نقيصة «الإنكار».. تهجير الأقباط نموذجاً

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى أهم المشكلات التى تعانى منها المجتمعات وتحول دونها ودون التقدم هى ما يطلق عليه «الإنكار»، والمقصود بهذا التعبير هنا هو رفض الاعتراف بالواقع أو المشكلة والبحث عن مسميات أخرى لها تكون أخف وقعاً، أو المكابرة بعدم وجود الأزمة أو المشكلة من الأساس. وللأسف فإن هذه العادة متأصلة فى مسؤولينا منذ فترة طويلة، ولكن الملاحظ أنها أكثر حضورا منذ تولت الجماعة مقاليد الحكم وفازت بالغنيمة.

ويمكننى الغوص طويلا فى هذا المرض المتأصل بإنكار الواقع والبحث عن «شماعات» أخرى تخصص المسؤولون الحاليون فيها، ولكننى سوف أتوقف فقط عند ذلك الحادث المخيف بحق الذى تمثل فى عملية تهجير قسرى لعائلات مصرية من بيوتها لا لشىء إلا لأنهم أقباط، ولم يأخذ هذا التصرف الخطير حقه باتخاذ إجراءات واضحة من مسؤولى الحكم الجدد، بل إن ما حدث هو ممارسة لداء الإنكار، وها هو الدليل فى تصريح الدكتور هشام قنديل، رئيس مجلس الوزراء، الذى نفى فيه وجود أى ترحيل للأقباط فى رفح.

والقصة الحقيقية أن تسع أسر قبطية غادرت المدينة بعد تلقيها تهديدات بمنشورات تهاجم الأقباط. وتلقت بعض الأسر تهديدات بالقتل، وقيل لهم «ارحلوا أيها الأقباط.. وإلا فسوف تندمون»، ولا أظن أننا نحتاج لأن نقول من الذى وجه هذا الإنذار.

الغريب أن مثل هذا الموقف حدث من قبل فى العامرية وبعض قرى الصعيد وخرجت تصريحات وقتها تفيد بأن خروج الأقباط لم يكن عنوة بل هم الذين اختاروا الخروج، وهنا لا أدرى ما المفهوم الذى يرضى به المسؤولون الجدد لمفهوم العنوة، أليس الترهيب والتخويف هو أحد أهم أساليب الطرد؟! أليس التهديد بالقتل إرهاباً يدفع للفرار، وهنا يسمى طرداً ومطاردة وليس فقط مجرد تهجير؟ وتكتمل الكارثة عندما يجد مسؤول القدرة بل الجرأة على الالتفاف والإنكار ليسمى الأشياء بغير أسمائها وينكر ما لا تخطئه العين أو ينكره العقل.

وهنا سوف أستعير ما جاء منسوباً للمجلس القومى لحقوق الإنسان تعليقاً على جريمة التهجير من أن «تبريرات بعض أجهزة الدولة حول أن رحيلهم جاء بناء على طلبهم، ليست مقبولة، لأن أبسط مسؤوليات الدولة هى أن توفِّر الحماية لمواطنيها، وأن تضمن لهم حق السكن الآمن، والحماية من أى مخاطر تهددهم، وأن تخلى الدولة عن هذه المسؤولية سوف يشكل سابقة خطيرة فى مصر، ويعود بنا إلى عصر الغاب بدلاً من دولة القانون».

نعم أيها السادة، العودة إلى عصر الغاب هى النتيجة الطبيعية التى يمكن أن تحدث عندما يغض النظام – أى نظام – الطرف عن الإساءة للمواطنين على أساس دينى أو عرقى، نعود لعصر الغاب عندما يهادن النظام – أى نظام – الإرهابيين والمتطرفين ليتحالف معهم ويغض الطرف عما يفعلون، وفى أقصى الأحوال يسمى جرائمهم الإرهابية «تجاوزات إجرامية».

إحدى المخاطر الكبيرة التى نعانى منها هذه المرحلة هى ذلك التراجع المخيف لمفهوم المواطنة، وعملية التشويه المستمرة والمتعمدة أحيانا لهذا المفهوم. إذا كان الحكام الجدد يتحدثون عن الديمقراطية فإن أول شروطها هو المساواة بين المواطنين، كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين، وهنا أتحدث عن مواطنى هذا الوطن وليس الطامعين فيه، وترهيب المصريين فى سيناء الذى بدأ على خلفية دينية ليس بعيداً عن مخاطر تفجير الوضع فى سيناء.

Advertisements

أقباط ما بعد البابا

بقلم عبداللطيف المناوى
أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى أن يصاب بنقص المناعة، هذا النقص يصيب أخطر ما يصيب أى مجتمع بشرى، لأن هذا النقص يعرض المجتمع للعديد من الأمراض، ويصاب المجتمع بفقدان المناعة إذا تفتّتت أوصاله إلى جزر متباعدة، متصارعة أحياناً، بحيث تحكم المصلحة الذاتية قصيرة النظر توجهات أفراده وجماعاته، وعندما يمس التطرف أفراد المجتمع من جماعاته والدولة، أو جزءا من كل من هذه الأطراف، فهذا هو الطريق لفقدان المجتمع عناصر المناعة الاجتماعية والسياسية.

أقول هذا الكلام بمناسبة رحيل البابا الذى حاول طوال فترة وجوده على كرسى الكنيسة أن يظل صمام أمان للوحدة الوطنية، وأن يقرب بين الجزر المتباعدة، التى تحاول جماعات وأطراف مختلفة إبعادها عن بعضها البعض.

ولا يمكن هنا نكران أن المجتمع المصرى عانى خلال السنوات الأخيرة، فى الحقبة الأخيرة تحديدا، من نقص مناعته لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، ولعل أبرز هذه الأسباب اختفاء المشروع القومى الذى يجمع كل المواطنين حوله، والتغيرات، أو الانقلابات السياسية المتتابعة والمفاجئة والأزمة الاقتصادية، كما تراجعت عناصر قوية فى بنية المجتمع، كل المجتمع، ومس التطرف، بمفهومه العام، كل الأطراف: «الفرد والجماعة والدولة» كل فى موقعه.

أظهرت الأزمات المتتابعة حالة الاحتقان المستتر تحت هدوء ظاهر بدا أنه غير حقيقى، وكشفت أيضاً عن أساليب لإدارة الأزمات، سواء من الدولة أو من الكنيسة، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية من كل الأطراف، حسمت بشكل قاطع أن وجود احتقان لن يجد طريقه للزوال بمجرد صور فوتوغرافية ومشاهد تليفزيونية تجمع أصحاب العمامات السوداء والبيضاء مبتسمين ابتسامات لا تحمل من المعانى الكثير.

حتى نكون أكثر وضوحاً وتحديداً، فإن هذا الحادث أثبت بشكل قطعى أن ملف الأديان فى المجتمع بشكل عام ومشكلاته بشكل خاص لا ينبغى أن يكون ملفاً أمنياً خالصاً، بل ينبغى أن يكون ملفاً سياسياً ومجتمعياً، ويظل الجانب الأمنى فيه هو المنوط بالأمن.

فى هذا الملف، تحديداً الملف القبطى، فإن النقاش العام الواضح حول ما يراه الأقباط أو معظمهم من وجود ظلم واقع عليهم وهدر لحقوقهم، لو أن نقاشاً بهذا الشكل كان قد بدأ منذ وقت طويل من خلال القنوات المختلفة الإعلامية والسياسية والمجتمعية لما كنا قد وصلنا إلى هذه الحالة.

هذا النقاش العام يكشف حقيقة وحدود هذا الوضع الظالم الذى يعتقده الأقباط، ويكشف أيضاً: هل هذا الإحساس المطروح قبطياً إحساس مبنى على واقع أم أنه إحساس متضخم وأن الواقع مغاير لما يشعرون ويروج له بعضهم؟ هناك حديث عن قانون «همايونى» يحكم بناء الكنائس، ماذا عن واقع الكنائس فى مصر؟ هناك حديث عن تغييب حضورهم فى المناصب العامة وعن الحياة السياسية. ماذا عن الحقيقة، وماذا عن أزمة المشاركة السياسية؟ أظن أن هذا النقاش العام الحقيقى يمكن أن يكشف بوضوح: هل ما يعانى منه الأقباط أو يشعرون به حقيقى، أم أنه مبالغ فيه، أم أنه حالة يعانى منها الجميع، مسلمين ومسيحيين، وأنه يعبر عن أزمة مجتمع وليس أزمة جزء منه.

سلوك بعض من أبناء الشعب المصرى، مسلمين وأقباطاً، فى حاجة إلى مراجعة حقيقية. إرساء قواعد الدولة المدنية وإقناع أبناء الشعب المصرى بها هو أحد المخارج الرئيسية لما نحن فيه، استعادة الدولة دورها المفقود، ليس الدور الأمنى بالطبع، لكن الدور الذى تتحول فيه الدولة إلى دولة للجميع، مسلمين وأقباطا، واستعادة هذا الدور مسألة ملحة، لأن تضخم دور التيار الدينى فى المجتمع هو تعبير عن غياب أو تخلى الدولة بمفهومها المدنى عن القيام بدورها المفترض فى المجتمع.

ربما يكون رحيل البابا مناسبة مهمة لفتح هذا الملف ودق ناقوس الخطر، قبل اختيار الرئيس، وقبل اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور.