إلى وزير التربية والتعليم: حكاية مستر «تاج»

لا أستسيغ استخدام مساحات الكتابة المتاحة لأغراض ضيقة، أو أمور قد تبدو شخصية، أو تهم حالة أو حالات فردية، لكن فى بعض الأحيان، فإن مواقف قد تبدو للوهلة الأولى أنها فردية، إلا أن التوقف أمامها، وإمعان النظر فيها، يكشف دلالتها التى تتجاوز تصور كونها تمس مجرد شخص، أو أشخاص إلى حدود أوسع ودلالات أكثر شمولاً، لذلك فإننى عندما أكتب اليوم عن “الحكاية” التالية فأنا هنا أشير إلى حالة نعيشها فى مصر، وتخوفات مشروعة، بدأت تسكن نفوس العديد من المصريين، والأهم أنها فى هذه الحالة تتسرب هذه المخاوف، بل تدفع لتسكن عقول أطفال بدأوا مرحلة الحلم فى مستقبل مختلف.hqdefault

منذ أشهر، وخلال العام الأخير، كنت كلما زرت أهلى فى دمياط، أستمع إلى حكايات تتردد عن مدرسة حكومية تجريبية جديدة، قرر عديد من الأهالى هناك أن ينقلوا أولادهم إليها، كلمة السر كانت فى مدير المدرسة الجديدة الذى تمكن من زرع الثقة فى نفوس الأهالى أولاً، أن المستقبل أفضل فى هذه المدرسة الحكومية الوليدة، حتى استطاع إقناع عديد من الأهالى بنقل أولادهم من مدارس خاصة، عندما شعروا أن هناك صوتاً مختلفاً، ورؤية مشبعة بالأمل.

لم ألحظ هذا كثيراً فى المرحلة الأولى، ولكن ما استوقفنى عندما بدأت أسمع من ابنة أختى عما يفعلونه فى المدرسة الجديدة، حيث استطاع مديرها الجديد أن يجعل هؤلاء الأطفال شركاء له فى بناء الحلم المقبل، حكت لى صفا بسعادة، وحماسة، كيف شاركوا فى نقل الأثاث إلى الفصول، وكيف شاركوا فى تنظيف المبنى، والفصول، والملاعب، كل هذا، كان يتقدمهم فيه المدير الجديد الذى أكسب هذه المدرسة، وهؤلاء التلاميذ، روحاً جديدة.

لأول مرة، منذ فترة طويلة، أسمع أن مدرسة حكومية لديها فريق مسرح، وموسيقى، وتهتم بالملاعب، وكل ذلك بمشاركة هؤلاء الأطفال الذين تحولوا من تلاميذ يستيقظون مبكراً “بالعافية”، ليذهبوا مجبرين إلى المدرسة، إلى شركاء فى مدرسة يتطلعون إلى كل يوم جديد، يذهبوا فيه إليها، يستقبلهم “مستر تاج” كما يسمونه على باب المدرسة، بابتسامة عريضة، وترحاب كبير بهم، مؤكداً كل لحظة لهؤلاء التلاميذ، أن جميع من فى المدرسة موجودون لخدمتهم فى كل وقت.

ذكرتنى أختى بأن مستر تاج، هو أخو عماد، رحمه الله، وحسام، وعاش معهم فترة الطفولة والصبا، وكانوا عائلة مختلفة فى التكوين والتفكير دائماً، وذكرتهم بان لديهم أمراً إيجابياً يميزهم عن كل أصدقائنا فى تلك المرحلة، ساعتها أدركت لماذا كان تاج، الذى لم أره منذ أن كان طفلاً، مختلفاً فى أسلوبه فى الإدارة.

منذ عدة أسابيع بدأت أسمع عن أن هناك مشكلة كبيرة، المسؤول الأول عن التربية والتعليم فى المحافظة، دخل فى خلاف مع مدير المدرسة، فقرر نقله منها، وهنا كانت حالة الإحباط العام الذى بدا صغيراً، ولاحظت تصخمه يوماً بعد يوم، ليس لدى الأهالى فحسب، وإنما لدى الأطفال أنفسهم الذين صدمهم الواقع بهدم حلمهم الذى بدأوا يصنعونه.

حاول الأطفال والتلاميذ أن يوصلوا وجهة نظرهم إلى المسؤولين، لكنهم لم يستطعوا ذلك، وبدأوا ينظمون، كما يَرَوْن حولهم، وقفات ومظاهرات، وهو أمر أرفضه شخصياً ما لم يكن فى إطار منظم وشرعى، ولكن على الرغم من ذلك، فإن هذا ما حدث، وكان رد الفعل الرسمى من إدارة التعليم فى المحافظة، كما تردد هو التهديد لهؤلاء الأطفال، بعواقب ما يفعلون، كلام قديم فى زمن جديد، والأكثر من ذلك، بدأ الحديث عن أن المسؤول الأول عن التعليم فى المحافظة “مسنود” من الوزارة فى مصر، المشكلة فى مثل هذا الكلام حتى لو كان غير صحيح، أنه شديد الإحباط للتلاميذ الذين بدأوا يعيشون أجواءً معاكسة، لما عاشوه لأشهر، خاصة مع التراجع عما تم حدوثه من قبل، كفِرَق المسرح، والموسيقى باعتبارها “كلام فارغ”، وبدا لأهاليهم الذين تصوروا أن الأمور تغيرت، أنهم مخطئون، وأنه لا أمل فى القادم.

أنا هنا لا يهمني تفاصيل الخلاف الإدارى أو المخالفة الإدارية التي تقرر على أساسها نقل مستر تاج، بشكل بدا تعسفياً أمام تلاميذه، ولكن ما أقف أمامه هنا هو مسألة إجهاض الحلم عند جيل المستقبل ودفعهم للعودة إلى حظيرة الاعتياد واليأس من المستقبل، وهو ذات التخوف لدى أهاليهم، لا يهم أن يبقى مستر تاج أو أن ينقل، ولكن المهم هو عدم إجهاض الحلم، والبحث عن طريقة يتواصل فيها المسؤولون مع المواطنين، تزرع فيها الأمل فى نفوس الناس سواء أكانوا أهالىأو أطفالاً، وأن القادم أفضل، لا أن يعملوا على هدم القادم، والبقاء “محلك سر”، إن لم يكن تراجعاً حتى عما تحقق.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في مبتدا