المواطنة أمينة شفيق

بقلم   عبداللطيف المناوى

جاء قرار الرئيس مبارك  بتعيين الأعضاء العشرة الذين له حق تعيينهم وفقا للدستور بمجلس الشعب ضابطا ولو جزئيا لبعض الخلل الناتج عن الانتخابات ، ولكني شخصيا أعتقد أن أحد أهم الشخصيات التي فرحت بوجودها بين المعينين هي الأستاذة أمينة شفيق ، وعندما أقول الأستاذة فإنني أعني ذلك بحق ، التقيت بالكثيرين خلال عملي أو اهتماماتي بالقضايا العامة ، كان من أكثر من وجدتهم رسوخا على مبدأ، وعملا من أجل الآخرين بقناعة كانت الأستاذة أمينة شفيق ، ورغم أن الوصف السياسي لها هو أنها  يسارية الاتجاه إلا أنني أظن أنها تجاوزت منذ عدة سنوات ذلك التوصيف السياسي الضيق ، وخرجت من اليسار أو اليمين إلى مساحة الإنسانية والوطنية .

يصفها من يعرفها بأنها يسارية لم تحد أو تقايض على يساريتها وتعلن انحيازها للفقراء ، ويرى الكثيرون أنها من أكثر الفئات الهامشية  ومن أكثر الصحفيين الذين اهتموا بالعمل الأهلي ، ولم تخلط  في يوم من الأيام  بين موقفها السياسي أو انتمائها الحزبي وخدمة من تلتزم ناحيتهم ، كانت تحصل على أعلى الأصوات من كل الاتجاهات في أي انتخابات نقابية ، فالجميع يحترمها ويقدرها ومن يختلف معها لا يمتد اختلافه في أي لحظة من اللحظات إلى ذلك الاحترام والتقدير .

آخر مواقفها التي تعبر عنها وتتسق مع شخصيتها عندما أعلنت منذ فترة طويلة عن رغبتها في خوض الانتخابات ، واتخذت خطوات بالفعل ولكن ما إن أعلن الحزب الوطني الديمقراطي الذي ليست هي عضويته عن ترشيح الدكتورة مديحة خطاب زميلتها في المجلس القومي للمرأة على نفس المقعد ، حتى قررت أمينة شفيق الانسحاب  من المنافسة على مقعد جنوب القاهرة لأنها لا تحتمل مشهد تتنافس فيه امرأتان تعملان من أجل المرأة على نفس المقعد ، فآثرت الانسحاب احتراما لقيم التعاون والتضامن من أجل المرأة لأنها كما ترى أن في ذلك خدمة لقضايا المرأة .

أظن أن امينة شفيق هي أكثر الصحفيين وأكثر العاملين في مجالات العمل العام ـ وقد تعاونت معها في هذا المجال ـ  الذين جابوا قرى مصر ، سارت على قدميها ، وتحدثت مع أهلها وخبرتهم عن قرب دون حواجز أو حراسات ، لم ألتق من بين المهتمين بشأن المواطن المصري مثل أمينة شفيق .

تقول أمينة شفيق عن نفسها ” أنا من مواليد القاهرة .. أهتم بالمرأة الريفية و المهمشة والعشوائيات، ليس لي علاقة بالشياكة ولا أعرف الصالونات، ولكنى أعرف أنني أعمل وعندما أتعب أنام، فأنا امرأة مكافحة تعمل بجد ـ مش هانم ـ  أنا موطنة مصرية بسيطة، بنت بلد جدعة أعرف في الأصول جيدا ” ومن وجهة نظرها أن المبادئ  تساوي الضمير .

مرة أخرى أظن أن الأستاذة أمينة شفيق إحدى النقاط المضيئة القليلة في تجربة البرلمان الجديدة .

درس البرلمان الأول

بقلم   عبداللطيف المناوى

     25 نوفمبر 1866  ، هو أحد الأيام المهمة في تاريخ الشرق الأوسط كله ، حيث تم فيه الافتتاح الرسمي لأول برلمان مصري  ، وأول برلمان في العالم العربي والشرق الأوسط ، وإفريقيا ، في ذلك اليوم  أرسل  الخديوي إسماعيل خطابا إلى نوبار باشا رئيس مجلس النظار يبلغه فيه رغبته في تشكيل مجلس شورى النواب ، وأصدر أول قانون للانتخاب وجعل حق اختيار أعضاء مجلس شورى النواب في الريف للمشايخ الحائزين على الأوصاف المعتبرة ، والمنتخبون من طرف أهالي البلد فى المدن القاهرة  و الإسكندرية ودمياط والسويس ومدن القنال يصير اختيار النواب باتفاق أعيان تلك المدن ، وبالفعل تم اختيار 75 نائباً في أول برلمان مصري ، وذهبوا إلى القلعة حيث مقر البرلمان الجديد وحضور جلسة افتتاح البرلمان لأول مره في تاريخ الحياة البرلمانية فى البلاد.

ولما دخل رئيس البرلمان  ليلقي عليهم الدرس الأول في أصول الإجراءات البرلمانية قال لهم إن  الخديوي يرغب في أن يكون هناك حزبان أحدهما يؤيد الحكومة ويجلس على يمين المنصة التي يجلس عليها رئيس مجلس شورى النواب والأخر يمثل المعارضة ويجلس على يسار المنصة طبقاً للتقاليد البرلمانية ، وقبل أن يدخل الخديوي ذهب إليهم رئيس البرلمان مرة أخرى ليلقي نظرة فوجد النواب جميعاً قد جلسوا على يمين المنصة ،  فثار عليهم ، فرد عليه النواب كيف يخطر ببالك يا باشا أن يكون بيننا معارض لأفندينا فأقنعهم أن هذه هي التقاليد البرلمانية ورغبة من أفندينا ونجح في إقناع بعضهم بالفعل أن يجلسوا على يسار المنصة في مقاعد المعارضة ، وحضر الخديوي فى موكبه الرسمي ومعه كبار الدولة ليفتتح أول برلمان مصرى ويلقى البيان الخديوى   ، وتبدأ أولى صفحات البرلمان في مصر .

مصر واحدة من أقدم الدول في العالم التي كان لديها برلمان ، بل وتقول البرديات القديمة بوجود برلمان أيام الفراعنة ، وقد شهد البرلمان المصري عبر مسيرته الممتدة العديد من التطورات التي مثل كل منها علامة فارقة على طريق إقامة الحياة النيابية السليمة التي تعبر تعبيراً حقيقياً عن مصالح وتطلعات الشعب المصري بمختلف فئاته وطوائفه عبر هذين القرنين من الزمان.

مصر بلد عريق في الديموقراطية  ، ونتمنى ـ دائما ـ أن نصل إلى ذلك اليوم الذي يكون لدينا فيه برلمان متفق ومتسق مع مصر وتاريخها .

حديث عن سيناء قبل حلول الموسم

بقلم   عبداللطيف المناوى

للكلام في مصر مواسم ، في أكتوبر يبدأ الحديث عن نصر أكتوبر ، أو بطولات المصريين التي أهملنا البحث عن وسيلة أو عمل يؤرخ لها ولهذا النصر العظيم كما حدث ويحدث في مختلف بقاع العالم ، يبدأ الحديث عن أهمية مثل هذا العمل ، ولماذا لم يحدث حتى الآن ، ثم .. يخفت الحديث إلى أن يتلاشى ليجتمع من جديد مع اقتراب أكتوبر التالي .

وفي أعياد القيامة وأعياد الميلاد نبدأ الحديث عن الإخوة الأقباط ، والنسيج الواحد ، ثم يخفت الحديث ، أو يتلاشى ، حتى يأتي عيد جديد ، أو أزمة أو مشكلة أو حادث طائفي فنبدأ من جديد الحديث عن النسيج الواحد وأبناء الوطن الواحد ، وكيف سرت الفتنة ، و مكامن الخطر ، وأساليب العلاج ، ثم يخفت الحديث إلى أن يتلاشى مع الأيام حتى تبدأ أزمة جديدة .

والوضع في سيناء ليس مختلفا عن هذا النسق العام في تعاملنا مع الأشياء ، حتى لو كانت مصيرية ، فمع ذكرى 25 إبريل ـ ذكرى عودة سيناء ـ  أو مع أي ازمة في سيناء ـ وهي  متعددة في الفترة الأخيرة ـ نبدأ الحديث عن ذلك الجزء الغالي من الوطن ، عن سيناء أرض الفيروز ، وكيف نعمر سيناء ، والعمق الاستراتيجي ، وعرب سيناء ، وبدو سيناء ، ومشكلات سيناء ، ثم .. يخفت الحديث إلى أن يتلاشى مع الأيام ، وفي محاولة لتغيير ما اعتدنا عليه من الحديث في مواسم الكلام أبدأ قبل الموسم ببعض الوقت ، راجيا استمرار الحوار إلى ما بعد انتهاء موسم الحديث عن سيناء .

اهتمامي بسيناء متعدد المستويات :  شخصي ، وعملي ، واهتمام بشأن عام يمكن أن يتحول في مرحلة ما إلى أزمة حقيقية يصعب التعامل معها ، وسيناء هي أحد المفاصل التي يمكن من خلالها التأثير سلبا في استقرار هذا الوطن أذا ما أسأنا التعامل معها ، وأحسن الآخرون التعامل معها بشكل جيد ، فلم يعد خافيا على أحد أن استقرار هذا الوطن مستهدف من أطراف عدة ، ولن ينجح هذا الاستهداف ما لم يجد تربة خصبة ومهيأة للنجاح ، وإفشال هذا الاستهداف لا يتأتى إلا بالتقييم الصحيح والحقيقي للأمور ، ومعالجتها بجدية وأسلوب علمي.

وأعود للحديث عن سيناء ، ولعله من المناسب استعراض الوضع الحالي في سيناء ، و الصورة التي سأستعرضها هي نتيجة حوارات مع متخصصين ومهتمين بالوضع هناك ، وحوارات مع مصريين من أبناء سيناء .

نظرا لوقوع سيناء على الحدود الشرقية مع إسرائيل وغزة فهي دائما في حالة توتر ، ولأن أبناءها يشعرون أنها عانت طويلا من حروب متلاحقة لكنها لم تأخذ كما أعطت من دم أبنائها ، فهي في حاجة إلى رعاية خاصة ، وعلى الرغم من التحول الإيجابي النسبي الحادث في تعامل الدولة مؤخرا مع ملف التنمية في سيناء ، إلا أن أهلها  يشعرون بغياب اهتمام الدولة بهم رغم ما يقال عن مشروعات التنمية في المناسبات الوطنية ، ويتبدى ذلك في غياب مشروعات التعليم والصحة والتموين و الزراعة والنقل كمشروعات كبيرة وجادة ، ومثل هذه المشروعات تحتاج إلى استثمارات دولة عملاقة وليس استثمارات أفراد أيا ما كان حجمهم .

إذن المصريون من أهل سيناء  يرون أن التنمية في سيناء مجرد كلام في المناسبات لكنها غير موجودة على أرض الواقع ، ورغم أن الدولة أعلنت عن مشروع التنمية منذ 15 عاما إلا أنه لم يحدث شيء حتى الآن ، فهم يرون أن مشروعات التنمية وهمية مثل خط السكة الحديد من الاسماعيلية إلى بئر العبد والذي تكلف 320 مليون جنيه وهو متوقف منذ إشائه بعد سرقة قبضانه ، كما لا يشعرون بفارق أحدثه مشورع ترعة السلام الذي أعلن عنه منذ عام 1992 لاستزراع 400 ألف فدان وتوطين 3 ملايين نسمة ، فالخدمات ما زالت ضعيفة

أيضا يعاني المصريون من سكان سيناء من غياب التغطية الصحية فالمستشفيات ترفض استقبال المرضى والمصابين لعدم توافر الإمكانيات ، فمثلا مستشفى بئر العبد ترفض استقبال مصابي الحوادث وتحولهم إلى مستشفى العريش ( 100 كيلو متر ) الذي يعود ويحولهم مرة  ثانية إلى الاسماعيلية يكون المصاب قد مات  ، كما يعانون من ضعف مستوى التعليم ، فالمدارس قديمة وقليلة العدد كما أن الرقابة على العملية التعليمية غائبة تماما ، وهو ما أدى إلى زيادة الإقبال على المدارس الفنية التي تخرجهم بكفاءة معدومة .

أدى هذا في المقابل إلى تفشي البطالة لانعدام مشروعات القطاع الخاص واقتصار التوظيف على الدولة ، وهو ما ساهم من ناحية أخرى في انخراط الشباب في الجماعات المتطرفة ، وفي حالة وجود قروض ممنوحة للشباب فهي ضعيفة وصعبة الشروط ، حيث تشترط تنازل الشاب عن حقه في العمل بالجهاز الإداري للدولة .

يعاني المصريون من سكان سيناء من عدم كفاية كميات الدقيق المخصصة لسيناء وهي كمية ثابتة منذ اكثر من خمس سنوات ، كما أنها تقسم حصتين الأولى توزع على المخابز والثانية على الأهالي للخبز المنزلي ، وهناك اعتقاد أن الدولة تحل المشكلة في القاهرة على حساب الأقاليم  ، أيضا بالنسبة للزراعة وهي النشاط الوحيد الذي يعمل به شباب سيناء الآن ، لكنهم يعانون من الأسمدة الفاسدة والمهربة في ظل غياب كامل للإرشاد الزراعي وهو ما أضعف خصوبة الأرض الضعيفة أصلا ، و رغم  إعلان الدولة أكثر من مرة عن خطة لزراعة سيناء إلا أن الخطة لا وجود لها على أرض الواقع ، فضلا عن غياب تسويق هذه المزروعات لغياب التعاونيات والتوجيه الزراعي ، وهناك تخوف لدى سكان سيناء من أن تنزع الدولة مساكنهم وأراضيهم لتمنحها لمستثمرين إثناء تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع ترعة السلام الذي يمر وسط مساكنهم  ، كما يشتكون من مشروع حصر ممتلكات الدولة التي قامت به الدولة في التسعينات والذي يعتبر ما بني بعدها أو زرع هو اغتصاب لممتلكات الدولة لم يراع تخوم القبائل ولا توسعات قرى البدو الطبيعية

من الناحية الأمنية فهناك سوء نية متبادل بين سكان سيناء وبين الأمن ، فالأمن يرفض التدخل في خلافات البدو ، في ظل عجز القضاء العرفي في بعض الأحيان ، كما يشكو المصريون من أهل سيناء من التعامل الأمني السيء معهم و الاسترابة الدائمة فيهم وتفتيشهم بطريقة مهينة من وجهة نظرهم واحتجازهم في الكمائن بالساعات والقبض العشوائي عليهم ، و عدم احترام الأمن لشيوخهم ونسائهم وهو ما يتضاد مع تقاليدهم وعاداتهم .

كما يشكو العديد من أهل سيناء من النظرة المتدنية لهم في بعض سائل الإعلام ما بين اتهامات بالتخوين أحيانا ، والنظر إليهم بعنصرية من ناحية أخرى على اعتبار أنهم بدو ، أو النظر إليهم والتعامل معهم بشكل فولكلوري ، أو تذكرهم فقط في المناسبات الوطنية .

ما فات هو بعض النقاط المهمة في توصيف الواقع حتى لو كان توصيفا صادما، وعندما نطرح هذا الواقع فإننا نحاول استحضارالأساليب التي يمكنها التعامل مع هذا الواقع لتغييره ، وسوف أضع بعض النقاط التي في ظني أنها واجبة الحضور ونحن نتعامل مع هذا الملف المهم ، من أهم هذه النقاط التأكيد الدائم في كل مستويات الحوار الإعلامي و الثقافي و السياسي على ترسيخ مفهوم أن سيناء جزء من الأمن القومي المصري ، وأن سيناء هدف دائم في رأس إسرائيل ، و التأكيد على مصرية سيناء ، وأنها جزء من مصر ولا يتم الحديث باعتبار أن سكان سيناء ” بدو ” ، إنما باعتبارهم ” المصريون في محافظتي سيناء المصريتين ” ، وجزء من نسيج الوطن ، كما يجب التحذير من خطورة قضية تبادل الأراضي ، كحل إقليمي ، وكشف ألاعيب أي دولة  للعب دور في هذا الملف أو اكتساب مساحات على حساب مصر أو الأراضي المصرية ، وهذا موضوع آخر يجب التوقف أمامه أيضا .

أيضا ينبغي تصحيح الوضع الخاص بوضع شيخ القبائل و المجاهدين ، وإعادة خلق وضع اجتماعي واقتصادي وقيمي مناسب لهم خاصة وأنهم لعبوا دورا لخدمة  الوطن في المراحل الزمنية المختلفة ، وذلك عن طريق دعمهم ماديا ، وتحسين المعاشات  ، وتمليكهم الأراضي ، وتحسين صورتهم الاجتماعية ، كما ينبغي متابعة انتخابات الشياخات ودعم المجاهدين وذوي الحس الوطني ، خاصة مع انهيار العزوة بسبب انهيارالدخول ، وسيطرة بعض البلطجية  على مقاعد الشيوخ (كان عدد الشيوخ في البداية 13 شيخا ، وصل العدد الآن إلى 140 شيخا ) ، كما يحب السيطرة على التلاعب بالأعراف البدوية ولي العنق من أجل المصالح الشخصية للبعض ، و التعامل مع الفراغ في سيناء على اعتبار أنه فراغ يجب ملؤه ، ويجب إعادة النظر في الترتيبات الأمنية لمنع تهريب السلاح ، وضبط التعامل مع القبائل ذات التوجه العقائدي ، وإعادة النظر في توزيع مصادر الدخل فيما يتعلق بأبناء سيناء فسكان السواحل يعيشون بمصادر دخل عالية نتاج الزراعة والصيد ، ، والجنوب من السياحة ، فيما يعاني سكان الوسط من انخفاض الدخل .

ما فات هو حديث في غير موعده حسب ما اعتدنا ، ولكنه حديث ينبغي أن يكون دائما ، وحاضرا لأن الأزمة حاضرة دائما حتى لو بدا غير ذلك .

لا تحرقوا البلد

بقلم   عبداللطيف المناوى

سواء أسلمت كامليا شحاتة أو لم تسلم ما الفارق ؟ تنصر محمد وأصبح جورج أو لم يتنصر أيضاً ما الفارق ؟ ما هذا الذي نفعله بأنفسنا ، لماذا نحرق وطننا بأيدينا ، لماذا نطلق الرصاص على أقدامنا ؟

تخرج علينا الصحف التى لا أريد أن أشكك فى نواياها ، ولكنها تهم فى إشعال الفتنة فى البلاد ، تخرج هذه الصحف لتتحدث عن اختطاف زوجة كاهن ، لإجبارها على الإسلام ، تخرج المظاهرات الغاضبة التى تندد بالإضطهاد وتطالب الدولة بالتدخل لإنقاذها زوجة الكاهن . وفجأة تعود زوجة الكاهن وتتحدث ذات الصحف عن تحرير زوجة الكاهن من خاطفيها ، والمؤامرة على المسيحية . وعلى الطرف الآخر تخرج صحف أخرى فى اتجاه آخر ولكنها ليست أقل إضراراً من الصحف التى ذكرتها أولاً ، تتحدث عن الوثائق الأمنية التى تؤكد إسلام زوجة الكاهن ، وتشير الى تورط الأجهزة الأمنية فى جريمة اختطاف زوجة الكاهن ” المسلمة ” من مخبأها وأعادتها إلى الكنيسة ، ويخرج علينا أحد الأشخاص يطلق على نفسه صفة ” الشيخ ” ليبشرنا بأنها أسلمت على يديه ، وانها أخفت إسلامها منذ أكثر من عام ، ويخرج علينا كاتب لبنانى قائلاً ” الله معك يا كامليا ،  فلا تحزنى ” وتبدو الساحة وكأنها ساحة قتال بين أبناء الوطن مسيحيين ومسلمين ، معركة كبيرة ، جنازة كبيرة ، على ماذا ؟

فليسلم من يريد وليتنصر من يريد . ماذا يضير الإسلام أن يتنصر منه عشرات ـ حسب معظم الاحصائيات العاقلة سنوياً ـ لأسباب مختلفة ما بين مصلحة ومادة وعقيدة ، فليس هذا انحسار للإسلام ولا حرب عليه ، وليس دليلاً على أى شئ .

وإذا أشهر عدة مئات من المسيحين إسلامهم ـ حسب الإحصائيات العاقلة أيضاً سنوياً ـ لأسباب مرتبطة بأسباب عاطفية أو مادية أو عقائدية فلن يؤثر ذلك فى المسيحية وقوتها ، ماذا  يضير الإسلام أو المسيحية انضمام نفر من هنا إلى هناك أو العكس ، لكن الأكيد أن استخدام مثل هذه الحالات لاشعالها فتنة لا يتفق لا مع الإسلام ولا مع المسيحية .

فلتصبح جورجيت فاطمة ، أو يغير محمد اسمه الى جورج ، هم أحرار ولكن لا تحرقوا البلد بسببهم .

 

 

أراضي للسرقة

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد العيوب الرئيسية التي نعاني منها في مجتمعنا أننا لا نستكمل أبدا ما نبدأ ، تبدأ معنا الأمور كالنار الثائرة ، تبدو وكأنها لن تهدأ ، ثم تخبو وتتحول إلى رماد ، وفي أحيان عديدة رماد لا يحمل تحته جمرات ، بل تنتهي الأمور تماما .

مثل هذه الحالة نعاني منها أيضا في إعلامنا ، نبدأ مع قضية ما ، يبدو  معها الأمر  وكأنها قضية ساخنة تحمل داخلها العديد من التفاصيل و التطورات  ثم سرعان ما تهدأ خلال يومين أو ثلاثة ، وننسى ما فات حتى تنطلق أو تنفجر  مرة أخرى من جديد ، وهذا جزء مما يراهن عليه الآخرون معنا عندما يكون لسان حالهم ” دعوهم في انفعالهم فإنه إلى هدوء أكيد ” .

أحد الموضوعات التي ثارت في الفترة الأخيرة كانت القضايا المثارة حول أراضي الدولة ، وبدأت العديد من وسائل الإعلام المختلفة في تناول هذه القضية من زوايا مختلفة ، وأيضا قصص متعددة من يرصد هذه المعالجات في الفترة الأخيرة ـ ولا يعلم هذا الجزء من ثقافتنا ـ يعتقد أن الحملة مستمرة ، ولن تقف إلا عند الوصول إلى نتيجة ، ولكن ما حدث ويحدث وسوف يحدث أن الأمور هدأت وسكنت .

عندما قرأت في عدد الأمس من الأهرام المسائي في صفحته الأولى التقرير الخاص بالمخالفات الحادثة في أراضي  طريق الصعيد ـ البحر الأحمر والذي كتبه الزميل علي محمود تذكرت كل ما ذكرته في مطلع هذا المقال ، وتمنيت أن يكون هذا التقرير واستمرار التعامل مع القضايا التي تهم الوطن بشكل مستمر وبقدر من المتابعة ، تمنيت أن يكون هذا عرض دائم وليس عرضا وقتيا ، خاصة وأنه على الرغم من هدوء عاصفة الحديث عن عن الاستيلاء على أراضي الدولة ، فإن عمليات الاستيلاء في حد ذاتها لم تتوقف ، وبالتالي فما أتمناه استمرار هذه الحملة الإعلامية بشرط أن تكون موثقة ومؤكدة وأن يسود فيها منطق البحث و التقصي و ليس الانطباعات أو تصفية الحسابات أو المعارك نيابة عن الغير .

ما ذكره التقرير المنشور بالأمس هو جد مهم وخطير وجزء مما فيه ذكره لي من قبل اللواء عمر الشوادفي رئيس الجهاز الوطني لتخيط استخدامات أراضي الدولة ، فصقور الأراضي تحدد من أين تؤكل كتف أراضي الدولة ، ترصد المشروعات المهمة التي تعني زيادة كبيرة في أسعارها وتنطلق لتخلق حولها واقعا وتاريخا مزيفا لتثبت ملكية ليست موجودة ، أو تتحايل للتوصل إلى عقود شراء أو تخصيص تستغل فيها ضعاف النفوس في المناطق المرشحة لارتفاع أسعارها ، وطرق القاهرة الاسكندرية الصحراوي ، أو الاسماعيلية أو السويس والآن الصعيد هي شهود على ما أقول وتحتاج من الزملاء الصحفيين العمل من أجل كشف ما يحدث هناك بأسلوب موثق وتحريات صحفية أمينة لا تهدف إلا إلى الصالح العام .

أذكر هنا قصة حكاها لي اللواء عمر الشوادفي رئيس الجهاز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة عندما توجه شخص ما إلى أجهزة الدولة المتعددة مدعيا وضع يده على آلاف من الأفدنة ، الصدفة وحدها جعلتها على جانبي طريق الصعيد البحر الأحمر ، حدث ذلك بمجرد بدء الحديث و التخطيط للمشروع ، وأتى بأوراق مزيفة و اشترى زرع جاهز ونشره في الأرض التي يدعي وضع يده عليها ، والصدفة جعلتها على جانبي طريق الصعيد البحر الأحمر ، تم إحباط هذه المحاولة ومحاسبة من شارك فيها ، ولكن ظلت هذه الأراضي وغيرها هدفا لصقور الاستيلاء على أراضي الدولة .

و في الوقت الذي تتسلم فيه وزارة الاستثمار الشهر المقبل المخططات التفصيلية للمشروعات الاستثمارية التي ستقام على جانبي طريق الصعيد ـ البحر الأحمر بطول 412 كيلو مترا في مختلف المجالات تكشفت مفاجآت جديدة في المشروع مثل قيام مجموعات من المواطنين و المستثمرين بوضع أيديهم على مساحات من الأراضي على جانبي الطريق ووضع لافتات بأسماء شركات وهمية وأسماء تحمل مسميات وظيفية عليا مثل مستشار ولواء وغيرهما بهدف الاستيلاء على أراضي الطريق .

مرة أخرى دعوة لكل من يهتم من الزملاء الصحفيين ، ومن جهات الدولة المختلفة بالاستمرار في رصد ما يقع من مخالفات ، ورصد ما  وقع من قبل من مخالفات من أجل حماية حقوق هذا الشعب .

الجريمة

بقلم   عبداللطيف المناوى

تتعدد الجرائم ، وعلى الرغم من كونها جرائم إلا أن هناك جرائم تشعر نحوها بقدر من اللامبالاة ، ولكن هناك جرائم لا تمتلك إلا أن تنظر نحوها بقدر من القرف والغضب ، من بين هذه الجرائم ـ حتى لو لم توصف بعد كجريمة ـ المتاجرة بقرارات العلاج على نفقة الدولة ، ومما يزيد حالتي الغضب  والقرف ـ عذرا لاستخدام هذا التعبير ـ هو أن بين من تورط في هذه الجريمة من افترضنا فيهم أنهم يمثلون الأمة ، ويمثلون مصالح الشعب ومصالح الناس ، فإذا بهم يتاجرون بهذه المصالح ، بل ويتاجرون بآلامهم وأمراضهم ويسرقون حقوقهم في العلاج .

إن قضية العلاج على نفقة الدولة والتي تفجرت منذ فترة كان ينبغي التعامل معها بشكل أكثر حسما وأسرع في اتخاذ الإجراءات ، كان ينبغي الكشف منذ اللحظة الأولى التي يتم فيها التبين من هذه التجاوزات بل من هذه الجرائم عن كل من تورط فيها ، كان ينبغي نشر كشف بأسماء كل من تورط في هذه الجريمة ، كشف بأسماء من ثبت انهم تاجروا في الأمر هذا الشعب الطيب الذي اعتاد أن يعطي ثقته لمن يظن أنه يعمل من أجله بحق .

مطالبة عدد من نواب الأغلبية بضرورة اتخاذ إجراءات سريعة وفورية بفصل النواب المنتمين للحزب الوطني من عضويته هي دعوة ينبغي على  قيادات الحزب الاستجابة السريعة والفورية لها ، لا مجال للانتظار ضد هؤلاء النواب بعد إحالة أوراقهم وما تحمله من مخالفات صارخة بشأن قرارات العلاج على نفقة الدولة وحصولهم على الملايين من الجنيهات على حساب المرضى الفقراء . وينبغي محاسبة من تورط مع هؤلاء داخل وزارة الصحة .

صحيح أن الملف تمت إحالته للنائب العام ، ويصح هنا القول بأن يحدث ذلك متأخرا  أفضل من ألا يحدث أبدا .

إن ملف العلاج على نفقة الدولة هو إهانة للنواب جميعهم ، وينبغي تبرئة ساحة الشرفاء منهم بكشف المتورطين ، وينبغي نشر كل هذا على الرأي العام حتى يعلم ما مصير من تاجر بالأمة .

لكي يرضى عنكم الناس

بقلم   عبداللطيف المناوى

سألت نفسي سؤالا , ماذا يمكن أن تفعل الحكومة – أية حكومة – لكي يرضي عنها الناس ؟ واستعرت جزءا من إجابة سبق ان كانت محور حديث لي مع صديق , هذه الإجابة تفترض القادم , متى يرضي الناس في أي وقت عن حكومتهم , وعندما اتحدث عن الناس فانني اعني معظم الناس بدرجات متفاوتة , ليس هذا بسبب عيب في تكوين الناس  , او تعلية لطبيعة ونوع الحاكمين , ولكنها الطبيعة البشرية التي نبحث دائما عن سقف أعلي للتطلعات , ولكن الأزمة تكون عندما يكون العيب في الحكومة وليس من الشعب , عندما تكون متطلبات الناس ممكنة وتعجز عنها الادارة , او عندما تفشل الحكومة في ان تحوزعلي رضا الناس .

بتطبيق ما فات علي أوضاعنا المصرية فيمكن القول ان الازمة الحقيقية في العلاقة بين الحكومة والناس تتمثل في لغة الخطاب من الحكومة الي شعبها , وتتمثل في قدرة الحكومة على جذب الانتباه الي ما تفعل من ايجابيات , وعندما تغرق نفسها في اخطاء صغيرة تفسد ما تفعله من إنجاز, الخطأ الاخر الذي تقع فيه الحكومة عندما لا تركز علي وسائل ارضاء المواطن البسيطة والممكنة , وهي وسائل لو استطاعت ان تضع يدها عليها لتمكنت من أن تكسب المواطن معها مشاركا ودائما لها في مواقع الانجاز الاخري بدلا من الوقوف موقف المناوئ الناقد لها .

يبدأ هذا الاسلوب بتحديد مناطق تعامل المواطن مع الحكومة , ابتداء من الميلاد وحتي الوفاة , ويمكن تحديد بعضها بسرعة عندما نبدأ بمكتب الصحة الذي تخرج منه شهادة الميلاد , الي المستشفي الذي يعالج فيه الطفل إلى إدارات التعليم التي يتعامل معها الاهالي , الي مكاتب الضرائب , واقسام الشرطة وإدارات المرور , ومكاتب الجوازات والسجل المدني , وغيرها من المصالح الحكومية او المتصلة بالحكومة التي يتعامل معها المواطن في حياته كلها , وقبل ان نحدد المطلوب دعونا نغمض أعيننا للحظة ونتخيل حجم معاناة المواطن في كل ما ذكرت من أماكن , وغيرها مما لم أذكر , وأترك لكم تصور ما يحدث وما يلقاه المواطن من معاناه ,وتخيلوا معي لو قررت الحكومة كبداية في خلق جو من الثقة بينها وبين المواطن أن تبدأ بإصلاح أحوال هذه الأماكن , وقررت ان تيسر علي المواطن في كل هذه النقاط – نقاط التماس المباشرة لها مع الجمهور – في حياته , وان يجد موظفا مبتسما , ومكتبا نظيفا , وانهاء سريع لاجراءاته واوراقه المطلوبة .

تخيلوا معي لو شعر المواطن أن الحكومة وضعت نصب عينها – وعرف ذلك وشعر به – ان تجعل حياته في هذه المناطق البسيطة اسهل وايسر ، تخيلوا معي ماذا يمكن ان يكون شعور المواطن في هذه الحالة تجاه حكومته ؟ لا اقول ان هذا يحل المشكلة , ولا اقول أن الحكومة بذلك تكون قد حلت مشكلتها مع الناس , ولكنها بداية لكي يشعر الناس ان الحكومة بحق معنية بمعاناتهم , والتالي لذلك ان يشعر المواطن ان الحكومة حكومته , وان مشكلاتها هي مشكلاته , وان انجازاتها هي انجازاته ,

دعونا نجرب .

الشخصية المصرية .. إلى أين؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا يستطيع أحد أن ينكر وجود حالة  من الهجوم على الشخصية المصرية بدأت تظهر في الإعلام في الفترة الأخيرة  ، على سماتها ، على تكوينها ، حتى على ما حققته ، رغم ما تتمتع به ، وما حققته وحفرته في سجلات التاريخ  ، بدأت هذه الحالة تظهر ، وتتزايد ، في الوقت الذي يتم فيه التقليل من قيمة أي إنجاز يتم تحقيقه على أرض الواقع  ، بل والتشكيك في حدوثه .

وطوال الوقت هناك حالة من الترقب والهجوم من ناحية ، والبناء في صمت من جهة أخرى ، في مجالات متعددة ، ومختلفة ، ودائما يفاجئنا الشباب الذين لا نتوقف عن انتقادهم بأن يقدموا لنا إنجازاتهم في مجال أعمالهم سواء كان في السياسة أو الاقتصاد أو في مجالات العمل المختلفة ، دائما تجد مصريا يفوز بجائزة دولية هنا ، ومصري آخر يتم تكريمه في دولة أخرى ، وثالث يتم اختياره من أفضل خمسة أو عشرة في مجال ما على مستوى العالم ، يحدث هذا بالتوازي مع الهجوم المستمر على الشباب ، وعلى الجيل الجديد تحديدا ، واتهامه بأنه لم يحقق شيئا ، وأنه جيل مرفه لا يقدر قيمة العمل ، بالإضافة إلى اتهامات بفساد المحيط العام الذي أثر على فساد الجيل الجديد كله ، يتوازي المشهدان في مخيلتي ، وأنا أرى هذا في ناحية  وهذا في ناحية أخرى ، وفي كل مرة أرى المشهدان أقول متى يتوقف هؤلاء المهاجمون ، حتى يعطوا هؤلاء الشباب الفرصة لكي يثبتوا ذواتهم ، ويثبتوا للجميع أنهم قادرون على بناء حلمهم بوطن قوي قادر ، يفتخر بأبنائه علماء ومهندسون ومعلمون وأطباء .

وربما لا يكون الهجوم يستهدف فئة عمرية واحدة فقط بل يتمدد ليشمل هجوما على مشروعات وطنية ، قومية ، ربما تؤدي بشكل غير مباشر إلى أن تسود حالة من الإحباط بين الجيل الجديد ، وبين كل من يساعد في بناء الوطن  ، وهم يرون ، حسب ما يقدم لهم ، في وطنهم سيء ، وناقص ، و قبيح .

 لست هنا ضد النقد وتصحيح الأوضاع الخاطئة ، لكني أفرق بين النقد والنقض ، انتقاد عمل خاطئ ، حتى يتم إصلاحه ، ويعود في صف بناء الوطن ، والذين يبنون الوطن ، والنقض الذي لا يهدف إلا إلى الهدم ، لست ضد مهاجمة الفاسد ومعاقبته ، لكني ضد تجويل كل صورة ناصعة إلى أخرى قاتمة

في ظل التساؤلات المزمنة حول التغير الذي لحق بالشخصية المصرية  ، وفي ظل الاتهامات بأنه لا يوجد إنجاز مصري ، في ظل  هذه الحالة العامة من التشكيك والتعجيز والتقليل والهجوم ، التي بدأت تتفشى ، وتنتقل والتي لا تصب إطلاقا في صالح أي طرف ، يجب أن نسلط الضوء على النماذج الحقيقية التي تصلح أن تكون قدوة لشبابنا في مجالات مختلفة ، فهناك جهد مصري حقيقي في أكثر من مكان ، وهناك عرق مصري ، وهناك مستقبل مصري  يطل من هناك ، يجب أن نفخر به ، ونبرزه .

في بعض الصناعات وبعض القطاعات ، إذا نظرنا إليها بنظرة جدية ـ غير متشائمة ـ نجد أن ما  تحقق هو إنجاز حقيقي ، ولمن لا يحبون كلمة إنجاز ، أقول إن هناك جهد مصري حقيقي بأيدي مصرية ، هي نفسي الأيدي التي بنت من قبل الأهرامات والمعابد وأبو الهول ، الأيدي التي بنت من قبل المسلات ، الأيدي المصرية التي  بنت المساجد والكنائس والقلاع والأبواب والمدن التارخية ، الأيدي المصرية التي  حفرت قناة السويس وعمرت الصحراء  ، الأيدي المصرية التي بنت السد العالي و ، الأيدي المصرية التي تعرق وتعمل وتكد الآن من أجل مستقبل أفضل لهذا البلد .

ما أراه هو أنه يجب أن نتفاءل بحجم الجهد المصري ،  بحجم الانجاز المصري ، ، أن نشجع شبابنا ونساعده في حلمه في بناء وطن أجمل ، وأتصور انه من المطلوب ان نعلم الحجم الحقيقي لجهد المصريين ، لعمل المصريين ، لعرق المصريين ، فهذه ثروة البلد ،ثروة المصريين ، ثروتنا جميعا كل من يعملون فيها يفعلون ذلك من  اجل الهدف الرئيسي ، وهو رفعة شان هذا الوطن ، الذي نعيش فيه جميعا ، وحتى نستطيع أن نعيش في مستوى يليق بنا جميعا .

التغير الذي لحق بالشخصية المصرية ، لم يضعفها ، وهو تغير طبيعي نتيجة لتغيرات اقتصادية وسياسية وتكنولوجية ، لكن يجب ألا نجعله معول هدم ، فكل الشعوب تتغير ، فهذه سنة الحياة ، لكنها تسعى أن تجعل تغيرها للأفضل .

يجب أن ننظر قليلا إلى النصف الملآن من الكوب ، وعندما نراه ، نتأكد أن هذا هو إحدى الدلالات المهمة التي تستدعي إعادة التفكير فيما نقوله ، وما نفكر فيه ، وما نسمعه ، وما نكتبه  ، هو إحدى الدلالات التي تطل في النهاية كإجابة  على أسئلة مشروعة  ، هي إحدى الدلالات التي تقول إنه رغم المشاكل الكثيرة التي نعاني منها  ، لكن  هناك شيء جدي على أرض الواقع  يجب أن نقف جميعا إلى جواره .

الفيل ليس أرنبا

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد التعبيرات التي توقفت أمامها مبتسما أمس في حديث لي مع المسئول عن أراضي الدولة عندما قال إن البعض أتي إلى الدولة في يوم من الأيام ، وهو يحمل فيلا ضخما كتب عليه أنه ” أرنب ” ، فصدقته الدولة  ، أو بعض مسئوليها ، وتم التعامل مع الفيل على أنه أرنب ، وخرجت التصاريح  ، وتم تسعير الأراضي ، وتم التخصيص على أن الفيل ليس سوى أرنب ، ومرت السنوات وعاش الفيل وصار أفيالا ، وظل قادرا على إقناع الدولة بأنه مجرد أرنب ، وظلت الدولة تصدقه ـ أو بعض مسئوليها ـ لا نعلم لماذا ، ونريد أن نعلم لماذا .

ما حدث في مصر خلال العقود الأخيرة يحتاج إلى وقفة حقيقية يتم فيها فتح ملفات ما كان من صفقات على حساب أراضي وأملاك الدولة ، نريد أن نعلم كم فيلا تعاملت الدولة معه على أنه مجرد أرنب ، ونريد أن نعلم من من صغار أو كبار مسئولي الدولة تورط بعلم أو بغير علم في ذلك ، والأهم نريد لهذا الوطن ولأبنائه أن يستعيدوا  ما لهم من حقوق ضاعت نتيجة إجراءات خاطئة أو ضعف نظر من لم يستطع أن يميز الفيل من الأرنب .

لا أتوقع مع ما أتابعه من توجه للقيادة السياسية هذه الأيام تجاه هذه العشوائية في التعامل مع ملف املاك الدولة وأراضيها أن يتم اتباع سياسة ” عفا الله عما سلف ”  ، ولنحافظ على ما تبقى ، لا اظن أن هذه السياسة تتفق إطلاقا مع توجهات القيادة السياسية التي ترجمتها ـ أي هذه التوجهات ـ في شكل إجراءات .

للدولة مركز اسمه المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة ، هدفه وفقا لقرار إنشائه التنسيق الكامل بين أجهزة الدولة لتحقيق أحسن استغلال ممكن لأراضيها ، ومتابعة تنمية هذه الأراضي ، وإحكام الرقابة عليها من التعديات ، وأظن أنه ينبغي أن يضاف إلى مهام هذا المركز ـ الذي يرأسه اللواء عمر الشوادفي ـ مهام مراجعة ما فات من إجراءات بيع أراضي الدولة ، وحصر ما تم التعامل معه باعتباره فيلا أو اعتبر أرنبا .

الذي اغتصبوا أراضي الدولة ارتكبوا مخالفات تستحق المحاسبة ، أولى هذه المخالفات انتهاك شروط التعاقد ، فهم أخذوا الأرض لهدف محدد هو استصلاحها وزراعتها ، وهذا هدف ” قومي ” نبيل ننحني له جميعا ـ لو كان قد حدث ـ ، ولذلك تم منحهم الأراضي بأسعار زهيدة ورمزية ، ولن أقول بخسة لأنكم ستقولونها ، لكنهم لم يلتزموا بهذا الهدف ، بل تاجروا في الأرض وتربحوا منها في مشروعات لا علاقة لها بالزراعة ، بل تحولت إلى مشروعات عقارية، وملاعب جولف ـ ولها مقام آخر في الحديث ـ وتجارة أراض بهدف الكسب و فقط ، ولتذهب الزراعة و الاستصلاح و الأهداف القومية ومعها المياه الجوفية ” بالمرة ” إلى الجحيم .

إنها مأساة .

ثورة الشك

بقلم   عبداللطيف المناوى

قال الإمام الشافعي ” وجود الشك هو أصل بداية الخيط لإيجاد الحقيقة ” بمنطوق آخر ، فإن الشك هو أساس اليقين ، هذا النوع من الشك هو شك إيجابي ، فلا سبيل لليقين من الأشياء إلا من خلال بذرة الشك تدفع إلى البحث عن حقائق الأشياء للوصول إلى اليقين ، أيا ما كان هذا اليقين سلبيا أو إيجابيا ، هذا ما يمكن أن نطلق عليه الشك البناء .

النوع الثاني من الشك هو الشك المدان ، وهنا يمكن أن ينطبق عليه مفهوم التشكيك أكثر منه الشك ، ولا تكون الوسيلة هنا هي البحث للوصول إلى اليقين ، ولكن يكون الشك من أجل خلق تلك الحالة من زعزعة اليقين ، وتكون هنا الأهداف واضحة المعالم ، الغرض هو التهديم ، وبكافة الوسائل المتاحة .

هذه ليست مقالة فلسفية ، ولا أسعى هنا لاستعراض مفهوم الشك الفلسفي لدى ديكارت ، أو مفاهيم الشك المختلفة في العلوم الطبيعية ومجالاتها التطبيقية أو العلوم الإنسانية ، ولكني هنا أتحدث عن نوع الشك الذي بات يسود المجتمع ويقود حركته ، وهل يندرج هذا النوع من الشك تحت مفهوم الشك البناء أم الهدام ، ومن يدفع به ـ أي الشك ـ في أي من الاتجاهين .

مع الأسف الشديد نحن نعيش حالة يسود فيها إلى حد كبير مفهوم الشك الذي لا يهدف إلى الوصول إلى اليقين ، ولكن هناك من يدفع الأمور دفعا في اتجاه النوع الآخر من الشك ، من الملاحظ ان هناك حملة دائمة في كل ما يواجه المجتمع من أجل المجتمع من أجل التشكيك فيما يحدث من وقائع .

أنا أؤمن تماما بأهمية البدء بالشك في الأمور ،  من أجل البحث عن اليقين الذي سبق أن أشرنا إليه ، من حقي كمواطن أن أشك مثلا في أسباب وفاة شاب الإسكندرية ، طالبا وضاغطا من أجل البحث عن أسباب الوفاة ، ومن حقي في مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة من استمرار الشك مع ظهور تقارير أولية ليست نهائية من أجل الوصول أيضا إلى اليقين .

ولكن لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة الشك إلى مستويات أعلى ومستمرة في كل ما يحدث من إجراءات ، أو أن أصل بالشك بسبب دفع هؤلاء إلى درجة عدم اليقين في كل ما يحيط بنا ، وكل ما يحدث معنا .

أظن أن حالة عدم  اليقين ، وحالة الشك الدائم في كل ما يحيط بنا ليست  في  صالح هذا الوطن ، وأظن أن من ينظرون إلى الأمور ، بنظرة ضيقة من أجل تحقيق هدف سياسي أو حزبي ضيق ، أو من تسيطر عليه روح انتقام أو عداء للنظام أو للمجتمع ، أظن أن هؤلاء إنما يقامرون بل ويحرقون مستقبل هذا الوطن .

أنا هنا لا أتحدث عن قضية بعينها ، ولكن أتحدث عن حالة تستدعي التوقف للتفكير ، ودق جرس ـ بل أجراس ـ الإنذار ، فثورة الشك  الهدامة إذا سادت لن تبقي بناء دون هدم .