المواطنة أمينة شفيق

بقلم   عبداللطيف المناوى

جاء قرار الرئيس مبارك  بتعيين الأعضاء العشرة الذين له حق تعيينهم وفقا للدستور بمجلس الشعب ضابطا ولو جزئيا لبعض الخلل الناتج عن الانتخابات ، ولكني شخصيا أعتقد أن أحد أهم الشخصيات التي فرحت بوجودها بين المعينين هي الأستاذة أمينة شفيق ، وعندما أقول الأستاذة فإنني أعني ذلك بحق ، التقيت بالكثيرين خلال عملي أو اهتماماتي بالقضايا العامة ، كان من أكثر من وجدتهم رسوخا على مبدأ، وعملا من أجل الآخرين بقناعة كانت الأستاذة أمينة شفيق ، ورغم أن الوصف السياسي لها هو أنها  يسارية الاتجاه إلا أنني أظن أنها تجاوزت منذ عدة سنوات ذلك التوصيف السياسي الضيق ، وخرجت من اليسار أو اليمين إلى مساحة الإنسانية والوطنية .

يصفها من يعرفها بأنها يسارية لم تحد أو تقايض على يساريتها وتعلن انحيازها للفقراء ، ويرى الكثيرون أنها من أكثر الفئات الهامشية  ومن أكثر الصحفيين الذين اهتموا بالعمل الأهلي ، ولم تخلط  في يوم من الأيام  بين موقفها السياسي أو انتمائها الحزبي وخدمة من تلتزم ناحيتهم ، كانت تحصل على أعلى الأصوات من كل الاتجاهات في أي انتخابات نقابية ، فالجميع يحترمها ويقدرها ومن يختلف معها لا يمتد اختلافه في أي لحظة من اللحظات إلى ذلك الاحترام والتقدير .

آخر مواقفها التي تعبر عنها وتتسق مع شخصيتها عندما أعلنت منذ فترة طويلة عن رغبتها في خوض الانتخابات ، واتخذت خطوات بالفعل ولكن ما إن أعلن الحزب الوطني الديمقراطي الذي ليست هي عضويته عن ترشيح الدكتورة مديحة خطاب زميلتها في المجلس القومي للمرأة على نفس المقعد ، حتى قررت أمينة شفيق الانسحاب  من المنافسة على مقعد جنوب القاهرة لأنها لا تحتمل مشهد تتنافس فيه امرأتان تعملان من أجل المرأة على نفس المقعد ، فآثرت الانسحاب احتراما لقيم التعاون والتضامن من أجل المرأة لأنها كما ترى أن في ذلك خدمة لقضايا المرأة .

أظن أن امينة شفيق هي أكثر الصحفيين وأكثر العاملين في مجالات العمل العام ـ وقد تعاونت معها في هذا المجال ـ  الذين جابوا قرى مصر ، سارت على قدميها ، وتحدثت مع أهلها وخبرتهم عن قرب دون حواجز أو حراسات ، لم ألتق من بين المهتمين بشأن المواطن المصري مثل أمينة شفيق .

تقول أمينة شفيق عن نفسها ” أنا من مواليد القاهرة .. أهتم بالمرأة الريفية و المهمشة والعشوائيات، ليس لي علاقة بالشياكة ولا أعرف الصالونات، ولكنى أعرف أنني أعمل وعندما أتعب أنام، فأنا امرأة مكافحة تعمل بجد ـ مش هانم ـ  أنا موطنة مصرية بسيطة، بنت بلد جدعة أعرف في الأصول جيدا ” ومن وجهة نظرها أن المبادئ  تساوي الضمير .

مرة أخرى أظن أن الأستاذة أمينة شفيق إحدى النقاط المضيئة القليلة في تجربة البرلمان الجديدة .

Advertisements

أراضي للسرقة

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد العيوب الرئيسية التي نعاني منها في مجتمعنا أننا لا نستكمل أبدا ما نبدأ ، تبدأ معنا الأمور كالنار الثائرة ، تبدو وكأنها لن تهدأ ، ثم تخبو وتتحول إلى رماد ، وفي أحيان عديدة رماد لا يحمل تحته جمرات ، بل تنتهي الأمور تماما .

مثل هذه الحالة نعاني منها أيضا في إعلامنا ، نبدأ مع قضية ما ، يبدو  معها الأمر  وكأنها قضية ساخنة تحمل داخلها العديد من التفاصيل و التطورات  ثم سرعان ما تهدأ خلال يومين أو ثلاثة ، وننسى ما فات حتى تنطلق أو تنفجر  مرة أخرى من جديد ، وهذا جزء مما يراهن عليه الآخرون معنا عندما يكون لسان حالهم ” دعوهم في انفعالهم فإنه إلى هدوء أكيد ” .

أحد الموضوعات التي ثارت في الفترة الأخيرة كانت القضايا المثارة حول أراضي الدولة ، وبدأت العديد من وسائل الإعلام المختلفة في تناول هذه القضية من زوايا مختلفة ، وأيضا قصص متعددة من يرصد هذه المعالجات في الفترة الأخيرة ـ ولا يعلم هذا الجزء من ثقافتنا ـ يعتقد أن الحملة مستمرة ، ولن تقف إلا عند الوصول إلى نتيجة ، ولكن ما حدث ويحدث وسوف يحدث أن الأمور هدأت وسكنت .

عندما قرأت في عدد الأمس من الأهرام المسائي في صفحته الأولى التقرير الخاص بالمخالفات الحادثة في أراضي  طريق الصعيد ـ البحر الأحمر والذي كتبه الزميل علي محمود تذكرت كل ما ذكرته في مطلع هذا المقال ، وتمنيت أن يكون هذا التقرير واستمرار التعامل مع القضايا التي تهم الوطن بشكل مستمر وبقدر من المتابعة ، تمنيت أن يكون هذا عرض دائم وليس عرضا وقتيا ، خاصة وأنه على الرغم من هدوء عاصفة الحديث عن عن الاستيلاء على أراضي الدولة ، فإن عمليات الاستيلاء في حد ذاتها لم تتوقف ، وبالتالي فما أتمناه استمرار هذه الحملة الإعلامية بشرط أن تكون موثقة ومؤكدة وأن يسود فيها منطق البحث و التقصي و ليس الانطباعات أو تصفية الحسابات أو المعارك نيابة عن الغير .

ما ذكره التقرير المنشور بالأمس هو جد مهم وخطير وجزء مما فيه ذكره لي من قبل اللواء عمر الشوادفي رئيس الجهاز الوطني لتخيط استخدامات أراضي الدولة ، فصقور الأراضي تحدد من أين تؤكل كتف أراضي الدولة ، ترصد المشروعات المهمة التي تعني زيادة كبيرة في أسعارها وتنطلق لتخلق حولها واقعا وتاريخا مزيفا لتثبت ملكية ليست موجودة ، أو تتحايل للتوصل إلى عقود شراء أو تخصيص تستغل فيها ضعاف النفوس في المناطق المرشحة لارتفاع أسعارها ، وطرق القاهرة الاسكندرية الصحراوي ، أو الاسماعيلية أو السويس والآن الصعيد هي شهود على ما أقول وتحتاج من الزملاء الصحفيين العمل من أجل كشف ما يحدث هناك بأسلوب موثق وتحريات صحفية أمينة لا تهدف إلا إلى الصالح العام .

أذكر هنا قصة حكاها لي اللواء عمر الشوادفي رئيس الجهاز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة عندما توجه شخص ما إلى أجهزة الدولة المتعددة مدعيا وضع يده على آلاف من الأفدنة ، الصدفة وحدها جعلتها على جانبي طريق الصعيد البحر الأحمر ، حدث ذلك بمجرد بدء الحديث و التخطيط للمشروع ، وأتى بأوراق مزيفة و اشترى زرع جاهز ونشره في الأرض التي يدعي وضع يده عليها ، والصدفة جعلتها على جانبي طريق الصعيد البحر الأحمر ، تم إحباط هذه المحاولة ومحاسبة من شارك فيها ، ولكن ظلت هذه الأراضي وغيرها هدفا لصقور الاستيلاء على أراضي الدولة .

و في الوقت الذي تتسلم فيه وزارة الاستثمار الشهر المقبل المخططات التفصيلية للمشروعات الاستثمارية التي ستقام على جانبي طريق الصعيد ـ البحر الأحمر بطول 412 كيلو مترا في مختلف المجالات تكشفت مفاجآت جديدة في المشروع مثل قيام مجموعات من المواطنين و المستثمرين بوضع أيديهم على مساحات من الأراضي على جانبي الطريق ووضع لافتات بأسماء شركات وهمية وأسماء تحمل مسميات وظيفية عليا مثل مستشار ولواء وغيرهما بهدف الاستيلاء على أراضي الطريق .

مرة أخرى دعوة لكل من يهتم من الزملاء الصحفيين ، ومن جهات الدولة المختلفة بالاستمرار في رصد ما يقع من مخالفات ، ورصد ما  وقع من قبل من مخالفات من أجل حماية حقوق هذا الشعب .

الجريمة

بقلم   عبداللطيف المناوى

تتعدد الجرائم ، وعلى الرغم من كونها جرائم إلا أن هناك جرائم تشعر نحوها بقدر من اللامبالاة ، ولكن هناك جرائم لا تمتلك إلا أن تنظر نحوها بقدر من القرف والغضب ، من بين هذه الجرائم ـ حتى لو لم توصف بعد كجريمة ـ المتاجرة بقرارات العلاج على نفقة الدولة ، ومما يزيد حالتي الغضب  والقرف ـ عذرا لاستخدام هذا التعبير ـ هو أن بين من تورط في هذه الجريمة من افترضنا فيهم أنهم يمثلون الأمة ، ويمثلون مصالح الشعب ومصالح الناس ، فإذا بهم يتاجرون بهذه المصالح ، بل ويتاجرون بآلامهم وأمراضهم ويسرقون حقوقهم في العلاج .

إن قضية العلاج على نفقة الدولة والتي تفجرت منذ فترة كان ينبغي التعامل معها بشكل أكثر حسما وأسرع في اتخاذ الإجراءات ، كان ينبغي الكشف منذ اللحظة الأولى التي يتم فيها التبين من هذه التجاوزات بل من هذه الجرائم عن كل من تورط فيها ، كان ينبغي نشر كشف بأسماء كل من تورط في هذه الجريمة ، كشف بأسماء من ثبت انهم تاجروا في الأمر هذا الشعب الطيب الذي اعتاد أن يعطي ثقته لمن يظن أنه يعمل من أجله بحق .

مطالبة عدد من نواب الأغلبية بضرورة اتخاذ إجراءات سريعة وفورية بفصل النواب المنتمين للحزب الوطني من عضويته هي دعوة ينبغي على  قيادات الحزب الاستجابة السريعة والفورية لها ، لا مجال للانتظار ضد هؤلاء النواب بعد إحالة أوراقهم وما تحمله من مخالفات صارخة بشأن قرارات العلاج على نفقة الدولة وحصولهم على الملايين من الجنيهات على حساب المرضى الفقراء . وينبغي محاسبة من تورط مع هؤلاء داخل وزارة الصحة .

صحيح أن الملف تمت إحالته للنائب العام ، ويصح هنا القول بأن يحدث ذلك متأخرا  أفضل من ألا يحدث أبدا .

إن ملف العلاج على نفقة الدولة هو إهانة للنواب جميعهم ، وينبغي تبرئة ساحة الشرفاء منهم بكشف المتورطين ، وينبغي نشر كل هذا على الرأي العام حتى يعلم ما مصير من تاجر بالأمة .

لكي يرضى عنكم الناس

بقلم   عبداللطيف المناوى

سألت نفسي سؤالا , ماذا يمكن أن تفعل الحكومة – أية حكومة – لكي يرضي عنها الناس ؟ واستعرت جزءا من إجابة سبق ان كانت محور حديث لي مع صديق , هذه الإجابة تفترض القادم , متى يرضي الناس في أي وقت عن حكومتهم , وعندما اتحدث عن الناس فانني اعني معظم الناس بدرجات متفاوتة , ليس هذا بسبب عيب في تكوين الناس  , او تعلية لطبيعة ونوع الحاكمين , ولكنها الطبيعة البشرية التي نبحث دائما عن سقف أعلي للتطلعات , ولكن الأزمة تكون عندما يكون العيب في الحكومة وليس من الشعب , عندما تكون متطلبات الناس ممكنة وتعجز عنها الادارة , او عندما تفشل الحكومة في ان تحوزعلي رضا الناس .

بتطبيق ما فات علي أوضاعنا المصرية فيمكن القول ان الازمة الحقيقية في العلاقة بين الحكومة والناس تتمثل في لغة الخطاب من الحكومة الي شعبها , وتتمثل في قدرة الحكومة على جذب الانتباه الي ما تفعل من ايجابيات , وعندما تغرق نفسها في اخطاء صغيرة تفسد ما تفعله من إنجاز, الخطأ الاخر الذي تقع فيه الحكومة عندما لا تركز علي وسائل ارضاء المواطن البسيطة والممكنة , وهي وسائل لو استطاعت ان تضع يدها عليها لتمكنت من أن تكسب المواطن معها مشاركا ودائما لها في مواقع الانجاز الاخري بدلا من الوقوف موقف المناوئ الناقد لها .

يبدأ هذا الاسلوب بتحديد مناطق تعامل المواطن مع الحكومة , ابتداء من الميلاد وحتي الوفاة , ويمكن تحديد بعضها بسرعة عندما نبدأ بمكتب الصحة الذي تخرج منه شهادة الميلاد , الي المستشفي الذي يعالج فيه الطفل إلى إدارات التعليم التي يتعامل معها الاهالي , الي مكاتب الضرائب , واقسام الشرطة وإدارات المرور , ومكاتب الجوازات والسجل المدني , وغيرها من المصالح الحكومية او المتصلة بالحكومة التي يتعامل معها المواطن في حياته كلها , وقبل ان نحدد المطلوب دعونا نغمض أعيننا للحظة ونتخيل حجم معاناة المواطن في كل ما ذكرت من أماكن , وغيرها مما لم أذكر , وأترك لكم تصور ما يحدث وما يلقاه المواطن من معاناه ,وتخيلوا معي لو قررت الحكومة كبداية في خلق جو من الثقة بينها وبين المواطن أن تبدأ بإصلاح أحوال هذه الأماكن , وقررت ان تيسر علي المواطن في كل هذه النقاط – نقاط التماس المباشرة لها مع الجمهور – في حياته , وان يجد موظفا مبتسما , ومكتبا نظيفا , وانهاء سريع لاجراءاته واوراقه المطلوبة .

تخيلوا معي لو شعر المواطن أن الحكومة وضعت نصب عينها – وعرف ذلك وشعر به – ان تجعل حياته في هذه المناطق البسيطة اسهل وايسر ، تخيلوا معي ماذا يمكن ان يكون شعور المواطن في هذه الحالة تجاه حكومته ؟ لا اقول ان هذا يحل المشكلة , ولا اقول أن الحكومة بذلك تكون قد حلت مشكلتها مع الناس , ولكنها بداية لكي يشعر الناس ان الحكومة بحق معنية بمعاناتهم , والتالي لذلك ان يشعر المواطن ان الحكومة حكومته , وان مشكلاتها هي مشكلاته , وان انجازاتها هي انجازاته ,

دعونا نجرب .

الشخصية المصرية .. إلى أين؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا يستطيع أحد أن ينكر وجود حالة  من الهجوم على الشخصية المصرية بدأت تظهر في الإعلام في الفترة الأخيرة  ، على سماتها ، على تكوينها ، حتى على ما حققته ، رغم ما تتمتع به ، وما حققته وحفرته في سجلات التاريخ  ، بدأت هذه الحالة تظهر ، وتتزايد ، في الوقت الذي يتم فيه التقليل من قيمة أي إنجاز يتم تحقيقه على أرض الواقع  ، بل والتشكيك في حدوثه .

وطوال الوقت هناك حالة من الترقب والهجوم من ناحية ، والبناء في صمت من جهة أخرى ، في مجالات متعددة ، ومختلفة ، ودائما يفاجئنا الشباب الذين لا نتوقف عن انتقادهم بأن يقدموا لنا إنجازاتهم في مجال أعمالهم سواء كان في السياسة أو الاقتصاد أو في مجالات العمل المختلفة ، دائما تجد مصريا يفوز بجائزة دولية هنا ، ومصري آخر يتم تكريمه في دولة أخرى ، وثالث يتم اختياره من أفضل خمسة أو عشرة في مجال ما على مستوى العالم ، يحدث هذا بالتوازي مع الهجوم المستمر على الشباب ، وعلى الجيل الجديد تحديدا ، واتهامه بأنه لم يحقق شيئا ، وأنه جيل مرفه لا يقدر قيمة العمل ، بالإضافة إلى اتهامات بفساد المحيط العام الذي أثر على فساد الجيل الجديد كله ، يتوازي المشهدان في مخيلتي ، وأنا أرى هذا في ناحية  وهذا في ناحية أخرى ، وفي كل مرة أرى المشهدان أقول متى يتوقف هؤلاء المهاجمون ، حتى يعطوا هؤلاء الشباب الفرصة لكي يثبتوا ذواتهم ، ويثبتوا للجميع أنهم قادرون على بناء حلمهم بوطن قوي قادر ، يفتخر بأبنائه علماء ومهندسون ومعلمون وأطباء .

وربما لا يكون الهجوم يستهدف فئة عمرية واحدة فقط بل يتمدد ليشمل هجوما على مشروعات وطنية ، قومية ، ربما تؤدي بشكل غير مباشر إلى أن تسود حالة من الإحباط بين الجيل الجديد ، وبين كل من يساعد في بناء الوطن  ، وهم يرون ، حسب ما يقدم لهم ، في وطنهم سيء ، وناقص ، و قبيح .

 لست هنا ضد النقد وتصحيح الأوضاع الخاطئة ، لكني أفرق بين النقد والنقض ، انتقاد عمل خاطئ ، حتى يتم إصلاحه ، ويعود في صف بناء الوطن ، والذين يبنون الوطن ، والنقض الذي لا يهدف إلا إلى الهدم ، لست ضد مهاجمة الفاسد ومعاقبته ، لكني ضد تجويل كل صورة ناصعة إلى أخرى قاتمة

في ظل التساؤلات المزمنة حول التغير الذي لحق بالشخصية المصرية  ، وفي ظل الاتهامات بأنه لا يوجد إنجاز مصري ، في ظل  هذه الحالة العامة من التشكيك والتعجيز والتقليل والهجوم ، التي بدأت تتفشى ، وتنتقل والتي لا تصب إطلاقا في صالح أي طرف ، يجب أن نسلط الضوء على النماذج الحقيقية التي تصلح أن تكون قدوة لشبابنا في مجالات مختلفة ، فهناك جهد مصري حقيقي في أكثر من مكان ، وهناك عرق مصري ، وهناك مستقبل مصري  يطل من هناك ، يجب أن نفخر به ، ونبرزه .

في بعض الصناعات وبعض القطاعات ، إذا نظرنا إليها بنظرة جدية ـ غير متشائمة ـ نجد أن ما  تحقق هو إنجاز حقيقي ، ولمن لا يحبون كلمة إنجاز ، أقول إن هناك جهد مصري حقيقي بأيدي مصرية ، هي نفسي الأيدي التي بنت من قبل الأهرامات والمعابد وأبو الهول ، الأيدي التي بنت من قبل المسلات ، الأيدي المصرية التي  بنت المساجد والكنائس والقلاع والأبواب والمدن التارخية ، الأيدي المصرية التي  حفرت قناة السويس وعمرت الصحراء  ، الأيدي المصرية التي بنت السد العالي و ، الأيدي المصرية التي تعرق وتعمل وتكد الآن من أجل مستقبل أفضل لهذا البلد .

ما أراه هو أنه يجب أن نتفاءل بحجم الجهد المصري ،  بحجم الانجاز المصري ، ، أن نشجع شبابنا ونساعده في حلمه في بناء وطن أجمل ، وأتصور انه من المطلوب ان نعلم الحجم الحقيقي لجهد المصريين ، لعمل المصريين ، لعرق المصريين ، فهذه ثروة البلد ،ثروة المصريين ، ثروتنا جميعا كل من يعملون فيها يفعلون ذلك من  اجل الهدف الرئيسي ، وهو رفعة شان هذا الوطن ، الذي نعيش فيه جميعا ، وحتى نستطيع أن نعيش في مستوى يليق بنا جميعا .

التغير الذي لحق بالشخصية المصرية ، لم يضعفها ، وهو تغير طبيعي نتيجة لتغيرات اقتصادية وسياسية وتكنولوجية ، لكن يجب ألا نجعله معول هدم ، فكل الشعوب تتغير ، فهذه سنة الحياة ، لكنها تسعى أن تجعل تغيرها للأفضل .

يجب أن ننظر قليلا إلى النصف الملآن من الكوب ، وعندما نراه ، نتأكد أن هذا هو إحدى الدلالات المهمة التي تستدعي إعادة التفكير فيما نقوله ، وما نفكر فيه ، وما نسمعه ، وما نكتبه  ، هو إحدى الدلالات التي تطل في النهاية كإجابة  على أسئلة مشروعة  ، هي إحدى الدلالات التي تقول إنه رغم المشاكل الكثيرة التي نعاني منها  ، لكن  هناك شيء جدي على أرض الواقع  يجب أن نقف جميعا إلى جواره .

الفيل ليس أرنبا

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد التعبيرات التي توقفت أمامها مبتسما أمس في حديث لي مع المسئول عن أراضي الدولة عندما قال إن البعض أتي إلى الدولة في يوم من الأيام ، وهو يحمل فيلا ضخما كتب عليه أنه ” أرنب ” ، فصدقته الدولة  ، أو بعض مسئوليها ، وتم التعامل مع الفيل على أنه أرنب ، وخرجت التصاريح  ، وتم تسعير الأراضي ، وتم التخصيص على أن الفيل ليس سوى أرنب ، ومرت السنوات وعاش الفيل وصار أفيالا ، وظل قادرا على إقناع الدولة بأنه مجرد أرنب ، وظلت الدولة تصدقه ـ أو بعض مسئوليها ـ لا نعلم لماذا ، ونريد أن نعلم لماذا .

ما حدث في مصر خلال العقود الأخيرة يحتاج إلى وقفة حقيقية يتم فيها فتح ملفات ما كان من صفقات على حساب أراضي وأملاك الدولة ، نريد أن نعلم كم فيلا تعاملت الدولة معه على أنه مجرد أرنب ، ونريد أن نعلم من من صغار أو كبار مسئولي الدولة تورط بعلم أو بغير علم في ذلك ، والأهم نريد لهذا الوطن ولأبنائه أن يستعيدوا  ما لهم من حقوق ضاعت نتيجة إجراءات خاطئة أو ضعف نظر من لم يستطع أن يميز الفيل من الأرنب .

لا أتوقع مع ما أتابعه من توجه للقيادة السياسية هذه الأيام تجاه هذه العشوائية في التعامل مع ملف املاك الدولة وأراضيها أن يتم اتباع سياسة ” عفا الله عما سلف ”  ، ولنحافظ على ما تبقى ، لا اظن أن هذه السياسة تتفق إطلاقا مع توجهات القيادة السياسية التي ترجمتها ـ أي هذه التوجهات ـ في شكل إجراءات .

للدولة مركز اسمه المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة ، هدفه وفقا لقرار إنشائه التنسيق الكامل بين أجهزة الدولة لتحقيق أحسن استغلال ممكن لأراضيها ، ومتابعة تنمية هذه الأراضي ، وإحكام الرقابة عليها من التعديات ، وأظن أنه ينبغي أن يضاف إلى مهام هذا المركز ـ الذي يرأسه اللواء عمر الشوادفي ـ مهام مراجعة ما فات من إجراءات بيع أراضي الدولة ، وحصر ما تم التعامل معه باعتباره فيلا أو اعتبر أرنبا .

الذي اغتصبوا أراضي الدولة ارتكبوا مخالفات تستحق المحاسبة ، أولى هذه المخالفات انتهاك شروط التعاقد ، فهم أخذوا الأرض لهدف محدد هو استصلاحها وزراعتها ، وهذا هدف ” قومي ” نبيل ننحني له جميعا ـ لو كان قد حدث ـ ، ولذلك تم منحهم الأراضي بأسعار زهيدة ورمزية ، ولن أقول بخسة لأنكم ستقولونها ، لكنهم لم يلتزموا بهذا الهدف ، بل تاجروا في الأرض وتربحوا منها في مشروعات لا علاقة لها بالزراعة ، بل تحولت إلى مشروعات عقارية، وملاعب جولف ـ ولها مقام آخر في الحديث ـ وتجارة أراض بهدف الكسب و فقط ، ولتذهب الزراعة و الاستصلاح و الأهداف القومية ومعها المياه الجوفية ” بالمرة ” إلى الجحيم .

إنها مأساة .

ثورة الشك

بقلم   عبداللطيف المناوى

قال الإمام الشافعي ” وجود الشك هو أصل بداية الخيط لإيجاد الحقيقة ” بمنطوق آخر ، فإن الشك هو أساس اليقين ، هذا النوع من الشك هو شك إيجابي ، فلا سبيل لليقين من الأشياء إلا من خلال بذرة الشك تدفع إلى البحث عن حقائق الأشياء للوصول إلى اليقين ، أيا ما كان هذا اليقين سلبيا أو إيجابيا ، هذا ما يمكن أن نطلق عليه الشك البناء .

النوع الثاني من الشك هو الشك المدان ، وهنا يمكن أن ينطبق عليه مفهوم التشكيك أكثر منه الشك ، ولا تكون الوسيلة هنا هي البحث للوصول إلى اليقين ، ولكن يكون الشك من أجل خلق تلك الحالة من زعزعة اليقين ، وتكون هنا الأهداف واضحة المعالم ، الغرض هو التهديم ، وبكافة الوسائل المتاحة .

هذه ليست مقالة فلسفية ، ولا أسعى هنا لاستعراض مفهوم الشك الفلسفي لدى ديكارت ، أو مفاهيم الشك المختلفة في العلوم الطبيعية ومجالاتها التطبيقية أو العلوم الإنسانية ، ولكني هنا أتحدث عن نوع الشك الذي بات يسود المجتمع ويقود حركته ، وهل يندرج هذا النوع من الشك تحت مفهوم الشك البناء أم الهدام ، ومن يدفع به ـ أي الشك ـ في أي من الاتجاهين .

مع الأسف الشديد نحن نعيش حالة يسود فيها إلى حد كبير مفهوم الشك الذي لا يهدف إلى الوصول إلى اليقين ، ولكن هناك من يدفع الأمور دفعا في اتجاه النوع الآخر من الشك ، من الملاحظ ان هناك حملة دائمة في كل ما يواجه المجتمع من أجل المجتمع من أجل التشكيك فيما يحدث من وقائع .

أنا أؤمن تماما بأهمية البدء بالشك في الأمور ،  من أجل البحث عن اليقين الذي سبق أن أشرنا إليه ، من حقي كمواطن أن أشك مثلا في أسباب وفاة شاب الإسكندرية ، طالبا وضاغطا من أجل البحث عن أسباب الوفاة ، ومن حقي في مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة من استمرار الشك مع ظهور تقارير أولية ليست نهائية من أجل الوصول أيضا إلى اليقين .

ولكن لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة الشك إلى مستويات أعلى ومستمرة في كل ما يحدث من إجراءات ، أو أن أصل بالشك بسبب دفع هؤلاء إلى درجة عدم اليقين في كل ما يحيط بنا ، وكل ما يحدث معنا .

أظن أن حالة عدم  اليقين ، وحالة الشك الدائم في كل ما يحيط بنا ليست  في  صالح هذا الوطن ، وأظن أن من ينظرون إلى الأمور ، بنظرة ضيقة من أجل تحقيق هدف سياسي أو حزبي ضيق ، أو من تسيطر عليه روح انتقام أو عداء للنظام أو للمجتمع ، أظن أن هؤلاء إنما يقامرون بل ويحرقون مستقبل هذا الوطن .

أنا هنا لا أتحدث عن قضية بعينها ، ولكن أتحدث عن حالة تستدعي التوقف للتفكير ، ودق جرس ـ بل أجراس ـ الإنذار ، فثورة الشك  الهدامة إذا سادت لن تبقي بناء دون هدم .

أمنيات برلمانية قد لا تتحقق

بقلم   عبداللطيف المناوى

البرلمان القادم كيف نتمناه ؟ ما هو شكله ومن هم نوابه ؟ أتمنى أن أرى برلمانا ممثلا بحق لنا جميعا كمصريين ، أن أجد نوابا شاركنا نحن بالفعل كمصريين في اختيارهم ، نزلنا إلى صناديق اقتراع شفافة ، تبدأ اليوم وهي خالية من أوراق التصويت ، وتنتهي بأوراق حقيقية ملأناها بأيدينا .

أتمنى وأظن  كثيرون معي يتمنون ـ ألا نجد نوابا تاجروا بقوت الشعب ، ولا بأموال علاجه ، نتمنى أن نرى نوابا بحق عن الأمة ، وينظرون إلى مصالح الأمة لا مصالح الأشخاص ، أن نجد من يرعى مصالح دائرته بحق ، وليس مصالح من دفعوا له أو دعموه ليصل إلى مقعد البرلمان ، أن يعمل من أجل صالح جميع أهل الدائرة لا من أجل مصالح خاصة ضيقة .

هل لنا أن نتمنى ألا يكون هناك نائب في البرلمان القادم قد تورط أخلاقيا ، أو تهرب تجنيديا ، أو فسد ماليا أو تعامل تهريبيا لدواء أو مخدر أو بضائع ، أو تاجر دينيا بتأشيرات حج .

نتمنى أن تنجح الأحزاب جميعها في أن تختار المرشحين المعبرين بحق عن رغبة أهالي كل دائرة ، أن يكون من يقع عليه الاختيار محل ثقة لدى ناسه ، وألا يكون من أولئك الذين سبق وأن أشرنا إليهم في الفقرات السابقة ، و العبء الأكبر هنا يقع على الحزب الوطني الحاكم ، الذي ينبغي أن يتوقف قادته ليتدارسوا تجاربهم السابقة في الاختيار ، وآخرها مجلس الشورى الأخيرة ، و القواعد التي وضعوها لهذا الاختيار ، وأن يستمعوا إلى صوت الجماهير الحقيقية التي تمتلك والتي تذهب إلى الصناديق بالفعل ، بل وأن تقنع من لا يذهب بأن يذهب بالاختيار الصحيح لمن يخوضون الانتخابات .

أتمنى أن أجد برلمانا به معارضة حقيقية تمثل القوى المدنية بحق ، وأن تكون حاضرة بنسبة حقيقية وقوية ، وأن يكون تمثيل القوى السياسية تمثيلا حقيقيا عاكسا لأوضاعها وقوتها الحقيقية في الشارع  .

أتمنى أن يقتنع من تخوف من المعارضة المدنية الليبرالية من قبل أن تخوفه أدى بنا إلى صعود المعارضة الدينية بشكل مبالغ في حضورها على حساب المعارضة المدنية ، وهو الأمر الذي يدفع بنا بعيدا عن مفهوم الدولة المدنية .

انتهت الدورة البرلمانية بالأمس ، وأعلن فض الدولة وخرج منها النواب كلهم يتمنى أن يعود إلى مقعده الدورة القادمة ، ونحن لا نتمنى ألا يظل فيها إلا من يستحق أن يكون ، فهل تتحقق الأمنية ؟.

رجل مبدأه

بقلم   عبداللطيف المناوى

قلائل هم الأشخاص الذين إذا رحلوا حزن عليهم الجيمع ، من معهم ومن ضدهم ، من يحبونهم ، ومن اختلفوا معهم ، من قابلوهم ومن لم يقابلوهم ، من هؤلاء الأشخاص الكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة عميد الدراما التليفزيونية ، والذي ترك حزنا في قلب كل من سمع خبر رحيله .

الشيء الذي يميز أسامة أنور عكاشة هو أنه مصري حتى النخاع ، حتى في القضايا التي ناقشها في كتاباته و القضايا التي فجرها والتي كان لا يتبنى فيها إلا ما يرى أنه يصب لصالح الوطن ، والمواطن ، والهوية المصرية ، والذي كان يجبرك حتى في اختلافه على احترامه واحترام مصريته .

انشغل  أسامة أنور عكاشة في مسلسلاته  بهذه القضايا ، بالسؤال المصري ، بالتاريخ المصري ، بالهوية المصرية ، وسؤال الهوية هو الذي طرحه في مسلسلاته الأخيرة ابتداء من طرحه في مسلسل أرابيسك ، ومحاولة الإجابة عليه في مسلسل زيزينيا بجزئيه ، ثم في مسلسل المصراوية الذي رحل دون أن يكمله ، انشغل بسؤال التاريخ المصري ، في مسلسل ليالي الحلمية بأجزائه الخمسة ، ثم في مسلسل المصراوية أيضا ، في محاولة لرصد التغيرات في الشخصية المصرية ، ولماذا تغير المجتمع المصري ، ما سبب انتشار الرشاوى والفساد ، كان هذا هو السؤال الذي طرحه في مسلسلات مثل عصفور النار ، وانا وأنت وبابا في المشمش  ، وضمير أبلة حكمت ، ورحلة أبو العلا البشري ، والراية البيضا ، وكلها أعمال ارتبطت بوجدان الشارع العربي والمصري ، لم يكن أسامة أنور عكاشة يكتفي بطرح المشكلة بل كان أيضا يسعى إلى إيجاد حلول لها  ، انشغاله بالهوية المصرية تبدى أيضا في أعماله السينمائية القليلة والمهمة والمؤثرة في تاريخ السينما مثل ” كتيبة الإعدام ” ، و ” دماء على الأسفلت ” و ” الهجامة ” .

بالتأكيد فرحيل أسامة أنور عكاشة قد ترك فراغا كبيرا ،  كمفكر يشارك في العديد من الصحف بمقالات تتناول الشأن المصري والعربي، وكعميد لكتاب الدراما ، جعل رجل الشارع يسأل من هو كاتب هذا المسلسل فإذا عرف أنه  أسامة أنور عكاشة قرر أن يتابعه  ، و كمثقف حقيقي يعرف هموم رجل الشارع ، و المواطن ويعبر عنها ، الأكيد أن رحيل أسامة أنور عكاشة قد أثر فينا جميعا ، لكن لا شك أن أعماله التي أثرت في وجدان المجتمع العربي كله ـ وليس المصري فقط ـ باقية  ،

لن أتحدث  هنا عن اسامة أنور عكاشة القيمة الادبية الكبيرة ، ولن أتحدث عن اثره فى الدراما التلفزيونية وقدرته العظيمة على أن يغزل ذلك النسيج الشديد الروعة الشديد التعقيد ، الشديد الجمال بالمجتمع المصرى حتى يصل الأمر إلى حد وصفه بأنه نجيب محفوظ الدراما التلفزيونية ، أيضاً لست الاقدر على أن أتحدث عن أسامة أنور عكاشة نقدياً أو تقييماً له ولحضوره وتأثيره الغير مسبوق فى تشكيل وجدان و رؤية أجيال ممن تحول التلفزيون إلى مصدر رئيسي للمعرفة  لهم ، خاصة الدراما التلفزيونية .

لن أدعى اننى كنت من أصدقائه المقربين ولا كنت على اتصال دائم به ، ولكن ما يمكننى قوله أنه ربطت بيننا علاقة أساسها الاحترام و التقدير ، وكنت حريصاً على متابعته قدر الإستطاعة ، و لم يتأخر هو يوماً عن المشاركة معى فى أى مشاركة أطلب مشاركته فيها ، وكنا نتناقش تلفيونيا مرات عدة فيما يكتب أو فيما يرى أنه جدير بالمناقشة ، من هذا المنطلق فإن حديثى عنه اليوم هو حديث عن رجل لا يمكن الا وصفه بأنه رجل موقف ، أسامة أنور عكاشة ظل طوال حياته ، ومن خلال كتاباته التلفزيونية أو الصحافة أو من خلال حواراته الصحفية أو التلفزيونية على موقفه ، لم يغير ما أعتقد أنه صحيح ، ظلت أفكاره التى آمن بها هي محركه الأصيل ، وهى محدد كتاباته ، لم يوظف قلمه أو فكره مرة من أجل خدمة هدف لم يقتنع به ، ولم تكن كتاباته أو أفكاره موظفة من أجل شخص أيا من كان أو من أجل أصحاب توجه قادرون على أن يجعلوه ممن يتبنوا هذا الفكر، أو يعمل تحت جناحهم من أثرياء المنطقة ، لم يفعل هذا يوماً ولم يتنازل عما اعتقد فيه دائماً .

أحد أهم القضايا التى ظل على موقفه فيها هو ذلك الموقف من تأثير الإعلان على الدراما التلفزيونية حيث كانت رؤيته دائماً أن سبب الأزمة الحقيقية للدراما العربية هو أنها باتت تنساق وراء أموال الإعلانات وأصبح من فى يده القرار هو المعلن وليس المبدع ، هذه السيطرة دفعت بالعديد من المبدعين أن يتسابقوا وراء من بيده القيادة ، ووظفوا إبداعهم بشكل أو بأخر لسطوة أموال الاعلانات ، ولكن ظل اسامة أنور عكاشة عصياً على هذه السطوة مستمراً فى طريقه الذى آمن به ، وظل كما هو رجل مبدأه  … رحم الله أسامة أنور عكاشة .

في مسألة الحد الأدنى للأجور

بقلم   عبداللطيف المناوى

قبل أن توجه إلي الاتهامات أعترف وأقر و أؤكد أنني مع  كل المطالب التي يطالب بها أي مواطن في هذا البلد من أجل إما رفع الأجور بشكل عام أو رفع الحد الأدنى للأجور ، ولكن ما أطرحه هنا هو المطالبة بوقفة علمية وعادلة للنقاش حول هذين المفهومين .

ولنبدأ بمسألة رفع الحد الأدنى للأجور ، وأطرح هنا التساؤل حول  الهدف الذي ينبغي العمل من أجله ، هل هو مجرد رفع الحد الأدنى للأجور بشكل مطلق دون النظر إلى الأسلوب الأمثل لفعل ذلك ، وتبعات الرفع الغير مدروس ، أم أن الهدف يكون رفع الحد الأدنى للأجور بشرط  ربطه برفع الحد الأدنى للإنتاجية ، قبل أن أحسم موقفي من أي من الاتجاهين أود في البداية أن نحاول معا استيضاح مدى تأثير اتخاذ قرار بالرفع العشوائي للحد الأدنى للأجور .

المقصود بالحد الأدنى للاجور هو أول أجر يحصل عليه الشاب الداخل إلى سوق العمل لأول مرة وهذا القادم الجديد يمتلك من المقومات والمهارات الحد الأدنى المطلوب ، أي أنه في أدنى درجات الكفاءة المطلوبة ، إذا ما تقرر رفع الحد الأدنى بقرار فهذا يعني ببساطة أن عددا كبيرا من هؤلاء العاملين سوف يتم  الاستغناء عنهم لأن تكلفتهم في الأجور في هذه الحالة سوف تكون أكبر من كفاءتهم ، وبالتالي فإن الأقرب  للحدوث هو الاستغناء  عن هذه العمالة التي كانت تعمل لأنها رخيصة التكلفة ، ولكن بزيادة كلفتها من ناحية الأجر فإن هذا يعني أن الاستغناء عنها يكون هو القرار الاقتصادي الأقرب ، هذا يعني ببساطة أن نسبة البطالة سوف تقفز تلقائيا وبشكل كبير .

الطرح التالي هو ربط الحد الأدنى للأجور بالحد الأدنى من الإنتاجية ، وهذا الربط هو الأكثر عقلانية واستقرارا ، ولكن كيف يحدث هذا ، هنا أظن الطريق الصحيح للنقاش ، الحد الأدنى للانتاجية يعني ببساطة كم  ينتج العامل في الساعة أو اليوم أو الشهر ، وهل الأجر الذي يحصل عليه أكبر أو أقل من هذا الناتج ، فإذا كان أكثر فهذا يعني أن المعادلة الاقتصادية سليمة ، و إذا كان أقل فهذا يعني أن هناك خلل .

إذن المطلوب أن تعمل الدولة بمؤسساتها المختلفة على رفع كفاءة كل من يدخل إلى سوق العمل ، وهذا يعني برامج تدريب في كل المجالات من أدنى المستويات إلى أعلاها ، هذا يؤدي ببساطة إلى ارتفاع كفاءة الداخل الجديد إلى سوق العمل وهذا يعني رفع انتاجيته وهذا يعني بالتبعية  أن رفع الحد الأدنى للأجور لن يكون سببا في اختلال المعادلة الاقتصادية ، بل سيكون  عائدا طبيعيا لزيادة الإنتاج .

هنا السؤال الآخر ، هل نحن مستعدون لأي من الخيارين في هذه المرحلة ، ظني أن مزيجا من الخيارين في المرحلة الأولى هو الخيار الأكثر واقعية ، الرفع المحدود للحد الأدنى للأجور مرتبطا  ببدء إجراءات حقيقية  وملموسة لبرامج تدريب مدروسة تشارك فيها كل مؤسسات الوطن الرسمية والخاصة ، وهذه هي البداية الحقيقية الصحيحة لهذا الأمر.