجيشه. الاستناد إلى أخطاء، بعضها حقيقى والبعض الآخر غير حقيقى، والتركيز عليها إعلاميا هو الأسلوب المتبع الآن لدفع الجيش خارج الساحة. وقد يكون من المفيد الإشارة سريعا إلى بعض أخطاء إدارة الجيش للأزمة أو للدولة، وهذه الأخطاء التى كان من الممكن تداركها، ومازالت الفرصة سانحة، لابد من المصارحة بها ومواجهتها كخطوة أولى لوقف التآكل الحادث فى الثقة بالجيش، وتدعيم جسور الثقة التى هى قائمة بالفعل، ولكنها تحتاج إلى جهد ونية صادقين حتى تنجح المهمة.

قد يكون البطء فى اتخاذ القرارات هو الآفة الرئيسية التى يشعر بها الناس، وهذا البطء يفتح المجال واسعا للتشكيك، وتتطور الأحداث المتعلقة بالقرار حتى يكون القرار عند صدوره غير ذى جدوى، والأمر الأكيد هنا أن القرار الصحيح المتأخر هو بالتأكيد قرار خاطئ.

تجاهل لهفة الناس لمعرفة التفاصيل فى بعض القضايا المهمة، وفيما يبدو فإن الرغبة فى الالتجاء إلى القنوات التقليدية هى سبب التأخير فى بعض الأحيان، وطبيعة العمل والعاملين فى القوات المسلحة التى تميل إلى التحفظ هى السبب الآخر، لكن الأمر المهم هنا هو أن هذا التجاهل يخلق حالة من الغضب، والأهم أنه يزرع حالة من الشك وعدم تصديق ما يحاول المجلس العسكرى إقناع الناس به من قضايا، وقد يكون ذلك الجدل القائم حول مسألة وجود طرف ثالث يستهدف البلد هو نموذج واضح للتدليل على هذه الحالة.

أيضا، ما يبدو أحيانا من تضارب وعدم اتفاق بين أعضاء المجلس على شاشات التليفزيون وصفحات الصحف، إذ يخرج أحد القادة بتصريح، ما يلبث أن ينفيه تصريح آخر، وهذا أمر يلقى بظلال على مدى تماسك واتفاق أعضاء المجلس.

الخطأ الآخر الذى يقع فيه المجلس وهو يرتبط بكل ما سبق، هو عدم طرح حقيقة الأوضاع أو المشكلات والمخاطر التى تواجهها الأمة.. فإذا لم يعلم الناس حقيقة الأمور فلن يكون هناك من يأخذ موقفا إيجابيا، وهذا يفتح الباب واسعا لغرس بذور التشكيك والعداء، وهذا ما يهدف إليه النافخون فى الجمر. هناك حوادث يبدو منها الإصرار على هدم الجيش، وذلك بالمحاولة المستمرة لدفع أفراد الجيش للاحتكاك بالمتظاهرين لخلق أسباب لتفجير الحالة وضرب العلاقة بين الجيش والشعب.

هناك حاجة ملحة لأن يتحرك المجلس العسكرى على وجه السرعة لوقف هذا التآكل البادئ فى الثقة، التى كانت شبه مطلقة بين الشعب وجيشه، والوقت لم يتأخر للتحرك السريع لبدء اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتجاوز هذه الأوضاع المتأزمة، وهذا لن يحدث إلا بتحرك صادق وجاد وواع من المجلس، أهم عناصره هو خلق الثقة واستعادة هيبة الدولة.

رابط المقال على موقع المصري اليوم : http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=322386

.. ومازال الإصرار على إحراق الوطن مستمراً

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الآثار هى هوية المجتمعات، والأمم تستشرف مستقبلها من خلال المعرفة بتاريخها، للآثار. وبالتبعية فإن من أراد تفكيك أمة فعليه بمحو آثارها، وبالتالى إحراق تاريخها، ولنا فيما حدث ويحدث فى العراق دروسا. ما تعرض له الإرث الحضارى للعراق من تدمير وفق مخطط مرسوم. هذه القضية تعنى مجتمعا وهوية أمة، ومن يقطع هوية الأمة فإنه يقطع جذورها. وقد بدأت عملية تدمير الآثار فى العراق منذ ١٩٩١.

المجمع العلمى العراقى صرح من صروح العلم والمعرفة فى العراق، هذا المجمع تعرض، كأغلب المؤسسات، للسلب والنهب وهذا المجمع يعتبر منارة كبرى فى هذا البلد، ووصف بأنه البؤرة العلمية والملاذ الفكرى فى العراق، هذا المجمع تعرض للنهب.

وليس غريبا ما شهدناه ونشهده من محاولات مستمرة لإحراق مصر كلها، ويستغل فى ذلك جزء من أبناء هذا الوطن فقد القدرة على الإخلاص له. الحريق، بل الحرائق التى تشهدها مصر منذ أشهر.

محمد الشرنوبى، أمين عام المجمع العلمى المصرى، أكد فى تصريحات له أن الحريق الذى شب فى مبنى المجمع المجاور لمقر رئاسة الوزراء، نتيجة إلقاء زجاجات المولوتوف، أتلف كل محتوياته تماما التى تمثل تراث مصر القديم، وأن احتراق هذا المبنى العريق بهذا الشكل يعنى أن جزءا كبيرا من تاريخ مصر انتهى، هكذا ببساطة، أحرق هؤلاء المأجورون تاريخ مصر ومازالوا يجدون من يدافع عنهم.

المجمع العلمى المصرى أنشئ فى القاهرة ٢٠ أغسطس عام ١٧٩٨ بقرار من نابليون بونابرت، وهو مبنى أثرى عتيق من معالم مصر، كان مقر المجمع فى دار واحد من بكوات المماليك فى القاهرة، ثم تم نقله إلى الإسكندرية عام ١٨٥٩ وأطلق عليه اسم «المجمع العلمى المصرى»، ثم عاد للقاهرة عام ١٨٨٠، ويقدم المجمع أبحاثاً ودراسات عن أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية.

كان للمجمع المصرى أربع شعب : الرياضيات، والفيزياء، والاقتصاد السياسى، والأدب والفنون الجميلة، وفى عام ١٩١٨ أصبح مهتماً بالآداب والفنون الجميلة وعلم الآثار، والعلوم الفلسفية والسياسية، والفيزياء والرياضيات، والطب، والزراعة،

والتاريخ الطبيعى، تضم مكتبته أربعين ألف كتاب، أبرزها على الإطلاق كتاب «وصف مصر» وأطلس عن فنون الهند القديمة، وأطلس باسم «مصر الدنيا والعليا» مكتوب عام ١٧٥٢، وأطلس ألمانى عن مصر وإثيوبيا يعود للعام ١٨٤٢، وأطلس ليسوس، وهو ليس له نظير فى العالم وكان يمتلكه الأمير محمد على، ولى عهد مصر الأسبق.

كان الباعث على إقامته سببين، العمل على تقدم العلوم فى مصر، وبحث ودراسة أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، وعواملها الطبيعية، فضلا عن إبداء الرأى حول استشارات قادة الحملة الفرنسية، وهذه الأسباب هى الظاهرة للعيان، ولكن كان الهدف هو دراسة مصر دراسة تفصيلية لبحث كيفية استغلالها لصالح المحتل الفرنسى، ونتج عن هذه الدراسة كتاب «وصف مصر».

ما سبق قد يبدو وكأنه تقرير صحفى، كل ما أردته أن أزرع فيكم الإحساس بالخطر، عسى أن ينجح زرع الإحساس بالخطر فى التعبير عن تلك الحالة من اللامبالاة التى باتت تسكن بعضنا، بينما البعض الآخر قرر أن يعيش طقوس النفاق حتى الثمالة ولا يهتز لهم جفن. ودليلى اليوم على ذلك موقف أولئك الذين قرروا أن يستغلوا بعض الشباب الغائب عن الوعى وأطفال الشوارع لتنفيذ المخطط، الذى لو تم فإن طريق العراق هو الذى يدفعنا هؤلاء إليه، بينما يقف العديد من الزملاء الإعلاميين ينافقون ويتغاضون عما يحدث،

وكأنهم لا يرون ألسنة اللهب، بل تسيطر عليهم حالة الرعب من أن توجه إليهم سهام الاتهامات بأنهم ضد الميدان، نفقد الذاكرة ويفقد الوطن مناعته ويصر هؤلاء على تحسس أجسادهم للتأكد من أنهم فى مأمن من سهام المتربصين. يخشى هؤلاء على أنفسهم ويشاهدون ذاكرة مصر تحترق،

بينما هم مازالوا غارقين فى بحور النفاق، يكيلون الاتهامات لكل المتواجدين على الساحة السياسية. يحمل أحد الأطفال زجاجات المولوتوف وترتفع ألسنة اللهب ليسأل المذيع أو المذيعة على الهواء ضيفه مستنكرا: أين الشرطة ولماذا يقف الجيش ساكنا؟ ولا يجرؤ أن ينتقد سلوك الشباب الذى يحرق تاريخ الوطن دون أن يدرك أنه مجرد أداة يستخدمها آخرون لنشهد عراقا آخر مع اختلاف الأساليب.

حرق التاريخ وفك الارتباط بأوصال الماضى هو أهم خطوات نزع الأمة من أصولها، خاصة إذا ما رافق ذلك تهوين مما يحدث من تخريب هو، وفقا لكل شواهده، متعمد.

الرابط الاصلي على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=321535