زحف الدولة الدينية

بقلم   عبداللطيف المناوى

على الرغم من أن الدستور المصري ينص في مادته الأولى على أن المواطنة هي الأساس في التعامل وحق لكل مواطن، و على الرغم من الدعوة المستمرة لمدنية الدولة ، ولوجود الدولة المدنية القائمة على التعدد واحترام الآخر، واعتماد الوسطية والاعتدال في كل معاملاتنا ، وعلى الرغم من أن الدستور ينص في عدد من مواده وخاصة في المادة 40 على الحقوق المتساوية لكل المصريين ، على  الرغم من كل هذا إلا أن الملامح العامة والمقدمات لما يحدث حولنا تعطينا الانطباع إلى أننا نزحف باتجاه الدولة الدينية  .

هذا الزحف غير المنظم أو غير المقصود أو غير الواعي يدل على أننا ندفع باتجاه هذا المفهوم ـ مفهوم الدولة الدينية ـ بوعي  أو بغير وعي ، وليس أدل على ذلك من حالة التدين السطحي الحادث والمستشري في الشارع في المتجمع ، أو الدفع باتجاه حالة التديين ، أيضا هذا الكم الكبير من القنوات الدينية التي لا تقدم صحيح الدين أو تدفع باتجاه الوسطية بقدر ما تدفع في اتجاه التطرف و الطائفية وتؤثر في شرائح مختلفة تستمع لمن يرفع صوته باسم الدين، أيضا هناك حالة التقييم والتفسير لما يحدث ـ حتى لو كان لظاهرة علمية ـ على أساس ديني في كل المناطق و الأماكن  ، أيضا لغة الخطاب التي نستخدمها التي تغلب مصطلح الساجدين على  أي مصطلح آخر ، وإشهار الدين في وجه  من يتحدث بأي  كلام مخالف حتى يصمت ، واستغلال الدين للتأثير على المواطنين البسطاء .

من يراقب ما يحدث في المجتمع سيلاحظ هذا ، سيلاحظ انتشار الغيبيات على حساب الحقائق القائمة على العلم ، و هو الأمر الذي يؤدي إلى تغيب الوعي وبالتالي إلى تدين شكلي غير حقيقي   أدعو هنا إلى وقفة  ضد ما يحدث ، ضد هذا التطرف في استخدام الدين ، وتفسير الأمور الحياتية على أساس ديني ،وهو الأمر الذي لا يمكن الخروج منه إلا بالتأكيد على فكرة الدولة المدنية القائمة على تعدد فكري وحزبي ، الدولة القائمة على المواطنة واحترام الآخر .

التجربة السعودية في ضبط فوضى الفتاوى

بقلم   عبداللطيف المناوى

مصر هي بلد الأزهر الشريف ، الذي حافظ على مدار أكثر من ألف عام على وسطية الإسلام ، و أنار شيوخه العالمين الإسلامي والعربي بوسطية الدين ، وعندما إغلاق بعض القنوات التي تثير الفتنة وتنشر التشدد ، وتحرم كل ما أحل الله ، فإن هذا الإغلاق يلقي على الأزهر مهمة ضبط الفتوى وإعادة الأزهر إلى دوره في نشر الفتوى المعتدلة ووسطية الإسلام  .

الفتاوى المتشددة والتي تدعو إلى تكفير الجميع ـ والتي ذكرت بعضا من نماذجها في مقال سابق ـ قد تعصف وتدمر المجتمع بأكمله ، ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى ما حاولته السعودية خلال الأسابيع الأخيرة أيضا حين أصدر العاهل السعودي الملك عبد الله أمراً ملكياً يقضى بقصر إصدار الفتاوى على الفقهاء المرخص لهم رسمياً في خطوة جديدة تأتي في إطار عمل الدولة لإعادة العقل والمنطق في ظل الفوضى التي عاشتها السعودية في مجال الفتاوى الدينية . وقد أصبح الحق في إصدار الفتاوى محصوراً على رجال الدين المرتبطين بهيئة كبار العلماء بموجب الأمر الذي صدر في أغسطس الماضي.

كتب الملك عبد الله في نصّ الأمر الذي أُرسِل إلى مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: “أداءً للواجب الشرعي والوطني، نرغب إلى سماحتكم قصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء… ومن نأذن لهم بالفتوى”. وتابع “يُستثنى من ذلك الفتاوى الخاصة الفردية غير المعلنة في أمور العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، بشرط أن تكون خاصة بين السائل والمسئول. على أن يُمنَع منعاً باتاً التطرّق إلى أي موضوع يدخل في مشمول شواذ الآراء ومفردات أهل العلم المرجوحة وأقوالهم المهجورة”. واعتبر عبد الله أن قيام أشخاص غير أكفاء بإصدار فتاوى هو انتهاك للشريعة الإسلامية، وأن هذه الممارسات تقوّض مؤسّسات الدولة الرسمية وتتجاوز “حرمة الشرع”. وطلب الأمر أيضاً من المفتي العام أن يرفع إلى الملك أسماء العلماء الذين يجدهم من أهل الكفاية لإصدار الفتاوى.

وعقب صدور الأمر الملكي، طلبت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من كل الأئمة والواعظين التقيّد بأحكامه وشرحه في خطب يوم الجمعة. وأعطت الوزارة أيضاً توجيهات لموظّفيها كي يتوقّفوا عن قبول طلبات إصدار الفتاوى. وذكرت صحيفة الوطن السعودية أنّ رئيس جامعة الإمام محمد سوف يتّخذ إجراءات صارمة بحقّ أي عضو في الهيئة التعليمية يخالف الأمر الملكي. وقد تعرّض بعض العلماء إلى التوبيخ العلني بسبب عدم التقيّد بالحظر، وبينهم الشيخ يوسف الأحمد الذي أكّد أنّ استخدام النساء ليعملن أمينات صندوق في المراكز التجارية هو انتهاك للشريعة الإسلامية.

منذ صدور الأمر الملكي، أُغلِق عدد من المنافذ التي كانت تُستعمَل لإصدار الفتاوى، مثل المواقع الإلكترونية والبرامج التي تتلقّى اتّصالات مباشرة من الناس عبر المحطّات الفضائية الدينية.

بغض النظر عن تقييم التجربة فاعتقد أنه من المناسب عرض التجربة السعودية في هذا المجال .

دور المراجعات في التصدي للعنف

بقلم   عبداللطيف المناوى

من المهم ونحن نتابع الجدل الدائر في الذكرى التاسعة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر ، أن نتذكر  تجربة مصرية مهمة في محاربة الإرهاب ، بدأت تقريبا في الوقت الذي كانت كانت فيه معتقلات العالم تفتح لحبس الإسلاميين ، وكانت مصر تفتح سجونها ليخرجوا ، أتحدث هنا عن تجربة مراجعات الجماعة الإسلامية ، والتي تحدثت عنها مرارا من قبل ، ولكن ما زلت أرى أنها لم تلق الدراسة والاهتمام الكافيين .

أقول هذا بمناسبة حوار مهم أجراه موقع مركز الدين والسياسة للدراسات مع منظر الجماعة الإسلامية الدكتور ناجح إبراهيم  وتحدث فيه عن أهمية المراجعات الفكرية الخاصة بالجماعة الإسلامية على اعتبار أول جماعة في تاريخ الحركات الإسلامية المسلحة تعلن عن مراجعات لأفكارها بمحض إرادتها وبمبادرة منها، وليس بناء على طلب من الدولة أو الحكومة كما يقول البعض.

الدكتور ناجح إبراهيم تحدث في حواره عن تأثير هذه المراجعات محليا ، ودوليا ، فمحليا ” تمثل في فتح الباب أمام التنظيمات المحلية لأخذ نفس القرار الشجاع بمراجعة أفكارها وأولها جماعة الجهاد التي قامت بالمراجعات عام 2007، قادها منظرها الشيخ سيد إمام الشهير بالدكتور فضل، شيخ الدكتور أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة ، و أيضا ساهمت الجماعة الإسلامية في مراجعات ما أطلق عليه “تنظيم سيناء” الذي قام بتفجيرات طابا عام 2004 وشرم الشيخ عام 2005، حيث قام قادة الجماعة الإسلامية بشرح المضامين الفقهية لكتب المراجعات الفكرية لهم في السجون، وتسبب ذلك في إعلانهم نبذ العنف وإلقاء السلاح ، وهو ما أدى إلى النجاح الباهر لوقف مسلسل العنف في سيناء بعد عام واحد من القبض على التنظيم، وهذا جزء من قيمة ونجاح المراجعات الإستراتيجي، وهو تجفيف منابع الفكر التكفيري العنيف ، أما التأثير الإقليمي ـ والكلام ما زال للدكتور ناجح ـ فقد كان قويا وأكثر من متوقع وهو تكرار التجربة مع تنظيمات مسلحة في اليمن والمغرب، وبرنامج المناصحة الذي تنفذه الحكومة السعودية لعدد من الإسلاميين، وقد استفاد هذا البرنامج بشكل كبير من الأفكار التي جاءت في مراجعات الجماعة الإسلامية، وأخيرا إعلان الجماعة الليبية المقاتلة عن مراجعات فقهية لأفكارها “.

ما أود أن ألفت إليه هنا ، هو أهمية الترويج لهذه المراجعات ، فما زال تأثيرها  على الأجيال الجديدة في القاعدة وغيرها ضعيف، وذلك راجع  إلى ضعف التواصل مع المجتمع وعدم نشرها بين الشباب، وهذا نابع من أنها لا تزال جديدة ، و أعتقد أن الاهتمام بفكرة التواصل ، وتوصيل أفكار المراجعات إلى قطاعات عريضة كفيل بصد والتصدي  لأي أفكار تروج للعنف .

حتى لا ينقطع ما اتصل

بقلم   عبداللطيف المناوى

وفاة اللواء أحمد رأفت مهندس مراجعات الجماعات الإسلامية لا ينبغي أن تكون نهاية مرحلة تفاعل الدولة مع هذه الجماعات ، فالتجربة المصرية الرائدة والهامة في ملف الجماعات الإسلامية والتي انتهت  بإغلاق الجانب العنيف في فكر هذه الجماعات و التي قامت على أكتاف اللواء أحمد رأفت وزملائه هي تجربة كما ذكرت بالأمس ناصعة ومهمة في تاريخ جهاز الأمن المصري ، وهي تجربة وقفت أمامها العديد من دول العالم وحاولوا الاستفادة منها وتطبيقها ، وكما سبق وأن ذكرت بالأمس فإن هذه التجربة تمت باقتناع أحمد رأفت وإدارة وإشراف قيادات الداخلية  .

من خلال متابعتي لهذا الجهد  خلال الفترة الماضية في هذا الملف لهذه المجموعة فإن أكثر ما أخشى عليه هو ألا يتم الاستمرار في هذه السياسة  بالذات  بقوة الدفع التي بدأت بها واستمرت عليها طوال الفترة الماضية .

إن مبادرة الجماعة الإسلامية والتي بدأت بمراجعات فكرية وفقهية في السجون  ، وبإشراف أحمد رأفت وزملائه ، وبعمل حوارات مفتوحة حتى يصلوا إلى الطريق الصحيح ووصلت بأن آتت ثمارها في مراجعات تعيد قراءة الفكر الردايكالي و تبين الصواب من الخطأ ، وتلاها مراجعات تنظيم الجهاد ، والإفراج عن معتقلي الجماعتين : الجهاد والإسلام  لهي تجربة مهمة يجب أن تستمر وألا تتوقف ولم تصل إلى هذه الدرجة من النجاح إلا بدعم وإيمان بأهمية ذلك من أحمد رأفت .

إن من يقرأ نعي الجماعة الإسلامية للواء أحمد رأفت يعرف ماذا كان يمثل هذا الرجل ، فهم يصفونه في النعي بأنه ” مهندس المبادرة الحقيقي.. وصاحب الهمة العالية في تفعيل المبادرة تفعيلا ً حقيقيا ً.. وقائد عملية تحسين السجون المصرية.. والإفراج عن آلاف المعتقلين.. ونشر الأمن والأمان في مصر، وأنه حمل على عاتقه فكرة التصالح بين الدولة والجماعات الإسلامية.. وتنحيه البندقية وتقديم الحوار.. وتنحيه منطق الثأر المتبادل أو العنف المتبادل.. وتغليب منطق التفاهم عليه ،وأول من وضع سياسة لا غالب ولا مغلوب بين أبناء الوطن الواحد.. فكلنا مغلوب مادمنا نتقاتل ونتصارع.. وكلنا غالب ما دمنا نتفاهم ونتحاور من أجل مصلحة بلادنا ، و الرجل الفذ الذي رحم الفقير وعطف على المعتقل ، وهو الذي غامر بمنصبه ومجده الشخصي والوظيفي تقديما ً لمصلحة الوطن على مصلحته الشخصية.. فقد جعل منصبه على محك نجاحه في تجربة المبادرة وكان مخلصا ً لدينه ووطنه لتحقيق هذه المصالحة التي أصبحت نموذجا ً يحتذى في كل البلاد العربية نقول هذه الكلمات عرفاناً بفضله ووفاءً لعطائه وتذكرا ً لجميله.. فقد كان فذاً وسابقاً لأقرانه في كل شيء ” .

هذا الرثاء يعبر عن تلك العلاقة التي تميزت بقدر كبير من التواصل والاهتمام بأدق تفاصيل حياتهم ،و مساعدتهم في مواجهة المجتمع من قبل إلى الانغماس في الحياة بعد خروجهم من المعتقلات.

ما أخشاه أن ينقطع ما اتصل ، وأظن أن ما حدث لم يكن سياسة فرد وبكنه سياسة مؤسسة ، وثقتي كبيرة أن سياسة المؤسسة في التواصل في التعامل مع هذا الملف بنفس القدر من العناية والاهتمام هي سياسة مستمرة وستستمر .

مرة أخرى رحم الله أحمد رأفت ووفق زملاءه في وصل ما اتصل .

أعتقد أن قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية الآن يعانون حالة من القلق ، حول طريقة تعامل الدولة معهم  بعد رحيل اللواء أحمد رأفت،  وأنهم يخشون من انقطاع ما اتصل مع الدولة و يخافون من تحول نطرة الدولة إليهم والنظر إليهم مرة أخرى على أنهم في طرف المجتمع ، ولكني أعتقد كما قلت بالأمس ان ما كان يقوم  به اللواء أحمد رأفت مع أعضاء وقيادات الجماعة الإسلامية هو توجه عام للدولة أتمنى أن يستمر .

ظلت الجماعات الإسلامية لفترة طويلة على طرف المجتمع  ، تقف ضده ، وتكفر أفكاره ، حتى وصل الأمر في أقصى درجاته الدراماتيكية إلى حد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات ، وفي الوقت الذي كانت القيادات التاريخية للجماعة خلف السجون ، كان بعض أعضاء الجماعة في الخارج يقومون بعمليات تفجير وترويع  ضد السياح ورجال الأمن ، ودخلت مصر في دوامة من الحرب المتبادلة بين أعضاء الجماعة من جهة وبين قوات الأمن والدولة من جهة أخرى، بلغت مداها في الحادث الذي عرف بمجزرة الأقصر ، عادت قيادات الجماعة الإسلامية إلى الحقيقة وعرفوا أن كل ما حدث لم يكن في مصلحة الوطن والدين ، وأطلقوا مبادرتهم لوقف العنف ، وقاموا بمراجعاتهم الشهيرة تحت إشراف وبدعم اللواء أحمد رأفت وزملائه و برعاية قيادات الداخلية ، وقاموا بتصحيح المفاهيم وقاموا بجولات في السجون لنشر المراجعات ، وانتهى الأمر بخروج أعضاء الجماعات من المعتقلات بعد أن تراجعوا عن فكرهم الراديكالي التفكيري ، وعودتهم إلى صفوف الوطن ، وهو ما كان اللواء أحمد رأفت حريصا عليه حتى آخر عمره  ، حيث كان دائم السؤال والمتابعة و الدعم والاهتمام بأدق تفاصيل ومساعدة كل أعضاء الجماعة الإسلامية .

إن حالة القلق التي يعاني منها أبناء الجماعات بعد رحيل اللواء أحمد رأفت هي حالة مشروعة ، ومن حقهم أن يخشوا من تغير تعامل الدولة معهم ، ولكن كما قلت أعتقد أن كل ما حدث لم يكن توجه فرد لكنه  سياسة مؤسسة أتمنى أن تستمر ، ويجب النظر إلى أعضاء الجماعات الإسلامية على أنهم قوة مضافة للمجتمع يجب النظر إليهم على أنهم جزء من الوطن من الممكن أن يساعدوا في بنائه ، بل يجب الاستفادة منهم في بناء الوطن .

بل أعتقد أنه يجب إعادة طرح تجربتهم مرة أخرى على الشباب ، والأجيال الجديدة حتى يستفيد الجميع منها ، وهذه التجربة موجودة بالفعل ، ومسجلة، وأعتقد أنه في حالة عرضها فإنها تحمل رسالة حقيقية للمجتمع ، تروي وتوثق من جانب تجربة مهمة  من عمر هذا الوطن ، ومن عمر أبناء الجماعات ، وتقدم من جهة أخرى للأجيال الجديدة من أبناء الوطن مراجعات تفند وتوضح الطريق الحقيقي .

أحمد رأفت

بقلم   عبداللطيف المناوى

أول لقاء لي مع اللواء أحمد رأفت كان منذ حوالي سبع سنوات أو أكثر بقليل ، التقيته دون أن أعرف من هو ، كان لقاء حادا ، عاصفا في بعض أجزائه ، لكنه انتهى بعد حوالي أربع ساعات إلى بداية لعلاقة متميزة بيني وبين هذا الرجل ، بل كان مفتاحا لعلاقة متميزة بيني وبين كل رجاله الذين علموا معه .

اللواء أحمد رأفت الذي لم أعرف اسمه الحقيقي في البداية هو من حمل ملف الجماعات الإسلامية في مصر وتولى مسئوليتها بعد اغتيال المسئول الأول في جهاز أمن الدولة في ذلك الوقت اللواء رءوف خيرت في التسعينيات ، وتفاصيل هذا العمل وتلك المسئولية طويلة وكثيرة ، لكن العلامة الحقيقية و المضيئة في تاريخ هذا الرجل أنه استطاع و رجاله أن يكتب صفحة مهمة في تاريخ هذا الوطن وأن يكتب صفحة مهمة في تاريخ جهاز الأمن المصري وذلك عندما نجح في صياغة تجربة مهمة مع الجماعات الإسلامية التي كانت في موقع المناهض للمجتمع واستطاع في الوقت الذي يعاني فيه العالم من الإرهاب أن تفتح مصر أبواب المعتقلات ليخرج منها  الآلاف من أعضاء الجماعة الإسلامية وذلك بعد أن قامت بالدراسة والمراجعة ، المراجعة الفكرية والفقهية ومراجعة النفس ، وخرج إلى النور ما أطلق عليه منذ ذلك الوقت مراجعات الجماعة الإسلامية و التي تلاها بعد ذلك مراجعات تنظيم الجهاد ، شهدت مصر هذه التجربة المهمة التي رصدتها العديد من دول العالم ووقفوا أمامها بتقدير واحترام عندما خرج هؤلاء من السجون لينخرطوا في المجتمع بعد أن راجعوا أفكارهم .

تبنى هذه التجربة تحمس لها ودفع بها للأمام اللواء أحمد رأفت تحت إدارة وإشراف اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية ، كنت شاهدا على بعض التفاصيل المتعددة في هذه التجربة ، بل واستطعت بمعاونة اللواء أحمد رأفت ورجاله من اللقاء بكل قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية داخل السجون وعدد من تنظيم الجهاد ، وكنت شاهدا على تلك العلاقة التي لم أر مثلها من قبل بين  قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية واللواء أحمد رأفت في علاقة  لا أظن أنه يوجد مثلها  في هذا القدر من الاحترام و التقدير بل والامتنان من هذه القيادات تجاه ( الحاج ) كما يناديه هؤلاء القيادات أنفسهم .

جلست طويلا إلى هذا الرجل ، سمعت منه الكثير من الحكايات التي لا يمكن تخيل حدوثها ، كان يرويها ببساطة مفاجئة ، فيها الإصرار والذكاء والأخلاق والتواضع ، فعل كل ما فعل من أمور على أنها عادية ،واختار بنفسه أن يفعلها .كون فريقا من زملائه وتلامذته ، لم أر شكل العلاقة بينهم، لكنهم فعلوا الكثير للوطن ، وقدموا الكثير دون أن نسمع عنهم .

تعرض اللواء أحمد رأفت منذ عدة سنوات إلى حادث وهو يؤدي واجبه اقترب به كثيرا من الموت ، واستمر في العمل و القيادة ، وفي دوره الذي لو أتيح للجميع معرفة ما أتيح لي معرفته لشعروا مثلي بهذا الشعور الصادم عندا علمت بوفاته بأزمة قلبية وهو على مكتبه يؤدي ما ارتضى أن يلتزم به من دور تجاه هذا الوطن .

في وقت متأخر من ليلة الجمعة الماضية وافته المنية وهو في مكتبه حتى اللحظة الأخيرة يقوم بدوره ويقوم بمسئوليته التي لا أظنه تخاذل أو تكاسل عنها في يوم من الأيام .

عرفت هذا الرجل وشرفت بمعرفته ، وتعاونه وزملائه معي ، وكانت صدمتي كبيرة وحزني عظيم عندما علمت بوفاته ،أحيانا لا تتخيل مقدار من حولك حتى تفاجأ بفقدانهم .

رحم الله رجلا  أحب هذا الوطن بإخلاص نادر وتفان مذهل ، رحم الله أحمد رأفت .

شيخ الأزهر

لم يلق خبر تولي شخصية عامة منصبا من الترحيب كما لقي نبأ تعيين دكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر ، رغم بعض الأصوات الصادرة من بعض الاتجاهات السياسية والتي انتقدت قرار توليه الإمامة الكبرى ، إلا أن هذه الأصوات اختفت وسط تيار الترحيب برجل يحمل من الصفات ما سمع الناس عنها ولمسها من اقترب منه ، والأمل في أن يعيد للازهر المكانة التي هي له بحكم التاريخ والمكانة والأثر في العالم .

شخصيا كنت من أشد المتحمسين للشيخ الطيب منذ أن كان مفتيا للديار المصرية ، كنت قد التقيته ذلك الوقت بمكتبه بدار الإفتاء ، واكتشفت ملامح شخصية المصري الحقيقي في د. الطيب ، ليس فقط ملامح  ” الطيبة ” على وجهه والتي هي تأكيد على أن لكل من اسمه نصيب ، ولكن أيضا لما امتلك من أركان تكوين لشخصية ضاربة في جذور مصر بثقافتها ، وتاريخها ، وتسامحها وتعددها ، لذلك ما كنت أتمناه عندما بدأ الحديث عن شيخ جديد للازهر ، أن تلقى المهمة على عاتق د. الطيب .

الدكتور أحمد الطيب شخصية متعددة الجوانب ، ويجمع بين صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة لكنها بشيء من الـتأمل تبدو متكاملة ، فهو يحمل صرامة الرجل الصعيدي القادم من الأقصر ، ويحمل استنارة وليونة الرجل المتحضر ، ولديه زهد المتصوفين الذين ينتمي إليهم .

بسيط من أسرة بسيطة ، لكنها متميزة من الناحية العلمية والاجتماعية لا من الناحية المادية ، فأجداده جميعهم تقريبا من العلماء، ويقول أنه اكتسب صفاته من جده الأكبر العالم الجليل الذي توفي عام 1956 عن عمر يناهز مئة عام ، وبلدته التي ينتمي إليها وهي القرنة بمحافظة الأقصر بجنوب مصر ، لا هي قرية ولا هي مدينة ، ولا هي خليط بين الاثنين لكنها تجمع كل تاريخ وحضارات مصر المتعاقبة منذ الفراعنة

إذن د. الطيب هو ابن الحضارة المصرية الضاربة في جذور التاريخ ، وهو ابن الثقافة المصرية الوسطية ، ووثيق الصلة بالصوفية التي بدأت من مصر ، وجذوره الفكرية هي الأصول الفكرية الصحيحة  للإسلام

فالواقع يقول إن الإمام الأكبر الجديد قد تم تعيينه ، وهو تعيين لقي قدرا ملحوظا ـ وقد يكون مفاجئا ـ من التقدير والاستحسان ، هذا بالطبع لا ينفي الحق في الاستمرار في طرح فكرة اختيار شيخ الأزهر بالانتخاب ، أو إيجاد أسلوب آخر للاختيار ، ولكن ذلك النقاش ينبغي ألا يكون منبت الصلة بالواقع المحيط ، أو بالظروف الحاكمة للمجتمع ، وبالتالي فإن النقاش ينبغي أن ينبني على دراسة الحالة ككل والوضع العام حتى يكون النقاش جديا وليس بغرض التشكيك .

وبالتالي فإن الحوار الذي أظن ان هذا وقته هو الحوار حول تأكيد مكانة الأزهر وشيخه في المؤسسة المصرية ، أعيد مرة اخرى ” المؤسسة المصرية ” بمفهوم التكوين المصري كله وليس السياسي ، وتأكيد هذه المكانة يبدأ بأسلوب التعامل مع الإمام الأكبر بين مؤسسات الدولة ، ومحددات تعامل الإمام الأكبر مع الإعلام ، والشكل العام لحضور الإمام الأكبر في المحافل الدولية والمشاركات .

أظن  ـ ويظن معي كثيرون ـ أن أولى خطوات تأكيد استعادة مكانة شيخ الأزهر هو التأكيد على أسلوب التعامل معه في مؤسسات الدولة بإكمال محددات هذه المكانة في قواعد التعامل وبروتوكولات الدولة ، فشيخ الأزهر يستقبل في المشيخة المسئولين ، ويتعامل باعتباره ممثلا للأزهر بما يعني هذا الاسم من مكانة ودلالة .

مكانة شيخ الأزهركمكانة البابا في الفاتيكان ، وعلى مؤسسات الدولة أن تضع ذلك في حسبانها ، وأن يتعامل الإمام الأكبرمن هذا المنطلق ، وأظنه ينبغي أن يكون جزءا من أي تمثيل مصري ولقاءات مصرية على المستوى الدولي .

إعلاميا فإنه ينبغي أن يكون للإمام الأكبر في كل مرة يظهر فيها إعلاميا أن يكون ظهورا محسوبأ ، وأن يكون بقدر الإمكان في قلعة الإسلام الأزهر، أما المشاركة في المحافل الدولية أيضا ينبغي أن تكون مشاركة يحكمها دائما مكانة الأزهر، حضور شيخ الأزهر في أي محفل يجب أن يكون حدثا كبيرا ، ونتمنى ونعتقد أن هذه الأمور جميعها حاضرة في ذهن الإمام الأكبر الذي يمكن أن يحقق ذلك باقتناعه به ، وبدعم من كل من ينبغي أن يدعم ذلك التوجه .