العرب ـ إفريقيا

بقلم   عبداللطيف المناوى

إحدى المشكلات الرئيسية التي واجهتنا خلال العقود الأخيرة ، هي تلك النظرة الخاطئة إلى مفهوم المصلحة في العلاقات ، بمعنى هل من المصلحة أن تكون علاقتنا بجيراننا جيدة حتى لو كانوا في مستوى اقتصادي أدنى أو أقل ، أو أنه من الأفضل أن تتعلق عيوننا إلى جيران سبقونا اقتصاديا وسبقونا تكنولوجيا فقررنا بدلا من أن ننظر حولنا أن نعلق عيوننا إلى الأعلى ، فلم نصل إلى ذلك إلى الأعلى في علاقات متساوية أو ندية وخسرنا لفترات طويلة من هم حولنا لأن عيوننا لم ترهم .

هذا النموذج حدث ويحدث لنا في مصر والدول العربية الأخرى عندما تعلقت أعيننا كما ذكرت بالدول الأوروبية  ونسينا الدول الإفريقية ، وعندما يأتي مؤتمر القمة العربية الإفريقية في دورته الثانية فإننا بذلك نبدأ عمله ونصحح بذلك الخطأ الشائع ، فليس السبيل لكي تكون غنيا أن تصادق الأغنياء ، وليس معنى أنك تصادق الفقراء أو محدودي الدخل أن تصبح فقيرا مثلهم  ، ولكن الغنى هو أن تستطيع أن توفق ما بين قدراتك على تلبية احتياجات الآخرين والمحيطين بك ، والذين يمكن أن يقبلوا في بعض الأحيان بظروف أفضل من الآخرين الذين تعلقت أعيننا بهم . .

تظل السوق الإفريقية إحدى الأسواق المهمة والأساسية  للمواد الخام والمواد الغذائية ، وبقدر أعلى من التنسيق في العلاقات بين الدول العربية ـ مصر تحديدا ـ والدول الإفريقية يمكن أن يكون مردود هذا التنسيق أكثر مما لنا أن نتخيل .

أطلب فقط من القراء الأعزاء أن يحضروا خريطة أفريقيا مع العالم العربي الذي جزء من دوله دول إفريقية  ، و ينظروا إليها وسط خريطة  العالم ، ولهم أن يتخيلوا كيف لهذه الرقعة الجغرافية الكبرى أن تصبح  لو ربطتها علاقات مصلحة  اقتصادية  واحدة  ، ستدفعهم  إلى التواجد على ساحة العالم بشكل أفضل  ، وساعتها يمكن لهؤلاء جميعا أن يكونوا أغنياء بعلاقاتهم المتبادلة  .

Advertisements

إثيوبيا محاولة للفهم

بقلم   عبداللطيف المناوى

ذهبت إلى أثيوبيا في محاولة للفهم ، فالمشكلة لدينا هي التصورات المسبقة دائما عن الأشياء والأشخاص و التي تجعلنا أحيانا نصل إلى نتيجة خاطئة ، ومحاولة الفهم كانت محاولة لفهم ما يحدث الآن في ملف حوض النيل ، حول سبب الموقف الإثيوبي ، في محاولة لفهم أين نقف نحن الآن من هذه القضية .

إثيوبيا واحدة من الدول القديمة ، وهي صاحية أطول تاريخ من الإستقلال ـ وإن كان ليس بشكل مستمرـ بين دول القارة الأفريقية، حافظت إثيوبيا على إستقلالها خلال فترة إستعمار أفريقيا . وظلت كذلك حتى 1936 حيث إجتاح الجيش الإيطالي إثيوبيا  ، هزمت القوات البريطانية والإثيوبية القوات الإيطالية عام 1941 ، ولكن إثيوبيا لم تستعد السيادة حتى توقيع الإتفاق الأنجلو-إثيوبي في ديسمبر 1944.

ويربطنا بها تاريخ إسلامي واحد ، حيث كانت الحبشة هو المكان الأول الذي ضم واحتضن المسلمين الأوائل عند هجرتهم الأولى وهربهم بدينهم عند الملك النجاشي وفرارهم من كفار مكة  .

أما أنهار إثيوبيا فتتجه جميعها نحو الغرب وتنتهي في حوض وادي النيل باستثناء نهر أومو الذي يجري في الجنوب ويتجه إلى بحيرة ويجري في الشمال نهر تكيزة أو كما يسمى محلياً «الرهيب» مع روافده هابطاً من جبال ألاسكا. ولكن أكبر أنهار إثيوبية هو نهر آباي، أو النيل الأزرق، الذي يتغذى من بحيرة تانا ومن نهر آباي الصغير أو النيل الزرق الصغير الذي يهبط من جبال شوك ويصب في بحيرة تانا المذكورة.

تبلغ مساحة أثيوبيا 1.127.127 كم2  ، ويبلغ سكانها حوالي ال80 مليون ، وقد تسبب الجفاف المتكرر الذي تعرضت له أثيوبيا في العقد الأخير إلى خسائر بالغة بشرية وبيئية ،  وتتعدد اللغات والعروق البشرية  في إثيوبيا و يرافق ذلك  تعدد في الانتماءات الدينية ، وأصول السكان في إثيوبيا متنوعة جداً. ويؤلف الأمهريون الأكثرية الساحقة منهم ويقدرون بنحو ثلث السكان، ثم يليهم شعوب الغالا ويؤلفون نحو خمسي السكان. ويلي ذلك مجموعات بشرية متعددة الانتماء العرقي والقومي منهم: قبائل التغرة التي تعيش في الشمال، والجماعات النيلية التي تقيم في الجنوب والغرب من البلاد، والعرب الذين يتوزعون على أقاليم أوغادين وصحراء الدناقيل، وغيرهم مثل الصوماليين والدناقيل والسودانيين.

ذهبت إلى إثيوبيا كما قلت في محاولة للفهم ، والحقيقة أننا كلنا في حاجة للاقترال وفهم هذا التنوع الثقافي و التاريخي ، و العلاقات التي كانت موجودة ، والتي نتمنى أن تعود أفضل مما كانت

الجزء الآخر من الصورة

بقلم   عبداللطيف المناوى

يبدأ الخطأ عندما لا أري سوى ما أقتنع به ، ويتضاعف الأثر السلبي عندما أصر على ما أراه ، ولا أحاول أن أجهد نفسي بأن أنظر من زاوية مختلفة من زاوية الآخر ، هذا ينطبق إلى حد كبير على أسلوبنا في التعامل مع دول حوض النيل ، لقد اكتفينا بالتأكيد على ما هو غير قابل للنقاش أو التنازل وهو عدم التنازل عن حق مصر في الحصول على نصيبها وما يكفيها من مياه نهر النيل ، واكتفينا لسنوات طويلة بالتأكيد على هذا المعنى و التقليل من أي رؤية مخالفة لبقية دول الحوض ، ولم نحاول أن نذهب إلى زاويتهم لنرى من خلالها ، ليس لتبني ما يرون ، ولكن لكي نصل إلى رؤية مكتملة ، إلى صورة أكثر اكتمالا تساعدنا على فهم المشكلة من زواياها المختلفة لتمكنا من اتخاذ القرار الصحيح و الخطوات الصائبة نحو حل تلك الأزمة بما يضمن لنا مصالحنا ، وتدفق حقنا من المياه ، ولكن في ذات الوقت دون خسارة أي من العناصر الأخرى من علاقات و استقرار مع دول ليس لنا جميعا خيار سوى أن نتواجد معا إلى الأبد .

جزء من الخطأ في فعلنا في الماضي أننا وقفنا مكاننا نؤكد على ما هو حق لنا في مياه النيل ، نلوح بالاتفاقيات و المعاهدات الدولية التي تنص على حقوق مصر في هذه المياه ، ولم نشغل أنفسنا كثيرا في أن نعرف ماذا يريد الآخرون ، لماذا غضب الآخرون ، هل مواقفهم هذه نابعة عن جهل منهم بهذه الاتفاقيات ، أم رفض لها ، أم تعبير عن غضب من سلوك غائب منا ، أو سياسة في التعامل غاب عنا فيها الإحساس بالطرف الآخر ، واحتياجاته السياسية و الاقتصادية والنفسية ، المشكلة أننا تعاملنا أيضا بأسلوب الضامن لما في يديه إلى الأبد ، والقادر دائما على التحرك الناجح في الوقت الذي يراه مناسبا .

انشغلنا بأمور أخرى كثيرة ، وفي غمرة انشغالنا لم نلحظ بأن ما كنا نعتقده من الثوابت في بعض المناطق لم يعد من الثوابت ، ولم ندرك أن هناك تطورات سياسية واقتصادية ، ونفسية قد حدثت في مناطق اعتدنا أن نتعامل معها تعامل الواثق القادر دون أن يطور من أساليبه أو يجدد من وسائل تواصله ورؤيته لهذه المناطق التي اختلفت رؤيتها لما حولها وعلاقاتها ومصالحها و تحالفاتها وحتى لنفسها .

الاتفاقيات الدولية مهمة ، ولكنها لن تكون الحل لموضوع مياه النيل ، والإصرار على الموقف والحق في الحياة ينبغي أن يكون مستمرا ، ولكن وحده ـ أي الإصرار ـ لن يكون كافيا لتحقيق ذلك .

بعد أيام قليلة قضيتها في إثيوبيا ، ما يمكنني قوله أننا نحتاج أن نقف من زوايا مختلفة ننظر إلى الصورة  بتحرر من أساليب عفى عليها الزمن ، ونمسك بحقوق لن نتمكن من الحفاظ عليها ، لو لم ندرك ذلك .

حتى لا تضيع الفرص

بقلم   عبداللطيف المناوى

التقيت الرئيس الإريتري ” أسياس أفورقي ” مرتين ، الأولى في إريتريا عندما سافرت لعمل لقاء معه هناك ، والثانية في زيارته الأخيرة إلى القاهرة لعمل لقاء آخر حول تداعيات أزمة حوض النيل ، وفي المرتين تأكد لي أن  الرئيس أسياس أفورقي  الذي هو بالفعل أحد الشخصيات المهمة والفاعلة في أفريقيا ، يتمتع بحس سياسي عال، وقدرة واضحة على المواجهة والصراحة، وهذه الصفات هي التي يمكن الاعتماد عليها في إيجاد وضع مغاير لإريتريا على خريطة أفريقيا ، ومنه يمكن الانطلاق لاستغلال الفرص التي تحدثت عنها بالأمس ، هذا يمكن لو انطلقت السياسة الإريترية بهدف استخدام الفرص التي حباها بها الله اقتصاديا وسياحياً، وأيضا القيام بدور إيجابي بهدف استقرار الصومال التي لاحدود لها مع إريتريا .

لكن لا يمكن النظر إلى هذا على حدة بعيدا عن الوضع العام لإريتريا  التي ذكرتها قبلا ، والتي من أهمها أيضا العلاقة مع  إثيوبيا التي كانت إريتريا في وقت من الأوقات جزءا منها قبل أن تستقل في مايو  1991بعد استيلاء الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا على العاصمة أسمرة بقيادة أسياس أفورقي، ثم تمتد المشاحنات التي أدخلت البلدين في دوامة لم تنته بعد، وهو الأمر الذي ربما يجعل إثيوبيا فيما يبدو حاضرة ، وذلك التاريخ الدامي العرقي يحكم سياسة اريتريا بالدول المحيطة أو هكذا يعتقد العديد من المراقبين ، فضلا عن حضور إريتريا في المواقف السياسية في الدول المحيطة  بخلاف إثيوبيا وهي الصومال، والسودان .

على الرغم من ذلك فإريتريا لاعب أساسي هناك يمكن له أن يعوق الحلول أو يدفعها، وقد يكون استقرار هذه المنطقة هو المقدمة الحقيقية لانتعاش جزء مهم من أفريقيا يتحكم بدوره في استقرار مجرى مائي مهم هو البحر الأحمر. وكل هذا يتيح لكل الدول أن تنظر إلى الفرص المتاحة لها لتستغلها من أجل رفع شأن مواطنيها .

على مصر في المقابل و في إطار اهتمامها بمحيطها الإفريقي ، وبدول حوض النيل أن تدرس الإمكانيات المتاحة للاستثمار في هذه الدول ، والعمل جنبا إلى جنب معها في مشاريع تنموية مختلفة ، تحتاجها هذه الدول ، وتحتاجها مصر لتعزيز مكانتها في هذه الدول ، فهذا هو بداية الطريق الصحيح لحل أزمة حوض النيل .

أزمة حوض النيل .. و قارعو طبول الحرب

بقلم   عبداللطيف المناوى

ما إن بدأت أزمة المياه في دول حوض النيل حتى بدأ البعض يتحدث عن حرب المياه القادمة ، وبدأ البعض الآخر يتحدث عن التوقيع الأخير لأربع دول من دول المنبع على اتفاقية عنتيبي باعتبارها الطلقة الأولى في حرب المياه ، واستحضر البعض  مواقف من التاريخ حيث بدا الأمروقتها وكأن الحرب قادمة بين بعض دول النهر ، وقامت بعض الصحف الأثيوبية بالتذكير بما حدث عام 1979 عندما أعلنت أثيوبيا عن نواياها لإقامة سد لري 90 ألف هكتار في حوض النيل الأزرق ، ووقتها دعا الرئيس أنور السادات خبراءه العسكريين لوضع خطة طوارئ مهددا بتدمير هذا السد ، بل وبدأت مؤسسات ومعاهد استراتيجية في الحديث عن القوة العسكرية في بلاد حوض النيل ، والتي يأتي في مقدمتها القوة العسكرية المصرية ، وسار على ذات النهج بعض الخبراء المصريين الذين دعوا إلى انتهاج سياسة العصا والجزرة ، واعتماد أسلوب التلويح باستخدام القوة في حل قيام أية دولة بمشروعات على النهر تؤثر في حصة مصر من المياه ، واستخدام أساليب أخرى لإزعاج الدول التي يمكن أن تشكل تهديدا لحصة مصر من المياه ، وطالب هؤلاء الخبراء باعتماد سياسة المزج بين التلويح بالتهديد والاحتضان والاحتواء الكامل لدول حوض النيل ولمتطلباتهم .

لكن يظل السؤال ، هل هذه التقديرات بأن القادم هو حرب حول المياه ، وأن مصر سوف تجد نفسها في مأزق اللجوء إلى أسلوب القوة لحسم هذه الأزمة ؟ اعتقادي أنه من المبكر الحديث عن مثل هذا التوجه ، بل من غير الصحيح طرح هذا التصور أو هذا التخوف في هذه المرحلة ، وتجنب طرح هذه المفاهيم بقدر الإمكان في أية مراحل أخرى قادمة ، وكما سبق وأن ذكرنا من قبل فإن الحديث من هذه الزاوية ـ زاوية المواجهة ـ هو أيضا أحد المداخل الخاطئة في التعامل مع هذه الأزمة ، وحتى لو تمادت بعض هذه الدول في مواقفها فإن المدخل الأكثر صحة وعقلانية هو الإصرار على التعامل من مدخل التعاون و المصلحة المشتركة ، وقد أعجبني ذلك الطرح الذي طرحه دكتور نصر الدين علام وزير الري عندما لم ينساق وراء الانقسام الحادث بين دول المنبع عندما وقعت أربع دول فقط من بين الدول السبعة معتبرا أن هذا إنجازا ، بل تعامل مع المسألة بمدخل إيجابي عندما تحدث عن التفكير الجدي في دعوة كافة دول الحوض لاجتماع جديد في الإسكندرية للبحث في نقاط الخلاف و دفع المبادرة الرئاسية لمفوضية دول حوض النيل .

إذن يظل المدخل الأكثر عقلانية و الأكثر حكمة هو مدخل التعاون الحقيقي المتسم بالعملية الاستمرارية ، لا أن يكون مجرد رد فعل لأزمة أو مشكلة ، وفي ذات الوقت على قارعي طبول الحرب التوقف عن ذلك لأن الثمن أكبر من أن يتحمله أي طرف ، مع التأكيد المستمر على حقوق مصر التاريخية من مياه النيل .

الفراغ في إفريقيا .. الذي تركناه وراءنا

بقلم   عبداللطيف المناوى

المشكلة المثارة هذه الأيام حول مياه نهر النيل تفتحح ملفا آخر غاية في الأهمية هو ملف العلاقات المصرية الإفريقية ، أين نحن من إفريقيا ؟ وأين الدول الإفريقية منا ؟ ، قديما درسنا في مدارسنا في حصص التاريخ و الجغرافيا و المواد الاجتماعية ، وقرأنا على الأغلفة الخلفية للكراسات الدوائر التي ترتبط  مصر بها ، الدائرة العربية ، والإفريقية ، والإسلامية ، ودول عدم الانحياز ، وقديما أيضا قرأنا كثيرا وتابعنا بشغف مواقف مصر المؤيدة لحركات التحرر الإفريقية ، وعرفنا أسماء زعماء أفارقة ، وتابعنا  الحديث عن إفريقيا الحرة ، كل هذا كان قديما ، ولكن منذ فترة ليست بالقصيرة بدا الأمر وكأن الموضوع الإفريقي ، والعلاقات مع الدول الإفريقية ، لم يعد هو شاغلنا الأهم ، وبدا الوضع وكأن مرحلة  دفء العلاقة مع إفريقيا هي مرحلة مرت ، وبدأت مراحل أخرى جديدة لم تعد إفريقيا هي الحاضرة بشكل أساسي فيها ، وظهر هذا جليا في العديد من المناسبات ، ويمكن هنا العودة إلى المؤتمرات الإفريقية المتعددة خلال الأعوام الكثيرة الأخيرة ، والتحقق من مستوى التمثيل المصري فيها ، وتراجع اجتماعات سواء منظمة الوحدة الإفريقية ، أو الاتحاد الإفريقي الذي حل محلها وسوف نكتشف حجم الغياب المصري ، أيضا فلنقارن حجم زيارات مسئولينا ـ المسئولون عن العلاقات الخارجية ـ وعن ملفاتنا  مع إفريقيا ، ولنقارنها بحجم زياراتهم إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة ، أيضا سوف نكتشف كم أهملنا هذا الملف لسنوات طويلة .

هذا الوضع خلق حالة من الفراغ ، وهذا الإحساس  المتنامي لدى الأفارقة بالإهمال حاول البحث عن بدائل تعوض هذا الإحساس ، حالة الفراغ وجدت من يملأها من إسرائيل ، ومن الصين ، ومن دول إوروبية بل ومن الولايات المتحدة نفسها ، ومن دول إفريقية أخرى أرادت أن تملأ هذا الفراغ الذي تركته مصر وراءها .

البعض لسان حاله يقول ” صادق الغني تصاب بالغنى ، وصادق الفقير تصبك لعنة الفقر ” ، هذا المفهوم يجد صدى لدى العديد من المسئولين ، وهذا فهم غريب في الواقع في العلاقات الدولية ، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى حديث آخر ، ولكن حتى لو اتفقنا مع هذا المفهوم فإن التعامل مع إفريقيا ودولها ينبغي أن يكون من منطلق أن هذه القارة غنية بالفعل ، وكما قال دكتور بطرس غالي فإفريقيا ستكون محل الاهتمام الدولى خلال السنوات القادمة أكثر من الماضي لأنها القارة التي ما زالت بكرا ، وهي كنز العالم للمستقبل ، ومن هنا فمصالح مصر مع قارتها هي الأهم والأخطر خلال الفترة القادمة أكثر من علاقاتنا الدولية التقليدية ، وحتى من أوروبا نفسها التي تعد الشريك التجاري الأول لمصر ، كما أن إفريقيا ـ كما يقول دكتور بطرس غالي ـ هي القارة التي نعيش فيها ، ومصالحنا الاستراتيجية ترتبط بها ، وإلا سندفع ثمنا باهظا .

الطريق إلى جوبا

بقلم   عبداللطيف المناوى

ذهبت إلى جوبا عاصمة جنوب السودان بحثا عن عناصر تصب في مصلحة وحدة السودان ، و لكن خرجت منها مكتشفا أن عناصر الانفصال الحاضرة  اكبر كثيرا من عناصر الوحدة .

في التاسع من يناير المقبل  يجري الاستفتاء لمواطني جنوب السودان لتقرير المصير ، إما الاستمرار في ظل سودان واحد أو الانفصال إلى شمال وجنوب ، والعقل والمصلحة لكافة الأطراف في السودان شماله وجنوبه وشرقه وغربه مع الوحدة ، هذا عن العقل والمصلحة ، أما ما هو متوقع حتى الآن فإن الأمور تتجه إلى الانفصال ، ما لم تحدث معجزة .

الوصول إلى جوبا ليس بالأمر السهل من الخرطوم ، المسافة برا  حوالي 1600 كيلو متر ، معظمها غير ممهد ، تستغرق الرحلة إذا قرر أحد المغامرة حوالي تسعة أيام ، الطيران من عاصمة السودان إلى عاصمة جنوبه عبارة عن رحلة واحدة منتظمة ، ولكن غير منضبطة في مواعيدها ، واثنتان في مهب الريح ، في المقابل ثلاث رحلات يوميا من نيروبي ، وثلاث رحلات من كينشاسا ، وثلاث أسبوعيا من أديس أبابا ،

الدلالات الانفصالية لا تقتصر على اللغة الانجليزية التي أصر السيد سيلفا كير على الإجابة بها رغم إجادته التامة للعربية ، ولكنها كانت ساطعة كشمس الجنوب الحارقة ، واضحة وجلية مثل النيل الذي يمر من هناك في طريقه إلى مصر .

جوبا ـ عاصمة جنوب السودان ، و عاصمة منطقة بحر الجبل ، يتحدث سكانها العربية والإنجليزية واللهجات المحلية، لكن العربية هي اللغة الطاغية على الرغم من دخول بعض قواعد الإنجليزية عليها ، تعتمد على النقل النهري ، حيث نهر النيل يشكل خزانا مائيا  ، عانت طويلا من الحرب الأهلية والتهميش الذي يتهمون به  الشمال ، التوجه للانفصال بدأ مبكرا ، فالأعوام الماضية لم يضعها قادة الحركة الجنوبية هباءً، وإنما استغلوها في تسليح الجنوب وتأهيل جيش جنوبي ضخم ، وهذا يأتي ردا على إحساسهم  بأن عوامل الطرد من الشمال أكبر كثيرا من العوامل الجاذبة .

رأيت هناك الكثير من عناصر الانفصال  ، و سمعت الكثير من السيد سيلفا كير ، إثناء رحلتي إلى جوبا اكتشفت أن الأمر تخطى مرحلة الخلاف العرقي بين  شمال السودان وجنوبه ، بات خلافا بين رؤيتين لهوية دولة ، دولة مدنية متعددة الثقافات والديانات ، علمانية العاصمة ، وهوية لدولة دينية .

عناصر الانفصال باتت أقوى من عناصر الوحدة و مشعلو حرائق الخلافات بين الشمال والجنوب لتعجيل الانفصال يتحركون بنشاط غير معهود ، والشواهد تدل على ذلك مثل قيام حكومة الجنوب بفتح 18 مكتبا للحركة الشعبية في عدد من الدول الإفريقية والأوروبية والعربية ، على رأسها “قنصلية” في الولايات المتحدة الأمريكية ، وإنشاء حكومة الجنوب بنكا مركزيا جديدا  .

الحضور المصري في الجنوب بات حضورا مميزا خلال  الفترة الأخيرة ، وساهم هذا الحضور من خلال المستشفيات المصرية ، والمدارس المنشأة من قبل الحكومة المصرية ، وكذلك محطات الطاقة التي أضاءت العديد من مدن الجنوب التي لم ترى الكهرباء من قبل ، هذا الحضور يأتي دعما لجنوب السودان في إطار تدعيم  وحدة السودان ، وساهم بشكل ملحوظ في صورة مصر في الجنوب حاليا ، بل إن كثيرا من أبناء جنوب السودان تخرجوا من الجامعات المصرية ولهم أصدقاء بالقاهرة وصلة المودة والتزاور قائمة حسبما قال لي السيد سيلفا كير ، بل إن معظم خريجي الجامعات المصرية من  أبناء الجنوب على سدة الحكم  الآن في وزارات جنوب السودان .

إثناء لقائي مع السيد سيلفا كير  حدثني عن تجربة الجنوب  بعد توقيع إتفاقية السلام التي مر عليها خمس سنوات ونصف وقال لي أن الأمر  لم يختلف كثيرا عن الماضي ولم يتخلق أي انطباع لدى الجنوبيين بأن الشمال أو العالم العربي ـ حسب اعتقاده ـ يريدون السودان دولة واحدة وأضاف أن الحكومة المركزية فشلت فى جذب الجنوبيين تجاه الوحدة ، والوقت قد حان في رأيه لتحقيق الوحدة فقط إذا ما تمكنت الحكومة المركزية من إقناع الجنوبيين بهذا الأمر ، الرئيس البشير وعده بالوحدة ولكن ما هى الأولويات التي قدمها لجعل الوحدة خيارا ممكنا ، الأمر يحتاج في رأيه إلى إجراءات عملية على أرض الواقع ، قال لي السيد سيلفا كير أنه اقترح على الرئيس السوداني أن يكون له مكتب فى جوبا ويمارس منه العمل ثلاثة أيام في الأسبوع ولكنه لم يفعل ذلك ،  وأضاف ” كل ما تم الاتفاق عليه ما زال حبراً على ورق ” .

السيد سيلفا كير الذي التقيته بمكتبه في منزله كرر عدة مرات إثناء لقائي به بأن اختيار الجنوبيين للوحدة يحتاج إلى معجزة في زمن لم يعد زمن معجزات ، الوقت المتبقي للاستفتاء قصير للغاية : ثمانية أشهر ، ويظل السؤال هل تنجح الاطراف السودانية ـ خاصة حكومة السودان ـ في جعل خيار الوحدة جاذبا للجنوبيين ؟ هذه هي المعجزة التي يمكن أن تحدث . لو صدقت النوايا ، وكانت هناك إرادة سياسية حقيقية .

تحدثت عن المشكلة التي سيواجهها السودان بعد ثمانية أشهر ، وهي حق تقرير المصير ، الأمر بدا لي بعد أن تحدثت مع السيد سيلفا كير محسوما ، بداية من إصراره على الحديث باللغة الانجليزية مرورا بعشرات الدلائل التي تؤكد استعدادهم لذلك  ، لذا أخشى أن يكون الحديث عن أن الوحدة  هي الأقرب للسودان  بعد استفتاء تقريرالمصير مطلع العام المقبل ، رفاهية لا يمكلها السودانيون ، سكان الشمال والجنوب معا ،  فالدلائل كلها تشير إلى انفصال آت ما لم تحدث معجزة ، على حد تعبير السيد سيلفا كير .

حين سألت السيد سيلفا كير  عن الإستفتاء الذى سيحدد مصير الجنوب : الوحدة أوالإنفصال ، قال لي أنه ليس لديه توجيهات محددة للجنوبيين فهم أحرار فى إختيار ما يقررونه لمستقبلهم وهو معهم فى هذا الأمر ولا يمكنه إجبار أحد على أمر ما ولابد من العمل أولاً على تشكيل لجنة للإستفتاء وترسيم الحدود وتشكيل لجنة للإستفتاء فى الجنوب كل هذه أمور يجب أن تسبق الإستفتاء ، وهذا كلام جميل لكنه  يلقي الكرة في ملعب الشمال ما الذي قدمه شمال السودان وحكومته خلال السنوات الماضية ـ خلال الفترة التي حددت حتى يتم تقرير المصير ـ  ما الذي قدمه الشمال خلال الفترة الماضية .

هناك مشكلات كثيرة لابد من حلها خلال المرحلة المقبلة قبل اجراء الاستفتاء مثل تشكيل لجنة للاستفتاء فى منطقة ابيي الغنية بالنفط، ، والاستعداد لترسيم الحدود لان اى ممارسة تتعلق بالاستفتاء او الانفصال يجب ترسيم الحدود قبلها ، وبالتالى يجب الانتهاء من هذا الاجراء اولا  ، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة وفقا للانتخابات الماضية ستبدأ مباشرة عملية تسجيل أصوات الناخبين الجنوبيين، وبعد ذلك الحملة الانتخابية التمهيدية للاستفتاء والتى يكون فيها “الحق لاى شخص تأييد الوحدة ومن حق اى شخص اخر رفضها وتأييد الانفصال”.

الأمور يبدو أنها تسير ناحية الحسم ، لكن لا أحد يمكنه الجزم بالمستقبل، حين سألت السيد سيلفا كير عما أعلنه الرئيس السوداني عمر البشير بأنه سيتخذ اجراءات تدفع الجنوبيين لتفضيل خيار الوحدة، أجابني بأن “الامر يحتاج لمعجزة لأنه لم يتبق سوى شهرين أو ثلاثة  لكي يجعل من الجنوب أرضا تشبه الجنة، ولكنه أعلن أنه سيضع وحدة السودان على أولوياته وأعتقد أنه بعد نجاحه في الانتخابات فإنه سوف يواجه صعوبة في تحقيق ذلك لأن الأمر ليس شفهيا ولكن يحتاج إلى إجراءات عملية”.

الأمر ليس شفهيا ، ولكنه يحتاج إلى اجراءات عملية ، هكذا  حدد السيد سيلفا كير الطريق إلى الحل ، و قال لي من قبل  الأمر يحتاج إلى معجزة ، ما بين المعجزة والاجراءات العملية ،  طريق طويل ، لا أحد يعرف الآن كيف ينتهي .

هل لا زال النيل هبة مصر ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

هل مصر على حق فى موقفها فى قضية مياه النيل ؟ كمصري ، وأظننا جميعاً نقولها قولاً واحداً : نعم ، حق لنا ، عشنا حقيقة أن مصر هبة النيل ، وعشنا عمرنا وعمر أجدادنا بأن هذه المياه حقيقية حاضرة غير قابلة لمناقشة استمرارها ، وغير متخيل أن نشعر بخطر يهدد حقوقنا فيها ، لكن ما حدث مؤخراً من جدل كبير أثار مرة أخرى التخوفات وهز الشعور الذى كان طاغياً بالاطمئنان بأنه لا مساس ، ولكننا صحونا على وضع مناقض لهذه الحالة من الإطمئنان ، إذ بدأنا نسمع عن مشكلات مع دول حوض النيل ، ووصل الأمر أخيراً إلى التلويح بما نسميه حالة من التمرد من دول المنبع وعددها سبع دول على الإتفاقيات التاريخية المنظمة لتوزيع حصص المياه على الدول المختلفة .

هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة ، وليست وليدة وقت قريب ، ولكنها بالتأكيد نتاج سياسة تم إنتهاجها لعقود لم تضع في اعتباراتها احتمال حدوث مثل هذا اليوم ، وهذه قضية أخرى تحتاج إلى مناقشات جادة ولكن فيما بعد .

تطورات الأزمة  بعد اجتماع شرم الشيخ وصلت إلى إصدار دول المنبع لبيان تعلن فيه أنها ستبدأ فى 14 مايو المقبل إجراءات التوقيع على إتفاقية إطارية للتعاون بين دول حوض النيل منفردة دون دولتى المصب مصر والسودان ، هذه الاتفاقية الإطارية نوقشت فى اجتماع شرم الشيخ الذى عقد مؤخراً وفشل فيه المجتمعون في التوصل إلى إتفاق حول بند الأمن المائى الذى يحافظ على الحقوق التاريخية لمصر فى حصة مياه النيل والتى تصل إلى 5 . 55 مليار مكعب ، وهذه هى نقطة الخلاف الرئيسية ، إضافة إلى نقطتين أقل أهمية هما الإخطار المسبق لمصر قبل إقامة أية مشاريع مائية مثل السدود ، وضرورة الحصول على موافقة الإجماع أو موافقة الاغلبية التى يجب أن تضم مصر والسودان على تلك المشاريع  ، دول المنبع السبع بقيادة أثيوبيا تصر على رفض هذه النقاط ، وتصر على إيجاد آلية جديدة لتقاسم مياه النيل عوضاً على الإتفاقات السابقة التى تقول هذه الدول انها وضعت فى عهد الإستعمار .

يقول المؤرخون إن مصر هبة النيل ، و يقول بعضهم إن النيل هو هبة مصر ، لكن ـ مع كل هذه المشكلات ـ هل لا زال الأمر كذلك

تعتبر الدول التسع المشتركة مع مصر فى حوض النيل  دولاً غير مستقرة ، وغير قادرة على أن تبدأ مشروعات كبرى على النهر أو إستصلاح أراض زراعية ، ولديها أوضاع داخلية تعانى منها ، فبعضها يعاني من حروب أهلية وصراعات قبلية ومشكلات إقتصادية ، ومثل هذه المشروعات الكبرى تحتاج إلى تمويل دولى ، وهذا التمويل لن يأتى دون دراسات جدوى تقر من كل الدول المنتفعة بالنهر ، ومن هنا يأتى مدخل مصر للتعامل مع هذه الازمة ، وأيضاً هذه النقطة هى إحدى النقاط التى يمكن ان ترجح عدم وجــود خطر عاجل يهدد تدفق النيل إلى مصر فى المستقبل المنظور .

هناك عدة تحركات سياسية لمصر فى المرحلة المقبلة أهمها بالتأكيد حرص مصر على علاقاتها الوطيدة من دول حوض النيل وخاصة أثيوبيا التى ترتبط مائياً مع مصر والسودان ، وان تنمية موارد الهضبة المائية يقوم على المشاركة الفعالة للدول الثلاث .

تتمتع معظم دول الحوض بأكثر من مصدر للمياه بينما لاتزيد حصة مصر من الأمطار 20 ملم فى الوقت الذى يصل فى بعض الدول من دول الحوض إلى 20 الف ملم ، أى أن مصر تعانى عجزا مائياً وصل إلى أكثر من 30 % وتتغلب عليه من خلال إعادة الإستخدام ، من هذا المنطلق فإنه ينبغى أن نعلم أن أى تكلفة أو عبء أو جهد يتم فى منطقة دول حوض النيل ليس إهدارا للموارد أو الطاقات ، وإنما هو شكل من أشكال الاستعمار المباشر فى المستقبل ، وبالتالى فإن التعاون والاقتراب من هذه الدول هو مسألة مصيرية ومهمة ، ومن هنا تأتى أهمية المباردة الرئاسية لإنشاء مفوضية دول حوض النيل بغض النظر عن التوقيع الآن على الاتفاقية الإطارية بين دول حوض النيل . ويتوازى مع ذلك مسألة مهمة جداً هى الحرص على عدم التصعيد فى لغة الخطاب حول هذه القضية ، مع التأكيد على أن حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل هى حقوق غير فابلة للمناقشة أو المساس بها .

ولكن فى ذات الوقت لا ينبغى أن تأخذ الحماسة البعض منا ، أو الرغبة فى تحقيق بطولات وهمية بأن نصل باللغة الى حد التهديد والوعيد ودق طبول لحرب ليس لها طبول ، ولكن تكون معالجة الأمربالصبر والإستمرار فى التفاوض وتأكيد مفهوم التعاون كأساس لتعويض ما فات والحفاظ على حقوقنا التى لن تمس .

مصر ومجالها الإفريقي

بقلم   عبداللطيف المناوى

إذا ما سألت مسئولا ـ أي مسئول ـ عن ملف العلاقات الإفريقية ، هل قصرت مصر في تعاملها مع إفريقيا خلال العقود الأخيرة ؟ ، فإن الإجابة الدبلوماسية سوف تكون بالنفي القاطع، وأن علاقات مصر الإفريقية في أحسن مستوياتها، ويعيد التذكير بالمجالات بالمجالات السياسية الحيوية لمصر : العربية والإفريقية والإسلامية ودول عدم الانحياز ، لكن الحقيقية هي أن هذه الإجابة مجرد إجابة دبلوماسية لا تعكس الحقيقة التي تقول أننا بالفعل أهملنا الملف الإفريقي لفترة طويلة ، وجزء من الثمن الذي ندفعه الآن لإهمال هذا الملف هو ذلك الجدل والشد والجذب الحادث بين مصر ودول حوض النيل .

بدأت مصر منذ فترة الاهتمام الإيجابي  بملف دول حوض النيل ، وتبدى هذا واضحا من خلال اهتمام  مستويات عليا من المسئولين بالعلاقات بين مصر وهذه الدول ، وبدأنا نرى لأول مرة منذ فترة طويلة زيارات لمسئولين مصريين على مستوى رئيس الوزراء لهذه الدول ، وهو أمر إيجابي بالـتأكيد حتى لو كان متأخرا .

دول حوض النيل تمثل أهمية استراتيجية قصوى لمصر ، وهذا يضع على عاتق مصر أهمية التعامل مع هذه الدول بمنظور استراتيجي شامل ، وليس مجرد علاقات ثنائية ، وأن يكون أساس هذه العلاقات ربط  المصالح المشتركة لدول حوض النيل العشرب معنى تعظيم الاستفادة لكل الدول من مياه النيل ، وإقامة المشروعات التي تحقق هذه الاستفادة .

هذا يعني أن تخرج مصر من مجرد علاقات ثنائية كما ذكرت ، ومشاركة في مياه النيل واتفاقيات تنظمها إلى مفهوم أكثر شمولا ، يتضمن المجالات المختلفة وإيجاد آليات تعاون مع كل دولة على حدة ، وآليات تعاون بين دول الحوض مجتمعة .

المعوقات كثيرة في العلاقات المصرية مع دول حوض النيل : انخفاض التبادل التجاري ، عدم وجود خطوط ملاحية بحرية أو جوية منتظمة ، إلغاء بعض رحلات مصر للطيران إلى عدد من هذه الدول ، عدم وجود سكك حديد ، ارتفاع أسعار الشحن ، الأهم من ذلك عدم وجود إعلام كافي عن الحضور المصري في هذه الدول .صحيح أن مياه النيل وحقوق مصر هي أمر غير قابل للنقاش ، لكن تأكيده يتأتى عبر سياسة واعية ، تمكن من احتواء أية مشكلات وتبنى بشكل استراتيجي ، ولن يكون الحل بالشعارات الصارخة .

حوض النيل .. والمداخل الخاطئة

بقلم   عبداللطيف المناوى

المداخل الخاطئة تؤدى إلى نتائج بالتأكيد خاطئة ، هذا المنطق صالح للتطبيق على أى قضية خاصة ، أو عامة ، اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، والقصور هنا بالداخل هو السياق الذى نقرر من البداية التعامل به ، فإذا كان المدخل للتعاطى صدامياً كانت النتيجة بالتأكيد ابنة شرعية لهذا المدخل الصدامى ، والأمر كذلك لأي مدخل مغاير .

إذا ما طبقنا هذا المفهوم على أكثر القضايا حضوراً هذه الأيام وهى قضية مياه النيل فإننا سنكتشف أن احد الأسباب الرئيسية في التقصير الظاهر لهذه الأزمة هو المداخل الى اختارتها الأطراف للتعامل من البداية ، دول المنبع قررت لأسباب داخلية خاصة بها ، ولأسباب مرتبطة ببعض العلاقات الخارجية أن يكون مدخلها هو التشدد في المواقف ، ورفضت أي مفاهيم أخرى تدخل في إطار التعاون المشترك .

دول المصب ـ والمتمثلة هنا فى مصر والسودان ـ تعاملت لفترة بمدخل هو مزيج من التهوين بحدود الأزمة ، وقدر من الثقة فى عدم قدرة الآخرين على تنفيذ تهديداتهم ، وهذه الثقة قد يكون لها ما يبررها في الوقت الراهن من حيث قدرة هذه الدول على تنفيذ مشروعات ضخمة يمكن ان تؤثر على نصيب مصر من مياه النيل المقررة وفقاً للإتفاقات الدولية الملزمة لدول الحوض .

أيضاً بسبب موقف المنظمات والدول المانحة والتى تتحكم فى قدر كبير من المشروعات المقامة فى دول الحوض المرتبطة بالنهر ، ولكن عدم القدرة لدى هذه الدول ليس أبدياً ، وموقف الجهات المانحة هو موقف مرتبط بظروف آنية ولكنها ظروف متغيرة ، بمعنى أنه في أي تطور فى الظروف المحيطة ليس هناك ضمان لاستمرار هذه المواقف .

 لذا فإن المدخل الصحيح هو المدخل الذي اختارته مصر ولكنه كان اختيارا متأخرا ، وهو مدخل التعاون فى نطاق التنمية المشتركة ، موقف يصحح الأوضاع الحالية لدول تعانى من ضعف في التنمية ، ممزوج بإحساس بعدم الاهتمام والاستغلال ، حتى لو لم يكن احساساً صحيحاً ، ولكن موجود وبالتالى ينبغى التعامل معه .

في إطار ما تقدم من المتوقع أن تكون هناك حركة مصرية تضع في اعتبارها  المدخل الذي أشرنا إليه  والذي يعتمد على الترويج لمفهوم التعاون في مواجهة الاختلاف ، و الشراكة في مشروعات مختلفة ، وأن تتحرك ، وأن تتحرك الدبلوماسية المصرية في اتجاه بناء علاقات متوازنة وقوية مع الأطراف الأخرى ، ودفع حركة الاستثمار، وتغليب المصلحة المشتركة بين الأطراف المختلفة ، وقد تكون المبادرة الرئاسية من الرئيس مبارك بإنشاء مفوضية لدول حوض النيل هي أحد أهم العناصر التي يمكن الاعتماد عليها في المرحلة المقبلة ، و لا ينبغي أن نرتكن إلى ما بدا من انقسام  بين دول المنبع والذي تمثل في توقيع أربع دول فقط على الاتفاقية، ولكن ينبغي العمل على  انجاز المستهدف من إيجاد صياغة مشتركة لما فيه مصلحة مشتركة  لكل الأطراف