التغيير من أجل المستقبل

بقلم : عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

التغيير هو فعل إما أن تقوده أو يقودك ، هو كالحصان الجامح  إما أن يجرك أو تروضه ، معظم زعماء العالم حتى الحاليين منهم استمروا أو نجحوا أو قادوا بطرح مفهوم التغيير ، ساركوزي هو سيد التغيير في فرنسا بغض النظر عن الجدل الذي يدور حوله ، أوباما جاء رئيسا للولايات المتحدة  بشعار التغيير ،ومفهوم التغيير ، وخاض انتخابات التجديد النصفي  للكونجرس مرة  أخرى بمفهوم التغيير ، إذن الدلالة هي أن التغيير مفهوم ليس بالضرورة كل الواقع يخلفه واقع جديد ، وإنما من يقود الواقع يمكن أن يقود التغيير ، لأن قيادة الواقع  مرتبطة بطرح مفهوم التغيير على أرض الواقع ،  وبالتالي استمرار الاستقرار في المجتمعات الكبيرة ـ الاستقرار بمفهومه الأشمل ـ إنما يرتبط بتصدير أفكار مرتبطة بمفهوم التغيير كأسلوب ووسيلة ، وهذه نقطة أساسية أعتقد أنه يبقى إعمالها في السلوك والتصرف في المرحلة المقبلة .

السبيل الوحيد المطروح أمامنا الآن بعد مرحلة الانتخابات الأخيرة واستمرار الجدل ، هو التقدم إلى الأمام  لأن الوقوف لا يعني سوى التراجع لذا لا سبيل إلا التقدم ، والتقدم الإيجابي لا يتأتي إلا بحمل أفكار جديدة عن التغيير ، أو وجود أشخاص جيدين يحملون أفكار جديدة تعطي إحساس التغيير .

التغيير ليس قرين عدم الاستقرار ، التغيير لا يعني عدم الرضا بما هو قائم ، وإنما كما قلت يعني في بعض الأحيان تدعيم الاستقرار القائم وتطوير مفاهيم المستقبل .

العديد من النقاط والمواقع نحتاج فيها إلى طرح هذا المفهوم ، وأتحدث هنا عن كل المستويات ، سواء داخل أحزاب المعارضة ، أو داخل الحزب الوطني بمؤسساته المختلفة ، بمستوياته المختلفة ولجنة سياساته ، وداخل الحكومة ، وداخل المؤسسات الإعلامية والصحفية

الحل الآن في هذه المرحلة لاستمرار التقدم إلى الأمام هو أن نقود نحن التغيير ، ونروض هذا المفهوم بدلا من أن نجد أنفسنا مجرورين خلف مفهوم التغيير الذي إذا تحسسنا منه فإنه سيكون هو من يقود وليس نحن من يقوده .

رؤية من أجل وطن للجميع

بقلم: عبداللطيف المناوى

الحزب الوطني

أكثر من يتحمل و توجه إليه الاتهامات في المرحلة الأخيرة هو الحزب الوطني ، حزب الأغلبية الأكبر الذي أصبح حزب الأغلبية الكاسحة في الانتخابات الأخيرة  ، لا ينبغي أن نقلل من جهد تم  ، ولكن هذا الجهد لا ينبغي أن يشغلنا عن مشكلة رئيسية ترتبط بمدى حضور الرؤية السياسية الأشمل .

الأكيد أن الحزب قام بجهد كبير جدا على المستوى التنظيمي ، جهد من يطلع عليه أو يطلع على جزء منه لا يمكن إلا أن يعترف بحجم هذا الجهد  ، جهد لم يقم به  أي حزب من الأحزاب الأخرى التي لا تمتلك ما يمكنها من القيام بهذا الجهد  ، ولم تمتلك تنظيميا ما امتلكه الحزب الوطني  لأسباب عديدة ليست فقط متعلقة بقدرة التنظيم في الحزب  الوطني على العمل  ، واتساع رقعة العاملين فيه  ولا للإمكانيات  الكبيرة المتاحة لهم  ، ولكن أيضا لأسباب أيضا تعود إلى الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها الحزب الوطني  مقارنة بالأحزاب الأخرى .

أحد العناصر الرئيسية في حالة الاكتساح للحزب الوطني وحالة احتكار المقاعد هو ذلك العمل التنظيمي الكبير المعقد وليس فقط كما يدعي الكثيرون  بأن ذلك يرتبط بتدخلات إدارية  أو دور أمني في تحجيم المعارضين خاصة جماعة الإخوان المسلمين الغير شرعية  ، أو ترك إدارة العملية الانتخابية لقانون البلطجة ، كل هذه العوامل لا يمكن أن تكون وحدها سببا في حالة الاكتساح ، ولكن كما ذكرت فإن الجهد التنظيمي العلمي والمتمكن و المزود بإمكانيات تقنية و لوجستية كبيرة كان عنصرا حاسما هو الآخر .

إذن هذا الانتصار الكبير والمقلق في نفس الوقت للحزب الوطني كان نتاجا لمجهود داخل الحزب الوطني استفاد من  أخطاء الماضي واستفاد من أخطاء الآخرين ، واستفاد من مجموعة العوامل المحيطة ، واستطاع أن يوظف هذه العوامل أو يستغلها للوصول إلى هذه النتيجة الساحقة .

ولكن يبقى السؤال : هل بالتنظيم وحده تعيش وتنمو الحياة السياسية ، أم أن الأمر كان يحتاج إلى رؤية فرق هذا التنظيم لتديره في إطار تلك الرؤية  ، لا أقول أنه لم تكن هناك رؤية ، ولكن أتساءل ما هي ملامح هذه الرؤية ، الرؤية التي نعتقد أنها كان ينبغي أن تكون موجودة هي رؤية أوسع من حدود الحزب ، رؤية حدودها هذا الوطن ، رؤية ترى أن الوطن يقوى وتنمو فيه الحياة السياسية بمشاركة الآخرين ، حتى لو اضطر حزب الأغلبية لأن يقدم تنازلات ، أو مساعدات أو صفقات تمكن القوى السياسية الشرعية الأخرى من أن تتواجد بشكل واضح  ومؤثر  ، تضبط الصورة وتضبط الميزان ، رؤية سياسية تجمع  الجميع ،  وترى الوطن من خلال هذا ” الجميع ” ، لا رؤية ترى مصلحة الوطن فقط من خلال حزب حتى لو كان الحزب قادرا على الاكتساح ومتمكنا من احتكار المقاعد .

لأن السياسة هي فن الممكن ، وهي فن الواقع فالمطلوب الآن هو تجاوز ما حدث ، والتعامل مع الواقع الذي استيقظنا عليه مع نهاية الانتخابات البرلمانية سواء رضينا به أم  لم نرض ، ويجب أن يكون السؤال المطروح على كافة القوى السياسية الوطنية وعلى كل أبناء هذا الوطن هو كيف نقدم رؤية للوطن ـ كل الوطن ـ يكون فيها مكان لكل أبناء الوطن في إطار من الشرعية والقانون .

الذين قدموا الوطن على ذواتهم

بقلم: عبداللطيف المناوى

أسامة الباز

لدي شعور قوي هذه الأيام أن أكتب عن نماذج شخصيات قدمت الكثير للوطن ، وقدمت الوطن ومصلحته على أهدافها الخاصة ، وعندما نتحدث عن مثل هذه النماذج يأتي في مقدمة الذاكرة الدكتور أسامة الباز الذي وصف بأنه وطني ، قصير القامة عالي القيمة ومرتفع الهامة ، أسامة الباز هو أحد الذين لمعوا في الحياة  السياسية طوال العقود الثلاثة الماضية ، لم يلمع على المستوى الرسمي فحسب ، وإنما على المستوى الشعبي أيضا .

أسامة الباز كان أحد الأركان الرئيسية للنظام ، كانت له آراؤه المستنيرة التي دعمتها سياسيا مواقفه السياسية وثقافته الوطنية ، لم يعبأ كثيرا بالمسمى الوظيفي ، فقد كانت أدواره تتعدى هذا المسمى بكثير  معتمدا على عقليته المتميزة  و حسه الوطني العالي .

أسامة الباز كانت له أدوار أساسية في كثير من القضايا والموضوعات في السياسية الخارجية وفي السياسة الداخلية ، ارتبط بعلاقات متميزة مع كل الأطراف العربية على اختلاف توجهاتها السياسية وامتلك علاقات متميزة مع كل أطراف الصراع العربي الإسرائيلي ، امتلك علاقات متميزة مع العديد من السياسيين في العالم ، وأيضا كانت هناك جسور ممتدة بينه وبين  كل أطراف الطيف السياسي  المصري وكان يحظى باحترام و تقدير كل هؤلاء ، و لم يكتف بأن يقف عند الحدود الرسمية ، بل كنت تجده في كل معارض الشباب من الفنانين ، ومعارض الفنانين الكبار أيضا  ، كنت تجده يسير في شوارع الحسين يأكل ساندوتشات الفول والطعمية داخل أحد محلات وسط البلد ، ثم يركب المترو مثل أي مواطن ، بعد أن يكون شاهد فيلما في إحدى دور السينما ، بسيط ، متواضع ، مؤثر ، وطني ، ظل يعمل وظل يقوم بكل الأدوار المنوط به القيام بها ، يجهز لها ويجيد الترتيب لها ، ولم يسع لأن يخرج في دائرة الضوء ، لم يحاول أن يقول أنا الذي فعلت هذا ، قليل الكلام وكثير الفعل ، أحد اللاعبين الأساسيين في المطبخ السياسي المصري ، قناعته الرئيسية داخل المطبخ أن يظل بعيدا عن الأضواء ، لم يسع أو يحارب لكي يخرج إلى دائرة الضوء ، كانت مصر هي الأساس دائما بالنسبة له ، ولم  يسع أن يكون له دور ، أو أن يخلق لنفسه تنظيما ، ولكنه كان دائما يضع الوطن قبل رغباته وأهدافه الشخصية  ، وفي كل هذا لم يكن يوما محتكرا الادعاء على الفهم ، أو محتكرا للرغبة في الظهور وإدارة الأشخاص .

في هذا الوقت يحتاج الوطن إلى أمثال أولئك الذين ـ مرة أخرى يضعون الوطن ومصلحة الوطن قبل مصلحتهم ، ويقدمون الوطن ومصلحة الوطن قبل مصلحتهم ، ويقدمون الوطن على أنفسهم ولا يتعاملون وكأنهم أكبر أو أهم من الوطن .

أمد الله في عمر أسامة الباز ، ورزقنا أمثاله وهدى غيره لكي يكونوا على شاكلته .

الأمل الذي كان

 بقلم: عبد اللطيف المناوى

مجلس الشعب المصري

كان الأمل أن يكون هناك برلمانا معبرا عن المفهوم التام أو الأقرب للكمال للدولة المدنية ، برلمان تتراجع فيه قوى الإسلام السياسي المتشددة ، وتتراجع فيه أي نزعات طائفية أو عرقية ، وتمثل فيه مختلف طوائف الأمة ، وأن يمثل فيه حزب أغلبية قوي وأحزاب معارضة ذات تمثيل قوي وحضور واضح ، كان ا لأمل أن يكون برلمانا يذكرنا بأسماء برلمانيين قدامي مثل المستشار ممتاز نصار والدكتور وحيد رأفت والدكتور محمود القاضي ، كنا نتمنى أن يكون هناك تمثيلا قويا و ملحوظا ومؤثرا لأحزاب المعارضة الرئيسية .

عندما بدأنا الحوار قبل الانتخابات عن الدولة المدنية تحدثنا عن أحزاب المعارضة وخاصة الوفد والتجمع والناصري  ، توقعنا عودة قوية للوفد ، وعودة حضور لليسار الوطني المصري المتمثل في حزبي التجمع و الناصري ، كانت القراءة العاقلة لمستقبل هذا الوطن تعتبر بأن إيجابية وحيوية هذا المستقبل إنما تعتمد على العودة لتمثيل المعارضة بشكل قوي بتمثيل للوفد واليسار الوطني في البرلمان ، كان ذلك أحد العناصر الرئيسية في دفع التطور السياسي بشكل عام في مصر ، والبرلماني والحزبي على وجه التحديد ، كان هذا الوجود القوي في البرلمان سيشكل دفعة قوية لتلك الأحزاب وفرصة لمعالجة حالة الوهن التي أصيبت بها طوال السنوات الماضية لأسباب خاصة بها ، وأسباب خاصة بآخرين ، وأسباب متعلقة بالمناخ العام ، كانت هذه فرصة حقيقية لمعالجة ذلك الوهن وذلك الضعف في حياتنا السياسية .

هذا التخيل صورة لبرلمان فيه  حزب أغلبية قوي بأغلبية مريحة نسبيا ، ومعارضة حاضرة بشكل واضح ـ كان الأمل أن يكون في حدود مائة مقعد ـ صورة برلمان كهذا كان سيعد بمثابة قاطرة ـ هذا هو التعبير الصحيح حتى لو تم استهلاكه في الاستخدام ـ كان سيعد قاطرة التقدم في الحياة السياسية ، ويعد تطورا وخطوة إلى الأمام عن برلمان 2005 ، فما بالك بالمسافة التي كان سيكون عليها بالنسبة إلى برلمان 2000 ، لكن للأسف لم يحدث ما توقعناه من ذلك .

لم تمثل المعارضة بتلك الصورة التي كنا نتمناها ، لم يحصل الوفد على 40 أو 50 مقعدا  ، ولم يحصل التجمع على 15 أو 20 مقعدا ، ولم يقترب الناصري من مقعد من مقاعد البرلمان ، هذا الوقت تدور العديد من التساؤلات في حاجة للتفسير والتبرير والدفاع والهجوم ، ولكني أختم أن هذه الحالة التي نحن فيها في حاجة إلى توقف للدراسة والفهم ، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وإصلاح تلك القاطرة ، ومحاولة إعادتها إلى العمل ، فالوطن بحاجة  إلى أولئك الذين يضعون الأوطان في ترتيب قبل ذواتهم ، وهذا موضوع آخر .