نداء من المصريين في تونس إلى الأجهزة المعنية

بقلم   عبداللطيف المناوى

بمجرد أن بدأت الأحداث في تونس أعلنت بريطانيا تحركها العاجل لإجلاء رعاياها من هناك ، والرعايا البريطانيين  كان معظمهم  من السياح حيث أن تونس من المقاصد السياحية المألوفة لأوروبا ، وتحركت عدة دول بشكل مباشر بمجرد أن فتح المجال  الجوي التونسي لنقل وإخراج مواطنيها  ، وفوجئت أنا شخصيا باتصالات بالأمس من مصريين علق أبناؤهم في تونس ولم يجدوا من يخرجهم من هناك ،  وتذكرت على الفور موقف مصر للطيران بتعليق رحلاتها  للمجال التونسي بعد بدء أحداث الشغب هناك  ، ولكن ما لم افهمه هو عدم  اتخاذ الجهات المسئولة و الأجهزة المسئولة موقفا سريعا للتعامل مع المصريين هناك ، احدهم قال لي عبر الهاتف باستنكار وألم : المطار لم تتوقف الطائرات عن الهبوط فيه لإجلاء الرعايا ونحن فقط من لا يجدون من يسال عنهم

حرص القيادة السياسية  على المصريين هو أمر غير قابل للتساؤل ، واتخاذ  الرئيس مبارك شخصيا لقرارات مختلفة في إطار الحرص على كل المصريين  مسألة  لا يمكن حصرها بسهولة  ، ولكن  الأمر أيضا لا ينبغي أن يكون الانتظار لقرار من الرئيس مبارك للتحرك لإخراج المصريين من هناك  ، كنت أتصور أن يحدث قدر من التنافس بين الجهات  والأجهزة  المختلفة لرعاية هؤلاء المصريين ، لكن يبدو ـ  وهذه قد تكون معلومات او لا تكون  ـ أن كل جهة حاولت أن تلقي بالمسئولية  على جهة أخرى ،  وفي هذا خذلان للمصريين الذين يعتبرون أن الدولة هي الملاذ ، فأول مؤشرات قناعة الدولة بالممارسة الإجراءات التي تؤخذ من أجل المواطن ، و أن يشعر المواطن ان دولته حريصة عليه  في كل مكان وأي موقع  ، و أول إشارات الحرص هو الشعور بحماية دولته له حتى لو كان بعيدا عنها وقيام الدولة بنزع عنصر القلق عنه ، وإعطاؤه الإحساس وهو في مثل تلك الظروف التي يعيشها بقلق مصريون حتى لو كان هؤلاء مجرد عشرات على أصابع اليد الواحدة .

مرة أخرى كنت أتمنى كما يتمنى كل مصري  أن يكون المجال مجال التسابق بين الأجهزة  المختلفة لتقوم بذلك الدور دون انتظار لقار أعلى منها ، وأتمنى بكون هذا المقال قد تجاوز وقته بان تكون هناك في هذا الوقت طائرة مصرية لتحمل المصريين من هناك .

Advertisements

أمنيات لعام جديد

بقلم   عبداللطيف المناوى

اليوم 1 يناير ، بداية عام جديد ، انتهى العام الماضي بما له وما عليه ، واليوم ليس يوم الحديث عما فات ، فهذا يمكن  أن يتم في أيام أخرى ولكن اليوم حديث عن أمنيات علها تتحقق خلال العام الجديد .

أتمنى أن يقتنع  القائمون على إدارة الأمر  بأن التغيير هو أحد أسس استقرار الأنظمة والمجتمعات وأن التغيير لا يعني الإطاحة بأي من ثوابت المجتمع وأن القادة في الماضي و الحاضر بدءوا بتغيير وقادوا إثناء استمراريتهم في القيادة عملية التغيير .

أتمنى أن تتجه كل قوى المعارضة في طريق دعم عملية الحوار في المجتمع ، ولا يعيقها استمرارها في المطالبة بحقها ـ عن حق أو باطل ـ في  التواجد في البرلمان ، وألا يعيقها هذا عن الانخراط في حوار وطني جاد حول قضايا الناس وقضايا الشعب وآمال الأمة .

أتمنى أن يسمع قادة الحزب الوطني بكل مستوياته بأن قوتهم لن تتأتى إلا من خلال دولة مدنية قوية ، والدولة المدنية القوية لن تخلق إلا في إطار تعدد حقيقي في الآراء ، وتعبير حقيقي لقوى المجتمع المختلفة عن نفسها وعن مصلحتها وأن يبدأ الحزب وقادته حوارا حقيقيا جادا مع الأحزاب و القوى السياسية  الشرعية  الجادةمن أجل مستقبل هذا الوطن .

اتمنى أن يقتنع الزملاء الإعلاميون بأن استمرارهم أقوياء قادرين إنما ينبني على مهنية مطلقة وعلى الحفاظ على  مصالح الوطن ، وأن عملية الارتفاع والعلو على أنقاض وطن تعني في النهاية خسارة لكل الأطراف ، ومكسب سريع على حساب الأوطان ومصالحها هو مكسب غير وطني ، وأن ننظر جميعا إلى الصورة الكلية ، لا تسويد الحياة ولا تغييب عن الواقع إنما إعلام وطني متوازن  يسعى إلى مصلحة الناس في بلادنا.

اتمنى أن تجد الصحافة القومية موقفها الصحيح بالقيام  بدورها الصحيح باعتبارها تعبر عن دولة بمفهوم الدولة بكل طوائفها وأن تستخدم إمكانياتها الجبارة لسد الفراغ الحادث في الساحة الصحفية ، وأتمنى للصحافة الخاصة أن تصل إلى الهدف الواضح وألا يكون منطلقها منطلق المصلحة الضيقة أو الربح السريع وإنما أن تكون لأرضية الانطلاق هي أرضية مصلحة الوطن  ، وأتمنى على إعلام الدولة أن يتحول بحق إلى ترجمة مفهوم الدولة

 وأتمنى أن تفك الحكومة كلمة السر أو لغز لغة الخطاب مع الناس لتعلم ما يريدونه ، ولتعبر عنهم بلغة يصدقونها

وبلغة يشعرون بها  وبأن هذه الحكومة تفهمهم وأنها تتحدث خطابهم وتعمل من أجلهم .

وأتمنى أن تتحول لغة الخطاب لهذا الشعب باعتباره الشعب العظيم الذي صاغ حضارة عمرها آلاف السنوات ، في وطن خلق ليبقى ، وأن نتوقف عن جلد الذات ، ونبحث في داخلنا عن عناصر العظمة الكامنة التي صاغت تلك الحضارة عن مر السنين

درس البرلمان الأول

بقلم   عبداللطيف المناوى

     25 نوفمبر 1866  ، هو أحد الأيام المهمة في تاريخ الشرق الأوسط كله ، حيث تم فيه الافتتاح الرسمي لأول برلمان مصري  ، وأول برلمان في العالم العربي والشرق الأوسط ، وإفريقيا ، في ذلك اليوم  أرسل  الخديوي إسماعيل خطابا إلى نوبار باشا رئيس مجلس النظار يبلغه فيه رغبته في تشكيل مجلس شورى النواب ، وأصدر أول قانون للانتخاب وجعل حق اختيار أعضاء مجلس شورى النواب في الريف للمشايخ الحائزين على الأوصاف المعتبرة ، والمنتخبون من طرف أهالي البلد فى المدن القاهرة  و الإسكندرية ودمياط والسويس ومدن القنال يصير اختيار النواب باتفاق أعيان تلك المدن ، وبالفعل تم اختيار 75 نائباً في أول برلمان مصري ، وذهبوا إلى القلعة حيث مقر البرلمان الجديد وحضور جلسة افتتاح البرلمان لأول مره في تاريخ الحياة البرلمانية فى البلاد.

ولما دخل رئيس البرلمان  ليلقي عليهم الدرس الأول في أصول الإجراءات البرلمانية قال لهم إن  الخديوي يرغب في أن يكون هناك حزبان أحدهما يؤيد الحكومة ويجلس على يمين المنصة التي يجلس عليها رئيس مجلس شورى النواب والأخر يمثل المعارضة ويجلس على يسار المنصة طبقاً للتقاليد البرلمانية ، وقبل أن يدخل الخديوي ذهب إليهم رئيس البرلمان مرة أخرى ليلقي نظرة فوجد النواب جميعاً قد جلسوا على يمين المنصة ،  فثار عليهم ، فرد عليه النواب كيف يخطر ببالك يا باشا أن يكون بيننا معارض لأفندينا فأقنعهم أن هذه هي التقاليد البرلمانية ورغبة من أفندينا ونجح في إقناع بعضهم بالفعل أن يجلسوا على يسار المنصة في مقاعد المعارضة ، وحضر الخديوي فى موكبه الرسمي ومعه كبار الدولة ليفتتح أول برلمان مصرى ويلقى البيان الخديوى   ، وتبدأ أولى صفحات البرلمان في مصر .

مصر واحدة من أقدم الدول في العالم التي كان لديها برلمان ، بل وتقول البرديات القديمة بوجود برلمان أيام الفراعنة ، وقد شهد البرلمان المصري عبر مسيرته الممتدة العديد من التطورات التي مثل كل منها علامة فارقة على طريق إقامة الحياة النيابية السليمة التي تعبر تعبيراً حقيقياً عن مصالح وتطلعات الشعب المصري بمختلف فئاته وطوائفه عبر هذين القرنين من الزمان.

مصر بلد عريق في الديموقراطية  ، ونتمنى ـ دائما ـ أن نصل إلى ذلك اليوم الذي يكون لدينا فيه برلمان متفق ومتسق مع مصر وتاريخها .

ما هي الدولة المدنية ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

من الحين للآخر نحتاج إلى استعادة مفاهيم نروج لها ونتحدث عنها دائما ، فقط نتوقف لنقرأ ونراجع ما قرأناه من قبل كشكل من أشكال تنشيط الذاكرة التي تضعفها الوقائع و الأحداث و الأيام . من المتفق عليه في كتابات المثقفين العرب أن مفهوم الدولة المدنية الحديثة يعني بشكل أساسي دولة تقوم على الانتخابات “الحرة” وعلى فصل السلطات الثلاث مع تعددية سياسية وحزبية. وهو ما يعني بكلمات أخرى أبسط، وأقل زخرفة وأكثر دقة : التحول الديمقراطي . الدولة المدنية – في الأساس- هي عكس الدولة (العشائرية) القبلية ، لكن تطور المفهوم السياسي لها لتكون دولة الحقوق المتساوية لكافة مواطنيها ، عكس الدولتين العسكرية والدينية ، حيث يكون للقادة العسكريين – في الأولى – وضع خاص ، ولرجال الدين – في الثانية – مكانة عليا فوق رجال السياسة. الدولة المدنية، نشأت في أوربا ، وحاول محمد علي تطبيقها في مصر . و في تعريف آخر فإن الدولة المدنية المحايدة قد تكون الصيغة الفضلى للتوفيق بين المساحة الآمنة والمساحة المشتركة، ولصيانة التعدد، ولتثمير مساهمته في تعزيز الكل المشترك، فيخرج الفرد، وقد حماه القانون، من الخوف على الذات إلى مساحة الحرية المشتركة والالتزام المشترك في بناء المدينة . الدولة المدنية هي : دولة القانون وبالتالي فهي ليست دولة رئيس الوزراء ولا دولة رئيس الجمهورية أو الملك أو أية قوة سياسية ، ويجب هنا التأكيد على الطبيعة الموضوعية لتلك الدولة التي تؤسس على قاعدة الفصل بين السلطات الثلاث ، الفصل بمعناه الحقيقي وليس الاعتباري ، والفصل هو المُكون الرئيسي لطبيعتها المادية وثقافتها المجتمعية . الدولة المدنية يجب إن يُحترم فيها عقل الإنسان وتُحترم فيها إرادته وقراره ، والاحترام الذي نقصده متبادل من شقين وجودي وقانوني دستوري : ففي الشق الأول وجود الإنسان محترم ومُصان ولا يجوز سلب ذلك الوجود لأي سبب كان ، والشق الثاني هو حماية هذا الحق قانونياً ودستورياً ، فالدولة يجب أن تجعل القانون والدستور من أجل المواطن الفرد والمواطن المجتمع . الدولة المدنية في ظل المناخ الديمقراطي الحر ، مؤسسة إدارية سياسية كبيرة ذات صبغة مدنية ، تتعدد فيها القوى السياسية الشرعية ، يحكمها القانون والدستور، هي حزب يحكم وأحزاب معارضة مدنية حاضرة تحترم جميعها القانون والدستور .. ومفهوم الدولة المدنية .

التجربة السعودية في ضبط فوضى الفتاوى

بقلم   عبداللطيف المناوى

مصر هي بلد الأزهر الشريف ، الذي حافظ على مدار أكثر من ألف عام على وسطية الإسلام ، و أنار شيوخه العالمين الإسلامي والعربي بوسطية الدين ، وعندما إغلاق بعض القنوات التي تثير الفتنة وتنشر التشدد ، وتحرم كل ما أحل الله ، فإن هذا الإغلاق يلقي على الأزهر مهمة ضبط الفتوى وإعادة الأزهر إلى دوره في نشر الفتوى المعتدلة ووسطية الإسلام  .

الفتاوى المتشددة والتي تدعو إلى تكفير الجميع ـ والتي ذكرت بعضا من نماذجها في مقال سابق ـ قد تعصف وتدمر المجتمع بأكمله ، ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى ما حاولته السعودية خلال الأسابيع الأخيرة أيضا حين أصدر العاهل السعودي الملك عبد الله أمراً ملكياً يقضى بقصر إصدار الفتاوى على الفقهاء المرخص لهم رسمياً في خطوة جديدة تأتي في إطار عمل الدولة لإعادة العقل والمنطق في ظل الفوضى التي عاشتها السعودية في مجال الفتاوى الدينية . وقد أصبح الحق في إصدار الفتاوى محصوراً على رجال الدين المرتبطين بهيئة كبار العلماء بموجب الأمر الذي صدر في أغسطس الماضي.

كتب الملك عبد الله في نصّ الأمر الذي أُرسِل إلى مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: “أداءً للواجب الشرعي والوطني، نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء… ومن نأذن لهم بالفتوى”. وتابع “يُستثنى من ذلك الفتاوى الخاصة الفردية غير المعلنة في أمور العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسئول. على أن يُمنَع منعاً باتاً التطرّق إلى أي موضوع يدخل في مشمول شواذ الآراء ومفردات أهل العلم المرجوحة وأقوالهم المهجورة”. واعتبر عبد الله أن قيام أشخاص غير أكفاء بإصدار فتاوى هو انتهاك للشريعة الإسلامية، وأن هذه الممارسات تقوّض مؤسّسات الدولة الرسمية وتتجاوز “حرمة الشرع”. وطلب الأمر أيضاً من المفتي العام أن يرفع إلى الملك أسماء العلماء الذين يجدهم من أهل الكفاية لإصدار الفتاوى.

وعقب صدور الأمر الملكي، طلبت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من كل الأئمة والواعظين التقيّد بأحكامه وشرحه في خطب يوم الجمعة. وأعطت الوزارة أيضاً توجيهات لموظّفيها كي يتوقّفوا عن قبول طلبات إصدار الفتاوى. وذكرت صحيفة الوطن السعودية أنّ رئيس جامعة الإمام محمد سوف يتّخذ إجراءات صارمة بحقّ أي عضو في الهيئة التعليمية يخالف الأمر الملكي. وقد تعرّض بعض العلماء إلى التوبيخ العلني بسبب عدم التقيّد بالحظر، وبينهم الشيخ يوسف الأحمد الذي أكّد أنّ استخدام النساء ليعملن أمينات صندوق في المراكز التجارية هو انتهاك للشريعة الإسلامية.

منذ صدور الأمر الملكي، أُغلِق عدد من المنافذ التي كانت تُستعمَل لإصدار الفتاوى، مثل المواقع الإلكترونية والبرامج التي تتلقّى اتّصالات مباشرة من الناس عبر المحطّات الفضائية الدينية.

بغض النظر عن تقييم التجربة فاعتقد أنه من المناسب عرض التجربة السعودية في هذا المجال .

ليه ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

 بالأمس كان لي الحظ أن أكون بين طلاب مدارس المرج الإعدادية و الثانوية العامة والصناعية بمدرسة على بن أبي طالب ، وهذه المدرسة من المدراس التي تقع في المشروع الذي بدأ منذ أكثر من أربع سنوات وهو مشروع المائة مدرسة ، وهو أحد المشروعات المهمة في إطار إعادة الثقة مرة أخرى بالوطن ، وبأن الوطن يعتني بأبنائه أيا ما كان مكانهم أو وضعهم الاجتماعي .

جرى الحوار مع الطلاب و الطالبات الذين يتراوح عمرهم ما بين 13 و 18 عاما تحت عنوان ماذا حدث للمصريين وكانت معظم الأسئلة التي استمعت إليها تبدأ بالتساؤل ” ليه ” :

ليه التعليم في مصر ليس كالتعليم في الخارج ؟

ليه المناخ العام في البحث العلمي لا يساعد على وجود أمثال فاروق الباز ومجدي يعقوب وأحمد زويل ؟

ليه لا تتطور مصر مثل الدول الأخرى الاكثر تطورا ؟

ليه فرص العمل ليست متاحة دائما ؟

ليه البحث عن الحل دائما يكون خارج الوطن ؟

ليه الوطن لا يعطينا الإحساس بأنه في احتياج لنا ؟

هذه الأسئلة وغيرها مما هو على شاكلتها ترددت كثيرا في الحوار ، وأجبت من بين ما أجبت في محاولة لخلق طاقة أمل لدى هؤلاء الفتيان و الفتيات بأن هذا البلد وجد ليبقى ، وأن هذا الوطن ملك أصحابه من المصريين ، وأن تطور هذا الوطن لن يحدث إلا بأيدي أبنائه الذين يؤمنون بدورهم في هذا التطور ويؤمنون بأن الإرادة هي الطريق نحو هذا التغيير ، وأن التطور المهم الحادث في المجتمع نظرا لهذا الإدراك بوجود هذه المشكلات وبدء التعامل معها ، وأعطيت هذا النموذج ـ مشروع المائة مدرسة ـ للدلالة على هذا الإدراك حتى لو كان متأخرا فإنه أفضل من عدم وجوده .الأسئلة الكثيرة التي بدأت ب” ليه ” وجدت أنه قد يكون من المناسب أن اطرحها هنا لمن يستطيع أن يجيب على الاستفسارات ، وعلى من لديه مسئولية أن يحاول الإجابة عن السؤال ب” ليه ” الذي يتعلق به ؟

انتخابات النوادي .. وحق الاختيار

بقلم   عبداللطيف المناوى

تجري اليوم انتخابات مجلس إدارة نادي الجزيرة ، وهو واحد من أعرق نوادي مصر وأقدمها ، ومن المتوقع أن تشهد الانتخابات قدرا عاليا من المشاركة نسبيا للاختيار بين مجموعة من المرشحين ، ولم أحدد بعد في أي اتجاه سوف أختار ، أو من سوف أنتخب ، ولكن ما أتصوره و ما أعتقده أن اختيار الأعضاء ـ أعضاء النادي ـ سوف يكون الحاكم فيه هو إحساسهم بالمصلحة العامة ، ومشاركتهم سوف تكون مبنية على بقدرتهم على الفعل والقدرة على التغيير والمشاركة .

هذا يفسر لماذا نشهد قدرا واضحا من الإيجابية في انتخابات النوادي في الوقت الذي لا نشهد نفس القدر من الإيجابية في الانتخابات النيابية ، وهذه أيضا فرصة لكي نتذكر من يرشح نفسه ، ولماذا يرشح نفسه ، من أرداها ـ أي العضوية ـ من أجل الوجاهة فلا ينبغي أن يكون محل اختيار ، ومن أرادها لكي يحقق استفادة مادية أو استفادة معنوية فأيضا فلا محل له من الاختيار ، ومن اعتاد لسنوات أن يجلس على ذات المقعد دون أن يكون له إضافة حقيقية ، ودون أن يساهم في إحداث تغيير حقيقي أو إيجابي فلا مكان له أيضا من الاختيار .

وعلى الجانب الآخر فإن الناخبين يمارسون حقهم الأصيل في الاختيار عندما يعتقدون بأنهم ، كما ذكرت من قبل ، أصابوا  بهذا القرار ، وهذا هو السر في دفع الناخبين لممارسة حقوقهم ، أن نخلق لديهم اليقين بأن إرادتهم سوف يتم التعبير عنها بكل أحوالها .

ليس المقصود بهذا الحديث هو الحديث عن هذه الحالة بعينها ، أو تلك الانتخابات أو أولئك الناخبين بأعينهم ، ولكن أقصد طرح القضية بعمومها ، فالانتخاب هو الانتخاب بمختلف مستوياته ، ونحن على أبواب انتخابات برلمانية جديدة ، في حاجة إلى قدر عال من الحوار واليقين بما سبق ، ووضع الأسس لما هو آت كي ننجح في أن تكون الانتخابات البرلمانية على قدر ومستوى بعض انتخابات النوادي الرياضية والاجتماعية ، المصريون هنا هم المصريون هناك ، لكن المهم هو الشعور باليقين واحترام الاختيار .

شراء الحصانة

هذه القصة لن تفاجئ كثيرين , وخاصة أولئك الذين تابعوا انتخابات برلمانية سابقة , والقصة الحديثة القديمة سمعتها من أحد الأصدقاء الذين فكروا أن يخوضوا غمار انتخابات مجلس الشعب المقبلة  ،وقرر أن يخوض هذه الانتخابات من خلال الحزب الوطني الديمقراطي ذلك حتى يضمن قوة الحزب القوي في البلد كدعم له , ولأنه أيضا قيادي في الحزب .

المهم أنه في إطار التربيطات الانتخابية توصل إلى اتفاق مع أحد الراغبين في ترشيح نفسه أيضا من خلال الحزب وهو من نفس البلدة , أي أنهما بلديات ، فتعاهدا معا انه في حال قبول أحدهما للترشيح من خلال الحزب فإن الآخر سوف يتنازل له ، ويقف إلى جانبه في الانتخابات لضمان عدم تفتت أصوات البلد عليهما ولضمان فوز أحدهما ، وقررا قراءة الفاتحة لتأكيد هذا الاتفاق , حتى هنا القصة عادية أمام الجميع , لكن الجزء القادم هو الذي استوقفني , فقبل قراءة الفاتحة طلب مشروع المرشح الآخر من صديقي أن يتضمن الاتفاق أنه في حالة وصول صديقي للمجلس فانه سوف يعمل علي إنهاء الإجراءات الخاصة بإدخال الكهرباء والمياه إلى قطعة الأرض التي يمتلكها والتي حولها من ارض زراعية إلى ارض مباني – أي قام بتبوريها – حيث أن احد أهم أهدافه لدخول الانتخابات ودخول المجلس هو إنهاء هذا الإجراء الذين يتضمن أمرين : الأول : تحصين مخالفة بالحصانة البرلمانية التي سوف يحصل عليها , والثاني : إضفاء القانونية علي تجاوزته وهو الذي يعني عائدا بالملايين من جراء هذا الإجراء . اشترط مشروع المرشح هذا الشرط بأن يكون جزءا من الاتفاق الذي تقرأ الفاتحة له .

هذا النموذج من التعامل مع عضوية البرلمان ليس نموذجا متفردا , بل مع الأسف هو نموذج متكرر , هناك من يسعي للبرلمان لتحصين المخالفات أو تسهيل تجاوزها , هناك من يشتري – أو من هو يقتنع بأنه يشتري – تحصين جرائمه وتجاوزاته بعضويه البرلمان .

لم يمر صديقي من خلال المجمع الانتخابي للحزب لأنه قيادي والقياديون لا يدخلون الانتخابات وفقا لرؤية قيادة الحزب , وذلك أعفاه من الالتزام بإدخال الكهرباء والماء لمشروع النائب الذي قد ينجح هو بنفسه في القيام بذلك  إن نجح في الانتخابات وقد ينجح .

عندما تعتذر الحكومة للمواطن

بقلم   عبداللطيف المناوى

خرجت علينا الصحف وطالعنا في نشرات الأخبار الأيام الماضية خبرا مفاده أن جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني قد ارتكب خطأ ـ فادحا ـ في الحملة الانتخابية البريطانية عندما وصف ناخبة تحدته بشأن الاقتصاد والهجرة بأنها امرأة متعصبة بينما كان يستقل سيارته ـ بعد مناظرة تليفزيونية نقلتها قناة سكاي نيوز التلفزيونية ـ عبر ميكروفون القناة الذي كان ما زال معلقا على قميصه دون ان يدري

سمع المشاهدون براون وهو يقول: ” كانت كارثة  ، كان لا بد ألا يجعلوني أواجه تلك المرأة ، ما هي تلك الأفكار؟ إنها مجرد سخافة “. وأجاب براون عندما سأله أحد مساعديه عما قالته المرأة التي تدعى جيليان دوفي: “الشيء الأهم إنها مجرد امرأة متزمتة” .

كانت جيليان قد تحدت براون بشأن العجز الحكومي الضخم وأعربت عن رأيها بأن الكثيرين جدا من العمال الأجانب في بريطانيا يأخذون الوظائف من أيدي البريطانيين “

وفي أعقاب الحادث الذي وقع في بلدة روشدال بالقرب من مانشستر بشمال بريطانيا، استغل براون الذي بدا عليه بوضوح علامات الأسى مقابلة إذاعية للاعتذار لجيليان وقال براون: “اعتذر إذا كنت قد قلت أي شي مؤلم” ،ومن جانبها، ذكرت جيليان أنها انزعجت كثيرا لدى سماع ما قاله عنها براون وقالت: ” إنه شخص متعلم ، لماذا تفوه بكلمات من هذا القبيل؟ من المفترض أن يقود هذا البلد ” ، وقال معلقون إن هذا الخطأ ألحق أضرارا بشكل واسع لبراون الذي تعرض لانتقادات بسبب عدم المجازفة بلقاء الناخبين العاديين في الحملة الانتخابية.

هذا يقودنا إلى ما أشرنا إليه من قبل  حول الإعداد السياسي لكوادر الأحزاب ونواب البرلمان ، وأسلوب التعامل مع الجماهير ووسائل الإعلام ، لكن ما يضاف من هذه الواقعة هو رد الفعل المباشر والسريع لرئيس الوزراء البريطاني الذي أدرك بسرعة حجم الخطأ الذي وقع فيه ، فلم يكابر ، ولم يحاول أن يبحث عن مبررات ، أو أن يتهم من استمع إلى ما بدر منه أنه لم يفهم ما قاله جيدا ، أو أنه معصوم من الخطأ ككثير من السياسيين، لم يفعل هذا ، بل بادر بالاعتراف ، وطلب الغفران من مواطنة عبرت عن رأيها بحرية فأخطأ في حقها .

أخطأ السياسي براون خطأ كبيرا ، لكنه تعامل معه  أيضا بأسلوب يحترم المواطن ، وهو أسلوب يؤكد أنه في مكانه بسبب تأييد هؤلاء المواطنين له ، ويفقد مكانه إذا غاب تأييدهم له ، والمهم أيضا أن الحكومة عندما تتجاوز في حق المواطنين ، ورئيس الحكومة عندما يتجاوز بحق للمواطن ـ أي مواطن ـ فإن الحكومة ورئيسها ينبغي أن تعتذر عن الخطأ وللمواطن أن يقبل الاعتذار أو لا يقبله .

لكي يرضى عنكم الناس

بقلم   عبداللطيف المناوى

سألت نفسي سؤالا , ماذا يمكن أن تفعل الحكومة – أية حكومة – لكي يرضي عنها الناس ؟ واستعرت جزءا من إجابة سبق ان كانت محور حديث لي مع صديق , هذه الإجابة تفترض القادم , متى يرضي الناس في أي وقت عن حكومتهم , وعندما اتحدث عن الناس فانني اعني معظم الناس بدرجات متفاوتة , ليس هذا بسبب عيب في تكوين الناس  , او تعلية لطبيعة ونوع الحاكمين , ولكنها الطبيعة البشرية التي نبحث دائما عن سقف أعلي للتطلعات , ولكن الأزمة تكون عندما يكون العيب في الحكومة وليس من الشعب , عندما تكون متطلبات الناس ممكنة وتعجز عنها الادارة , او عندما تفشل الحكومة في ان تحوزعلي رضا الناس .

بتطبيق ما فات علي أوضاعنا المصرية فيمكن القول ان الازمة الحقيقية في العلاقة بين الحكومة والناس تتمثل في لغة الخطاب من الحكومة الي شعبها , وتتمثل في قدرة الحكومة على جذب الانتباه الي ما تفعل من ايجابيات , وعندما تغرق نفسها في اخطاء صغيرة تفسد ما تفعله من إنجاز, الخطأ الاخر الذي تقع فيه الحكومة عندما لا تركز علي وسائل ارضاء المواطن البسيطة والممكنة , وهي وسائل لو استطاعت ان تضع يدها عليها لتمكنت من أن تكسب المواطن معها مشاركا ودائما لها في مواقع الانجاز الاخري بدلا من الوقوف موقف المناوئ الناقد لها .

يبدأ هذا الاسلوب بتحديد مناطق تعامل المواطن مع الحكومة , ابتداء من الميلاد وحتي الوفاة , ويمكن تحديد بعضها بسرعة عندما نبدأ بمكتب الصحة الذي تخرج منه شهادة الميلاد , الي المستشفي الذي يعالج فيه الطفل إلى إدارات التعليم التي يتعامل معها الاهالي , الي مكاتب الضرائب , واقسام الشرطة وإدارات المرور , ومكاتب الجوازات والسجل المدني , وغيرها من المصالح الحكومية او المتصلة بالحكومة التي يتعامل معها المواطن في حياته كلها , وقبل ان نحدد المطلوب دعونا نغمض أعيننا للحظة ونتخيل حجم معاناة المواطن في كل ما ذكرت من أماكن , وغيرها مما لم أذكر , وأترك لكم تصور ما يحدث وما يلقاه المواطن من معاناه ,وتخيلوا معي لو قررت الحكومة كبداية في خلق جو من الثقة بينها وبين المواطن أن تبدأ بإصلاح أحوال هذه الأماكن , وقررت ان تيسر علي المواطن في كل هذه النقاط – نقاط التماس المباشرة لها مع الجمهور – في حياته , وان يجد موظفا مبتسما , ومكتبا نظيفا , وانهاء سريع لاجراءاته واوراقه المطلوبة .

تخيلوا معي لو شعر المواطن أن الحكومة وضعت نصب عينها – وعرف ذلك وشعر به – ان تجعل حياته في هذه المناطق البسيطة اسهل وايسر ، تخيلوا معي ماذا يمكن ان يكون شعور المواطن في هذه الحالة تجاه حكومته ؟ لا اقول ان هذا يحل المشكلة , ولا اقول أن الحكومة بذلك تكون قد حلت مشكلتها مع الناس , ولكنها بداية لكي يشعر الناس ان الحكومة بحق معنية بمعاناتهم , والتالي لذلك ان يشعر المواطن ان الحكومة حكومته , وان مشكلاتها هي مشكلاته , وان انجازاتها هي انجازاته ,

دعونا نجرب .