قليلا من اللغة العربية

بقلم   عبداللطيف المناوى

اللغة هي هوية ، والحفاظ على اللغة العربية هو جزء من الحفاظ على الهوية ، ومحاولة الالتزام بالحد المناسب من اللغة الأصلية لا يعني تقعيرا ولا يعني محاولة للتعامل بتعال أو بعلياء مع الآخر ، ولا يعني أيضا إعطاء الإحساس للآخرين بالجهل ، والأكيد أنه لا ينبغي أن يكون عائقا عن التواصل أو خالقا لفجوة في العلاقة أو الفهم .

أقول هذا بمناسبة ذلك الانتشار الغير محمود لتجاوز أو لنقل لانتهاك اللغة العربية ، بل أساسيات اللغة العربية ، في العديد من التعاملات والمكاتبات ووسائل الإعلام ، بل وامتدت الأمور حتى لشعارات الأحزاب ، آخر هذه الانتهاكات عندما قرر الحزب الوطني أن يكون شعاره في مؤتمره السابع ” عشان تطمن على مستقبل ولادك ” ، لا أظن أن في الأمر جفوة أو انعزال أو تعالي أو عدم قدرة على التواصل لو قلناها بشكل آخر ” لتطمئن على مستقبل أولادك ” أو ” لكي تطمئن على مستقبل أولادك ” ، أيضا عندما اختار التليفزيون المصري أن يضع إعلاناته بعنوان ” حصري عالتليفزيون المصري ” ، ولا أظن أبدا أن استخدام حرف ” على ” بدلا من العين ، سوف يسيء إلى المعنى أو يحدث جفوة بين المشاهد المستهدف والتليفزيون .

بدأ هذا التوجه نحو الاستخدام المفرط للغة العامية الأكثر من دارجة في صحافتنا المطبوعة منذ عدة سنوات ، وظن البعض بعد ذلك أن هذا هو الطريق الصحيح للوصول إلى القارئ ، وانساق وراء ذلك العديد من الكتاب والصحفيين ، بل وبعض الصحف التي كان من واجباتها والتزاماتها أن تحافظ على اللغة العربية ، وأزيد بالقول أنه في بعض الأحيان كان استخدام اللغة العربية البسيطة يحدث أثرا كبيرا في نفس المتلقي حتى لو كان هو نفسه بسيط المعرفة .

لا أطالب بالتقعر في استخدام اللغة ، فاللغة العامية البسيطة تقترب كثيرا إن لم تكن تتطابق في معظم الأحيان مع اللغة العربية البسيطة ، هي دعوة سبقني إليها كثيرون قبلي للحفاظ على هوية أمة اللغة هي مكون رئيسي لها .

قيمة العمل

بقلم   عبداللطيف المناوى

ما نعانيه في مجتمعنا اليوم هو نتيجة لغياب اللوائح ومفهوم تلك الثقافة ، بات بذل الجهد قرين لعدم فهم قواعد اللعبة وغياب الحداقة وغياب الفهلوة والشطارة ، بدأت مصر تشهد وجود عمالة أجنبية في مصانعها بعضهم يحصل على تصريح دخول رسمي ومعظمهم يدخلون بطرق ملتوية ، وهنا عندما أتحدث عن عمالة اجنبية في بلد سكانه يتجاوز ال 80 مليونا ، ونسبة البطالة فيه تتراوح حول نسبة العشرة في المائة ، ومن يعيشون فيه تحت خط الفقر يقتربون من 20 في المائة ، عندما يكون المجتمع بتلك المواصفات وبهذا الشكل ويلجأ لعمالة أجنبية فهذا مؤشر جدا خطير ، عندما أتحدث مع أصحاب المصانع والشركات عن سبب  استقدامهم لعمالة أجنبية ويكون المتوقع الحديث عن رخص الأيدي العاملة الأجنبية تكون المفاجأة في الإجابة   أن المسألة لا ترتبط برخص الأيدي العاملة ولكن بجودة وكفاءة العمالة الأجنبي وأكثر من ذلك الالتزام بما يمكن أن نطلق عليه ثقافة العمل المتبع ، فضلا عن أن عددا كبيرا من المصريين يرفضون تلك الأعمال التي تتطلب كفاءة خاصة خاصة  ، أولا لأن العدد المدرب غير كافي ، ثانيا أن الرغبة الأساسية التي تحكم من يرغبون في العمل ويبحثون عن العمل البسيط الغير مجهد الذي لا يستهلك وقتا كبيرا حتى يتمكن من إيجاد عمل آخر أو عملين بجواره ، إذن المشكلة الرئيسية في هذا النطاق تتعلق بمسألة الكفاءة والتدريب ، والنقطة الثانية هي ثقافة العمل .

إن أسلوب الدولة في هذه المرحلة في التعامل مع الفقراء كما يبدو واضحا في التعامل مع هذه القضية لا يرتكز على مفهوم الدعم للفقراء المتمثل في إعانات مالية أو دعم مباشر أو غير مباشر وإنما يتمثل في دعم الفقراء للخروج من دائرة الفقر وهذا لن يتأتي إلا من خلال تدريب على العمل وهذا الذي على الدولة أن توفره .

النقطة الثانية هي تأصيل ثقافة العمل وأهمية العمل وجدواه والقناعة أنه هذا هو الطريق ـ ليس فقط للخروج من دائرة الفقر ـ وإنما لتطور المجتمع

المواطنة أمينة شفيق

بقلم   عبداللطيف المناوى

جاء قرار الرئيس مبارك  بتعيين الأعضاء العشرة الذين له حق تعيينهم وفقا للدستور بمجلس الشعب ضابطا ولو جزئيا لبعض الخلل الناتج عن الانتخابات ، ولكني شخصيا أعتقد أن أحد أهم الشخصيات التي فرحت بوجودها بين المعينين هي الأستاذة أمينة شفيق ، وعندما أقول الأستاذة فإنني أعني ذلك بحق ، التقيت بالكثيرين خلال عملي أو اهتماماتي بالقضايا العامة ، كان من أكثر من وجدتهم رسوخا على مبدأ، وعملا من أجل الآخرين بقناعة كانت الأستاذة أمينة شفيق ، ورغم أن الوصف السياسي لها هو أنها  يسارية الاتجاه إلا أنني أظن أنها تجاوزت منذ عدة سنوات ذلك التوصيف السياسي الضيق ، وخرجت من اليسار أو اليمين إلى مساحة الإنسانية والوطنية .

يصفها من يعرفها بأنها يسارية لم تحد أو تقايض على يساريتها وتعلن انحيازها للفقراء ، ويرى الكثيرون أنها من أكثر الفئات الهامشية  ومن أكثر الصحفيين الذين اهتموا بالعمل الأهلي ، ولم تخلط  في يوم من الأيام  بين موقفها السياسي أو انتمائها الحزبي وخدمة من تلتزم ناحيتهم ، كانت تحصل على أعلى الأصوات من كل الاتجاهات في أي انتخابات نقابية ، فالجميع يحترمها ويقدرها ومن يختلف معها لا يمتد اختلافه في أي لحظة من اللحظات إلى ذلك الاحترام والتقدير .

آخر مواقفها التي تعبر عنها وتتسق مع شخصيتها عندما أعلنت منذ فترة طويلة عن رغبتها في خوض الانتخابات ، واتخذت خطوات بالفعل ولكن ما إن أعلن الحزب الوطني الديمقراطي الذي ليست هي عضويته عن ترشيح الدكتورة مديحة خطاب زميلتها في المجلس القومي للمرأة على نفس المقعد ، حتى قررت أمينة شفيق الانسحاب  من المنافسة على مقعد جنوب القاهرة لأنها لا تحتمل مشهد تتنافس فيه امرأتان تعملان من أجل المرأة على نفس المقعد ، فآثرت الانسحاب احتراما لقيم التعاون والتضامن من أجل المرأة لأنها كما ترى أن في ذلك خدمة لقضايا المرأة .

أظن أن امينة شفيق هي أكثر الصحفيين وأكثر العاملين في مجالات العمل العام ـ وقد تعاونت معها في هذا المجال ـ  الذين جابوا قرى مصر ، سارت على قدميها ، وتحدثت مع أهلها وخبرتهم عن قرب دون حواجز أو حراسات ، لم ألتق من بين المهتمين بشأن المواطن المصري مثل أمينة شفيق .

تقول أمينة شفيق عن نفسها ” أنا من مواليد القاهرة .. أهتم بالمرأة الريفية و المهمشة والعشوائيات، ليس لي علاقة بالشياكة ولا أعرف الصالونات، ولكنى أعرف أنني أعمل وعندما أتعب أنام، فأنا امرأة مكافحة تعمل بجد ـ مش هانم ـ  أنا موطنة مصرية بسيطة، بنت بلد جدعة أعرف في الأصول جيدا ” ومن وجهة نظرها أن المبادئ  تساوي الضمير .

مرة أخرى أظن أن الأستاذة أمينة شفيق إحدى النقاط المضيئة القليلة في تجربة البرلمان الجديدة .

عن التحرش والنظافة

 بقلم   عبداللطيف المناوى

هناك بعض الأمور التي أحزن عندما أشاهدها أو أسمع عنها تحدث في مصر . وما أدراكم ماذا تعنى هذه الكلمة الكبيرة التي اسمها مصر ، الوطن ، التاريخ ، الحضارة ، أم الدنيا عن حق ، والتي شارك أهلها وأبناؤها في تعليم البشرية وصناعة الحضارة ، هذا الوطن الذي يحمل اسم مصر يتشرف كل من يعيش فيه من أبنائه وزواره .

ولكن ! وآه من كلمة لكن ، عندما نجد من الظواهر ما يسيء إلى هذه القيمة فإن الحزن هو ما يتملكنا ، الفقر ليس عيباً ، ومحدودية الإمكانيات ليست من الأمور التي نخجل منها ، ولكن عندما نجد انه بات جزء من مشكلاتنا اليومية أمور مثل غياب النظافة ، أو الحديث عن تزايد قضايا التحرش فإن مثل هذه الأمور هى من الأمور التى تصيب كل من يعرف قيمة هذا الوطن بالحزن الشديد ليس مقبولاً أن تكون مسألة مثل النظافة هي إحدى مشكلاتنا ، هذا يتناقض مع ما نملك من قيمة كشعب ومجتمع ، وأظن أن دور تصحيح هذا الوضع هو من أكثر الأدوار أهمية سواء لمنظمات المجتمع المدني أو المؤسسات التعليمية أو الإعلامية ومؤسسات الدولة المختلفة ، قد أصل إلى حد القول أن مثل هذه القضية يمكن أن تكون أهميتها ترقى ان لم تكن تتخطى أهمية قضايا أخرى تبدو وكأنها أكثر أهمية .. لآن مثل هذه الأساسيات هى أحد أهم عناصر تكوين مجتمع قوي ، فلا مجتمع يقدر على مواجهة مصيره وتحدياته وهو يعانى من مشكلات مثل النظافة أو  التكاسل في العمل أو يعانى من تزايد ظواهر لا أخلاقية مثل ظاهرة التحرش الجنسي .

ومسألة التحرش الجنسي هى الأخرى من الموضوعات المخجلة والمحزنة و التي ينبغي مواجهتها بقوة ، ليس فقط على المستوى الأمني ، ولكن على مستوى السلوك العام نفسه ، ذلك السلوك الذي كان فيه أبن البلد ، أو ابن الشارع ، أو ابن الحتة الذى ينظر إلى أى فتاة أو سيدة فى الشارع نظرة الاحترام ، ولديه الإحساس بأنها فى حمايته ، حماية الرجل الشهم ، عندما تسجل أرقام الشرطة 600 حالة تحرش فى القاهرة والإسكندرية وحدهما فى أول يوم العيد فقط فإن هذا أمر محزن .

لا يعقل أن دولة بحجم مصر عمرها يتعدى السبعة آلاف سنة ، غيرت العالم كله ، وحافظت على قيم الحضارة أن تعاني في القرن الواحد  والعشرين من ظواهر مثل التحرش وانعدام النظافة .الأمر يستحق أن نتوقف لنسأل أنفسنا : لماذا ؟

كمال الشاذلي

بقلم   عبداللطيف المناوى

المرة الأولى التي التقيت فيها كمال الشاذلي كانت في أحد فنادق لندن ، عندما كان يزورها للمشاركة في ندوة في أحد قاعات البرلمان البريطاني ، كان ذلك في أواخر التسعينيات وكنت وقتها أعمل صحفيا في صحيفة الشرق الأوسط ، دخلت عليه غرفته ، كان هو من فتح الباب بنفسه ، متخففا من جاكت البدلة التي يلبسها ومن الحذاء ، صافحني بطريقة ذكرني فيها بأخوالي من أهل القرية ، بالطريقة التي تمزج بين الدفء والود والبساطة ، تعامل معي بلا تكلف كأنه يعرفني من سنوات ، وطلب مني أن أفتح الثلاجة التي في الغرفة قائلا ” اعتبر نفسك في بيتك اشرب ما تريد ” ، أجريت معه الحوار ، أجاب بتلقائية وعفوية ورفض الإجابة أيضا بتلقائية وعفوية عن بعض الأسئلة طالبا مني وقتها ” بلاش نتكلم في الموضوع ده دلوقتي ” ، خرجت من اللقاء حاسما موقفي الإنساني تجاه كمال الشاذلي الفلاح ابن القرية الذي يتعامل ببساطة أهل القرية ونبل عمدة القرية ، وبأبوة كل من اعتدنا أن ننادية بخال فلان أو عم فلان ، هذا هو الجانب الإنساني في كمال الشاذلي وهو متفق عليه من كل من خالفه أو اتفق معه .

كمال الشاذلي هو أحد أهم الشخصيات المصرية المثيرة للجدل ، اختلف معه كثيرون ، واتفق معه كثيرون في مواقفه السياسية وفي إدارته للعملية الحزبية والانتخابية و البرلمانية إلا أن الجميع اتفق على كمال الشاذلي الإنسان .

هناك لحظات تتراجع فيها الخلافات والاختلافات في وجهات النظر وفي المواقف السياسية وتتقدم المشاعر المتفق عليها وأظن أنه مع كمال الشاذلي فالمشاعر المتفق عليها هي الحب والتقدير لهذا الرجل و” جدعنته “ومواقفه الريفية لابن البلد .كمال الشاذلي هو أقدم برلماني مصري وفي العالم، وكان هذا أحد الموضوعات التي كان يشعر بالفخر بها ، وله الحق في ذلك ، فهو يشغل مقعده منذ عام 1964، كما كان أمين التنظيم السابق بالحزب الوطنى وأحد أهم أعمدته فى السنوات الماضية، وكان وزير الدولة لمجلس الشعب حتى عام 2004، ثم رئيسا للمجالس القومية المتخصصة ، وظل في كل هذا أحد علامات الحياة السياسية في مصر حزبيا وبرلمانيا ، ترك بصمة يعترف بها الجميع ، وكان له حضور لا يختلف عليه أحد ، وقدرات حاضرة وواضحة للعيان ، الجميع يتفق على ذلك حتى لو اختلف مع بعض التوجهات أو السياسات أو الأساليب لكن هذا  لا ينفي ذلك الحضور الكبير .في  بعض اللحظات تتراجع الاختلافات ، ويتراجع عدم الاتفاق على سياسات أو مواقف ويتصدر الصورة الاتفاق على حضور الإنسان كمال الشاذلي .

مصدر الحياة

بقلم   عبداللطيف المناوى

ينقطع الحبل السري ليبدأ كل منا حياته في رحلة تبدو وكأنها مرحلة من مراحل الاستقلال والعيش المعتمد فيه على النفس ، يقل الاعتماد على مصدر الحياة تدريجيا ـ أو هكذا نظن ـ نبدأ  أولى خطواتنا المتعثرة دون وعي  ـ  أو هو وعي ساكن فينا دون أن ندري ـ تحول بيننا وبين تعثرنا ، أو تساعدنا لننهض ونبدأ رحلتنا مرة أخرى مستقلين معتمدين على أنفسنا ـ أو هكذا نظن ـ وكل مرة في كل أزمة أو كل فرحة نندفع دون أن ندري لنبحث عن مصدر للحياة وكأننا نبحث عن مصدر للطاقة .. بل مصدر للحياة .

ينقطع الحبل السري ـ أو هكذا نظن ـ ونتخطى مرحلة الفطام ـ أو هكذا نظن ـ و نعتمد على أنفسنا في المأكل والحركة ـ أو هكذا نظن ـ ونبدأ علاقاتنا المستقلة التي نريد أن نؤكد بها أننا أصبحنا كبارا ، أصبحنا مستقلين ، ولكن نكتشف دون أن ندري أن كل حياتنا تعود لتدور حول  ذلك المصدر ، مصدر الحياة ، لأننا دون أن ندري فإن حياتنا هي حياة مشتركة  ، بدأت منذ كانت نطفة ، وتظل مشتركة  إلى نهاية المدى الذي لم أعرفه بعد ، الشراكة هنا هي شراكة لا نختارها لأنها حياة ، علاقة أزلية بيننا وبين مصدر هذه الحياة لنا .

ينقطع الحبل السري ـ أو هكذا نظن ـ ولا ينتهي اعتمادنا المادي والنفسي و المعنوي ، نتلمس عناقا بعد غياب ، أو صوتا راض  ، أو دعاء  نظن  أنه سوف يكون المخرج من كل الأزمات ، والدعم لنا في مواجهة الحياة ، نبحث عن الرضا حتى  لو كنا نكابر أنفسنا أحيانا وندعي أننا كبرنا وفطمنا ، وتباعد بيننا الأيام  والمسافات ولكن يظل ذلك الرباط الذي لا نراه دائما ممتدا ، رباطا لا نعرف تحديدا من أية نقطة يمسك بنا ـ أظنها كل نقطة ولكنها تبدأ من أعماقنا ، ليس أعماق الجسد ، لكنها أعماق أخرى لا أدري طبيعتها ، ولكني أظن أنها أعماق روحنا ، والطرف الآخر لهذا الرباط هو الطرف الآخر للحبل السري الذي ربطنا بالحياة وأمدنا الحياة وأعطى معنى لهذه الحياة .

جلست إلى جانب جثمانها ـ مصدر حياتي ـ طويلا ، راقدة في هدوء ، في سلام ، ويمر أمامي شريط حياتي التي منحتني إياها ، أحاول أن أستحضر أول صورة انطبعت في ذهني عنها ، وأذكر فقط نظرتي إلى أعلى كثيرا وهي ممسكة بيدي نسير في الشارع ، لا أذكر كم كان عمري لكني أذكر الحالة ، تفاصيل  كثيرة ، مواقف كثيرة ، أحداث كثيرة ، عثرات ، نجاحات ، إحباطات ، فرح ، حزن ، بعد ، قرب ، ليل ، نهار ، لأكتشف أنها كل تفاصيل الحياة ، كانت فيها ، حضرتها ، عاشتها معي ، دون أن أدري ، أو كنت أدري ،  كانت دائما أينما كنت مهما كان البعد ، ومهما كان الوقت ، كانت هنا ، بل كانت في قلب كل شيء في قلب الحياة .

لم ينقطع الحبل السري ، حتى عندما واراها الثرى ، ظل ذلك الإحساس بأن ذلك الرباط ما زال موجودا ، قويا ، بلا إنكار ولا  ادعاء بأنني كبرت وصرت مستقلا ، الرباط موجود ، وكان موجودا دائما  ، واليوم عرفت أنه سوف يظل إلى الأبد .

أكثر ما سوف أفتقده هو صوتها عندما  كانت ترد على مكالمتي الصباحية لها وهي تقول ” صباح الخير يا روح قلبي ” .

رحمك الله يا أمي .

سوشي

بقلم   عبداللطيف المناوى

الطعام هو أحد الملامح الأساسية لثقافات الشعوب ، عرفنا الطليان بالبيتزا والمكرونة ،وعرفنا الأمريكان بالهمبورجر  ، وعرفنا الانجليز بوجبة السمك والبطاطس الشهيرة ، ومؤخرا اجتاح اليابانيون العالم بأكلتهم التي أصبحت شهيرة في مصر هذه الأيام وهي السوشي ، وفي مختلف بلاد العالم نجد مطاعم الأكلات اليابانية أو الأكلات الإيطالية او الأكلات اللبنانية وغيرها .

بالنسبة لنا في مصر ، فأشهر الأكلات شعبية وانتشارا هي الفول ومشتقاته المعروفة  من الطعمية أو الفول المدمس أو الفول النابت أو الفول بالصلصة والبصارة التي يدخل فيها الفول أيضا ، وغيرها ، ومع الأسف فنحن نتعامل مع هذا الجزء المكون من شخصيتنا  بدون قدر من الفخر به أو الاعتزاز  ، ولم ينجح مشروع في أي دولة من دول العالم  لمطاعم مصرية  أو انتشار لأكلات مصرية ، وجزء من عدم النجاح هذا يعود إلى أننا لم نحاول أن نتعامل مع هذا الموضوع بقدر من الجدية ، ولم يتعامل معها المستثمرين ورجال الأعمال من الذين يمكن أن يكون لهم حضور في هذه الموضوع بقدر من الجدية .

اذكر إحدى تجارب المطاعم المصرية في لندن والتي لم تعش طويلا لأنها كانت دائما محل مقارنة  بينها وبين المطاعم الأخرى في أسلوب التقديم والطهي و الالتزام و الارتباط بمعايير البلد التي تكون فيها .

وبداية هذه المعايير تبدأ هنا في مصر عندما نتعامل باحترام  مع هذه الوجبات التي هي جزء من الشخصية المصرية ولكنها تحتاج إلى أن نتعامل معها  بشكل يحاول أن يطور الشكل الذي تقدم به ويراعي متطلبات من يتلقاها .

الثقافة المصرية ليست أقل من أي ثقافة من الثقافات ولا ينبغي أن ننظر باستهتار أو بخفة إلى هذا الموضوع .

التجربة السعودية في ضبط فوضى الفتاوى

بقلم   عبداللطيف المناوى

مصر هي بلد الأزهر الشريف ، الذي حافظ على مدار أكثر من ألف عام على وسطية الإسلام ، و أنار شيوخه العالمين الإسلامي والعربي بوسطية الدين ، وعندما إغلاق بعض القنوات التي تثير الفتنة وتنشر التشدد ، وتحرم كل ما أحل الله ، فإن هذا الإغلاق يلقي على الأزهر مهمة ضبط الفتوى وإعادة الأزهر إلى دوره في نشر الفتوى المعتدلة ووسطية الإسلام  .

الفتاوى المتشددة والتي تدعو إلى تكفير الجميع ـ والتي ذكرت بعضا من نماذجها في مقال سابق ـ قد تعصف وتدمر المجتمع بأكمله ، ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى ما حاولته السعودية خلال الأسابيع الأخيرة أيضا حين أصدر العاهل السعودي الملك عبد الله أمراً ملكياً يقضى بقصر إصدار الفتاوى على الفقهاء المرخص لهم رسمياً في خطوة جديدة تأتي في إطار عمل الدولة لإعادة العقل والمنطق في ظل الفوضى التي عاشتها السعودية في مجال الفتاوى الدينية . وقد أصبح الحق في إصدار الفتاوى محصوراً على رجال الدين المرتبطين بهيئة كبار العلماء بموجب الأمر الذي صدر في أغسطس الماضي.

كتب الملك عبد الله في نصّ الأمر الذي أُرسِل إلى مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: “أداءً للواجب الشرعي والوطني، نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء… ومن نأذن لهم بالفتوى”. وتابع “يُستثنى من ذلك الفتاوى الخاصة الفردية غير المعلنة في أمور العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسئول. على أن يُمنَع منعاً باتاً التطرّق إلى أي موضوع يدخل في مشمول شواذ الآراء ومفردات أهل العلم المرجوحة وأقوالهم المهجورة”. واعتبر عبد الله أن قيام أشخاص غير أكفاء بإصدار فتاوى هو انتهاك للشريعة الإسلامية، وأن هذه الممارسات تقوّض مؤسّسات الدولة الرسمية وتتجاوز “حرمة الشرع”. وطلب الأمر أيضاً من المفتي العام أن يرفع إلى الملك أسماء العلماء الذين يجدهم من أهل الكفاية لإصدار الفتاوى.

وعقب صدور الأمر الملكي، طلبت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من كل الأئمة والواعظين التقيّد بأحكامه وشرحه في خطب يوم الجمعة. وأعطت الوزارة أيضاً توجيهات لموظّفيها كي يتوقّفوا عن قبول طلبات إصدار الفتاوى. وذكرت صحيفة الوطن السعودية أنّ رئيس جامعة الإمام محمد سوف يتّخذ إجراءات صارمة بحقّ أي عضو في الهيئة التعليمية يخالف الأمر الملكي. وقد تعرّض بعض العلماء إلى التوبيخ العلني بسبب عدم التقيّد بالحظر، وبينهم الشيخ يوسف الأحمد الذي أكّد أنّ استخدام النساء ليعملن أمينات صندوق في المراكز التجارية هو انتهاك للشريعة الإسلامية.

منذ صدور الأمر الملكي، أُغلِق عدد من المنافذ التي كانت تُستعمَل لإصدار الفتاوى، مثل المواقع الإلكترونية والبرامج التي تتلقّى اتّصالات مباشرة من الناس عبر المحطّات الفضائية الدينية.

بغض النظر عن تقييم التجربة فاعتقد أنه من المناسب عرض التجربة السعودية في هذا المجال .

كفاية .. حرام

بقلم   عبداللطيف المناوى

ما حدث على كورنيش النيل “الخالد ” ، و بالقرب من الأويرا رمز الحضارة في المجتمعات ، وأمام بوابات النادي الأهلي الذي يعتبر جزءا من تاريخ هذا الوطن السياسي ـ وليس فقط الرياضي ـ وليس بعيدا عن مناطق عديدة في القاهرة كانت شاهدة على رقي وحضارة وأصل هذا الشعب ، هذا الموقع شهد مساء أمس مهزلة لا يمكن إلا أن نأسى ونشعر بالحزن لحدوثها ، وذلك عندما لم يتمكن عدد من الجماهير لدخول مباراة لكرة اليد بين فريقي الأهلي والزمالك ، ولازدحام الملعب فلم يكن رد الفعل سوى حالة من الغوغائية والفوضى ونفث سموم الغضب والتعصب ليخرج هؤلاء ليحطموا كل السيارات الموجودة في المنطقة ويتقدموا خطوة ويحطموا واجهات العمارات و المحلات القريبة من المنطقة ، ويتقدمون خطوة أخرى ليستعرضوا تلك الحالة من الفوضى المنفردة أمام سفارات الدول الواقعة في هذا المكان.

ويمر أحد مشجعي النادي الآخر وهو يرتدي زي هذا النادي فلا يلقى سوى التجريد من الملابس و الاعتداء عليه بالضرب وتكسير ما يلزم من سيارة أو نظارة أو ساعة .

لست هنا في مجال الحديث عن من الذي اعتدى على من ، ولست هنا في مجال أن أوجه اتهاما لطرف على حساب الآخر ، لكني أقف أمام سلوك اجتماعي أخشى أنه يكون حالة لا نتمنى أن تكون عامة ، وتلك الحالة من التربص ومن التعصب ومن الغضب ومن التعبير العنيف والرغبة في التدمير ، هذه الحالة في حاجة إلى وقفة حازمة من كافة مؤسسات الدولة وكافة مؤسسات المجتمع المدني كافة مؤسسات التعليم وكافة المؤسسات الدينية .

ما حدث لم يكن مجرد شجار بين مشجعي فريقين ، ولم يكن إعلان غضب من عدم الحصول على تذكرة للسماح بالدخول إلى المباراة ، ما حدث يتخطى ذلك بكثير ، وما حدث يحتاج أيضا إلى وقفة لإعادة تقييم التعامل الأمنى مع مثل تلك القضايا وغيرها مما يمس أمن المواطن بشكل مباشر .مع مزيد من الحزن والأسى تجاه مثل هذه المواقف لا أجد تعبيرا عما حدث سوى ذلك التعبير الشهير الذي يرفعه مشجعو الدرجة الثالثة ، ولكن أعني به معنى مختلفا هذه المرة : ” كفاية .. حرام “

بيات رمضاني

بقلم   عبداللطيف المناوى

بدأت اليوم الأول من شهر رمضان بملاحظة لم تكن بريئة تماما من السائق عندما بادرني بقوله بعد ” كل سنة وأنت طيب ” بأنه لم يجد مكانا ليركن فيه السيارة حيث أن جميع من في الشارع  لم تتحرك سياراتهم هذا الصباح لأنه أول رمضان ، فهمت ما لم يقله السائق : فلماذا نزلت أنت ؟ لم يكن الوقت مبكرا في الصباح ، وعلى الرغم من ذلك بدا الشارع الذي أسكن فيه وكأنه بداية صباح مبكر جدا .

تحركت بالسيارة وبدت شوارع القاهرة على عكس ما كانت عليه تماما بالأمس ، بدت القاهرة وكأنها في يوم جمعة ، بأنها في وقت عيد ، في وقت صيف حار فكانت خالية إلا ممن اضطر للسير فيها .

أطالع صحف الصباح فإذا على صفحاتها الأولى بأن الداخلين إلى القاهرة بالأمس قضوا على مداخلها ما يقرب من أربع ساعات  ليدخلوها قادمين من المصايف ، عندما أقارن ما قرأت عن الأمس بما شاهدت اليوم كدت أظن بأنهم قد عادوا إلى بيات رمضاني لا أتمنى أن يكون إلا بياتا ليوم واحد وليس لشهر كامل .

أعرف بعض من قاوم حالة الاستسلام للبيات الرمضاني ( بيات من العمل فقط ) فقرر أن يقاوم ويذهب إلى عمله ، ولكن في ظل عدة شروط  أن تكون السيارة واقفة في الظل فلا تكون حارة والجو ساخن فيها ، وأن تكون الشوارع خالية وأن يوجد مكان أمام مدخل عمله مباشرة ، أن يبتسم في وجهه البواب ، ألا يكون المصعد متعطلا ، وأن يكون التكييف في المكتب سليما ، وألا يجد غائبا عن العمل ، هذه  هي الشروط التي وضعت لكي يقاوم حالة البيات وكلما مر بشرط دعا الله في هذا الشهر المبارك ألا يتحقق الشرط التالي ، وما أعلمه أن الله حقق دعوته ، فعاد إلى بياته .

تعلمت من سنين مما تعلمت أن رمضان ينبغي أن يكون شهر عبادة ، وتعلمت أن من بيان أشكال العبادة العمل ، ولم نتعلم أن شهر رمضان هو شهر إضراب عن العمل ولكن فيما يبدو فإنه ليس كل ما تعلمناه صحيح في كل الأحوال .

هذا ليس انتقادا ولكنها صورة تحمل في ملامحها بعض الصحة أردت أن أشير إليها في إطار تسالي الصيام ، وكل عام وأنتم بخير