سياسة «بن لادن» الإعلامية

بقلم عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما تشاهد وجوهاً لأشخاص عرفتهم ولم تلتقهم لفترة، فإن السلوك الطبيعى المباشر هو أن تتوجه إليهم بتحية صادقة، سواء كنت متفقاً معهم فى الرأى أو مختلفاً، هنا العنصر الإنسانى فى العلاقة هو الذى يتحكم فى إدارتها. هذا ما كنت مقتنعاً به، قد يكون تعبيراً عن سذاجة فى مفاهيمى للعلاقات الإنسانية، لكنها طبيعة ارتحت إليها. ما يصدم حقيقة هو أن يكون رد الفعل من جانب الطرف الآخر مناقضا لما تقتنع به من أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية، فقد أكدت لى مواقف بعض الزملاء أنهم اختاروا أن يكون الاختلاف فى الرأى سبباً لإفساد الود، ويؤكد ذلك الحالة التى سادت مجتمعنا مؤخراً فى أسلوب تقسيم المجتمع إلى جماعات ذات انتماءات، تحتم عليها هذه الانتماءات أن تتحول العلاقة إلى علاقات تضاد ومواجهة وليس علاقات إنسانية أو مهنية بين أبناء وطن واحد. ذهبت هذا الأسبوع إلى دبى، مشاركاً بأحاديث فى أولى ندوات منتدى الإعلام العربى الحادى عشر، والذى عقد تحت عنوان «الإعلام العربى بين الانكشاف والمصارحة». عندما وصلت إلى حفل الاستقبال صافحت عيناى وجوهاً كثيرة ممن عرفت على مدار عملى المهنى من جنسيات عربية عديدة، وكان من بين من رأيت زملاء مصريون لم أذكر ساعتها إلا أننى لم أرهم منذ فترة، فكان سلوكى تجاههم هو ذلك السلوك الإنسانى الساذج الذى أشرت إليه فى بداية مقالى، لكننى لاحظت أن بعض ردود الفعل كانت مفاجئة فى تحفظها وبرودها، ولم يمر وقت طويل حتى أدركت أن هناك خلافا فى الرؤى والمواقف بيننا، لم يستطيعوا هم أن يتخلصوا منه ولم أتذكره أنا فى المقابل، فقد كانت اللحظة الإنسانية عندى متجاوزة للخلاف، بل كانت متجاوزة لإساءات شديدة من بعض هؤلاء، ألم أقل لكم إن الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية، خاصة مع اقتناعى بأن الخلاف هو على أرضية وطنية وليس أرضية تخوين أو إقصاء، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك لدى الجميع. فى الجلسة التى حملت عنوان «صدمة التغيير»، التى واجهها الإعلام العربى بعد ما شهدته الساحة العربية من تغيرات جذرية حرصت أن يكون حديثى عن المستقبل مبنيا على خبرة الماضى، خاصة أن قناعتى دائماً بأن النظر إلى الخلف هو أهم أسباب إعاقة التقدم إلى الأمام، إلا أن الحديث عن التجربة التى مررت بها مازال حاضراً بين الناس، لذلك وجدت نفسى عائدا للحديث عنها، خاصة عندما وقف أحد الحضور، وكان صحفياً مصرياً شاباً، ليلقى كلمة حماسية عصبية لم أستطع أن ألمس فيها سوى تلك الروح التى مازالت مسيطرة على جزء لا بأس به منا، نحن المصريين، وهى الرغبة فى القضاء، الانتقام، الغرق فى الماضى، والأخطر هو ما سيطر على جزء لا بأس به فى إعلامنا، وهو ما سميته «إعلام بن لادن»، وذلك إشارة إلى ذلك الفصل الواضح الذى وضعه «بن لادن» عقب تفجيرات الحادى عشر من سبتمبر وتقسيم العالم إلى فسطاطين، وبقول آخر موقف بوش الابن عندما قسم بشكل آخر من معنا ومن ضدنا. إذا كان هذا صالحاً للطرح فى سياسات دول أو أشخاص فإن خطورته أن يطرح كأسلوب وسياسة لإعلاميين، خاصة فى تلك المرحلة التى يمر بها بلدنا، حيث افترضت دائماً أن الخلاف حول قضايا الوطن ليس خلافاً فى الوطنية ودرجاتها، لكنه خلاف غرضه وطنى من أجل الوطن، لكن يبدو أن بن لادن الذى غادر الدنيا لم يغادر معه منطقه، والأخطر – مرة أخرى – أن يتبنى هذه السياسة إعلاميون كبار وصغار. كما قال لى صديق، تعليقاً على هذا الموقف إنه يبدو أن الخلاف فى الرأى بات يفسد للود قضية.

التطهر المزعوم

يقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قى بعض الأحيان تعمينا الرغبة فى تحقيق سبق صحفى عما قد يسببه هذا السبق من ضرر دون أن ندرى، وفى أحيان أخرى يغرى الهواء بعض المذيعين فيندفعون دون رادع وراء سخونة الموضوع وتفجير القنابل على الهواء، وأظن أن كلاً من الحالتين شديدة الخطر، ولو أدرك من يمارس هذا الخطأ مدى هذه الخطورة ما مارسها، ولكن أظن أيضا أنهم لا يريدون، أحيانا، أن يدركوا لأن الإغراء كبير، وأن تكون محور حديث واهتمام الجمهور هو أمر يستحق أحياناً غض الطرف.

تابعت، خلال الأيام الماضية، العديد من البرامج الكثيرة التى اصطلح على تسميتها – خطأ – «التوك شو»، وأكثر ما لفت نظرى هو تسيد ذلك الخطأ القاتل الذى أشرت إليه، يضاف إليه ما وجدته من سيادة رؤية أحادية للأحداث والإصرار على ممارسة أقصى درجات غض الطرف ولأكن أكثر صراحة: الهرولة من أجل ما يعتبره البعض من الزملاء «تطهراً»، والطريق إلى ذلك هو النفاق غير المشروط للتحرير أياً من كان قاطنوه فى أى لحظة، وكأن الميدان أصبح متجسدا فى شكل كيان حى يكتسب من يدخله أو ما يمارس فيه قدسية خاصة وحماية مطلقة، وهذا خطأ كبير لا يريد العديد من الزملاء إلا أن يمارسوه تدفعهم إلى ذلك الرغبة الجامحة للكسب الإعلامى بلا إدراك – وهذا ظنى – للخطورة التى يشكلها أو يساهم فى تأصيلها فى المجتمع.

هذه الهرولة من أجل التطهر المزعوم أكدت مفهوم أحادية الفكر وسيطرة الاستقطاب المجتمعى الحاد، حتى تم تقسيم المجتمع المصرى إلى شيع وجماعات أخشى أنها مقدمة لما هو أسوأ.

من بين ما أفرزته نتائج الانتخابات هو ذلك التوقع الذى بات يقينيا بأن الإخوان المسلمين والسلفيين باتوا حاضرين بشدة على ساحة العمل السياسية، وتمكنوا من تثبيت أقدامهم فى البرلمان المقبل. هذا المتغير المهم لقى صداه فورا لدى العديدين من العاملين فى المجال الإعلامى والسياسيين على حد سواء، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن بدأ يكتشف، فى بعض من جوانب نفسه، نزعات دينية كانت مختفية، بدأوا اكتشافها مرة أخرى تقرباً للتيار الصاعد.

هذا الصعود الجديد لذلك التيار أثار فى المجتمع حالة متناقضة من السعادة على منطلق دينى، أو الخوف الذى سكن قطاعاً كبيراً من المصريين، على رأسهم المصريون الأقباط. وقد كان متصوراً أن تكون لغة الخطاب من القوى الدينية ذات لهجة تصالحية تطمينية، وما حدث هو العكس تماما!

هذا الطرح الذى قدمته هذه الأحزاب أو بعض قياداتها هو موضوع مغرٍ للإعلام، خاصة ذلك الذى يعيش على تلك التناقضات. وفى هذا الإطار ظلت الموضوعات أو القنابل التى يلقيها بعض ممثلى هذا التيار حول القضايا المختلفة هى وقود العديد من الإعلاميين، وأصبح الحديث عن الجزية ودولة الأقباط وغيرها من الموضوعات، التى تشق الأمة ولا تجمعها، وقوداً للعديد من البرامج. حتى هذه اللحظة كان من الممكن أن يكون الأمر مقبولاً لو الغرض من النقاش هو إزالة هذا التوتر المرشح للتطور فى المرحلة المقبلة. ما فاجأنى هو تلك المعالجة التى رأيتها والتى اهتم اصحابها باللعب على وتر الخلاف، والهدف الرئيسى بات هو كيف يمكن جنى أكبر نجاح إعلامى، أعتبره زائفاً، فى ظل هذه المخاطر المطروحة، بدلاً من محاولة بذل الجهد من أجل تجاوز هذه الأزمة التى لن ندرك خطورتها إلا إذا «وقع الفاس فى الراس»، وهو ما لا أتمناه لهذا الوطن.

فى ظل هذا الطرح وهذه الأفكار وتلك الحالة المتأزمة فوجئت بحوار يدور بين مصريين، بعضهم مسيحى والآخر مسلم، وتابعت الحوار بين الفريقين لأكتشف أن الحجة تقارعها حجة أخرى فى موضوع دفع الجزية من الأقباط، وعبثاً يدور حوار حول أهم الأسانيد التى تلزم الحاكم المسلم بتحصيل الجزية من غير المسلمين، فى حين كان يجاهد على الطرف الآخر مصريان قبطيان يحاولان طرح مفهوم المواطنة فى مواجهة الجزية، وكان الموضوع الآخر، والذى كان صادما، هو هل يجوز لمسلم أن يحب مسيحياً؟ بمعنى آخر: هل من الدين الصحيح أن يحمل الإنسان مشاعر حب لمسيحى؟ وما كان صادماً أكثر من السؤال المطروح هو تلك الإجابة التى أجمع عليها معظم من تحدث من رجال الدين.

لكن هذا ليس ما توقفت أمامه طويلاً، بل إن ما توقفت أمامه هو ذلك الخطأ الكبير الذى يسمح بطرح مثل هذه التساؤلات والقضايا الخلافية التى لها تأثير خطير فى شق صف الوطن لمجرد طرحها، ما لم يكن ذلك مستهدفا تضييق هوة الخلاف بين الأطراف المختلفة، ولكن ما شاهدته كان أمراً مختلفاً، فقد كان خاضعاً لإغراء الهواء والمهنة. فى بعض الأحيان وفى ظل الأوضاع المشتعلة فإن مجرد طرح بعض الموضوعات يصل تأثيرها إلى حد تدميرى حتى لو لم تكن النية كذلك

رابط المقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=321938