مصر فى مواجهة خطر التشرذم

عبد اللطيف المناوى

بقلم عبداللطيف المناوى
عندما كان يسألنى أى من الأصدقاء من ستنتخب فى انتخابات الرئاسة من بين المرشحين الذين كانوا مطروحين كنت أجيب: «سوف أنتخب مينا موحد القطرين»، وكان الحديث ينتهى ضاحكاً على ما اعتبره الكثيرون دعابة، لكن مع الأسف الشديد تحولت الدعابة إلى خطر حقيقى يحلق فوق رؤوسنا، فمصر النسيج الواحد، الوطن الواحد، الشعب الواحد، كما كنا دائماً نفاخر، يبدو أنه محل اختبار حقيقى هذه الفترة.

وقبل أن أسترسل قد يكون مناسباً فى البداية أن نتذكر من هو الملك مينا، أو الملك نارمر الشهير بلقب «موحد القطرين»، فمعه بدأ عصر الأسرات حوالى ٣٢٠٠ قبل الميلاد، واستطاع الملك مينا حاكم مملكة الجنوب توحيد الوجهين البحرى مع القبلى، وكوَّن لمصر كلها حكومة مركزية قوية، وأصبح أول حاكم يحمل عدة ألقاب، مثل: ملك الأرضين، صاحب التاجين، نسر الجنوب، ثعبان الشمال، وكان كل ذلك تمجيداً لما قام به من أعمال، وبذلك أصبح الملك «مينا» مؤسس أول أسرة حاكمة فى تاريخ مصر الفرعونية، بل فى تاريخ العالم كله، ولبس التاج المزدوج لمملكتى الشمال والجنوب.

والآن فلننظر إلى مصر فى هذه اللحظة الراهنة، لحظة عدم اليقين وعدم الحسم، ومع الأسف لحظة تطور مخاوف التشرذم. والمشهد الأول هو مشهد نتائج الانتخابات الرئاسية التى يمكن قراءتها كما يلى بغض النظر عن اسم المرشح أو من هو الفائز بها. مصر انقسمت نصفين بين الدولة الدينية والدولة المدنية، يتفوق أحدهما على الآخر ببضعة آلاف.

المصريون انقسموا إلى قطاعين كبيرين، أحدهما ذهب للإخوان اقتناعاً أو تعاطفاً أو بمقابل أو كراهية للطرف الآخر، والقطاع الآخر ذهب ليصوت لشفيق اقتناعاً أو خوفاً من المجهول، أو بحثاً عن استقرار مفقود، أو كراهية فى الطرف الآخر، وهكذا فإن العامل المشترك بين المصوتين على الاتجاهين هو الخوف والكراهية للطرف الآخر.
تعبير «كراهية» صادم وحاد، أعلم هذا ولكن مرة أخرى – مع الأسف – هذا هو ما تحكم فى توجهات العديد ممن صوت لأى من المرشحين.

وأشير هنا إلى أحد القراء الذى أرسل إلى رسالة شخصية ليقول لى فيها إن الذين ارتاحوا لحكم المحكمة الدستورية هم «الأوساخ» أمثالك من الفلول – أعتذر عن استخدام اللفظ – وعندما راجعته بتهذيب، خاصة أنه فيما يبدو من مظهره وحديثه ينتمى إلى تيار الإسلام السياسى، متوقعا أن يكتشف خطأ انفعاله وتعبيره، أوضح أنه يقصد هذا الأسلوب الذى يليق «بأمثالى».

لست هنا بصدد عرض تجربة شخصية، ولا أظن أننى أفاجئ القراء بذلك المستوى من الحوار، فقد بات إحدى علامات الحوار فى مصر الآن تلك التجاوزات، ولكن ما قصدته هو ذلك الرفض القاطع من قبل قطاع من المصريين لقطاع آخر من المصريين، ولست أدرى كيف يمكن حل هذا التناقض، هل نعود إلى وضع ما قبل مينا موحد القطرين؟

واتسق مع هذا السلوك أيضاً تلك المحاولات لفرض أمر واقع قبل حدوثه، وتلويح بقوة يمكن أن تكون سبباً فى صدامات دموية لو كانت النتائج مخالفة لما يتوقعون. ونجحت الجماعة مرة عاشرة فى خداع بعض القوى المدنية لتقف معها فى ذات الخندق ضد مدنية الدولة، وهذه القوى لم تقرأ التاريخ، أقربها تاريخ العلاقة بين القوى المدنية الثورية الإيرانية التى تحالفت مع القوى الثورية الدينية فى إيران، أين هم الآن؟

أيضا أتوقف عند التصويت الجغرافى، الجنوب صوت لمرشح الجماعة والشمال صوت لشفيق، وهذه الملاحظة تدلل أيضاً على منطقية طرح التساؤل، إما عن تأثير الفقر فى الجنوب على توجهات التصويت، خاصة مع مغريات الانتخابات، وإما عن أن المزاج فى مصر بدأ يختلف هو الآخر بين الشمال والجنوب.

قد يقول قائل إن هذه النتيجة المتقاربة جداً تدلل على تطور ديمقراطى حقيقى، مثلنا فى ذلك مثل الدول عتيقة الديمقراطية، وقناعتى الخاصة أن هذه الرؤية خاطئة، التقارب الشديد فى الغرب بين القوى السياسية والمجتمعية هو دليل على تقارب فى الرؤى، ونتاج مئات السنين من التاريخ السياسى، أما الوضع لدينا فإنه تعبير عن تشرذم مجتمع أكثر منه اختلافاً فى رؤى سياسية، وهو الأمر الذى يضع على عاتق الرئيس القادم مهمة شبيهة بمهمة موحد القطرين، شريطة ألا يمارس ممارسة مينا كما رأيناها فى لوحة الملك نارمر بالمتحف وهو يمسك بيده اليسرى ناصية واحد من «الأعداء» وذراعه اليمنى مرفوعة والصولجان فيها ليهوى به على رأس العدو الراكع أمامه فى ذل الهزيمة، ولم ندرك أن هذا الراكع كان «مصرياً» أيضاً.

والمشهد الثانى نرى فيه «مينا» متوجاً بتاج القطر الشمالى، وفى أقصى يمين المشهد نرى عشر جثث مذبوحة على الأرض، وقد وضعت الرؤوس المقطوعة بين أرجل القتلى إمعاناً فى احتقار «العدو» المهزوم. لا نريد من مينا القادم هذا السلوك، بل نريد سلوكاً يوحد الأمة التى تمر بمرحلة خطر حقيقى، ويعيد للدولة حضورها وهيبتها.

وهم التعددية الحزبية (٤)

بفلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد يقول قائل هذه الأيام إن الأحزاب الدينية غير دستورية، ذلك أنها قامت على أسس تتناقض والدستور، سواء الدائم الذى لم يعد دائما، أو الإعلان الدستورى الذى من المفترض أنه وجد ليحدد الطريق إلى أن نمتلك دستورا جديدا.

سوف يقوم عديدون برفع قضايا أمام المحاكم للطعن فى دستورية، وبالتالى شرعية، وجود هذه الأحزاب، وبالفعل هناك قضايا بهذا الشكل. أيضا، يوجه العديدون اللوم والاتهامات إلى المجلس العسكرى، لأنه سمح بهذا الاختراق الدستورى.

على الرغم من اقتناعى بهذا الطرح الذى يلقى بظلال من الشك «الكبير» حول مشروعية هذه الأحزاب التى اعتمدت فى الأساس على المرجعية الدينية، وعلى الرغم من اقتناعى أيضا بأن هذه الخطوة سوف تكون سببا أساسيا فى تأخر نمو مفهوم الدولة المدنية.. على الرغم من ذلك، فإننى لن أشارك فى هذا التحرك الهادف لنزع الشرعية عن هذه الأحزاب، لسبب بسيط هو أن هذه القوى – ولن أقول الأحزاب – قد باتت تمتلك، فى إطار التغييرات الكبيرة التى شهدتها مصر، ما يمكن أن يطلق عليه «حصانة الوجود»، هذه الحصانة التى اكتسبتها من نتائج الانتخابات الأخيرة، التى أثبتت فشل كل أصحاب الأصوات العالية فى الادعاء بأنهم يملكون الشارع، ولكن يحول بينهم وبين قيادته الحزب الحاكم على مر السنين، وعندما حانت الفرصة كانت النتيجة التى أثبتت أنهم لا يملكون الشارع.

هذا الموقف لا يعنى أن التيار الإسلامى السياسى يمتلك الشارع، فاللحظة الراهنة يعانى المجتمع المصرى فيها من تلك الحالة الناجمة عن تراجع – إنْ لم يكن الانهيار النسبى – للقوة المركزية التى هى جزء أصيل من طبيعة الدولة المصرية منذ نشأ المجتمع، وهذا الغياب يتسبب فى قدر كبير من الارتباك فى حركة المجتمع سياسيا.

ويظل السؤال: «لماذا حصدت القوى الدينية السياسية، أو بمعنى أدق التى احتلت الساحة سياسيا، هذا الدعم الكبير فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟ وهل هذا يعنى أن المجتمع المصرى برمته اتجه فجأة نحو تديين السلطة؟ وقبل الإجابة هنا عن هذا التساؤل، فإنه يجب التوقف للحكم أولا على ما إذا كانت هذه القوى يمكن اعتبارها أحزاباً بالمعنى الصحيح للأحزاب أم لا؟ ويمكن القول فى هذا المجال إن ما لدينا الآن من أحزاب دينية لا تمتلك المقومات الصحيحة لاعتبارها كيانات حزبية، فيما عدا الإخوان المسلمين الذين هم بالأساس جماعة سياسية دينية، قررت أن تمتلك ذراعا حزبية، فأنشأت حزبها الذى حل أولا فى نتائج الانتخابات الأخيرة، أما الأحزاب الأخرى فهى أبعد ما تكون عن مفهوم الحزب، بل إنها قوى أو مجموعات دينية قررت أن تمارس لعبة الانتخابات فاستكملت شروط اللعبة بتشكيل أحزاب التفت حول عدم الدستورية لفظيا فى أوراق تأسيسها.

عندما صوت المصريون بأكثر من ستين فى المائة لهذه الأحزاب فإنهم لم يكونوا يصوتون تعبيرا عن تحول كبير فى توجهات المجتمع المصرى، ولكنه كان بالأساس تصويتا يعبر عن عديد من التغييرات، أولها ذلك الغياب للقوة المركزية التى اعتادت أن تلعب دور المغناطيس الجاذب للقوة التصويتية – كما سبق أن تحدثنا فى المقال الأول من هذه المقالات – هذا الغياب خلق حالة من الفراغ نتجت عنه حالة تصويت متحررة – ولا أقول عشوائية – صبت فى صالح أكثر القوى حضورا على الساحة فى هذه المرحلة، وهى القوى الدينية.

يضاف إلى ذلك أن الناس فى مصر قد يئسوا من القوى السياسية التقليدية، المتمثلة فيمن بقى محسوبا على الحزب الحاكم سابقا، أو أحزاب المعارضة التقليدية التى فقدت المصداقية لدى الناس، فكان التصويت للقوى الدينية تصويتا سلبيا ضد هؤلاء.

ويمكن أيضا القول إنه كان تصويتا اعتقادا منهم بأنه تقرب إلى الله بعدما يئسوا من السياسيين التقليديين، وكان لسان حالهم يسأل: لماذا لا نجرب هؤلاء الذين يقولون إنهم الأقرب إلى الله؟! والعنصر الدينى هو عنصر حاكم فى الشخصية المصرية، خاصة فى الأزمات.

الأمر الآخر أن التصويت اتجه أيضا إلى من اتجه إلى الشارع بمفهوم خدمى واضح غاب عن القوى الأخرى، إما تكبرا أو عدم فهم، أو عدم مقدرة.

فالأكيد الآن أن هذا العنصر الخدمى المباشر هو أحد أهم العناصر تأثيرا فى حسم الأصوات، وهذا ما ينبغى أن تتعامل معه أى قوى راغبة فى العمل سياسيا فى المستقبل، خاصة مع التراجع الواضح لدور الدولة فى القيام بهذا الدور.

لدينا الآن، حسب ما هو متاح من معلومات، ١٢ حزبا دينيا مطعون فى دستوريتها، لكنها باتت تشكل أغلبية البرلمان، ولدينا حتى الآن أيضا أربعة أحزاب دينية تحت التأسيس، ولست أدرى كيف سيؤثر النجاح فى الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى معركة شرعية هذه الأحزاب التى لم تحسم بعد فى استمرار أو تراجع هذه الظاهرة!

الرابط الأصلي للمقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=325246

وهم التعددية الحزبية (١)

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الانتخابات الحالية فى مصر أثبتت أنه ليس فى مصر أحزاب، وأن كل ما مررنا به خلال العقود الأخيرة منذ عام ١٩٧٧ مع الإطلاق الثانى للتعدد الحزبى لم يكن إلا وهما كبيرا، أو مشروعا تم إجهاضه على مدار السنين. وقبل أن أستطرد فى تفسير ذلك قد يكون من المفيد التذكير بأن الحياة الحزبية فى مصر شهدت انطلاقتها الأولى عام ١٩٠٧، وهو العام الذى أطلق عليه المؤرخون «عام الأحزاب» حيث شهد ميلاد خمسة أحزاب هى: الحزب الوطنى الحر الذى سُمى فيما بعد حزب الأحرار، الحزب الجمهورى المصرى، حزب الأمة، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، الحزب الوطنى. ثم توالى بعد ذلك ظهور عدد من الأحزاب خلال بقية هذه المرحلة مثل حزب النبلاء أو الأعيان عام ١٩٠٨، والحزب الاشتراكى المبارك عام ١٩٠٩.

وفى الفترة التالية منذ عام ١٩١٩ حتى ١٩٥٢ يمكن تصنيف الأحزاب السياسية التى ظهرت خلالها إلى خمس مجموعات رئيسية هى: الأحزاب الليبرالية: وهى تشمل حزب الوفد، إلى جانب الأحزاب المنشقة عليه، وهى «الأحرار الدستوريين» (١٩٢٢)، والحزب السعدى (١٩٣٧)، وحزب الكتلة الوفدية ( ١٩٤٢). الأحزاب الاشتراكية: ومنها حزب مصر الفتاة (١٩٣٣)، الذى أصبح يسمى فيما بعد الحزب الاشتراكى، وعدد من التنظيمات اليسارية مثل حزب العمال الاشتراكى الشيوعى، والحزب الشيوعى المصرى (١٩٢٢)، وحزب الفلاح المصرى، والحركة الديمقراطية (١٩٤٧).

أحزاب السراى «الأحزاب الموالية للملك»: وهى حزب الشعب، وحزب الاتحاد الأول، والثانى. الأحزاب النسائية: وهى حزب بنت النيل السياسى، والحزب النسائى الوطنى، والحزب النسائى السياسى. الأحزاب والجماعات الدينية: وهى الإخوان المسلمون، وحزب الله، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامى.

أما مرحلة التنظيم السياسى الواحد من ١٩٥٣ حتى ١٩٧٦ فقد بدأت باتخاذ مجلس قيادة الثورة عدة إجراءات فى سبتمبر عام ١٩٥٣، كحل الأحزاب السياسية القائمة، وحظر تكوين أحزاب سياسيه جديدة، وبذلك انتهت مرحلة التعددية الحزبية، وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالاعتماد بصفة رئيسية على التنظيم السياسى الواحد، حيث تم تأسيس تنظيم «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣، وتم إلغاؤه، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤ كتنظيم سياسى شعبى جديد يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة بدلاً من الاتحاد القومى.

ثم جاءت: مرحلة التعددية الحزبية المقيدة من عام ١٩٧٧- ٢٥ يناير ٢٠١١، هذه المرحلة التى بدأت إرهاصاتها الأولى مع قرار الرئيس السادات فى مارس عام ١٩٧٦ بقيام ثلاثة منابر حزبية فى إطار الاتحاد الاشتراكى تمثل اليمين والوسط واليسار، ثم تحويلها فى ٢٢ نوفمبر من العام نفسه إلى أحزاب سياسية كانت النواة الأولى للتعددية الحزبية المقيدة فى عام ١٩٧٧. وقد بلغ عدد الأحزاب فى هذه المرحلة ٢٤ حزبا على رأسها الحزب الوطنى الديمقراطى الذى احتل مكان حزب مصر الحاكم قبله، ورغم هذا العدد الكبير من الأحزاب فإنه كان من العسير على أى شخص أن يتذكر غالبية هذه الأحزاب، ومارس الحزب الوطنى وقتها سلوكا حاصر فيه جميع القوى الليبرالية والمدنية الأخرى، فضعف وأضعف الجميع، وهذا الكلام سبق أن كتبته من قبل قبيل وعقب انتخابات ٢٠١٠.

الآن حسب آخر الإحصاءات المتوفرة فان مصر بها أكبر عدد من الأحزاب فى تاريخها، ورغم تزايد هذا العدد فإن هذا ليس دليلاً على قوة النظام الحزبى فى مصر، وقد أتت مؤشرات الانتخابات الحالية لتؤكد الحقيقة التى علينا مواجهتها بأننا لا نملك الملامح الحقيقية لنظام حزبى حقيقى، فما بالك بتعدد حزبى حقيقى.

هذه مقدمة معلومات متوفرة فى جميع الدراسات الخاصة بالحياة الحزبية المصرية، استدعيتها اليوم لكى نبنى على أساسها الحوار فى المرات المقبلة، وهناك أسئلة متعددة من بينها: أين الشباب من كل ذلك؟ وهل باتت الأحزاب الدينية هى الحقيقة الوحيدة فى حياتنا؟ وقبل ذلك هل هى أحزاب بالفعل أم قوى غير محددة الملامح لكنها محددة الهدف؟ وهل ضاعت الفرصة للأبد على الأحزاب التقليدية والتاريخية والكارتونية؟ دعوة لحوار من أجل المستقبل.

 

الرابط الاصلي للمقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=323969

إلى القوى الإسلامية الصاعدة سياسياً: لا تمزقوا الوطن

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما أشارت الساعة إلى منتصف الليلة الأخيرة من عام ٢٠١١، تذكرت ذات اللحظات منذ عام مضى، وكان العام الجديد قد بدأ منذ نصف ساعة عندما تلقيت اتصالا بأن انفجارا كبيرا وقع فى الإسكندرية أمام إحدى الكنائس منذ عشر دقائق، وأن المعلومات المتاحة حتى اللحظة أن الانفجار كبير.. تركت منزلى إلى مكتبى فورا لمتابعة الحدث، وكان ليل القاهرة يحتفل بميلاد العام الجديد، ولم يكن قد عكرته الأنباء الدامية بعد. كان هذا هو حادث كنيسة القديسين الذى راح ضحيته أكثر من عشرين مصرياً ومصرية وأصيب حوالى ثمانين مصرياً ومصرية، كانوا يحتفلون بقدوم العام الجديد بالتدين المصرى المعتاد، فاختاروا أن يصلوا فى الكنيسة استقبالا لعام جديد، فأنهت حياتهم أياد مجرمة.

هذا الحادث طرح نقدا حادا لأسلوب الدولة فى ذلك الوقت فى التعامل مع المسألة المصرية المتعلقة بتمكين مفهوم المواطنة، وأكد فى الوقت ذاته أهمية العمل السريع من أجل تأكيد هذا المفهوم قولا وفعلا، وأكدت شخصيا من خلال ما كنت أكتب وقتها أو من خلال اللقاءات، وأثناء حوارى مع البابا شنودة بعد الحادث بأيام قليلة، أن الطريق الوحيد لاستمرار هذا الوطن قويا معافى هو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية التى يقف القانون فيها سيدا على مسافة متساوية من كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللون، وطنا واحدا لكل المصريين. كان هذا الحادث مقدمة لأحداث كبيرة وعظيمة زلزلت مصر وغيرت صورتها، وفرضت على أبنائها مسؤولية رسم طريق المستقبل.

كان الأمل أن يقودنا ما حدث فى مصر إلى منطقة قادرة على ضمان وحدة الوطن، والتأكيد على أن مصدر قوة هذا الوطن تكمن فى تعدده، ولكن هذا يعتمد بالأساس على قدرتنا نحن على أن نجعل هذا التعدد مصدر قوة، أو أن يكون قاعدة تمزيق وتفتيت. مع الأسف الشديد، فإن الحوار الدائر فى مصر الآن لا يدفع إلا إلى منطقة التفكيك، تفكيك أوصال الوطن وإضعافه، وذلك لأسباب متعددة، ليس هذا مجال الحديث عنها الآن، ولكن النتيجة النهائية أننا بتنا نسمع، بل نشارك دون أن ندرى فى طرح أسئلة كنا نظن أنها دفنت تاريخيا، لكننا اليوم نكتشف أنها وجدت من ينفض عنها غبار السنين ويفرضها على أجندة الوطن.. بدأنا نسمع أسئلة وآراء عن الجزية وولاية غير المسلم وحرمانية أن يحمل المسلم للمسيحى مشاعر الحب، أو أن يهنئه بالعيد..

بدأنا نسمع عن دولة المسلمين فى مصر ودولة الأقباط القادمة.. بدأ من كانوا يتوارون وهم يطالبون بتدخل دولى يظهرون على الساحة أكثر جرأةً، لأنهم يمتلكون الآن ما يدفع المصريين الأقباط لأن يشعروا بالخوف، يضاف إلى ذلك أن أولئك الذين كانوا يحملون لواء الدفاع عن المواطنة كحق أصيل بدأوا يتوارون أو يخفتون أصواتهم إن لم يسكتوها تماما وذلك نفاقا للقوى الدينية الإسلامية الصاعدة، التى احتلت واجهة العمل السياسى، ولأنهم لا يريدون صداما معهم بحثا عن دور أو عدم تربص بهم، فاختفى الكثير ممن احتلوا موقع النخبة – كما اعتادوا دوما – عندما احتاجهم الوطن لمواجهة التراجع فى مفهوم المواطنة.

لست فى موقع النصح، ولكنى من موقع المواطن الذى له الحق فى أن يطلب من كل الفاعلين على الساحة السياسية أن يعملوا من أجل هذا الوطن.. من هذا الموقع أوجه كلمتى هذه إلى القوى الدينية الإسلامية التى احتلت موقعا متميزا فى المشهد السياسى، بأن يدركوا أن العمل السياسى ينبغى ألا يكون عملا دعويا، وأن السياسة تعنى العمل على تقوية الدولة وليس دق أسافين التمزق فى أوصالها، وإذا كان قد قدر لكم أن تلعبوا هذا الدور السياسى المتميز فى هذا المستقبل القريب فلتكن نظرتكم أكثر شمولا من أجل وحدة هذا الوطن، لذلك أدعوكم إلى التوقف الفورى عن طرح موضوعات الانشقاق، وأن توجهوا قواعدكم إلى التوقف التام عن اللعب بنار الفتنة وأنتم قادرون على ذلك، وأن يصدر عنكم ما يؤكد التزامكم بمفهوم المواطنة، ويرتبط بذلك من السلوك والإجراءات ما يؤكد صدقكم فى تبنى هذا المفهوم.

دائما أقول: إن مصر دولة خلقت لتبقى، ولا أتمنى أن يكون بعض أبنائها سببا فى تمزيقها أو حرقها.

كل عام وأنتم بخير

لا تخطفوا الحلم أو تغتالوه

بقلم عبداللطيف المناوى

انتخابات البرلمان المصري

عندما بدأت العمل فى التليفزيون المصرى كان أهم ما شجعنى على خوض تجربة العمل لأول مرة فى الإعلام المملوك للدولة هو ذلك الحلم بأن التغيير ممكن، تغيير مفهوم تبعية الإعلام للحكومة أو لدافعى الضرائب، ذلك التعبير الذى أظن أننى إن لم أكن أول من استخدمه داخل التليفزيون فقد كنت أكثر المحاولين دائما لتحقيقه أو على الأقل زرعه كمفهوم بين من عمل معى، وأيضا الحلم بأن يكون لى من خلال موقعى ولو إضافة بسيطة فى تحقيق التغيير فى المجتمع الذى كنت أظن أن بوادره منذ سنوات كانت تعبيرا عن نية حقيقية ثبت أنها لم تكن جادة. مرت تجارب عديدة ـ ليس مجال ذكرها الآن وسوف يأتى الوقت المناسب للحديث عنها

ـ لكنها كانت فى معظمها محاولات صادقة وجادة من أجل جعل هذا التغيير حقيقة. حلمت وشاركنى الحلم عدد من الزملاء فى أن نصل لأن يكون لنا ولو دور صغير فى أن نصل إلى حلم الدولة المدنية الديمقراطية المرتكزة على مفهوم سيادة القانون. كنت دوما أعتقد أن هذا لن يتغير إلا إذا نجحنا فى اختراق الأغلبية الصامتة ودفعها إلى المشاركة،

تلك الكلمة السحرية التى من خلالها يمكن تغيير الواقع وخلق واقع جديد، لكنى أعترف هنا الآن بأن نظرتى كانت قاصرة عندما اعتقدت أنه بالحرب فى إطار دائرة صغيرة يمكن تحقيق تغيرات أساسية، ولم أرد أن أفيق من الحلم بالقدرة على التغيير بمواجهة الحقيقة التى تقول إن الإعلام هو نتاج النظام، كل النظام: السياسى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى، وبالتالى فإن الإعلام لا يستطيع وحده أن يغير مجتمعاً، لكن يمكن له أن يساهم فى دفعه سلباً،

كما فعل كل الإعلام، خاصاً وعاماً، فى المرحلة السابقة، ولكن التغيير الأساسى والرئيسى لا يمكن أن يحدث إلا بتغييرات جوهرية سواء فى أطراف المعادلة، أو بتغيير قناعات هذه الاطراف بأهمية التغيير، وبالتالى العمل على تحقيقه، أو بتغيير الواقع كله والمعادلة بأطرافها والبدء فى خلق واقع جديد.

ظل هذا حالى ومن آمن معى من زملائى بقناعتى بإمكانية الاستمرار فى الدفع من أجل تحقيق هذا الهدف، هدف المشاركة فى التغيير والدفع نحو مفهوم الدولة المدنية، رغم كل المعوقات والحروب التى واجهناها، والتى ليس مجال ذكرها الآن، وسوف يأتى الوقت المناسب للحديث عنها، وعدم وجود المقومات، إلى أن تغير الواقع كله.

ذكرت ما سبق لأننى وجدت حلما من أحلامى يتحقق أمام عينى الأيام الماضية عندما شاهدت تلك المشاركة الحقيقية من المصريين فى الانتخابات البرلمانية.. وبغض النظر عن كل ما يثار من جدل حول مدى صحة قرار إجراء الانتخابات الآن أم لا، وبغض النظر عن نتائجها، وهل الإسلاميون قادمون أم الليبراليون أم برلمان قادم يحمل كل الألوان أو يحمل فى طياته أسباب انهياره،

بغض النظر عن كل ذلك، فإن العلامة الإيجابية الكبيرة التى يجب أن يحترمها الجميع هى ذلك القرار الذى اتخذه المصريون، وبدا ذلك فى الإقبال الحقيقى لدى عدد كبير من المصريين للمشاركة فى الانتخابات. ظللنا طويلا نتساءل: لماذا يشارك المصريون فى انتخابات النوادى ولا يشاركون فى انتخابات البرلمان؟.

وكانت الإجابة دائما ـ والتى ذكرتها دوما ـ بأن ذلك سببه أن الناخب فى النادى يعلم أن صوته له تأثير فى النتيجة، أما فى البرلمان فهناك اقتناع بأن النتيجة معروفة مسبقا، وهذه هى المأساة. كنت أظن أن مجرد النقاش ومحاربة طواحين الهواء والإصرار على ترويج مفهوم المشاركة يمكن أن يصل بنا إلى ما أردناه دائما من دولة ديمقراطية حقيقية، لكن كان للناس دوما رأى آخر.

المهم هنا اليوم هو البحث عن الأسلوب الذى يمكن من خلاله تطوير هذه الخطوة المهمة فى تاريخ المصريين الذين عرف عنهم تاريخيا العزوف عن المشاركة، وهنا أدعو الجميع فى التحرير والعباسية وميادين مصر المختلفة، وأدعو الإسلاميين والماركسيين والناصريين والليبراليين والأحزاب الباقية على قيد الحياة، إلى احترام هؤلاء الذين بدأوا يحلمون ويعتقدون أن هذا البلد هو بلدهم بحق، وبالتالى فليس من حق أى جماعة أن تخطف الحلم أو تفسده. هناك تخوفات لدى الليبراليين من سطوة الإسلاميين،

وهناك شكوك تسكن الإسلاميين تجاه الليبراليين، ومستقبل الوطن كله يبدو مجهولا إن لم يكن قاتما، ولكن ظهور هذا المستوى من المشاركة هو نقطة الضوء الوحيدة التى شاهدناها خلال الأشهر الماضية، فلا تقضوا عليها ولا تطفئوها.. هذه المشاركة إن استمرت فهى الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا الوطن بالشكل الذى يليق به.

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=319527

بلطجية الانتخابات

بقلم   عبداللطيف المناوى

 لم تعد البلطجة مقصورة على معتادي الإجرام   ، كما أنها خرجت خارج حدود من يعتقد أنه يحصل على حقه بالوسيلة التي يستطيع بها الحصول عليه عندما لا يجد القانون قادرا على تحقيق ما يعتقد أنه حقه ، وباتت البلطجة حاضرة في أحياء الأغنياء والفقراء ، وتطور شكل البلطجية فأصبحوا داخل كل الأزياء ،  أصبحت جزءا من ثقافة بعض المجتمعات ، وارتفع صوت السنجة والمطواة والسيف على صوت القانون ، والجديد الذي أضافته إلينا تجربة الانتخابات البرلمانية الأخيرة ـ وربما التجارب السابقة ـ  أن البلطجية  أصبحوا أحد العناصر الأساسية  وأحد العلامات الرئيسية في العملية الانتخابية ،  لا أستثني طرفا من هذا التورط في هذا الجرم ضد المجتمع .

بات خبرا طبيعيا  إثناء متابعة الانتخابات  أن بلطجية المرشح ( أ ) اعتدوا على بلطجية المرشح ( ب ) ، لأن المرشح ( أ ) لم يتمكن من تسويد الصناديق لصالحه ، وفق المستوى الذي نجح فيه المستوى ( ب )  ، بات طبيعيا أن نسمع عن انتشار فرق البلطجية أمام لجان الانتخابات  ، واشتباكهم مع الناخبين ، ومنعهم للناخبين من الوصول إلى اللجان ، أو اعتداءهم على مندوبي مرشح آخر ، واحتل البطلجية أسطح المنازل القريبة من بعض اللجان يمارسون عمليات الترويع ، ويمارسون انتهاك القانون ، وكل هذا بدعم وبنفوذ وبنقود من يتنافسون من أجل أن يكونوا مشرعي القوانين داخل البرلمان .

العديد من النقاط الرئيسية تحتاج إلى توقف ودراسة ، وعناية منا جميعا في هذه الانتخابات ، من بينها تلك الظاهرة خرجت خارج حدود كونها ظاهرة فردية إلى تحولها إلى نمط وسلوك كاد أن يقترب من أن يكتسب شرعية  التواجد ، بعدما تم غض الطرف عن العديد من الممارسات ، نحن في حاجة إلى السلوك الصحيح والسلوك السياسي الناضج في المنافسة الصحيحة والناضجة ، وفي إتاحة المناخ والفرصة للقوى الشرعية بأن تتواجد  وأن تحضر وأن يكون  لها تأثير وهو صوتها .