وهم التعددية الحزبية (٤)

بفلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد يقول قائل هذه الأيام إن الأحزاب الدينية غير دستورية، ذلك أنها قامت على أسس تتناقض والدستور، سواء الدائم الذى لم يعد دائما، أو الإعلان الدستورى الذى من المفترض أنه وجد ليحدد الطريق إلى أن نمتلك دستورا جديدا.

سوف يقوم عديدون برفع قضايا أمام المحاكم للطعن فى دستورية، وبالتالى شرعية، وجود هذه الأحزاب، وبالفعل هناك قضايا بهذا الشكل. أيضا، يوجه العديدون اللوم والاتهامات إلى المجلس العسكرى، لأنه سمح بهذا الاختراق الدستورى.

على الرغم من اقتناعى بهذا الطرح الذى يلقى بظلال من الشك «الكبير» حول مشروعية هذه الأحزاب التى اعتمدت فى الأساس على المرجعية الدينية، وعلى الرغم من اقتناعى أيضا بأن هذه الخطوة سوف تكون سببا أساسيا فى تأخر نمو مفهوم الدولة المدنية.. على الرغم من ذلك، فإننى لن أشارك فى هذا التحرك الهادف لنزع الشرعية عن هذه الأحزاب، لسبب بسيط هو أن هذه القوى – ولن أقول الأحزاب – قد باتت تمتلك، فى إطار التغييرات الكبيرة التى شهدتها مصر، ما يمكن أن يطلق عليه «حصانة الوجود»، هذه الحصانة التى اكتسبتها من نتائج الانتخابات الأخيرة، التى أثبتت فشل كل أصحاب الأصوات العالية فى الادعاء بأنهم يملكون الشارع، ولكن يحول بينهم وبين قيادته الحزب الحاكم على مر السنين، وعندما حانت الفرصة كانت النتيجة التى أثبتت أنهم لا يملكون الشارع.

هذا الموقف لا يعنى أن التيار الإسلامى السياسى يمتلك الشارع، فاللحظة الراهنة يعانى المجتمع المصرى فيها من تلك الحالة الناجمة عن تراجع – إنْ لم يكن الانهيار النسبى – للقوة المركزية التى هى جزء أصيل من طبيعة الدولة المصرية منذ نشأ المجتمع، وهذا الغياب يتسبب فى قدر كبير من الارتباك فى حركة المجتمع سياسيا.

ويظل السؤال: «لماذا حصدت القوى الدينية السياسية، أو بمعنى أدق التى احتلت الساحة سياسيا، هذا الدعم الكبير فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟ وهل هذا يعنى أن المجتمع المصرى برمته اتجه فجأة نحو تديين السلطة؟ وقبل الإجابة هنا عن هذا التساؤل، فإنه يجب التوقف للحكم أولا على ما إذا كانت هذه القوى يمكن اعتبارها أحزاباً بالمعنى الصحيح للأحزاب أم لا؟ ويمكن القول فى هذا المجال إن ما لدينا الآن من أحزاب دينية لا تمتلك المقومات الصحيحة لاعتبارها كيانات حزبية، فيما عدا الإخوان المسلمين الذين هم بالأساس جماعة سياسية دينية، قررت أن تمتلك ذراعا حزبية، فأنشأت حزبها الذى حل أولا فى نتائج الانتخابات الأخيرة، أما الأحزاب الأخرى فهى أبعد ما تكون عن مفهوم الحزب، بل إنها قوى أو مجموعات دينية قررت أن تمارس لعبة الانتخابات فاستكملت شروط اللعبة بتشكيل أحزاب التفت حول عدم الدستورية لفظيا فى أوراق تأسيسها.

عندما صوت المصريون بأكثر من ستين فى المائة لهذه الأحزاب فإنهم لم يكونوا يصوتون تعبيرا عن تحول كبير فى توجهات المجتمع المصرى، ولكنه كان بالأساس تصويتا يعبر عن عديد من التغييرات، أولها ذلك الغياب للقوة المركزية التى اعتادت أن تلعب دور المغناطيس الجاذب للقوة التصويتية – كما سبق أن تحدثنا فى المقال الأول من هذه المقالات – هذا الغياب خلق حالة من الفراغ نتجت عنه حالة تصويت متحررة – ولا أقول عشوائية – صبت فى صالح أكثر القوى حضورا على الساحة فى هذه المرحلة، وهى القوى الدينية.

يضاف إلى ذلك أن الناس فى مصر قد يئسوا من القوى السياسية التقليدية، المتمثلة فيمن بقى محسوبا على الحزب الحاكم سابقا، أو أحزاب المعارضة التقليدية التى فقدت المصداقية لدى الناس، فكان التصويت للقوى الدينية تصويتا سلبيا ضد هؤلاء.

ويمكن أيضا القول إنه كان تصويتا اعتقادا منهم بأنه تقرب إلى الله بعدما يئسوا من السياسيين التقليديين، وكان لسان حالهم يسأل: لماذا لا نجرب هؤلاء الذين يقولون إنهم الأقرب إلى الله؟! والعنصر الدينى هو عنصر حاكم فى الشخصية المصرية، خاصة فى الأزمات.

الأمر الآخر أن التصويت اتجه أيضا إلى من اتجه إلى الشارع بمفهوم خدمى واضح غاب عن القوى الأخرى، إما تكبرا أو عدم فهم، أو عدم مقدرة.

فالأكيد الآن أن هذا العنصر الخدمى المباشر هو أحد أهم العناصر تأثيرا فى حسم الأصوات، وهذا ما ينبغى أن تتعامل معه أى قوى راغبة فى العمل سياسيا فى المستقبل، خاصة مع التراجع الواضح لدور الدولة فى القيام بهذا الدور.

لدينا الآن، حسب ما هو متاح من معلومات، ١٢ حزبا دينيا مطعون فى دستوريتها، لكنها باتت تشكل أغلبية البرلمان، ولدينا حتى الآن أيضا أربعة أحزاب دينية تحت التأسيس، ولست أدرى كيف سيؤثر النجاح فى الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى معركة شرعية هذه الأحزاب التى لم تحسم بعد فى استمرار أو تراجع هذه الظاهرة!

الرابط الأصلي للمقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=325246

الإعلانات

وهم التعددية الحزبية «٣»

بقلم:عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

فى الثانى من فبراير من العام الماضى، بعد انطلاق الخامس والعشرين من يناير بقليل وجه أحد متصفحى الإنترنت سؤالاً عبر صفحة الأسئلة على موقع «جوجل»، حيث يمكن طرح الأسئلة ويتطوع الآخرون بالإجابة عنها، كان السؤال: كم عدد أحزاب المعارضة فى مصر، وأجاب عن السؤال شخص سمى نفسه الباشمهندس أحمد، قائلاً: عدد الأحزاب المعارضة فى مصر ٢٣ حزباً مرخصاً و٨ أحزاب غير مرخصة و١٠ جمعيات وطنية. الإجابة كانت دقيقة، وقد يكون الباشمهندس أحمد من القلائل الذين عرفوا هذه المعلومة بدقة فى ذلك الوقت، فقد كنت أتحدى أى زميل يستطيع أن يخمن عدد أحزاب المعارضة، فما بالك بأسمائها؟!

ويمكن القول هنا أيضاً إن أحزاب المعارضة عانت من الحقيقة، حقيقة الدولة المركزية المسيطرة، وبالتالى كان وجودها هامشياً إلى حد بعيد، ليس هذا فقط، بل ساعدت على ذلك مجموعة من العوامل الخاصة بهذه الأحزاب، وعوامل أخرى مرتبطة بالمحيط العام، وأخرى بالحزب الحاكم أياً ما كان، وعلاقة جهاز الدولة بالأطراف المختلفة.

نشأة أحزاب المعارضة المصرية الرئيسية فى المرحلة التالية لثورة يوليو كانت إحدى المشكلات الرئيسية فى مدى جدية وتأثير المعارضة، فقد ولدت من رحم النظام، ذلك أن التجربة الحزبية جاءت من قمة الهرم السياسى أى من النظام، باعتبارها قراراً مركزياً من السلطة المركزية ممثلة فى الحاكم، هذا يتناقض كلياً مع مفهوم الحزب، الذى هو بالضرورة تعبير عن قوة أو قوى فى المجتمع تطورت، لتشكل كياناً يعبر عن مواقفها ومصالحها، وبالتالى فإن ما حدث لم يكن كذلك، بالإضافة إلى أن هذه النشأة أثرت بالطبع على علاقة المعارضة بالنظام منذ البداية، كذلك ضعف التأييد الجماهيرى الذى قد يمنح لهذه الأحزاب، باعتبارها امتداداً للنظام أو مجرد واجهة لتجميل صورته.

الأحزاب التى نشأت بعد ذلك كانت إما إحياء لقوى تقليدية قديمة امتلكت قيادات تاريخية نجحت فى إعادة إطلاقها، ولم ينجح من تلاهم فى الحفاظ على قوة أو شخصية هذه القوى، أو أحزاب ساهم النظام المركزى نفسه فى إنشائها، ليواجه «عددياً» الأحزاب الأخرى التى بدأت تظهر وجهاً معارضاً، فكانت النتيجة ينطبق عليها التعبير المصرى الدارج «العدد فى الليمون»، بمعنى آخر امتلكت مصر أحزاب المعارضة شكلاً وغابت واقعاً.

نتيجة لهذه النشأة وأسلوب التكوين، فقد ظلت هذه الأحزاب مجرد نقطة صغيرة وسط جموع المصريين الكثيفة، غير قادرة على إقناع وتعبئة الجماهير، أو الضغط بشكل مؤثر للمطالبة بأى تعديلات أو إصلاحات سياسية، كذلك انحسر مفهوم المعارضة لدى هذه الأحزاب وتجزأ حتى باتت معارضة لمجرد إثبات الحضور والرغبة فى الظهور أكثر من كونها معارضة حقيقية تسعى لكسب السلطة وحصد مقاعد الحكم، وهكذا ارتضت أحزاب المعارضة لعب دور الوصيف فى معادلة الحكم، حيث خلعت أحزاب المعارضة فى مصر رداءها السياسى المعارض المؤثر، واكتست برداء انعكست عليه قوة السلطة المركزية – طوعاً أو إكراهاً – وسلبها القدرة على التأثير فى الواقع السياسى.

ولذا، لم يكن غريباً أن يستخف النظام بوزن المعارضة وقوتها، فتارة يمنيها بحوار، وتارة أخرى يدير ظهره لها، وكأنه لم يرها من قبل. وهنا يبدأ الجرم الذى أسهم فيه النظام بتهميش المعارضة والتقليل من حجمها بشكل قضى على قوتها، فقد كانت فكرة الدولة المركزية تسيطر على فكر النظام، بحيث تبدو أى معارضة له، وكأنها خروج عن سطوة الدولة وانتقاص لهيبتها، وتمت ترجمة ذلك لفترة طويلة من خلال جهاز الإدارة والأمن بسلوك حاصر وطارد للمعارضة

وعلى الرغم من محاولات تقليص ذلك فى الأعوام الأخيرة فإن العادة تغلب التطبع، فلم يستمر ذلك بقوة أو نية صافية، وهو ما لا يدع مجالاً لإمكانية قيام معارضة فاعلة، واستمر النظام المركزى فى توجيه ضربات متتالية للمعارضة المدنية، فأضعفها وهمشها وأساء إلى صورتها وحضورها فى الشارع، وفقد الناس الإيمان بأى جدوى من هذه القوى التى ساهم بعض قياداتها فى تأصيل هذه الصورة، خاصة بانقلاباتهم السياسية، وقبولهم القيام بدور «المحلل» عدة مرات، لتمرير مواقف مختلفة، طمعاً فى مكاسب صغيرة. ومارس الحزب الوطنى أسلوب الأندية الكروية الكبيرة، عندما حرص على ضم أى كفاءة إلى صفوفه، ليس دعماً له، لكن ليحرم الفرق الأخرى أو الأحزاب الأخرى من الاستفادة بها.

وهكذا عاشت مصر بلا معارضة حقيقية لفترة طويلة، سوى بعض الحركات الاحتجاجية وإسلام سياسى كان هو المستفيد الوحيد من تقزيم وإنهاك المعارضة المدنية.

إذا وجهت اليوم سؤالاً للباشمهندس أحمد: كم حزباً معارضاً لدينا اليوم، فهل سيستطيع الإجابة بدقة كما فعل من قبل؟

وهم التعددية الحزبية «٢»

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قبل الاستدراك فى الحديث عن دلالة نتائج الانتخابات الأخيرة التى شهدتها مصر والحكم من خلالها على مدى قوة مفهوم النظام الحزبى، وقبل الإجابة عن السؤال ما إذا كانت مصر تمتلك بالفعل أحزاباً بمفهومها العلمى الصحيح.. قبل كل ذلك فإنه من المفيد مرة أخرى التوقف عند بعض الموضوعات الرئيسية التى يمكن أن تساهم فى تفسير ما يحدث، واليوم سوف أتوقف عند مفهوم حزب الأغلبية، أو التنظيم السياسى الواحد، أو الحزب الحاكم.

المجتمع المصرى تحكمه حقيقة طبيعية تقول إن هذا المجتمع هو مجتمع نهرى، نشأ منذ بدايته على أساس وجود سلطة صاحبة سطوة، تحولت فيما بعد إلى سلطة مركزية لواحدة من أوائل الدول المركزية فى تاريخ البشرية المعروف. وتفسير هذا ببساطة يعود إلى تسليم من عاشوا على النهر منذ البداية بأهمية وجود سلطة أعلى تنظم توزيع المياه على من يعيش حول النهر، وبالتالى تمتلك هذه السلطة قوة التنظيم والحفاظ على انتظام وأمن مصدر الحياة الجارى فى النهر، وبالتالى تبدأ جباية الضرائب، وتتكون السلطة المركزية، التى يبدأ كل من يعيش حول النهر ويستفيد من مائه فى أن يحتفظ بعلاقة طيبة معها، ولا بأس من نفاقها والتقرب منها، وقد يكون الأفضل محاولة التسلل إلى داخل نسيجها ليكون جزءاً منها.

ما فات ليس مقدمة فلسفية لا معنى لها، لكنه محاولة لشرح طبيعة العلاقة التاريخية الحاكمة بين المواطن والدولة فى المجتمعات النهرية كمصر، ولماذا كانت هذه العلاقة فى معظمها هى علاقة ود من طرف واحد فى معظم الأوقات. هذه العلاقة هى التى أفرزت مفهوم وواقع الدولة المركزية، وظل الحال دائماً يتمثل فى وجود تلك القوة المركزية المتواجدة عادة فى عاصمة البلاد أو عواصم الأقاليم، وكانت هذه العلاقة أشبه بمغناطيس قوى يمثل المركز الذى تدور فى مجاله بقية أطراف المجتمع، ليبدو المشهد وكأنه تنظيم لمجرة تتوسطها تلك القوة المغناطيسية الجاذبة الهائلة، التى هى فى نموذجنا قوة الدولة المركزية.

مع تطور نظام الدولة وبالتالى النظام السياسى أصبحت هناك ترجمة مختلفة لآليات هذه العلاقة، وسوف أقفز على هذا التطور لأصل إلى ما أريد الحديث عنه اليوم، وهو «الحزب المسيطر»، سواء كان تنظيماً سياسياً واحداً أو حزباً حاكماً، وفى حالتنا فقد مررنا بكلا الشكلين، وكلاهما أدى لنتيجة واحدة، فقد عشنا مرحلة التنظيم السياسى الواحد الذى بدأ بعد الحركة المباركة التى أصبحت ثورة يوليو، فتأسست «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣ وتم إلغاؤها، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤، وعبرت هذه التنظيمات كلها عن مفهوم وقوة الدولة المركزية، لذلك كانت القطب الذى جمع حوله معظم شرائح المجتمع، ليس عن اقتناع بالطرح السياسى، ولكن كترجمة مباشرة لمفهوم التقرب إلى السلطة المركزية الحاكمة.

ولم يستطع تغيير النظام السياسى إلى مفهوم التعددية الحزبية أن يغير طبيعة هذه العلاقة، وهذا يفسر لماذا ولد حزب مصر العربى الاشتراكى حزباً حاكماً، وكان امتداداً للتنظيم السياسى السابق له، ولم يكن من الغريب تلك الهجرة الجماعية التى حدثت من حزب مصر إلى الحزب الوطنى الذى أنشأه السادات، بل كان الغريب هو أن نستغرب تلك الهرولة إلى الحزب الجديد، إنه يعد سلوكاً طبيعياً إذا ما وضعناه فى إطار التفسير والفهم لطبيعة العلاقة الحاكمة بين المواطن والقوة المركزية الحاكمة، فما حدث هو انتقال طبيعى، أو «هرولة» طبيعية وراء القوة المركزية الحاكمة.

فى إطار هذا التفسير أيضاً أختلف مع من يتعامل مع الحزب الوطنى الذى كان حاكماً كما يتعامل مع أحزاب أخرى عقائدية فى المنطقة كحزب البعث مثلاً، فالأخير هو حزب يحمل عقيدة سياسية واضحة، ومن ينتم إليه فإنه يتبنى تلك العقيدة، أما الحزب الوطنى فقد كان هو ممثل القوة المركزية فى البلاد، بمعنى آخر هو الحكومة، وبالتالى فإن العلاقة التى تربط الحزب بالآخرين هى علاقة تزاوج المصلحة، الحزب يبحث عن أصحاب العزوة والمال والحظوة فى مجتمعاتهم المحلية ليضمهم إليه، وهؤلاء جميعاً مثلهم مثل آبائهم وأجدادهم، سعوا إلى بناء العلاقة مع السلطة المركزية أو من مثلها فى تلك الفترة وهو الحزب الحاكم.. حتى فى حركة التصويت التى كانت تحدث أياً ما كانت نسبتها، فقد كانت تتجه بحكم طبيعة العلاقة إلى القوة المركزية الحاكمة، ولو أننا توقفنا للتفكير بإنصاف فى هذه النقطة لاكتشفنا أنها حقيقية، هذا لا ينفى تفاصيل أخرى فى طبيعة إدارة العملية السياسية، لكن هنا نحن نتحدث عن طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة. ولا أغالى لو قلت هنا إن أحزاب الحكم، سواء كانت تنظيماً واحداً أو أحزاباً حاكمة، هى امتداد بشكل أو بآخر لسلطة كهنة الفرعون أو بلاط السلاطين أو الملوك أو نظار الحكم فى الفترات التالية.

الوضع الذى شهدته مصر خلال المرحلة الماضية كان انفراطاً لمفهوم القوة المركزية، وهو الأمر الذى يعنى أن تلك القوة المغناطيسية الجاذبة لم تعد هناك، فحدثت تلك الحالة النادرة فى تاريخنا أن غابت القوة المركزية، فتحركت القوى التصويتية فى نسق غير منتظم، وهذا يصلح كتفسير جزئى للنتيجة التى وصلنا إليها، لكن قبل ذلك علينا أن نتوقف لحظة أمام مفهوم أحزاب المعارضة.

وهم التعددية الحزبية (١)

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الانتخابات الحالية فى مصر أثبتت أنه ليس فى مصر أحزاب، وأن كل ما مررنا به خلال العقود الأخيرة منذ عام ١٩٧٧ مع الإطلاق الثانى للتعدد الحزبى لم يكن إلا وهما كبيرا، أو مشروعا تم إجهاضه على مدار السنين. وقبل أن أستطرد فى تفسير ذلك قد يكون من المفيد التذكير بأن الحياة الحزبية فى مصر شهدت انطلاقتها الأولى عام ١٩٠٧، وهو العام الذى أطلق عليه المؤرخون «عام الأحزاب» حيث شهد ميلاد خمسة أحزاب هى: الحزب الوطنى الحر الذى سُمى فيما بعد حزب الأحرار، الحزب الجمهورى المصرى، حزب الأمة، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، الحزب الوطنى. ثم توالى بعد ذلك ظهور عدد من الأحزاب خلال بقية هذه المرحلة مثل حزب النبلاء أو الأعيان عام ١٩٠٨، والحزب الاشتراكى المبارك عام ١٩٠٩.

وفى الفترة التالية منذ عام ١٩١٩ حتى ١٩٥٢ يمكن تصنيف الأحزاب السياسية التى ظهرت خلالها إلى خمس مجموعات رئيسية هى: الأحزاب الليبرالية: وهى تشمل حزب الوفد، إلى جانب الأحزاب المنشقة عليه، وهى «الأحرار الدستوريين» (١٩٢٢)، والحزب السعدى (١٩٣٧)، وحزب الكتلة الوفدية ( ١٩٤٢). الأحزاب الاشتراكية: ومنها حزب مصر الفتاة (١٩٣٣)، الذى أصبح يسمى فيما بعد الحزب الاشتراكى، وعدد من التنظيمات اليسارية مثل حزب العمال الاشتراكى الشيوعى، والحزب الشيوعى المصرى (١٩٢٢)، وحزب الفلاح المصرى، والحركة الديمقراطية (١٩٤٧).

أحزاب السراى «الأحزاب الموالية للملك»: وهى حزب الشعب، وحزب الاتحاد الأول، والثانى. الأحزاب النسائية: وهى حزب بنت النيل السياسى، والحزب النسائى الوطنى، والحزب النسائى السياسى. الأحزاب والجماعات الدينية: وهى الإخوان المسلمون، وحزب الله، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامى.

أما مرحلة التنظيم السياسى الواحد من ١٩٥٣ حتى ١٩٧٦ فقد بدأت باتخاذ مجلس قيادة الثورة عدة إجراءات فى سبتمبر عام ١٩٥٣، كحل الأحزاب السياسية القائمة، وحظر تكوين أحزاب سياسيه جديدة، وبذلك انتهت مرحلة التعددية الحزبية، وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالاعتماد بصفة رئيسية على التنظيم السياسى الواحد، حيث تم تأسيس تنظيم «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣، وتم إلغاؤه، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤ كتنظيم سياسى شعبى جديد يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة بدلاً من الاتحاد القومى.

ثم جاءت: مرحلة التعددية الحزبية المقيدة من عام ١٩٧٧- ٢٥ يناير ٢٠١١، هذه المرحلة التى بدأت إرهاصاتها الأولى مع قرار الرئيس السادات فى مارس عام ١٩٧٦ بقيام ثلاثة منابر حزبية فى إطار الاتحاد الاشتراكى تمثل اليمين والوسط واليسار، ثم تحويلها فى ٢٢ نوفمبر من العام نفسه إلى أحزاب سياسية كانت النواة الأولى للتعددية الحزبية المقيدة فى عام ١٩٧٧. وقد بلغ عدد الأحزاب فى هذه المرحلة ٢٤ حزبا على رأسها الحزب الوطنى الديمقراطى الذى احتل مكان حزب مصر الحاكم قبله، ورغم هذا العدد الكبير من الأحزاب فإنه كان من العسير على أى شخص أن يتذكر غالبية هذه الأحزاب، ومارس الحزب الوطنى وقتها سلوكا حاصر فيه جميع القوى الليبرالية والمدنية الأخرى، فضعف وأضعف الجميع، وهذا الكلام سبق أن كتبته من قبل قبيل وعقب انتخابات ٢٠١٠.

الآن حسب آخر الإحصاءات المتوفرة فان مصر بها أكبر عدد من الأحزاب فى تاريخها، ورغم تزايد هذا العدد فإن هذا ليس دليلاً على قوة النظام الحزبى فى مصر، وقد أتت مؤشرات الانتخابات الحالية لتؤكد الحقيقة التى علينا مواجهتها بأننا لا نملك الملامح الحقيقية لنظام حزبى حقيقى، فما بالك بتعدد حزبى حقيقى.

هذه مقدمة معلومات متوفرة فى جميع الدراسات الخاصة بالحياة الحزبية المصرية، استدعيتها اليوم لكى نبنى على أساسها الحوار فى المرات المقبلة، وهناك أسئلة متعددة من بينها: أين الشباب من كل ذلك؟ وهل باتت الأحزاب الدينية هى الحقيقة الوحيدة فى حياتنا؟ وقبل ذلك هل هى أحزاب بالفعل أم قوى غير محددة الملامح لكنها محددة الهدف؟ وهل ضاعت الفرصة للأبد على الأحزاب التقليدية والتاريخية والكارتونية؟ دعوة لحوار من أجل المستقبل.

 

الرابط الاصلي للمقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=323969

إلى القوى الإسلامية الصاعدة سياسياً: لا تمزقوا الوطن

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما أشارت الساعة إلى منتصف الليلة الأخيرة من عام ٢٠١١، تذكرت ذات اللحظات منذ عام مضى، وكان العام الجديد قد بدأ منذ نصف ساعة عندما تلقيت اتصالا بأن انفجارا كبيرا وقع فى الإسكندرية أمام إحدى الكنائس منذ عشر دقائق، وأن المعلومات المتاحة حتى اللحظة أن الانفجار كبير.. تركت منزلى إلى مكتبى فورا لمتابعة الحدث، وكان ليل القاهرة يحتفل بميلاد العام الجديد، ولم يكن قد عكرته الأنباء الدامية بعد. كان هذا هو حادث كنيسة القديسين الذى راح ضحيته أكثر من عشرين مصرياً ومصرية وأصيب حوالى ثمانين مصرياً ومصرية، كانوا يحتفلون بقدوم العام الجديد بالتدين المصرى المعتاد، فاختاروا أن يصلوا فى الكنيسة استقبالا لعام جديد، فأنهت حياتهم أياد مجرمة.

هذا الحادث طرح نقدا حادا لأسلوب الدولة فى ذلك الوقت فى التعامل مع المسألة المصرية المتعلقة بتمكين مفهوم المواطنة، وأكد فى الوقت ذاته أهمية العمل السريع من أجل تأكيد هذا المفهوم قولا وفعلا، وأكدت شخصيا من خلال ما كنت أكتب وقتها أو من خلال اللقاءات، وأثناء حوارى مع البابا شنودة بعد الحادث بأيام قليلة، أن الطريق الوحيد لاستمرار هذا الوطن قويا معافى هو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية التى يقف القانون فيها سيدا على مسافة متساوية من كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللون، وطنا واحدا لكل المصريين. كان هذا الحادث مقدمة لأحداث كبيرة وعظيمة زلزلت مصر وغيرت صورتها، وفرضت على أبنائها مسؤولية رسم طريق المستقبل.

كان الأمل أن يقودنا ما حدث فى مصر إلى منطقة قادرة على ضمان وحدة الوطن، والتأكيد على أن مصدر قوة هذا الوطن تكمن فى تعدده، ولكن هذا يعتمد بالأساس على قدرتنا نحن على أن نجعل هذا التعدد مصدر قوة، أو أن يكون قاعدة تمزيق وتفتيت. مع الأسف الشديد، فإن الحوار الدائر فى مصر الآن لا يدفع إلا إلى منطقة التفكيك، تفكيك أوصال الوطن وإضعافه، وذلك لأسباب متعددة، ليس هذا مجال الحديث عنها الآن، ولكن النتيجة النهائية أننا بتنا نسمع، بل نشارك دون أن ندرى فى طرح أسئلة كنا نظن أنها دفنت تاريخيا، لكننا اليوم نكتشف أنها وجدت من ينفض عنها غبار السنين ويفرضها على أجندة الوطن.. بدأنا نسمع أسئلة وآراء عن الجزية وولاية غير المسلم وحرمانية أن يحمل المسلم للمسيحى مشاعر الحب، أو أن يهنئه بالعيد..

بدأنا نسمع عن دولة المسلمين فى مصر ودولة الأقباط القادمة.. بدأ من كانوا يتوارون وهم يطالبون بتدخل دولى يظهرون على الساحة أكثر جرأةً، لأنهم يمتلكون الآن ما يدفع المصريين الأقباط لأن يشعروا بالخوف، يضاف إلى ذلك أن أولئك الذين كانوا يحملون لواء الدفاع عن المواطنة كحق أصيل بدأوا يتوارون أو يخفتون أصواتهم إن لم يسكتوها تماما وذلك نفاقا للقوى الدينية الإسلامية الصاعدة، التى احتلت واجهة العمل السياسى، ولأنهم لا يريدون صداما معهم بحثا عن دور أو عدم تربص بهم، فاختفى الكثير ممن احتلوا موقع النخبة – كما اعتادوا دوما – عندما احتاجهم الوطن لمواجهة التراجع فى مفهوم المواطنة.

لست فى موقع النصح، ولكنى من موقع المواطن الذى له الحق فى أن يطلب من كل الفاعلين على الساحة السياسية أن يعملوا من أجل هذا الوطن.. من هذا الموقع أوجه كلمتى هذه إلى القوى الدينية الإسلامية التى احتلت موقعا متميزا فى المشهد السياسى، بأن يدركوا أن العمل السياسى ينبغى ألا يكون عملا دعويا، وأن السياسة تعنى العمل على تقوية الدولة وليس دق أسافين التمزق فى أوصالها، وإذا كان قد قدر لكم أن تلعبوا هذا الدور السياسى المتميز فى هذا المستقبل القريب فلتكن نظرتكم أكثر شمولا من أجل وحدة هذا الوطن، لذلك أدعوكم إلى التوقف الفورى عن طرح موضوعات الانشقاق، وأن توجهوا قواعدكم إلى التوقف التام عن اللعب بنار الفتنة وأنتم قادرون على ذلك، وأن يصدر عنكم ما يؤكد التزامكم بمفهوم المواطنة، ويرتبط بذلك من السلوك والإجراءات ما يؤكد صدقكم فى تبنى هذا المفهوم.

دائما أقول: إن مصر دولة خلقت لتبقى، ولا أتمنى أن يكون بعض أبنائها سببا فى تمزيقها أو حرقها.

كل عام وأنتم بخير

التطهر المزعوم

يقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قى بعض الأحيان تعمينا الرغبة فى تحقيق سبق صحفى عما قد يسببه هذا السبق من ضرر دون أن ندرى، وفى أحيان أخرى يغرى الهواء بعض المذيعين فيندفعون دون رادع وراء سخونة الموضوع وتفجير القنابل على الهواء، وأظن أن كلاً من الحالتين شديدة الخطر، ولو أدرك من يمارس هذا الخطأ مدى هذه الخطورة ما مارسها، ولكن أظن أيضا أنهم لا يريدون، أحيانا، أن يدركوا لأن الإغراء كبير، وأن تكون محور حديث واهتمام الجمهور هو أمر يستحق أحياناً غض الطرف.

تابعت، خلال الأيام الماضية، العديد من البرامج الكثيرة التى اصطلح على تسميتها – خطأ – «التوك شو»، وأكثر ما لفت نظرى هو تسيد ذلك الخطأ القاتل الذى أشرت إليه، يضاف إليه ما وجدته من سيادة رؤية أحادية للأحداث والإصرار على ممارسة أقصى درجات غض الطرف ولأكن أكثر صراحة: الهرولة من أجل ما يعتبره البعض من الزملاء «تطهراً»، والطريق إلى ذلك هو النفاق غير المشروط للتحرير أياً من كان قاطنوه فى أى لحظة، وكأن الميدان أصبح متجسدا فى شكل كيان حى يكتسب من يدخله أو ما يمارس فيه قدسية خاصة وحماية مطلقة، وهذا خطأ كبير لا يريد العديد من الزملاء إلا أن يمارسوه تدفعهم إلى ذلك الرغبة الجامحة للكسب الإعلامى بلا إدراك – وهذا ظنى – للخطورة التى يشكلها أو يساهم فى تأصيلها فى المجتمع.

هذه الهرولة من أجل التطهر المزعوم أكدت مفهوم أحادية الفكر وسيطرة الاستقطاب المجتمعى الحاد، حتى تم تقسيم المجتمع المصرى إلى شيع وجماعات أخشى أنها مقدمة لما هو أسوأ.

من بين ما أفرزته نتائج الانتخابات هو ذلك التوقع الذى بات يقينيا بأن الإخوان المسلمين والسلفيين باتوا حاضرين بشدة على ساحة العمل السياسية، وتمكنوا من تثبيت أقدامهم فى البرلمان المقبل. هذا المتغير المهم لقى صداه فورا لدى العديدين من العاملين فى المجال الإعلامى والسياسيين على حد سواء، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن بدأ يكتشف، فى بعض من جوانب نفسه، نزعات دينية كانت مختفية، بدأوا اكتشافها مرة أخرى تقرباً للتيار الصاعد.

هذا الصعود الجديد لذلك التيار أثار فى المجتمع حالة متناقضة من السعادة على منطلق دينى، أو الخوف الذى سكن قطاعاً كبيراً من المصريين، على رأسهم المصريون الأقباط. وقد كان متصوراً أن تكون لغة الخطاب من القوى الدينية ذات لهجة تصالحية تطمينية، وما حدث هو العكس تماما!

هذا الطرح الذى قدمته هذه الأحزاب أو بعض قياداتها هو موضوع مغرٍ للإعلام، خاصة ذلك الذى يعيش على تلك التناقضات. وفى هذا الإطار ظلت الموضوعات أو القنابل التى يلقيها بعض ممثلى هذا التيار حول القضايا المختلفة هى وقود العديد من الإعلاميين، وأصبح الحديث عن الجزية ودولة الأقباط وغيرها من الموضوعات، التى تشق الأمة ولا تجمعها، وقوداً للعديد من البرامج. حتى هذه اللحظة كان من الممكن أن يكون الأمر مقبولاً لو الغرض من النقاش هو إزالة هذا التوتر المرشح للتطور فى المرحلة المقبلة. ما فاجأنى هو تلك المعالجة التى رأيتها والتى اهتم اصحابها باللعب على وتر الخلاف، والهدف الرئيسى بات هو كيف يمكن جنى أكبر نجاح إعلامى، أعتبره زائفاً، فى ظل هذه المخاطر المطروحة، بدلاً من محاولة بذل الجهد من أجل تجاوز هذه الأزمة التى لن ندرك خطورتها إلا إذا «وقع الفاس فى الراس»، وهو ما لا أتمناه لهذا الوطن.

فى ظل هذا الطرح وهذه الأفكار وتلك الحالة المتأزمة فوجئت بحوار يدور بين مصريين، بعضهم مسيحى والآخر مسلم، وتابعت الحوار بين الفريقين لأكتشف أن الحجة تقارعها حجة أخرى فى موضوع دفع الجزية من الأقباط، وعبثاً يدور حوار حول أهم الأسانيد التى تلزم الحاكم المسلم بتحصيل الجزية من غير المسلمين، فى حين كان يجاهد على الطرف الآخر مصريان قبطيان يحاولان طرح مفهوم المواطنة فى مواجهة الجزية، وكان الموضوع الآخر، والذى كان صادما، هو هل يجوز لمسلم أن يحب مسيحياً؟ بمعنى آخر: هل من الدين الصحيح أن يحمل الإنسان مشاعر حب لمسيحى؟ وما كان صادماً أكثر من السؤال المطروح هو تلك الإجابة التى أجمع عليها معظم من تحدث من رجال الدين.

لكن هذا ليس ما توقفت أمامه طويلاً، بل إن ما توقفت أمامه هو ذلك الخطأ الكبير الذى يسمح بطرح مثل هذه التساؤلات والقضايا الخلافية التى لها تأثير خطير فى شق صف الوطن لمجرد طرحها، ما لم يكن ذلك مستهدفا تضييق هوة الخلاف بين الأطراف المختلفة، ولكن ما شاهدته كان أمراً مختلفاً، فقد كان خاضعاً لإغراء الهواء والمهنة. فى بعض الأحيان وفى ظل الأوضاع المشتعلة فإن مجرد طرح بعض الموضوعات يصل تأثيرها إلى حد تدميرى حتى لو لم تكن النية كذلك

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=321938

لا تخطفوا الحلم أو تغتالوه

بقلم عبداللطيف المناوى

انتخابات البرلمان المصري

عندما بدأت العمل فى التليفزيون المصرى كان أهم ما شجعنى على خوض تجربة العمل لأول مرة فى الإعلام المملوك للدولة هو ذلك الحلم بأن التغيير ممكن، تغيير مفهوم تبعية الإعلام للحكومة أو لدافعى الضرائب، ذلك التعبير الذى أظن أننى إن لم أكن أول من استخدمه داخل التليفزيون فقد كنت أكثر المحاولين دائما لتحقيقه أو على الأقل زرعه كمفهوم بين من عمل معى، وأيضا الحلم بأن يكون لى من خلال موقعى ولو إضافة بسيطة فى تحقيق التغيير فى المجتمع الذى كنت أظن أن بوادره منذ سنوات كانت تعبيرا عن نية حقيقية ثبت أنها لم تكن جادة. مرت تجارب عديدة ـ ليس مجال ذكرها الآن وسوف يأتى الوقت المناسب للحديث عنها

ـ لكنها كانت فى معظمها محاولات صادقة وجادة من أجل جعل هذا التغيير حقيقة. حلمت وشاركنى الحلم عدد من الزملاء فى أن نصل لأن يكون لنا ولو دور صغير فى أن نصل إلى حلم الدولة المدنية الديمقراطية المرتكزة على مفهوم سيادة القانون. كنت دوما أعتقد أن هذا لن يتغير إلا إذا نجحنا فى اختراق الأغلبية الصامتة ودفعها إلى المشاركة،

تلك الكلمة السحرية التى من خلالها يمكن تغيير الواقع وخلق واقع جديد، لكنى أعترف هنا الآن بأن نظرتى كانت قاصرة عندما اعتقدت أنه بالحرب فى إطار دائرة صغيرة يمكن تحقيق تغيرات أساسية، ولم أرد أن أفيق من الحلم بالقدرة على التغيير بمواجهة الحقيقة التى تقول إن الإعلام هو نتاج النظام، كل النظام: السياسى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى، وبالتالى فإن الإعلام لا يستطيع وحده أن يغير مجتمعاً، لكن يمكن له أن يساهم فى دفعه سلباً،

كما فعل كل الإعلام، خاصاً وعاماً، فى المرحلة السابقة، ولكن التغيير الأساسى والرئيسى لا يمكن أن يحدث إلا بتغييرات جوهرية سواء فى أطراف المعادلة، أو بتغيير قناعات هذه الاطراف بأهمية التغيير، وبالتالى العمل على تحقيقه، أو بتغيير الواقع كله والمعادلة بأطرافها والبدء فى خلق واقع جديد.

ظل هذا حالى ومن آمن معى من زملائى بقناعتى بإمكانية الاستمرار فى الدفع من أجل تحقيق هذا الهدف، هدف المشاركة فى التغيير والدفع نحو مفهوم الدولة المدنية، رغم كل المعوقات والحروب التى واجهناها، والتى ليس مجال ذكرها الآن، وسوف يأتى الوقت المناسب للحديث عنها، وعدم وجود المقومات، إلى أن تغير الواقع كله.

ذكرت ما سبق لأننى وجدت حلما من أحلامى يتحقق أمام عينى الأيام الماضية عندما شاهدت تلك المشاركة الحقيقية من المصريين فى الانتخابات البرلمانية.. وبغض النظر عن كل ما يثار من جدل حول مدى صحة قرار إجراء الانتخابات الآن أم لا، وبغض النظر عن نتائجها، وهل الإسلاميون قادمون أم الليبراليون أم برلمان قادم يحمل كل الألوان أو يحمل فى طياته أسباب انهياره،

بغض النظر عن كل ذلك، فإن العلامة الإيجابية الكبيرة التى يجب أن يحترمها الجميع هى ذلك القرار الذى اتخذه المصريون، وبدا ذلك فى الإقبال الحقيقى لدى عدد كبير من المصريين للمشاركة فى الانتخابات. ظللنا طويلا نتساءل: لماذا يشارك المصريون فى انتخابات النوادى ولا يشاركون فى انتخابات البرلمان؟.

وكانت الإجابة دائما ـ والتى ذكرتها دوما ـ بأن ذلك سببه أن الناخب فى النادى يعلم أن صوته له تأثير فى النتيجة، أما فى البرلمان فهناك اقتناع بأن النتيجة معروفة مسبقا، وهذه هى المأساة. كنت أظن أن مجرد النقاش ومحاربة طواحين الهواء والإصرار على ترويج مفهوم المشاركة يمكن أن يصل بنا إلى ما أردناه دائما من دولة ديمقراطية حقيقية، لكن كان للناس دوما رأى آخر.

المهم هنا اليوم هو البحث عن الأسلوب الذى يمكن من خلاله تطوير هذه الخطوة المهمة فى تاريخ المصريين الذين عرف عنهم تاريخيا العزوف عن المشاركة، وهنا أدعو الجميع فى التحرير والعباسية وميادين مصر المختلفة، وأدعو الإسلاميين والماركسيين والناصريين والليبراليين والأحزاب الباقية على قيد الحياة، إلى احترام هؤلاء الذين بدأوا يحلمون ويعتقدون أن هذا البلد هو بلدهم بحق، وبالتالى فليس من حق أى جماعة أن تخطف الحلم أو تفسده. هناك تخوفات لدى الليبراليين من سطوة الإسلاميين،

وهناك شكوك تسكن الإسلاميين تجاه الليبراليين، ومستقبل الوطن كله يبدو مجهولا إن لم يكن قاتما، ولكن ظهور هذا المستوى من المشاركة هو نقطة الضوء الوحيدة التى شاهدناها خلال الأشهر الماضية، فلا تقضوا عليها ولا تطفئوها.. هذه المشاركة إن استمرت فهى الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا الوطن بالشكل الذى يليق به.

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=319527

بعد هدوء العاصفة

بقلم   عبداللطيف المناوى

بعد العاصفة التي مرت بها مصر خلال الأسابيع الأخيرة وهددت بالعصف بشدة بالعلاقة الأزلية بين أهل الوطن الواحد من المصريين أقباطا ومسلمين  ، فأنني هنا انتهز هذه الفرصة للدعوة إلى بدء الحوار حول كل القضايا التي أثارت هذه العلاقة ،  فلا ينبغي أن ينسينا ذلك الهدوء الحادث الآن أننا لم نتعامل مع أصول المشكلة .

عندما دعونا في مراحل متعددة إلى أهمية نزع فتيل الأزمة فان ذلك كان انطلاقا من الإحساس بمسئولية كل مواطن عن الحفاظ عل امن وسلامة هذا الوطن ، واستجاب كل العقلاء لهذه الدعوة حتى لو كانت هذه الاستجابة مثلت عبئا نفسيا أو سياسيا على أي طرف من الأطراف ،  و لكن مرة أخرى أشير إلى أن ما كان هو نزع فتيل الأزمة  دون التعامل مع أصول هذه الأزمة .

عادتنا المصرية الأصيلة مع التعامل مع أي أزمة تمر بنا هو التعامل معها والتعاطي معها في لحظة وقوعها ، ونتعامل معها وكأننا لن نتركها إلا بعد حلها ولكن تنتهي ذروة الأزمة فننسى أو نتجاهل العودة للتعامل مع أصل الأزمة ، ما أتمناه هذه المرة أن نغير عادتنا وان نتعامل ونتناقش مع كل ما كان السبب في المشكلات خلال الفترة الماضية .

أدعو إلى استحضار كل الدراسات والوثائق المتعلقة بهذه الإشكالية وعلى رأسها تقرير جمال الدين العطيفي الذي أعده عام 1972 ، وغيرها من النقاشات والحوارات المختلفة ، كما أدعو كل الزملاء الإعلاميين الذين ساهموا في يوم من الأيام عن قصد أو دون قصد بتزكية الاختلاف بين أبناء الوطن بتحويل  منابرهم حول حل تلك  المشكلات ، وبناء الوطن الواحد ، كما أدعو الحكومة إلى طرح كافة الموضوعات والقضايا  المعلقة ووضعها على مائدة البحث وتشريع ما  ينبغي من تشريعات وتأكيد مفهوم المواطنة  وعدم التمييز أن يكون الحاكم في كل ذلك دائما هو سيادة القانون الذي تحدثنا عنه كثيرا ولم ننفذه ، وكل ذلك سيصب في تنفيذ تلك الدعوة المهمة والفارقة بوضع المؤسسات الدينية في مكانها الصحيح في المجتمع ، فتلك المؤسسات أماكن  دعوة وأماكن  عبادة وينبغي ان ينتهي  ذلك الدور المتضخم لها والناتج عن حالة الغياب القصدي او الاختياري او الناتج  عن عدم قدرة او عدم فهم العديد من مؤسسات الدولة  ، على الدولة أن تملأ هذه الفراغات التي تركتها و وسمحت للكيانات الدينية أن تملأها بدلا منها .

 

 

قناعة العيش الآمن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حادث مساء أمس  الذي راح ضحيته مصري وأصيب خمسة آخرون    حتى الآن  في قطار بالمنيا ينبغي أن نعمل وبسرعة على ألا  يكون طريقا للتصعيد مرة أخرى ، وصلنا معا إلى القناعة بأهمية العيش الآمن بين كل المصريين ، فلا ينبغي  أن نسمح لمهووس أو متعصب أو غاضب أو متخلف بأن يمس هذه الحالة  من التوحد ، ما حدث بالأمس و الذي لم تتوفر بعد كل المعلومات عنه  ،  إنما يدلل على أنها حالة تتسم بمزيج من التعصب والهوس وعدم الاستقرار ، إذن هي حالة فردية ، حتى لو ترجمت أو ترجم الفعل في شكل الإصابات الجماعية التي حدثت  ، لا نريد ولا ينبغي أن نسمح لمثل هذه الحالة ، ومثل ذلك السلوك الشاذ  بأن يدفع مرة أخرى إلى استحضار حالة الاحتقان التي عانينا منها وما زلنا ، ولا ينبغي أن نسمح بأن يتحول ذلك الحادث إلى إشعال فتيل جديد لقنبلة التعصب وحرائق الفتنة  ، بل ينبغي أن  نكون نحن جميعا من يطفئ هذه الحرائق ، وعندما أتحدث عن ( نحن ) فإنني أقصد كل أبناء هذا الوطن من العقلاء  الذين لم نعد نملك غير الاعتماد عليهم في هذا الدور، وأتمنى ألا يبدأ مشعلو الحرائق مرة أخرى في النفخ في نار صغيرة من أجل مجد شخصي أو نصر إعلامي ضيق الأفق حتى لو بدا كبيرا في لحظتها ،  وأيضا من بين الخطوات الأولى هي الإعلان الواضح والأمين الواضح لكافة  أبعاد هذا الحادث بكل ما فيه وأيا ما كانت أبعاده .

 

حتى لا تكون محاصصة

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا نريد لرد فعلنا أن يدفع بالمجتمع تجاه مفهوم المحاصصة ، فالحال السائد في هذه المرحلة بعد حادثة الاسكندرية ، والملابسات التي حدثت بعده سيطر عليها إحساسات متناقضان ، الأول إحساس بالذنب و التقصير يدفع  بتقديم كل ما يثبت حسن النية والرغبة في التعويض عما يعتقد أنه حق ضائع على مر الأعوام للمصريين الأقباط ، الثاني تيار يعتقد أو يتهم بأن ما يحدث هو شكل من أشكال لي الذراع حتى لو أدى إلى المطالبة بحقوق أو ما يعتقد الآخرون أنها حقوق ، وفي هذه الأجواء تخرج بعض الأصوات التي تنادي بتخصيص أوقات معينة في الإعلان أو تخصيص مناصب معينة في مؤسسات الدولة أو تخصيص عدد معين من المسئولين ، الفريق الأول يريدها تعويضا والفريق الثاني يريدها تحجيما .

وأيا ما كان الوضع في الحالتين  فهو خطأ كبير سوف ينزلق إليه الوطن في حال ما لو اتبع أحد الاتجاهين ، الخطأ الكبير هو التعامل مع هذه الموضوعات بنفس الحل الذي اصطلح على تسميته في البلاد التي تعاني من حالات التفتت الشديد بين طوائفها أو جماعاتها الوطنية أو الدينية أو السياسية، تعرف باسم المحاصصة أي ان يكون لطل حصة وفقا لحضوره ، ومرة أخرى هذا هو الخطأ الكبير ، فمصر لم تعرف هذا المصطلح يوما ، ومحاولة إعماله هو خطأ كبير والقبول به كما ذكرت هو بداية الانزلاق إلى هاوية لا يريدها أي محب لبلده أن تقع فيه .

الحل يكمن كما قلت وقال كثيرون من قبل وأعيد التأكيد في الدولة المدنية ، والدولة المدنية هي دولة القانون التي لا تعرف فرقا بين مسلم أو مسيحي ، وتقف مؤسسات هذه الدولة على مسافات متساوية من كل أطرافها ، والقاعدة الرئيسية فيها هي قاعدة المساواة ، ودولة القانون هذه هي التي تصل بنا إلى إعمال مفهوم المواطنة ، ذلك المفهوم الذي وضعناه في الدستور ولم نعمله  في حياتنا حتى الآن بعد ، والأساس في هذا هو عدم التمييز بين المواطنين المصريين ،واتمنى لو أن هذا المفهوم تتم صياغته في شكل قانون واضح الملامح يطبق بحق ويكون قانون يختص بعدم التمييز بين المصريين على أي اسس عرقية أو دينية أو إثنية أو جنسية ، لكنه مواطن مصري ككل المصريين الآخرين ، هذا هو الطريق الذي لا اظن أن له بديلا .