“مينا” وحد القطرين وأنشأ جهاز الشرطة

توقفت امام تعبير “بوليس” الذي ينتشر في العالم بأشكال نطق مختلفة لكنها جميعا تنتهي الى معنى واحد وهو الشرطة، بحثت عن معنى الكلمة فعرفت انها كلمة لاتينية ذات أصل يوناني وهي تعني المدينة بمعنى المدنية والتحضّر ولا يمكن ازدهار المدنية إلا في ظل الأمن. من هنا نرى العلاقة الوثيقة بين الأمن والرقي الحضاري، فكان جهاز البوليس معنياً بالمحافظة على أمن الدولة ومكتسباتها الحضارية. اما في مصر فمع تولي الخديوي اسماعيل الحكم في سنة 1863م استدعى الضابطين الإيطاليين كارلسيمو والمركيز نيجري وأوكل إليهما مهمة تشكيل قوة نظامية لحفظ الأمن تحل محل طائفة «القواسة» الأتراك غير النظاميين. مع هذه unnamedالطائفة ظهر على السطح مصطلح «البوليس» لأول مرة في تاريخ مصر.
هذا البحث عن اصل الكلمة اغراني للبحث عن تاريخ الشرطة في مصر، فنحن نتعامل معها باعتبارها حقيقة حاضرة ولم نتوقف كثيرا لنعرف عن تاريخ نشأتها. يعتقد البعض أن جهاز الشرطة ارتبط ببدء ما اصطلح على اعتباره نشأة الدولة الحديثة مع وصول محمد علي الى سدة الحكم في مطلع القرن التاسع عشر مع التنظيمات التي أدخلها لتحديث مصر. لكن التاريخ يثبت عكس ذلك، فجهاز الشرطة عرفته مصر مع بدايات الدولة المصرية القديمة عندما وحّد الملك نارمر (المشهور بمينا أي المؤسس) مصر في دولة واحدة يحكمها الفرعون، فظهرت الحاجة الماسة لإدارة تنظم أعمال توزيع مياه النيل بين المصريين، فكان جهاز الشرطة الذي اقتصرت مهمته الأولى على الحرص على توزيع مياه النيل بشكل عادل بين جميع المصريين آنذاك. د. سليم حسن العالم المصري الشهير في مجال المصريات يشير في موسوعته «تاريخ مصر القديمة» الى أن أهمية هذا المنصب دعت الى أن يتولى وزير الفرعون مهام رئيس الشرطة الأعلى في العاصمة، بالإضافة الى المحافظة على المؤسسات العامة، ومتابعة العاملين في إدارة الدولة وعزل من يثبت فساده، بالإضافة الى حراسة الفرعون بتشكيل الحرس الخاص بالفرعون. ومع الوقت أصبح منصب «رئيس الشرطة» من أهم الوظائف في الدولة المصرية. ومن بين مهام الشرطة الفرعونية حماية مقابر الفراعنة حتى لا يتعرض لها لصوص الذهب والمقابر، وربما يكون أبرز ما قامت به الشرطة الفرعونية وسجله التاريخ هو ما قام به رئيس الشرطة «سمحو» من إحباط مؤامرة لاغتيال إخناتون فرعون مصر.
وكانت العلاقة ودية بين الشعب والشرطة في عصر الفراعنة، وهو ما عبر عنه  احد الحكماء في وصيته لابنه والتي اكتشفت في احدى البرديات بأن يكون على وفاق مع رجال الشرطة قائلاً: «اتخذ من شرطي شارعك صديقاً لك ولا تجعله يثور عليك، وأعطه من طرائف بيتك حينما يكون منها في بيتك في أيام العيد، ولا تتغاضى عنه وقت صلاته بل قل له: المديح لك».
على العكس من العلاقة الطيبة التي جمعت بين المصريين والشرطة في عصر الفراعنة ساءت علاقة الشرطة بالمصريين في عهد دولة البطالمة. فقد أصبح رجال الشرطة من الإغريق الغرباء الذين لا همّ لهم إلا جمع المال واحتقار المصريين. إلا أن الوضع أخذ في التغير عند نهاية عصر البطالمة حيث يؤكد د. إبراهيم نصحي في كتابه «مصر في عصر البطالمة» أن البطالمة ومن بعدهم الرومان استعانوا بالمصريين في جهاز الشرطة وهو ما ساعد على عمل هذا الجهاز الحيوي بكفاءة مرة أخرى، وإن كانت قيادة الشرطة ظلت في يد القيادة العليا (دوق مصر) لقوى الاحتلال في مصر إبان الاحتلال الروماني.
مع دخول مصر تحت لواء دولة الإسلام في عام 641م، شهدت مصر تغيرات جذرية في مفهوم نظام الشرطة. فالعرب كانت لهم رؤيتهم الخاصة لعمل الشرطة التي ظهرت لأول مرة تحت مسمى نظام «العسس» في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وفي عهد الخليفة علي بن أبي طالب نظمت الشرطة وأطلق على رئيسها صاحب الشرطة وكان يُختار من علية القوم ومن أهل القوة. وفي مصر الإسلامية كان زكريا بن جهنم بن قيس أول من تولى الشرطة لعمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامي، وكان منصب صاحب الشرطة بمثابة نائب الوالي. ولم يتغير وضع الشرطة في العصور الإسلامية اللاحقة إلا في تقسيم الشرطة بين إدارتين إحداهما في القاهرة والأخرى في الفسطاط في العصر الفاطمي، وهو ما ظل متبعاً في عهدي سلاطين الأيوبيين والمماليك حتى الغزو العثماني لمصر في سنة 1516م، لتشهد مصر بعدها حالة من الانفلات الأمني في ظل الصراع بين القوات العثمانية ممثلة في الباشا وقوات الانكشارية والعربان وبقايا أمراء المماليك بزعامة شيخ البلد. وهو النزاع الذي مكّن قائد الغزو الفرنسي بونابرت من احتلال مصر سنة1798، ولم تنقطع حالة الفوضى تلك إلا مع وصول محمد علي الى سدة الحكم في عام 1805م، فبدأ في تنظيم جهاز الشرطة ضمن مشروعه التحديثي وأوكل هذه المهمة لـ»لاظوغلي» كتخدا (وكيل) محمد علي الذي أعاد تنظيم الشرطة في كيان محكم. وتوسعت مهام الشرطة التي بدأت تأخذ طابعها العصري من حفظ الأمن في مختلف مرافق الدولة، وبدأ استحداث بعض الإدارات التابعة لجهاز الشرطة كشرطة الجمارك وشرطة البصاصين (الشرطة السرية) وكانت مهمتهم التنكر في أزياء الباعة الجائلين والتردّد على دور الأعيان الناقمين على السلطة الجديدة ورفع تقارير الى أولي الأمر لاتخاذ اللازم. وهذه الطريقة، كما يذهب د. ناصر الأنصاري في كتابه «تاريخ أنظمة الشرطة في مصر»، ساعدت في كشف بعض المؤامرات التي كانت تحاك في الظلام للانقضاض على محمد علي.
سأقفز هنا الى التاريخ الحديث الى التاريخ الذي قرر المصريون ان يعتبره عيدا للشرطة وهو يرتبط بما يطلق عليها موقعة الإسماعيلية في 25 يناير، 1952 حيث رفضت قوات الشرطة المصرية تسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية. أسفر الاشتباك بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية عن مقتل 50 شرطيًا مصريًا و80 جريحًا. اصبح ذلك التاريخ عيدا للشرطة، وهو اليوم الذي شهد بداية إسقاط النظام الأسبق ومحاولة تدمير منظومة الأمن منذ اربع سنوات.
أردت في هذا اليوم تذكرا لكل ذلك ان استحضر التاريخ القديم والحديث حتى لا ننسى ونحن نقيم أوضاعنا ونعيد بناء ما تهدم كيف يتحكم الوضع السياسي والظرف العام في علاقة الشرطة بالشعب، وكيف يمكن ان تكون تلك العلاقة علاقة بناء او عنصر توتر.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

البطولة والحكمة بأثر رجعي

احد أدوات الانسان في التكيف مع واقعه الخيال، نعم، عندما يعجز إنسان عن مواجهة تحديات تواجهه فانه يلجأ الى خلق واقع اخر في خياله، في هذا الواقع الخيالي ينتصر على تحدياته ويحقق طموحاته وينتشي بقوته الوهمية ويحل مشكلته. اعتقد ان هذه الحالة من الهروب هي جزء من تكوين النفس البشرية بشكل او باخر، بصورة ادق، بدرجة او بأخرى. اذا ما زادت هذه الدرجة عن مستوى معين تتحول الى حالة مرضية. واكثر الأمثلة إيضاحا لهذه الحالة تبدأ مع الانسان في مرحلة الطفولة، مثلا اذا ما تعرض الطفل للاعتداء عليه بالضرب من طفل اخر اكبر منه او أقوى منه فانه يعوض ذلك بخيال يعيشه وهو يضرب من ضربه، بل ويختلي كيف انه وجه له ضربات قوية وإسقاطه أرضا.10374079_655605337895219_6766773188295941436_n يغمض الطفل عينيه ويعيش هذا الخيال بل ويتفاعل معه جسديا بحركات يديه وقدميه فيشعر بالارتياح ويتخلص من احساس القهر حتى لو كان ذلك في خياله. تتحول هذه الحالة الى ظاهرة مرضية اذا ما صدق خياله وبدأ يصدر حكايته المتخيلة للآخرين على انها حقيقة، وتزداد حدة الحالة عندما يصدق هو نفسه ويعيش حالة البطولة الوهمية، وينذر هذا بان الرجل القادم من هذا الطفل هو رجل مريض نفسيا يحل مشكلته بالعيش في الأوهام ليخلق لنفسه واقعا مزيفا بديلا عن الواقع الحقيقي الذي يعاني فيه.
للأسف ان كثيرين ممن يحيطوا بنا يعانون من هذا المرض، وللأسف ايضا فان التغيرات الاخيرة والتي اتسمت بانها تغيرات حادة شهدها مجتمعنا سمحت لهؤلاء المرضى ان يطلقوا علينا أوهامهم باعتبارها حقائق، ويصدرون لنا حكمتهم التي لم تكن موجودة يوما، لكن كل هذا بأثر رجعي. نكتشف اليوم كيف ان رجالا ونساء احتلوا مواقع النخبة وتشكيل الرأي العام مصابون بهذا المرض النفسي الخطير، الجديد هنا هو انه إصابة اختيارية، بمعنى ان هؤلاء اكتشفوا انهم كي يعيشوا في الوسط والمستوى ودائرة الضوء التي يريدونها فان الطريق لذلك هو ادعاء البطولة والحكمة بأثر رجعي. فسنكتشف من كان واقفاً موقف المتسول لنظرة رضا من مسؤول سابق يخرج اليوم ليتحدث عن بطولاته وصولاته وجولاته في مجابهة هذا المسؤول، ويخرج اخر ليدعي انه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين الذين لم يسمعوا له ولحكمته فدفعوا الثمن بخروجهم المرير. ايضا أولئك الذين فيما يبدو ان نسبهم يعود في أصوله الى “زرقاء اليمامة” فامتلكوا القدرة على رؤية القادم، فيخرج احدهم ليتحدث اليوم عن انه كيف رأى مستقبل مصر في ظل الاخوان منذ الجمعة التي خطب فيها القرضاوي في ميدان التحرير، وحذر كزرقاء اليمامة من القادم لكن الأغبياء لم يسمعوا منه. هذه هي نماذج الهروب الطفولي الى الخيال للانتصار على احباط الواقع، لكنه كما ذكرت يتحول الى مرض اذا ما سيطر على صاحبه، وهو جريمة اذا اختار شخصا ان يعيش هذا المرض بإرادته ليدعي الحكمة والبطولة بأثر رجعي.
المشكلة التي نعانيها ان أمثال هؤلاء ملأوا الساحة، بل وتمكن بعضهم من ان يفرض نفسه في دوائر متعددة من دوائر تشكيل الرأي العام والتأثير في صنع القرار، ويحاول بعضهم ان يجد لنفسه مكاناً جديدا تحت الضوء. ان سيطرة مثل هذه الشخصيات على اي مساحات تأثير في المجتمع او الادارة لن تصب الا بالسالب ضد مصلحة هذا الوطن.
قد ينجح الزمن لفترة طويلة في أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين ، ومع طول الزمن يبدو الأمر وكأنه حقيقة ، وتبدو هذه الأقنعة لوهلة كأنها وجوه حقيقية، وينجح هؤلاء الحكماء “في غفلة من الزمن” والأبطال “من ورق” في يحدثنا ضجة ويحالوا مقدمة الصورة، ويطرحون انفسهم باعتبارهم المخلصين والمخلصين -بكسر اللام مرة وتشديدها مرة اخرى- معتمدين في ذلك على ضعف ذاكرة الناس، الانسان طبعه النسيان. ومن الطبيعي ان يصاب بالإحباط من يفهم هذه الحالة ويرى خطورتها على المجتمع والدولة، لكن يظل الرهان والأمل في القاعدة التي تقول انه في النهاية لا يصح الا الصحيح، ونظل نعيش على الأمل في ان نرى هذا الصحيح، وحتى يأتي ويصح الصحيح لا ينبغي ان نتوقف عن كشف البطولات الوهمية والحكمة الغائبة.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

مطب لكل مواطن، ام دولة للجميع؟ 

unnamed (1)فجأة وفي منتصف الطريق وبينما تقود سيارتك تفاجأ بمطب صناعي لا تملك الوقت لتهدأ السيارة فيقفز في الهواء، وقبل ان تفيق من صدمة المطب الأول يفاجئك المطب الثاني، هكذا معظم طرقنا في المدن وبين المدن، كل من يريد ان يبني مطبا ظنا منه انه يحميه يبادر هو ببنائه دون الرجوع لاحد، ودون ان يوقفه احد او تحاسبه جهة رسمية. هذه الصورة التي قد يراها البعض بسيطة اعتبرتها منذ سنوات طويلة دلالة على تآكل هيبة الدولة، عندما يقرر الأفراد ان يحلوا هم محل الدولة ولا يوقفهم احد هنا بداية سقوط الهيبة والسلطة والقدرة على الفعل من الطرف المفترض فيه انه الأقوى والقادر على القرار والفعل وهو الدولة. كانت هذه مقدمات رصدتها وغيرها باعتبارها علامات خطيرة على ما قد نواجهه يوما من انهيار تم للهيبة.
عانينا جميعا من حالة الانهيار شبه التام لحضور الدولة وسيطرتها وسقوط هيبتها طوال الأعوام الاخيرة، منذ الثامن والعشرين من يناير البداية الحقيقية لهذا الانهيار الذي كانت مقدماته قد بدأت قبلها بسنوات، وكان سقوط النظام وقتها إعلانا عن هذا الانهيار. شهدت مصر وشهد المصريون أياما وليالي طويلة أظن ان وصفها بالسواد غير كافي، فقدت مصر ما عرف عنها بانها بلد الأمن والأمان، القاهرة التي كانت لا تنام اصبح أهلها لا يناموا خوفا وهم في بيوتهم او على أبنائهم وهم خارج البيوت. حالة الشارع كانت فوضى عارمة. لا اتجاوز ان وجهت أصابع الاتهام إلى الطرف الثالث الذي عرفناه الان جميعا والذي صنع هذه الحالة ودفع لها واستفاد منها، كانت هناك أفعال يدفع لها دفعا من اجل التاكيد على إسقاط هيبة الدولة والترويج لحالة البلطجة ولي الأذرع. نجح الطرف الثالث في السيطرة على الأجواء، حتى عندما وصلوا إلى سدة الحكم ظلوا يمارسون سلوك الفوضى من وقت لآخر وذلك في إطار معركتهم مع مؤسسات الدولة المصرية التي رفضت الانصياع لهم او حاولت مقاومة محاولاتهم للاستحواذ والسيطرة. لذلك شهدنا سلوكا متفردا في البلطجة في التعبير عن المواقف، فلا باس من حصار المحكمة الدستورية، ولا مانع من اقتحام قاعات المحاكم والاعتداء على القضاة وتهديد المعارضين ومحاصرة مدينة الاعلام وتشجيع الاعتداء على رجال الشرطة. كل هذا خلق جوا من انتشار البلطجة والفوضى والجريمة، فإذا كان النظام الحاكم قرر استخدام الأساليب الإجرامية لتحقيق ما يعتقده أهدافه فان هذه الأجواء مثالية لانتشار الجريمة والفوضى، فليس هناك من سيحاسب، وهكذا تحولت مصر إلى مدن يسكن فيها الخوف والقلق والتوتر.
الأمر المثير للدهشة والإعجاب ان مصر منذ انتفاضة شعبها في الثلاثين من يونيو الماضي والتخلص من نظام الجماعة فان الملحوظة الرئيسية هي انخفاض معدلات الجريمة بشكل كبير، قد لا تكون هناك أرقام دقيقة حاليا لكن الملحوظة العامة ان هناك تراجعا واضحا في شكل ونوع الجريمة في الفترة التالية مباشرة، والدليل الآخر على ذلك هي تلك الحالة من الشعور بالامان الذي بدأنا جميعا نشعر به في حركتنا وحركة أبنائنا، فلم يعد ذلك الخوف وحالة الرعب أثناء الحركة او حتى مع الوجود في البيوت. الآن أظن ان قدرا كبيرا من الإحساس بالامان قد عاد على الرغم من انه لا يمكن القول بان أجهزة الأمن استعادت قوتها الكاملة بعد، لكن الإحساس العام الذي ملا المصريين بان بلدهم عادت اليهم قد توازن مع شعور بن الأمور باتت أكثر آمنا مع اختفاء الجماعة من موقع السلطة، وبعد ان أتى الشعب بنظامه ورئيسه الذي يريد.
لكن ، مرة أخرى لكن، لا يبدو ان الجماعة وتوابعها تريد للدولة ان تعود، ويصرون على تحدي هيبتها وقوتها بأي شكل، بل بكل الأشكال، وهذا الأمر يتسبب في خسارتهم للبقية الباقية من تعاطف معهم في الشارع، وهذا ليس قضيتنا اليوم، فإنهم بهذا السلوك إنما يحصنون المصريين ضد تأثيرهم لعقود، لكن ما يهم هنا الآن هو تلك الفوضى التي تنتشر بين الناس، تلك الحالة من تحدي هيبة الدولة والقانون.
عندما أطالب اليوم بتخل حاسم لفرض القانون وإعادة النظام فانا أظن أنني اعبر عن رأي قطاع كبير من المصريين، لن أبالغ إذا قلت انه القطاع الأعظم. حالة البلطجة وقطع الطرق وترهيب المواطنين يجب ان تتوقف فورا وباي ثمن. لقد بدأت مصر مشوارها لوضع أسس الدولة المدنية الحديثة، وخطوة مهمة الآن للوصول إلى ذلك الهدف هو اتخاذ استعادة دولة القانون التي تضمن للمصريين العيش بأمان. وإذا لم تستطع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها النجاح في ترسيخ استعادة الهيبة فان هذا طريق لن يقودنا إلا إلى طريق لا نتمناه من الفوضى. هذا اختبار يتطلب موقفا قويا واضحا باستخدام كل الأساليب القانونية لحماية الوطن والمواطن.
لن استطيع ان ألوم سائق ميكروبات يقف وسط الطريق، ولا املك ان اطلب من بائع متجول ان يترك نهر الطريق ولا استطيع ان أحاسب متجاوز للقانون إذا لم تقم الدولة بدورها الرئيسي لاستعادة الهيبة. وهذا مطلب الناس، بل لنقل أغلبية الناس.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

غاب مانديلا وبقيت آثاره دائمة

جنوب أفريقيا فقدت زعيمها وأبوها كما يطلقون عليه، ظلوا يصلون من اجله، ترتيلا ورقصا وغناء، شباب صغير لم يعرف ويلات التمييز العنصري إلا من خلال الكتب يتحدث عن مانديلا وكأنه يعرفه وعايشه رغم اختفاءه عن الساحة منذ فترة. كيف استطاع هذا الرجل ان يكون هذا الإنسان؟؟

“أن تكون حرا لا يعني مجرد التحرر من الأغلال، ولكن أن تعيش وفق نمط حياة تعزز من خلاله حرية الآخرين وتحترمها”. كلمات تختزل نضالا دام نحو 30 عاما أصبح خلالها المناضل والسياسي الجنوب أفريقي manawyالأكثر شهرة واحتراما في العالم نيلسون مانديلا زمزا للحرية وأبرز المناضلين والمقاومين لسياسة التمييز العنصري.

سطر الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا اسمه بحروف من نور في تاريخ جنوب إفريقيا، حتى تحول الى ما هو أشبه بالماسة النادرة التي تزين بها الدولة جبينها. وقد تحول مانديلا من مواطن جنوب إفريقي يصارع نظامًا عنصريًا إلى مواطن عالمي ارتفعت هامته فوق كل الهامات،

بدا مانديلا رحلة النضال والمقاومة مبكرا، منذ عام 1942 انضم إلى المجلس الأفريقي القومي الذي كان يدعو إلى القضاء على التمييز العنصري وكان عمره وقتها 24 عاما، ودفع ثمنا غاليا اذ قضى عمرا طويلا بين جدران السجون، أصبح النداء بتحرير مانديلا من السجن رمزا لرفض سياسة التمييز العنصري. في السجن كان الرجل حراً أكثر من العديد من الطلقاء، فخلال 27 عاماً قضاها خلف القضبان، قرأ الكثر من الكتب بلغة جنوب أفريقيا (الافريكان) وأكمل تعليمه في الحقوق بنظام الدراسة عن بعد. وأهم ما قام به هناك فتح مفاوضات سرية مع سجانيه. وأمضى مانديلا 18 عاماً في سجن على جزيرة «روبن آيلاند» قبل نقله في العام 1982 الى سجن «بولزمور» في كيب تاون، ثم نُقل إلى سجن «فيكتور فيرستر» في مدينة بارل المجاورة. في عام 1985 عُرض على مانديلا إطلاق السراح مقابل إعلان وقف المقاومة المسلحة، إلا أنه رفض العرض. وبقي في السجن حتى 11 شباط 1990. حصل نيلسون مانديلا مع الرئيس فريدريك دكلارك في عام 1993 على جائزة نوبل للسلام. وفاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في أول انتخابات متعددة الأعراق مع منح حق التصويت الكامل في 27 أبريل 1994، ثم تنصيب مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا في 10 مايو 1994 وأبا للأمة.

غادر مانديلا الحياة وترك بصمة وأثرا لن أكون مبالغا عندما أصفها بالابدية. احتراما وتقديرا لهذا الرمز الإنساني اجد انه من المناسب التوقف عند بعض من أقواله التي تلخص تجربة وحياة لشخص يندر ان يتكرر.

– العظمة في هذه الحياة ليست في التعثر، ولكن في القيام بعد كل مرة نتعثر فيها.

– إن الانسان الحر كلما صعد جبلا عظيماً وجد وراءه جبالا أخرى يصعدها.

– الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرّاً أو لا يكون حرّاً.

– إننا نقتل أنفسنا عندما نُضَيّق خياراتنا في الحياة.

– التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم.

– إذا خاطبت أنسانا بلغة يفهمها، فتكون وصلت لعقله. أما إذا خاطبته بلغته الأم، فتكون قد وصلت لقلبه

– الأمر يبدو دائماً مستحيلاً إلى أن تنجزه

– ليس هناك درباً سهلاً للحريّة، وعلى العديد منا سلوك وادي ظلال الموت مراراً وتكراراً قبل أن نصل إلى القمة التي نبتغيها

– القائد الناجح هو الذي يواجه جدالاً بصراحة وعمق لتقريب وجهات النظر مع الطرف الآخر… ولكن الفكرة تلك لا تخطر على بال المتعجرف، السطحي والجاهل

– فلندع الحرية تسود. فالشمس لا تغيب عن هذا الإنجاز البشري العظيم

– أحلم بأفريقيا تنعم بسلام داخلي مع نفسها

– طوال حياتى وهبت نفسى لصراع الافارقة، و حاربت ضد هيمنة ذوى البشرة البيضاء , وضد هيمنة ذوى البشرة السوداء أيضا,و قد قدرت فكرة الديمقراطية و حرية المجتمع حيث يكون كل البشر يعيشوا فى تناغم و مساواة فى الحقوق. وهى مبادىء اتمنى الحياة من أجلها, ولكن لو كانت إراده الله فأنا مستعد أن أموت من أجلها.

– المال لن يصنع النجاح، إنما الحريّة لإنتاج المال تصنع النجاح.

– لا شيء يضاهي العودة إلى مكان لم يتغيّر أبداً، كي تكتشف الزوايا التي تغيّرت في نفسك.

– أكره العنصرية لأنه أمر بربري، إن كان مصدرها رجلاً اسود أو أبيض.

– ليس شيء يدل على تسامح مجتمع ما أكثر من طريقة تعامله مع أبناءه.

– إذا أردت تحقيق السلام مع عدوّك، عليك أن تعمل معه، بعدها فسوف يصبح شريكك.

– القائد الحق يقف في الخلف وتضع الآخرين في المقدّمة عندما يحتفل بالانتصار، وأن يكون بالمقدّمة في حال الخطر. عندها، سيقدّر الناس قيادته له

– الشجاعة لا تكون في غياب الخوف إنما في التغلّب عليه. الرجل الشجاع ليس من لا يشعر بالخوف وإنّما من يقوم بقهره.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

د.أحمد الطيب.. سلامة قلبك

لا يمكن الحديث عن مصر خلال الثلاث السنوات الماضية، دون الحديث عن الأزهر، ودور شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، الذي أعدا للأزهر أمجاده، ودوره التنويري والسياسي، وذكرنا بمشايخ الأزهر الذين لعبوا دورا دوراً وطنيا خلال المراحل التاريخية المختلفة في مصر، من مقاومة الاحتلال الفرنسي والإنجليزي.

لا يقل الدور الذي لعبه أحمد الطيب عن ذلك، وهو الذي أطلق مبادرات التهدئة خلال الفترة التي أعقبت 25 يناير 2011، مباردة تلو المبادرة، وأطلق الوثائق الجامعة حول دولة مدنية تفتخر بعروبتها وإسلامها، وثيقة تلو الأخرى، ووقف حجر عثرة طوال عام كامل، بل طوال ثلاثة أعوام، أمام مشروع الإخوان، الذي  كان يريد القضاء على الأزهر ومشروع الإسلام الوطني، ولا زال يقف، ولا زال يواجه الإرهاب في الأزهر، الجامع والجامعة والمشيخة.

أقول هذا الكلام بمناسبة الخبر عن دخول دكتور أحمد الطيب مركز الدكتور مجدي يعقوب للقلب بأسوان لإجراء عملية قسطرة “تشخيصية” داخل المركز، أقوله، وقلبي وقلب كل المصريين مع الرجل الذي حافظ على مصر طوال الثلاث سنوات الماضية، لم تكن مر وحدها خلالها هي المهددة، بل الإسلام الوسطي الذي يقوده الأزهر، الذي أفضل أن أدعوه دائماً بالإسلام الوسطي، وكان أسهل ما يمكن أن يفعله أن يتخلى عن مكانه أو يصمت، لكن آثر الصمود، حتى خرج يوم 3 يوليو مع الفريق أول عبد الفتاح السيسي ليعلن انحيازه لثورة الشعبي المصري، ويؤكد أن الإسلام لا يمكن اختطافه من قبيل فصيل سياسي، أو أيديولوجية تتخفى وراء abd el latifالإسلام لتحقيق أغراض أخرى.

استطاع الشيخ أحمد  الطيب أن يكون حالة مصرية خالصة، يحبها المصريين، ويرونه رمزاً تنويرياً لهم، هذه الحالة التي تصاحب الشيخ أحمد الطيب من القبول أينما ذهب، بدأت عندما تم  اختياره لكي يكون شيخا للأزهر ، رغم بعض الأصوات الصادرة من بعض الاتجاهات السياسية والتي انتقدت قرار توليه الإمامة الكبرى ، إلا أن هذه الأصوات اختفت وسط تيار الترحيب برجل يحمل من الصفات ما سمع الناس عنها ولمسها من اقترب منه ، والأمل في أن يعيد للأزهر المكانة التي هي له بحكم التاريخ والمكانة والأثر في العالم ، وهو ما استطاع فعله منذ ذلك الوقت وحتى الآن

شخصيا كنت من أشد المتحمسين للشيخ الطيب منذ أن كان مفتياً للديار المصرية ، كنت قد التقيته ذلك الوقت بمكتبه بدار الإفتاء ، واكتشفت ملامح شخصية المصري الحقيقي في د. الطيب ، ليس فقط ملامح  ” الطيبة ” على وجهه والتي هي تأكيد على أن لكل من اسمه نصيب ، ولكن أيضا لما امتلك من أركان تكوين لشخصية ضاربة في جذور مصر بثقافتها ، وتاريخها ، وتسامحها وتعددها ، لذلك ما كنت أتمناه عندما بدأ الحديث عن شيخ جديد للأزهر ، أن تلقى المهمة على عاتق د. الطيب .

الدكتور أحمد الطيب شخصية متعددة الجوانب ، ويجمع بين صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة لكنها بشيء من الـتأمل تبدو متكاملة ، فهو يحمل صرامة الرجل الصعيدي القادم من الأقصر ، ويحمل استنارة وليونة الرجل المتحضر ، ولديه زهد المتصوفين الذين ينتمي إليهم .

بسيط من أسرة بسيطة ، لكنها متميزة من الناحية العلمية والاجتماعية لا من الناحية المادية ، فأجداده جميعهم تقريبا من العلماء، ويقول أنه اكتسب صفاته من جده الأكبر العالم الجليل الذي توفي عام 1956 عن عمر يناهز مئة عام ، وبلدته التي ينتمي إليها وهي القرنة بمحافظة الأقصر بجنوب مصر ، لا هي قرية ولا هي مدينة ، ولا هي خليط بين الاثنين لكنها تجمع كل تاريخ وحضارات مصر المتعاقبة منذ الفراعنة

إذن د. الطيب هو ابن الحضارة المصرية الضاربة في جذور التاريخ ، وهو ابن الثقافة المصرية الوسطية ، ووثيق الصلة بالصوفية التي بدأت من مصر ، وجذوره الفكرية هي الأصول الفكرية الصحيحة  للإسلام.

نتمنى له تمام الصحة والعافية، وأتمنى  أن يخرج سريعاً ليعود ليمارس دوره التنويري الهام، ولكي يواجه طيور الظلام الذين أخافهم صموده وقوته وإيمانه بدينه ومصره وقضيته.

 

 

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

دعوة مبهرة:”أضف الى المكتبة”

اعتدت دائماً ان اطلع على كل الرسائل التي تصلني على بريدي الإلكتروني، وقد ثبت لي دوما ان هذه العادة تتيح لي فرصة الاستفادة بالاطلاع على موضوعات مهمة تضيع لو لم اعتني واهتم بما يصلني، وثبت لي صحة ذلك مرات عدة، من بين هذه المرات تلك الرسالة التي أتتني تحت عنوان “أضف للبشرية” والتي قد تعطي انطباعا سريعا انها رسالة من احد المنظمات الخيرية او غيرها من تلك التي تطلب تبرعا ودعما وهو A.Latifامر يشجع على تجاهل الرسالة من اللحظة الاولى، لكن العادة هي ما دفعتني لفتح الرسالة لتتاح لي فرصة الاطلاع على مشروع أراه مهما ويحتاج التبني، وان الاسم الذي اختاره أصحابه له هو جدير به.

“باختصار نحن شباب نحاول أن نقدم لبلدنا وأمتنا شئ يساهم في مسيرة تقدمها, أطلقنا مشروع اسمه “أضف

 للبشرية.. أضف لويكيبيديا” يهدف إلى زيادة المحتوى العربي (الضئيل جدا) على الإنترنت, عبر زيادة عدد المقالات العربية الموجود على الموسوعة الشهيرة مفتوحة المصدر: ويكيبيديا”، هكذا بدأ محمد جمال رسالته لي. وقد عرف نفسه بانه مؤسس مشارك. وهو مهندس كمبيوتر, ومتخصص في تطوير الأعمال Business Development, ساعد في تحويل أول محرك بحث عربي ذكي إلى شركة ناجحة, ويعمل حاليا مع واحدة من أبرز الـ Startups في القاهرة. محمد يعشق الكتابة, ويساعد حاليا في إعداد النسخة العربية من السيرة الذاتية للدكتور حاتم زغلول, المصري الكندي الذي اخترع الواي فاي. وهذه معلومة جديدة لي أظنها تستحق البحث فيها.وكما ترون فان الموضوع بحق يستحق القراءة والمتابعة والدعم. تصفحت الموقع عبر الرابط الذي كان مرفقا بالرسالة، واكتشفت أهمية الموضوع.

توقف المشروع بعد احداث يناير, لاعتقاد أصحابه أن الوقت قد حان ليتركوا فضاءهم الإلكتروني والتركيز على العمل في الأرض, لكن نتيجة الصعوبات والمشكلات التي واجهت مصر اكتشفا  اهمية العودة للمشروع وفي إمكانية إنجاز شئ حقيقي وكبير وضخم للأمة العربية ولو على الشبكة الإلكترونية.

بدأ المشروع في 2008 وكان وقتها عدد الموضوعات العربية على ويكبيديا حوالي 67 ألف موضوع فقط, وكان وقتها عدد الموضوعات باللغة العبرية يفوق هذا الرقم، لذلك قام محمد جمال وزميله في التأسيس هيثم نصار ببناء موقع إلكتروني يشرح فكرة المشروع, وأهمية ويكيبيديا وكيفية الإضافة إليها, وبدأنا الدعاية للمشروع, ولم نتوقع رد الفعل العظيم من مئات الشباب العربي الذي شارك وكتب موضوعات موسوعية مهمة للغاية باللغة العربية, ومنهم نماذج عبقرية مثل مهندسة عراقية أعدت بمفردها 500 موضوع.

انطلقت النسخة التجريبية من موقع مشروع “أضف للبشرية.. أضف لويكيبيديا” صباح يوم الجمعة 1 نوفمبر 2013, ليكون الموقع بأنشطته المختلفة أداة لكل من يرغب إثراء النسخة العربية من الموسوعة العالمية مفتوحة المصدر “ويكيبيديا”. المشروع يهدف للمشاركة في زيادة عدد الموضوعات العربية على ويكيبيديا إلى مليون موضوع, لتصبح اللغة العربية واحدة من أنشط 10 لغات على الموسوعة العالمية. ويوفر الموقع للنشطاء الذين يرغبون في المساعدة على تحقيق هذا الهدف العديد من المصادر والموارد لمساعدتهم, من أول موضوعات ومقالات تعليمية حول كيفية الإضافة للموسوعة وتحرير موضوعاتها, مرورا بقائمة من الموضوعات التي تنقص الموسوعة ليمكنهم البدأ في إضافتها, وكذلك كتب ومقالات تستخدم كمصدر للإلهام لإضافة موضوعات جديدة, وانتهاء بمقاطع فيديو حول كل ما يخص الموسوعة, ومسابقة شهرية لأفضل موضوع تم إضافته عبر نشطاء الموقع. استمرت المرحلة  التجريبية لمدة 3 شهور (تنتهي في 1 فبرااير 2014), وتهدف لاختبار الموقع وخصائصه وتجميع آراء ومقترحات الزوار والأعضاء, قبل إطلاق النسخة المكتملة من الموقع مع (فبراير2014)

استطعنا المساهمة في كسر اللغة العربية حاجز المئة ألف موضوع موسوعي على ويكيبييديا, والتغلب على نظيرتها العبرية.

ويكيبيديا هي موسوعة عالمية مفتوحة المصدر, بمعنى أنك تستطيع مطالعة موضوعاتها مجانا, وتستطيع المشاركة في تحريرها وزيادة محتواها, تحتوي على 30 مليون موضوع مكتوبة بـ 286 لغة (قام بكتابتها متطوعون) ويطالعها 365 مليون شخص حول العالم. عدد الموضوعات الإنجليزية على ويكيبيديا 4.2 مليون موضوع, بينما عدد الموضوعات العربية لا يمثل 1 على 16 من هذا الرقم (236 ألف موضوع), وعندما نعلم أن عدد متصفحي الإنترنت في العالم العربي حوالي 80 مليون مستخدم, وأن 65% منهم (وفقا لشركة مدار لأبحاث الإنترنت) لا يجيدون استخدام الإنجليزية, ندرك أن مستخدم الإنترنت العربي في أزمة معلوماتية, وأن النسخة العربية من ويكيبيديا أمامها الكثير لكي تقدم له ما يشبع نهمه للمعلومات.

بدأ التفكير في مشروع يشجع الشباب العربي على إثراء محتوى ويكيبيديا العربية عام 2008, وقتها كان عدد الموضوعات العربية على ويكيبيديا لا يتجاوز الـ 67 ألف موضوع (بعدد أقل من نظيرتها العبرية!), وتم إطلاق مبادرة “أضف للبشرية.

ويطرح 5 أسباب تحفز زائري الموقع للمشاركة في ويكيبيديا، وهي كما يوجهون حديثهم لزائر الموقع:

أن تكون إيجابي, وتشارك بعلمك/بخبراتك/بأي شئ تعرف عنه, في الموسوعة التي يستخدمها الملايين من العرب.

أن تشارك في عمل حضاري وتنموي كبير, بناء أكبر موسوعة عالمية مجانية توفر المعلومة للملايين دون مقابل, لنترك لأبنائنا من بعدنا مصدر معلومات عربي ثري ومجاني يعتمدون عليه.

أن تضع “اللغة العربية” في الصدراة, مثلها مثل باقي لغات العالم المتقدم.

أن تلفت نظر العالم, إلى أننا نستطيع عمل شئ حضاري ولسنا متراجعين في كل شئ حتى في العمل التطوعي.

أن تثبت لنفسك أنك قادر على القيام بتغيير حقيقي وتنمية حقيقية, ناتج ذلك سيحفز الآخرين ليحذون حذوك.

شاركنا لنصل إلى مليون موضوع عربي على ويكيبيديا.

الهدف هو أن تصبح اللغة العربية واحدة من أنشط 10 لغات على ويكيبديا العربية, مثلها مثل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية واليابانية, وذلك بالمشاركة في مضاعفة المحتوى الحالي ليصل إلى مليون موضوع عربي. وبهذا “يمكننا معا أن نضع اللغة العربية في الصدارة, مثلها مثل باقي لغات العالم المتحضر والمتقدم” كما قالوا على موقعهم.قم بإضافة موضوع ولو قصير إلى ويكيبيديا (كيف تضيف إلى ويكيبيديا خطوة بخطوة), ستجد عداد يعرض عدد الموضوعات التي شاركت في المشروع حتى هذه اللحظة, لنراقب تقدمنا في الوصول إلى الهدف, ولنتشجع سويا في الوصول إليه.

انا من الذين ينظرون الى ما يذكره موقع ويكبيديا بكثير من الحذر وأظن ان المعلومات الواردة فيه تحتاج دوما الى تدقيق، لكني اعتقد ان الهدف من هذا المشروع جديرة بان يبادر كل منا الى المشاركة باي شكل في دعمه.

إخوان الخليج.. رأس الأفعى وذيلها

في زيارتي الأخيرة إلى أبوظبي، شعرت أنني لا زلت في مصر، فلا حديث سوى عن جماعة الإخوان، ومناسبة الحديث ليس فقط عودة العلاقات بين البلدين الشقيقين، مصر والإمارات، إلى طبيعتها بعد زوال هم el manawy issue 44الإخوان، ولكن أيضاً أن الإمارات كانت تشهد محاكمة ما اصطلح على تسميته بـ “الخلية الإخوانية”.

محاكمة الخلية الإخوانية في الإمارات تأتي تزامناً مع قيادات الجماعة في مصر، وكأن الدولتين الشقيقتين اتفقتا على القضاء على رأس الأفعى وذيلها في وقت واحد، رغم أن هذه الخلية كانت أحد أسباب توتر العلاقات بين مصر (إبان حكم الإخوان) والإمارات، بعد أن أعلنت السلطات الإماراتية في منتصف يوليو 2012 أنها فككت مجموعة “سرية” قالت إنها كانت تعد مخططات ضد الامن وتناهض دستور الدولة وتسعى للاستيلاء على الحكم، وبعد تحقيقات استمرت نحو 6 أشهر أعلنت النيابة العامة في الإمارات في 27 يناير من العام الجاري إحالة 94 إخوانياً الى المحكمة الاتحادية العليا ليحاكموا بتهمة التآمر على نظام الحكم والاستيلاء عليه، والتواصل مع التنظيم العالمي للاخوان المسلمين لتحقيق اهدافهم، وفي هذه الأيام تتم محاكمة 30 متهماً من المنتمين إلى ما عرف بـ”الخلية الإخوانية”، حيث تضم قائمة المتهمين 10 مواطنين، إضافة إلى 20 مصرياً، 6 منهم هاربون، ويحاكمون غيابياً.

علاقة الاخوان بالخليج بدأت من السُّعودية تأثرا في نشأتهم بتجربة الاخوان في السعودية مؤسس الجماعة ومرشدها الاول حسن البنا اثناء  حراكه السّياسي في مواسم الحج، التقى بالملك عبد العزيز آلتي سعود عام (1936) وطلب إنشاء فرع للإخوان المسلمين في السُّعودية، فرفض الملك قائلاً “ كلنا مسلمون وكلنا إخوان فليس في دعواك جديد علينا”، إلا أنّ الإخوان وُجِدوا كتيار فكري، وكأفراد تمتعوا بنفوذ كبير داخل المملكة في مراحل تاريخية لاحقة، كانت العلاقة بالإخوان كتنظيم ـ في الزمان الأول – جيدة، و لم يتعكر صفوها إلا بعد الثورة اليمنية التي تمايزت فيها مواقف الإخوان والسُّعودية، فموقف الإخوان كان مساندا لثورة اليمن، بينما وقف الملك عبدالعزيز آل سعود ضدها، وألقى هذا الموقف بظلاله سلبا على العلاقة بين الطرفين.

تجربة الاخوان في دول الخليج تبدو متشابهة في هذه الدول الى حد كبير، في العهد الناصري هاجر الإخوان من مصر بعد صدامهم مع النظام ومحاولتهم القفز على الحكم والانقلاب عليه، وتوسَّط الملك سعود عند جمال عبد الناصر في أزمة الإخوان الأولى، واستجيب له نسبيا، ولكن الإخوان عادوا إلى محاولاتهم الانقلابية فعاد الصدام من جديد. وجد أعضاء الجماعة الهاربون في الدول التي هربوا اليها سماء آمنة فنشروا وانتشروا واستطاعوا ان يتواجدوا خاصة في منطقتي التعليم والاقتصاد. سيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات تحديدا في عقدي السبعينيات والثمانينيات، وكذلك على العديد من المنابر الإعلامية ومنابر الدعوة. انتشر أعضاء الجماعة وكونوا تنظيمهم وشعبهم تحت أعين الحكومات الخليجية في معظم الأحيان ، ولم يدركوا وقتها انهم يربون ثعبانا داخل ثيابهم، اعتقدوا أن مزيجاً من الدعم والاستيعاب يمكن ان يضمن لهم مناخا مستقرا. لم يدركوا وقتها انهم يحولون الخليج الى منطقة تمركز وانطلاق جديدة لتنفيذ مخططاتهم، وعلى سبيل المثال فان التنظيم الدولي للجماعة كان يعقد اجتماعاته في مكة والمدينة في موسم الحج كما قال القرضاوي نفسه الذي كان عراب الصفقة بين الاخوان وقطر التي تم بموجبها حل شعبة الاخوان في قطر مقابل الدعم الل محدود للتنظيم.

بعد الصفقة السياسية في عهد السادات مع الاخوان زار الهضيبي السعودية، وعقد عام (1971) اجتماعا موسَّعا للإخوان، تَشَكّلت فيه ملامح التنظيم الإقليمي، الذي ضمّ إخوانًا آخرين من البحرين والإمارات والكويت، وعلى الرغم من هذا التوسع الجغرافي في التنظيم اعتقد عديدون أن دور الإخوان الخليجيين لم يزد عن جباية الأموال. لكن الحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين الخليجية لم تعد تلك التي تجمع التبرعات والصدقات في الشوارع العامة والجوامع والمساجد، ولا يقتصر عملها على كفالة الأرامل والأيتام، ولكن اليوم أصبح ذراعاً سياسياً وأقتصادياً للجماعة الأمة في مصر، والأخطر أنها تبنت الفكر الإنقلابي في دول مجلس التعاون كما صرح وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان.

جماعة الإخوان المسلمين في الخليج العربي لها أرتباط بالتنظيم الأم في مصر، وأنها تحمل نفس الفكر الإنقلابي في مصر، ويتعجب البعض للارتباط العضوي مع الجماعة الأم والتنظيم الرئيسي، فإن جماعة الإخوان المسلمين تحمل نفس الفكر للتنظيم الرئيسي، بل إن تحركاتهم الأخيرة بالمنطقة بلغ الخطوط الحمراء إلى درجة التحذير العلني من قبل وزير خارجية دولة الإمارات . ويعد إلقاء القبض في الإمارات على شبكة إنقلابية أخوانية تسعى للإطاحة بالحكومات الخليجية هو دليل قاطع على نوايا الاخوان تجاه من آواهم عندما كانوا مطاردين.

الرجل الذي لم يحقق أحلامه “السلطانية”

منذ ازاحة مرسي عن الرئاسة، لم تهدأ الحرب التي أعلنتها تركيا ضد مصر شعبا وحكومة، وبدا واضحا حجم الصدمة التي أصابت النظام التركي الذي بدأ يفقد مصداقيته داخل تركيا بعد ان انكشف أيضاً حقيقة تحالفه مع التنظيم الدولي للاخوان. في إطار هذه الحرب العدائية تعددت الممارسات التركية المعادية لمصر ابتداء من تصريحات مسؤول يهم بمختلف مستوياتهم وحتى تأمين السماء الآمنة والدعم الكامل لاجتماعات التنظيم abd el latif (1)الدولي وحلفائه في عدة مدن تركية.واكدت العديد من وسائل الاعلام ان تركيا قد احتضنت ورعت اجتماعات “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، الذي يخطط قادته لإثارة الفوضى بمصر.
  كان آخر التجليات التركية ما قاله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في كلمته خلال الجلسة الختامية لاجتماع التشاور والتقييم لحزب “العدالة والتنمية: “إن إشارة رابعة أصبحت علامة تندد بالظلم والاضطهاد والمذابح في كل أنحاء العالم”، اعتاد هذا السياسي التركي أردوغان الذي كان أول من رفع شعار “رابعة”، ثم سار جميع الإخوان بالعالم على نهجه، ان يتحدث عن مصر وكأنها ولاية عثمانية أو تركية، هذا الأسلوب لا يمكن وصفه الا بانه يفتقر الى اي مستوى محترم او أخلاقي في مجال العلاقات بين الدول. ومع محاكمة مرسي أصدرت الخارجية التركية بياناً بالتزامن مع أولى جلسات المحاكمة طالبت فيه الحكومة المصرية بالإفراج عن كل السجناء السياسيين بمن فيهم مرسي. وقالت: “إن تركيا وقفت دائماً إلى جانب مبدأ الشرعية”، في إشارة إلى أن مرسي هو الرئيس الشرعي.
صحيح ان وزارة الخارجية المصرية أصدرت بيانا مساء الثلاثاء الماضي عبرت فيه عن بالغ الاستياء والإدانة لما ذكره رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في كلمته، وأشار البيان إلى أن المسؤولين الأتراك يصرون على تزييف الحقائق، وتحدي إرادة الشعب المصري، وكان آخرها بيان وزارة الخارجية التركية، الاثنين، والذي يعد تدخلاً غير مقبول في الشأن الداخلي المصري. ولكن يظل السؤال: هل هذا يكفي؟
 الموقف التركي المعادي لثورة 30 يونيو ثابت ولم يتغير، وهذا الثبات يرجع لشخص أردوغان المحكوم بموقف إيديولوجي وعقائدي داعم للإخوان ومرسي منذ البداية، مغامراً بشرفه السياسي.
وقد تصاعدت مرة أخرى، حدة اللهجة التركية الساخنة ضد المصريين، وتوالت التصريحات المعادية لتصيب العلاقات المصرية – التركية بالمزيد من التدهور الذي كان قد ترافق مع قيام الشعب المصري بثورة 30 يونيو ضد جماعة الإخوان المسلمين وعزل مرسي.
الموقف التركي كان مبكرا في غضبه من تحقيق المصريين لإرادتهم يوم الثلاثين من يونيو، فبينما تحفظت دول العالم التي لها موقف متشكك مما حدث في مصر موقف الترقب لحين انجلاء الصورة فلم تطلق دولة على ما حدث في مصر وصف الانقلاب بشكل رسمي، حتى وان اتخذ الاعلام فيها موقفا محايدا، على الطرف التركي قرر زعيمها المهزوز الشعبية على عكس جميع زعماء الدول الأخرى ان يتخذ موقفا شديد العداء للمصريين، وأطلق تصريحات ضد الجيش المصري لانه تحيز لما سماه الأقلية (هذه الأقلية التي خرجت يدور عددها حول رقم أربعين مليون مصري)، وانتقد ما أسماه ازدواجية معايير الدول الغربية لعدم تسميتها ما يحدث بمصر بالانقلاب وعدم الدفاع عن مبادئ الديمقراطية وشرعية الصندوق (من وجهة نظره) وأعرب عن تقديره للاتحاد الأفريقي لتعليق عضوية مصر، ولكنه قد يغير موقفه إذا ما تغير موقف الاتحاد الأفريقي كما هو متوقع بعد زيارة وفدهم لمصر مؤخراً.
يبدو ان تاريخ الثلاثين من يونيو يشكل أزمة شخصية في عقل اردوغان، في مثل هذا اليوم 30 يونيو (حزيران) ولكن في عام 1979 بعد عام واحد على تولي  نجم الدين أرباكان، الأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا، أسقطه الجيش التركي – في رابع انقلاب له منذ عهد كمال أتاتورك – من رئاسة الوزراء بعد أن نادى إلى التقارب مع إيران والبعد عن «الغرب الكافر». في هذه الفترة كانت بداية أردوغان حياته السياسية برعاية ارباكان.
بعد عدة أشهر من عزل أرباكان وفي نفس العام ألقى أردوغان خطابا وسط مؤيديه قائلا: «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا»، بسبب هذه الكلمات التي ألقاها اردوغان وسط مؤيديه سجن لمدة أربعة أشهر بتهمة إثارة الفتنة والتحريض على الكراهية الدينية، كان ذلك بعد أربعة اشهر من عزل أربا كان.
أدرك أردوغان ان الطريق الصحيح للتسلل إلى منطقة السيطرة على المسرح السياسي لا يمكن الوصول لها إلا باتباع أسلوب لا يصطدم بما يقتنع الأتراك به من ان الحفاظ على مدنية الدولة هو أمر غير قابل للمساومات السياسية، لذلك فقد وصل إلى قناعة بان يسلك طريقا طويلا ملتويا لتحقيق هدف الوصول للسلطة، ووجد ان الطريقة الأمثل هي تبني صورة إسلام أكثر وسطية، هذا الاختيار هو القادر على الصمود أمام جيش وضع هدفه الرئيسي التصدي لأي محاولة تغيير لهوية تركيا المدنية، وبذلك نجح بالفوز في انتخابات رئاسة الوزراء في عام 2003، وفي أول خطاب له أعلن عن نيته دعم ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، هذا الانضمام المستهدف كان يتطلب تاكيد الالتزم بحقوق المواطنين، وهو أمر في ظاهره يؤكد على مدنية الدولة، ولكن في باطنه يضمن تقليص صلاحيات الجيش. ووجد الجيش نفسه عاجزا عن التحرك لمواجهة ما اعتقدوه خطر على مدنية الدولة لانهم لو اتخذوا موقفا مضاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لانه ببساطة كان سيصطدم بمطلب المدنيين وحماسهم الانضمام للاتحاد الاوربي، ولايستطيع وهو الذي قام بالانقلاب على أرباكان بدعوى حمايتهم ان يتخذ موقفا يتحدى به رغبتهم. وعلى مدى السنوات العشر التالية نجح أردوغان تدريجيا في السيطرة على الحكومة والشرطة والرئاسة والمحكمة الدستورية وأغلق المؤسسات الإعلامية المعارضة وزج بكل صحافي معارض لنظام الحكم في السجن. تمكن أردوغان من تحقيق اهدافه إنما على مدار عشر سنوات، والأهم أنه اهتم بالاقتصاد وحول تركيا من دولة على وشك الإفلاس إلى واحدة من الدول الأكبر اقتصادا في العالم.
لكنه يظل ينتمي الى عقيدته الاولى كجزء من تنظيم أممي كان يحلم من خلاله ان يرتدي تاج السلطان العثماني في العصر الحديث ولكنه فيما يبدو لم يجد الا “تاج الجزيرة”.

جماعات خارج السيطرة

العناد والإصرار على تكرار الخطأ يبدو احيانا احد سمات السياسة الخارجية الغربية، خاصة الامريكية. الموقف والحسابات الامريكية من تيار الاسلام السياسي مازالت صعبة الفهم والاستيعاب. عندما أرى اليوم ذلك الإصرار الأمريكي على دعم تجربة الإسلام السياسي وتمكينه من الحكم أصاب بالدهشة. فهم يكررون الخطأ مرة أخرى، ويعتقدون هذه المرة ان شغل جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية سوف يصرف عنهم خطورة هذه الجماعات، ولذلك عملوا لسنوات من اجل تنفيذ هذا المشروع، ويمكنا أيضاً ان نلمس ذلك الإصرار على الجهل، منهم او منا، بان مخططهم هذا يجنبهم المخاطر.
اذكر انه طوال الأعوام الثلاثة الأخيرة تقريبا في حديثي إلى سياسيين وعلاميين غربيين حول الدعم الغربي لجماعات الإسلام السياسي أحذرهم من أنهم سوف يشهدون حادي عشر من سبتمبر آخر، وان محطات مترو الإنفاق البريطانية سوف تشهد مثل ما حدث في السابع من يوليو عام ألفين وخمسة، وان ما شهدته عواصم ومدن أوروبية من أحداث إرهابية مرشح للتكرار طالما تجد هذه الجماعات دعما وغض طرف من قبل هذه الدول. اعتقدت هذه الدول وعلى رأسها أمريكا انه طالما هذه الجماعات بعيدة عنهم ومحصورين في بلادهم فهم في أمان منهم، وهم هنا لا يدركون أنهم إنما يعطونهم سماء آمنة يتمكنون من خلالها ان يجتمعوا لينظموا 3bd el latifانفسهم وسوف تكون هذه الدول من بين الأهداف.
النماذج التي تثبت ما أقول كثيرة، لكن تجربة تنظيم القاعدة تقف كأكثر التجارب دلالة على ما أقول. فالقاعدة أو تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد هي منظمة وحركة متعدد الجنسيات، تأسست في الفترة بين أغسطس 1988 وأواخر 1989 / أوائل 1990، تدعو إلى الجهاد كما تعتقده. في البداية، كان الهدف من تأسيس القاعدة التي أسهمت في إنشائها أمريكا محاربة الشيوعيين في الحرب السوفيتية في أفغانستان، دعم الولايات المتحدة وحلفائها كان واضحا، كانت تنظر إلى الصراع الدائر في أفغانستان بين الشيوعيين والأفغان المتحالفين مع القوات السوفيتية من جهة والأفغان المجاهدين من جهة أخرى، على أنه يمثل حالة صارخة من التوسع والعدوان السوفييتي، او هكذا سوقت الموقف أمام العالم وبخاصة حلفائها الذين تولوا عنها عملية التمويل والتجنيد. موّلت الولايات المتحدة عن طريق المخابرات الباكستانية المجاهدين الأفغان الذين كانوا يقاتلون الاحتلال السوفيتي في برنامج لوكالة المخابرات المركزية سمي بـ “عملية الإعصار”. في الوقت نفسه، تزايدت أعداد العرب المجاهدين المنضمين للقاعدة (الذين أطلق عليهم “الأفغان العرب”) للجهاد -كما يعتقدون- ضد النظام الماركسي الأفغاني، بمساعدة من المنظمات الإسلامية الدولية، وخاصة مكتب خدمات المجاهدين العرب، الذي أمدهم بأموال تقارب 600 مليون دولار في السنة تبرعت بها حكومات ومؤسسات وأشخاص اعتقدوا وقتها أنهم ينصرون الإسلام، ولم يدركوا أنهم لم يكونوا سوى ممولين لصنيعة أمريكية سوف يدفعون هم ثمن مشاركتهم في صنعها يوما ما، والمشكلة ان بعضهم مازال غير مدرك لذلك.
ودفعت أمريكا نفسها الثمن عدة مرات، لكن يظل ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو الثمن الأعلى، وان كانت الإدارات الامريكية المتعاقبة تتحمل، كما قلت، المسؤولية عن دماء مواطنيها على يد صنيعتهم، ولن يخفف من ذلك ما ادعوه من حرب على الإرهاب راح ضحيتها مئات الآلاف يشاركون في تحمل مسؤولية دماءهم. ولن يخفف عنهم أيضاً قتلهم لصنيعتهم أسامة بن لادن الذي سيظل حاضرا في أذهان صانعيه حتى بعد ان ألقوا بجثته في قاع المحيط.
ليس الأمريكان والغرب وحدهم هم من يقعوا في هذا الخطأ ولعل ما فعله الرئيس السادات عندما أراد أن يواجه منافسيه السياسيين في ذلك الوقت من اليسارين والناصريين فاستحضر قوى الإسلام السياسي المتمثلة وقتها في جماعة الاخوان المسلمين التي كانت قياداتها وقتهاما بين هاربة ومسجونة فأخرجهم وأعادهم ليستخدمهم، أو هكذا تصور، في مواجهته السياسية. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد بل خلق الجماعة الإسلامية في الجامعات لنفس الهدف، مواجهة نفوذ وسيطرة اليسار والناصريين على الجامعة، فخرجت الجماعة الإسلامية مدعومة بأمن النظام وحمايته ودعمه السياسي. لم يدرك السادات وقتها خطورة انه اطلق ما لن يستطيع ان يتحكم فيه، أو لعله أدرك ذلك في لحظاته الأخيرة وهو يعاني آلام الرصاص الذي اطلق عليه.الخطأ الكبير أنهم لا يدركون ان السيطرة على حركة جماعات الاسلام السياسي ليست سهلة، وأيضاً هم لا يعترفون بالحدود والمسافات.
أظن ان هذه الأفكار من المهم ان تكون حاضرة في أذهان من يحاولون الترويج لمفهوم إدارة مفاوضات بين الدولة وهذه الجماعات تحت مسميات مختلفة جميعها تهدف في النهاية الى فتح النافذة لهم ليعودوا من خلالها بعد ان طردهم الشعب من أوسع الأبواب. من الخطورة بمكان تحدي المزاج العام والإرادة الشعبية.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

خواطر كروية على هامش الهزيمة

عبد اللطيف المناوىعبد اللطيف المناوي
مثل كثير من المصريين توقفت عن متابعة اي نشاط رياضي مصري دولي او محلي، خاصة مع الارتباط الذي حدث بين هذه الأنشطة وحوادث عنف باتت احد الملامح الحاضرة على سطح الأحداث في مصر. يضاف الى ذلك حالة الإحباط العامة والعميقة التي عشنا فيها لأشهر طويلة جعلت من متابعة الرياضة أمرا فقد تأثيره على المصريين. لكن الامر تغير هذه المرة، مع صحوة المصريين بثورتهم على حكم الاخوان واستعادتنا لوطننا المخطوف عاد إلينا الأمل واستعدنا الرغبة في الحياة، لذلك أتت مباراة مصر مع غانا التي كان يعني الفوز في مجموع المباراتين تحقيق حامنا في الوصول الى كأس العالم في البرازيل، وهو الحلم الذي تأخر حوالي اربع وعشرين عاما، ويبدو انه سيتأخر اكثر، شعرنا بالرغبة في إنجاز سريع يؤكد لنا عودتنا الى الحياة، رغبنا في أني تواكب مع عودة الحياة الى الجسد المصري ان نسعد بتحقيق حلم قديم حتى لو كانت المقومات غير كافية، لكننا سمعنا كلاما مثل “من حقنا ان نشعر بالسعادة” وآخر يقول “الناس تعبت ومحتاجة بحق ان تشعر باستعادة الروح” لذلك كان تعلقنا جميعا بمباراة فريقنا القومي مع غانا، وكان السؤال الذي يتردد بين الأصدقاء والمعارف “ها تشوف المباراة فين؟” عشنا لحظة الحلم والحماسة وأردنا استعادة طعم الحياة.
البعض وصلت حماسته الى اعلان الرغبة في تحمل تكلفة سفر المشجعين المصريين على طائرات يؤجرونها لهذا الغرض، والبعض الاخر بدأ في استعادة اجواء مباراتنا الشهيرة مع الجزائر في السودان وما حدث وقتها فبدأوا في طرح أفكار للدفع بمشجعين لدعم الفريق وهذا بالطبع استلزم التفكير في إجراءات لحماية المصريين هناك ولكن صوت عاقل خرج ليتساءل ولكن ماذا لو خسرنا هناك في ظل هذا الشحن وخلق ثورة توقعات معلقة باثنين وعشرين فردة حذاء؟ وكان للصوت العاقل تأثير في التعامل مع المباراة على هذا المستوى.
لكن على المستوى. الشعبي ظل لنا جميعا في حالة التعلق بالأمل في خلق لحظة سعادة، ليس مهما ان كانت سعادة حقيقية او وهمية المهم نحن تعبنا ونحتاج الى ابتسامة لذلك انتظرنا المباراة، وقتها توقفت التليفونات عن استقبال رسائل التهنئة بعيد الأضحى الذي أتى مختلفا هذا العام حيث كان اكثر بهجة، وتوقفت الاتصالات التليفونية وتعلقت العيون والقلوب والمشاعر مع المباراة التي قرر التلفزيون المصري نقلها بالاتفاق مع التلفزيون الغاني رغم أنف القناة القطرية التي وضعت تحذيرات وتهديدات باللجوء لحفظ حقها وأجبرت مذيعيها المصريين على قراءة التهديد كل عدة دقائق، وضحك المصريون على هذه التهديدات فالاخوة في الدولة “الشقيقة” اشترطوا ان يتصل مسؤول مصري كبير بالمسؤولين القطريين يطلب منه السماح بنقل المباراة، وهم هنا لا يعلمون ان الأمور في مصر تغيرت، لا يوجد شيء يجبر مصري مسؤول للتنازل عن حق وموقف حتى لو كان في ذلك خسارة مادية وقتية، لذلك كان الموقف لتذهب المباراة الى الجحيم ولا يتحكم هؤلاء بإملاء إرادتهم علينا وكانت الثقة في ان مثل هذا الموقف سوف يلقى دعما شعبيا حتى لو لم تنقل المباراة. العقل والإدراك العام بات اكثر نضجا.
بدأت المباراة وتغلبنا على مشاعر بدت واضحة من ان حالة من التفكك والتخبط تسود بين أقراد الفريق، صديق علق قائلا يبدو ان السياسة دخلت الملعب.
لا اريد ان استعيد التسعين دقيقة التي تسببت في رفع ضغط دمنا الى مناطق غير مسبوقة، ولا الى حالة الإحباط الوقتي التي اصابتنا ولكني سأتوقف عند بعض الملاحظات السريعة والنتائج التي أظنها مهمة. وسأبدأ بالملحوظة التي سبق وان أشرت اليها بحضور الخلاف السياسي الى ارض الملعب، والملحوظة التي لدي هنا هي تلك اللحظة التي سجل فيها ابو تريكة لاعب المنتخب القومي الهدف الوحيد من ضربة الجزاء يبدو انه لم يتخلص من تعاطفه الإخواني فرفض مصافحة زملاءه بعد سجوده وتجاهل زميله الذي حاول تحيته وبدا أشعث الذقن غاضب الملامح، حتى ان الشك يمكن ان يساور البعض ما اذا كان قد سجد بعد المباراة شاكرا الله على هزيمة منتخب “الانقلابيين”!!
هناك إيجابيات فيما حدث، صحيح ان فرد الأحذية الثلاثين، اذا أضفنا حذاء برادلي المدرب، قد أطاحت بأحلام المصريين في الوصول الى البرازيل الا ان ما حدث يحمل بعض الإيجابيات، تحقيق نصر سريع على غير أسس كان كفيلا بخلق حالة من الخدر لدى قطاع لا بأس به منا، سيشعر البعض ان المصريين قد عادوا لتحقيق ما فاتهم وهذا سيكون خداع بصري غير حقيقي، فالواقع يقول انه فاتنا الكثير ونحن بحاجة ماسة لتعويض ما فاتنا، ليس في مجال كرة القدم ولكن في كافة المجالات الاخرى المهمة، كان الفوز، رغم أهميته النفسية، سيكون سببا في شعور كاذب بنشوة القوة، العديد ممن تحدثت معهم بعد المباراة وجدت عندهم ذات التفكير، وهذا دليل على ان المصريين قد تغيروا وباتوا اكثر واقعية.
خسرنا المباراة وتحطم الحلم ولكن كسبنا مواجهة الواقع. فاتنا الكثير ونحتاج الجهد الصادق من اجل تحقيق الحلم الأهم بخلق مصر الجديدة.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام